الثلاثاء , 24 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » التفسير » أساليب القرآن في الحديث عن الوحدانية والتوحيد
أساليب القرآن في الحديث عن الوحدانية والتوحيد
أساليب القرآن في الحديث عن الوحدانية والتوحيد

أساليب القرآن في الحديث عن الوحدانية والتوحيد

 الأستاذ الدكتور

عبد الستار فتح الله سعيد

أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقا)

 

الحمد لله والصلاة، والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

1-التنوع الواسع في أساليب القرآن الكريم: ([1])

فقد جاءت أساليب القرآن -في كل ما عرضه من مبادئ وأحكام- على غاية التفنن والتنوع، لماذا؟ لأن الله -تبارك وتعالى- رءوف رحيم بعباده، ولو شاء لأنزل عليهم الأحكام وأنذرهم علىالمخالفة، وقال لهم: هذه أحكامي فإن لم تفعلوا عذبتكم بناري، ولكن الله -سبحانه وتعالى- تلطف في استدعاء الخلائق، وأراد أن يحببهم في أحكامه ودينه، وأن يشرح لهم الأمر من كل زواياه ومن كل أبعاده، حتى يقبل الناس على دين الله عن ثقة واقتناع ورضا.

ومن هنا كان للقرآن جملة من الأساليب المهمة جدًا اتبعها في عرض هذه القضية -قضية الوحدانية والتوحيد خاصة- وفي أحكامه التي جاء بها ومبادئه عامة.

لذلك نقول: جاءت أساليب القرآن الكريم في هذا الباب على غاية التفنن والإبداع، تلطفا في استدعاء الناس إلى التوحيد،وتأليفًا لقلوبهم،ولفتا لأسماعهم وأبصارهم،وإقامة للحجة عليهم بكل الأساليب.

ومن ذلك:

أولاً:أسلوب الخبر المجرد بيانًا للحق وإعلامًا للخلق

كما قال تعالى: ]الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[(الفاتحة:2) هذا تعليم للناس أن يحمدوا ربهم، وكما قال تعالى: ]وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ[(البقرة:163) هذا خبر يعلم الناس أن الإله لا يمكن أن يتعدد، إنما هو واحد لا شريك له.

ثانيًا:أسلوب الخبر المؤكد بعد الخبر المجرد

الخبر المؤكد والمؤكدات التي جاء بها القرآن في شأن الوحدانية والتوحيد كثيرة متنوعة، ومنها: أولاً: التأكيد بإن. ثانيًا: التأكيد باللام. ثالثًا: التأكيد بالقسم. ومثالها جميعًا قوله تعالى: ]وَالصَّافَّاتِ صَفّاً[(الصافات:1) هذا قسم، ]فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ[(الصافات:2-4) الجواب: ]إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ[(الصافات:4-5).

ومن هذه الأساليب أيضًا:

التأكيد بأساليب القصر، كأسلوب النفي والاستثناء، في قوله تعالى: ]لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا[(النحل:2) وأسلوب القصر “بإنما”، كما قال تعالى: ]قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[(الأنعام:19) وبأسلوب القصر “بالتقديم والتأخير” مثل: ]إيَّاكَ نَعْبُد[(الفاتحة:4) فتقديم المفعول “إياك” أفاد قصر العبادة على الله -تبارك وتعالى- وحده، وأصل الجملة “نعبدك” وأسلوب القصر “بتعريف طرفي الجملة” كما قال تعالى: ]الله رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[(الشورى:10)فتعريف الخبر ]رَبِّي[ أفاد أنه مقصور على المبتدأ، أي: الربوبية مقصورة على الله -تبارك وتعالى.

أيضًا من هذه الأساليب أسلوب الطلب: كالاستفهام التقريري أو الإنكاري قال تعالى: ]أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ الله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[(يوسف:39) وقال تعالى: ]أإله مَعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ[(النمل:63) ومن هذا النوع الطلبي فعل الأمر، مثل: قوله تعالى: ]قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ[(الإخلاص:1) فإن نظرت إلى أول الجملة كانت إنشائية طلبية لبدئهابفعل الأمر “قُلْ“وإن نظرت إلى مضمون الجملة أو مقول القول كانت جملة خبرية، وفي الحالين هي إثبات للوحدانية، وأمر بالتوحيد على أبلغ الوجوه وأوفاها، ولذلك كانت السورة المصدرة بهذه الآية تعدل ثلث القرآن كما جاء في الحديث الصحيح.

أيضًا من الأساليب أسلوب الأمثال، وهو باب واسع في القرآن الكريم يقصد به تقرير الأحكام وتقرير المعاني في نفس السامع، وتصوير هذا في صورة محسوسة ملموسة عن طريق التشبيه أو الاستعارة أو غيرهما من أساليب البيان، ومن ذلك قوله تعالى: ]مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ $إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ $وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ[ (العنكبوت:41-43).

فهذه الآيات في سورة العنكبوت ضرب الله تعالى بها مثلًا للذين يستنصرون بآلهة غير الله، صورهم فيه بأنهم يستنصرون بأضعف شيء، وكأنهم العنكبوت في بيتها الهش الذي تمزقه الريح،وتقتحمه الحشرات،ويعبث به الصبيان، فلا يغني عن أهله شيئًا، هنا لو أن الله -سبحانه وتعالى- قال: إن الآلهة التي تدعونها لا قيمة لها لعجزها، فهذا خبرفقط،لكن المثلتجسيمللمعنى بأنهم لا يغنون عن عابديهمشيئا من دون الله -سبحانه وتعالى- وقال تعالى: ]ضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ[(الزمر:29) فهذان مثلان للمشرك في تخبطه وحيرته، وللموحد في راحته وسلامته، ولا يستويان أبدًا، كما لا يستوي عبد مملوك يسومه سادته سوء العذاب، وعبد مملوك لمالك واحد لا يشق عليه بكثرة الأوامر واختلاف الآراء.

أيضًا: من الأساليب أسلوب المحاورة، وهو الذي يورد فيه الحديث عن التوحيد من خلال حوار يجري بين طرفين أو أكثر، فيتقرر في النفس أكثر من الخبر المجرد، قال تعالى: ]وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً[(مريم:41، 42)، فالآيات الكريمة لم تأتِ على طريقة الخبر المجرد، وإنما جاءت على سبيل المناقشة بين طرفين، وهي تورد حوارًا بين إبراهيم -عليه السلام- وبين أبيه المشرك، فسأل إبراهيم أباه: لم تعبد آلهة صماء عمياء لا تغني عنك شيئًا؟ وهو سؤال يبين حقيقة هذه الآلهة الباطلة، ويتضمن نقيضها من صفات الله الخليق وحده بالعبادات.

أيضا من الأساليب أسلوب القصة:

وهو أسلوب من أوسع أساليب القرآن في التوحيد وغيره، وقد عني القرآن بهذا الأسلوب، وأكثر منه لما للقصة من تأثير في النفوس، وسهولة في الحفظ، وانتشار وذيوع بين الناس، وأوضح مثال لذلك قصة إبراهيم -عليه السلام- مع قومه وأصنامهم، وأنه حطمها لهم، وتقريره التوحيد من خلال المشاهد المتتابعة التي جرت بينه وبين قومه كما قص الله تعالى إلينا ذلك في عديد من سور القرآن، كسورة الشعراء،والصافات،والأنبياء، ومنها: أنه بعد أن حطم الأصنام سألوه -عليه السلام- فسخر منهم، وأحالهم إلى الأصنام، فرجعوا إلى أنفسهم يتلاومون، ثم كان ما قصه القرآن، قال تعالى: ]ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ[(الأنبياء:65-67) والقصة بتمامها في سورة الأنبياء من الآية الحادية والخمسين إلى الآية السبعين في قصة طويلة، وفي هذا تقرير للتوحيد بأبلغ أسلوب وأقواه، ونفي للشرك على أتم وجه وأوفاه، فضلًا عما فيه من تحقير للأصنام،وسخرية بالغة لعبّادها الذين ألغوا عقولهم وخروا عليها صمًا وعميانًا.

2-  الاستدلال القرآني: ([2])

ننتقل إلى أسلوب آخر، تحت عنوان جامع، هو “الاستدلال القرآني”:

والدليل هو ما يتوصل به إلى معرفة صحة الشيء وصدقه، أو إثبات هذه الصحة بطريق من طرق الإثبات، ولقد جاء القرآن الكريم يقرر مبادئ وتعاليم، ويقيم عليها دلائل صدقها وصحتها، ويحث الناس على طلب الدليل وفهم البراهين، وهذه قضية مهمة جدا ينبغي أن نفهمها، فقد استوعب القرآن الكريم الاستدلال على صحة عقيدة الوحدانية، وأنها الحق المبين، وأن كل شريك أو معبود مع الله تعالى هو كذب وافتراء، بل كلها أصنام وأوهام لا حق فيها، بل لا حقيقة لها في باب الألوهية، كما قال تعالى: ]أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى$ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى$ أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى$ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى $إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى[(النجم:19-23) والمعنى: أن هذه التي تسمونها آلهة ليس لها حقيقة الألوهية، وليس لها من ذلك أدنى نصيب، وإنما هي أسماء على غير حقائق كالغول والعنقاء وغيرها من الأشياء المتوهمة، ولذلك يقول تعالى متحديًا المشركين: ]أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ[(الرعد:33)والمعنى: أن الله تعالى رقيب وعليم بكل شيء، وقد جعل له المشركون شركاء لا حقيقة لهم، وإنما عبدوا هذه الأشياء بظنون من القول وأوهام من الفكر باطلة، ويقول تعالى منددًا بالمشركين الذين يعبدون الأوهام المطلقة تحت هذه الأسماء المخترعة: ]وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[(يونس:18) إذا كان شيء لا يعلمه الله لا في السماوات ولا في الأرض إذن: فهو ليس معدومًا فقط، وإنما هو وهم، لا وجود له، ولا يوجد ولا حقيقة له فهذا غاية التنديد بعبادتهم للأصنام؛ لذلك لم يترك القرآن دليلًا يصلح لخطاب البشر إلا أورده على أتم الوجوه،حتى لا نقول إنه لم يسق الدليل على صحة الوحدانية أو وجوب التوحيد فقط، وإنما أوجب على الناس أن يتدبروا هذه الأدلة، وأن يفهموها ويحصلوها ولو إجمالًا،حتى يكونوا على بينة في أعظم حقائق الوجود، وحتى يكون إيمانهم على غاية الاستقرار؛ ولذلك نوع الأدلة في هذا تنويعيًا عجيبًا حتى تناسب جميع الناس على اختلاف مستوياتهم وعصورهم التي علم الله -سبحانه وتعالى- أنها تتغير وتتبدل، ويأتي فيها البشر بألوان من الفكر والمذاهب والتفكيرات المتعددة، فجاءهم بكل هذا؛ لأن القرآن له صفة الامتداد والذيوع والانتشار والحجة القائمة الدائمة لله على عباده إلى يوم القيامة.

ننتقل إلى أنواع الأدلة القرآنية: وسنتحدث عن ثلاثة أنواع منها بإيجاز -إن شاء الله:

النوع الأول:الأدلة الحسية أو الكونية

وهذا النوع هو الذي يستخدم فيه القرآن الكريم الكائنات للتدليل على وجود الله تعالى ووحدانيته وسعة قدرته وعظيم حكمته، والقرآن الكريم يتخذ كل شيء في الكون دليلًا له خاصة وجود الكون من العدم،وانتظامه على قوانين مطردة، ونواميس محكمة، وقيامه على غاية التدبير، والتكامل بين أجزائه، والعناية بما فيه من عجائب الأشياء والأحياء.

وفي كل هذا يتجه القرآن الكريم إلى الإنسان مخاطبًا قلبه وفكره، ومطالبًا أن يتأمل بحسه هذه الموجودات، الحواس كما نعلم السمع والبصر واللمس والشم إلى آخره، مطالبًا أن بتأمل بحسه هذه الموجودات؛ لينتقل من ملاحظاتها في أوضاعها المختلفة إلى ما وراءها، ليدرك من هذه المقدمات الحسية البدهية نتائجها القطعية؛ فيعلم أن لهذا الكون ربًّا موجدًا، وإلهًا واحدًا مطلق القدرة، والإرادة واسع العلم والحكمة، وبذلك يدور الدليل بين السمع والبصر والفكر والنظر والمقدمات البدهية القريبة، والنتائج السهلة المسلّمة.

وهذا النوع على سهولته ويسره هو أقوى أنواع الأدلة، وهو أقربها إلى القلوب والنفوس وأعظمها في التأثير والإقناع لدلالته على المطلوب بذاته؛ ومن أقصر سبيل.

بخلاف أدلة الفلاسفة والمتكلمين التي تدل على المطلوب دلالة ناقصة، وتحتاج مقدماتها إلى برهنة واستدلال في الغالب، بل قد تحتاج النتائج نفسها إلى دليل آخر خارج عنها؛ مما يعقد الاستدلال لطول مقدماته، وكثرة وسائطه، وصعوبة طرقه علىأكثر الناس، وذلك كاستدلالهم بحدوث العالم على أن له محدثًا، ويستدلون على حدوث العالم بتقسيمه إلى جواهر وأعراض، ثم يثبتون حدوث كل منها بمقدمات طويلة، وكل هذا ينتهي إلى أن للعالم محدثًا، وهذه نتيجة ناقصة لأنها لم توصلنا إلى: من هو المحدث؟ من هو الفاعل؟ وهذا يحتاج إلى دليل آخر لإثباته خارج عن نطاق علومهم وضروب منطقهم.

ولكن القرآن العظيم يطوي هذا الشتات، ويضع الإنسان أمام حقائق الكون مباشرة؛ ليوقن بنفسه أن الذي أبدع هذا الكون ونظمه إله واحد،وأنه -سبحانه وتعالى- رب العالمين الذي صدّق المرسلين فيما بلغوه عنه -جل شأنه- ولذلك يحث -سبحانه وتعالى- عباده على النظر في الكون جملة أولاً: ]أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ[(النساء:185)ويأمر -سبحانه وتعالى- بالنظر في دقائق هذا الكون: ]قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[(يونس:101) ويلفت حواسهم وقلوبهم إلى عجائب هذا الكون الكلية والجزئية فيقول سبحانه: ]أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ $وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ $تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ $وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ $وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ[(ق:6-10).

والآيات في هذا النوع كثيرة جدًا، ومن أراد المزيد فليقرأ عجائب هذا الاستدلال القرآني في سورة الرحمن، والواقعة، والملك، والمرسلات، والنبأ، والنازعات، وعبس، والغاشية، والشمس. . . وغير ذلك في القرآن المجيد كثير.

حين ننظر إلى هذه الآيات السابقة نجد أنها تسجل عجائب في سطور معدوادات يقول تعالى ]أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ[ فهذا هو الكون العلوي ]فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا[ بناء ضخم كبير شاسع الأركان والآفاق: ]وَزَيَّنَّاهَا[ فهو لم يخلقها فقط، وإنما جعلها مليئة بالزينة والجمال ]وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ[ تتصدع منها: ]وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا[ أمام أعين الناس ]وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ[ الجبال التي جعلت حركتها لا تضطرب ولا تمور ]وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[ الله -عز وجل- حين أنبت النبات جعله ملوّنًا، جعله له رائحة عطرية، جعله جميلًا مبهجًا كما قال ]مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ[(ق:7- 8)”كل عبد موجه إليه هذا الخطاب ليس للجموعليس للشعوب برمتها، لا، إنما لكل عبد عبد، ولكل فرد فرد، رجلًا كان أو أنثى يخاطب بهذا الحق الإلهي: ]وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً[ هذا المطر الذي ينزل فيحي الأرض بعد موتها: ]فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ[ جنات فيها الفواكه المتعددة،]حَبَّ الْحَصِيد[ القمح وأنواع الحبوب الأخرى التي عليها معاش الناس،]وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ[ هذا الثمر الذي جعله الله آية من آياته في الخلق -سبحانه وتعالى- فكل هذا دليل حسي واقعي يراه الناس ويلمسونه ويذوقونه ويشمونه فينقدح في داخلهم أنّ خالقه هوإله واحد لا شريك له -سبحانه وتعالى-.

النوع الثاني من الأدلة:الأدلة النفسية أو الداخلية

وهي التي تعتمد في انتزاع الدليل على الوحدانية، تعتمد على داخل الإنسان لا خارج الإنسان، ومن أعماق شعوره الداخلي ووجدانه الباطني، لا من مدركات حواسه المعروفة، فالدليل الأول قرر الدليل من حيث الحواس، هنا سينتزع الدليل من داخل الإنسان لا من خارجه، وهذا الدليل ظاهر الأهمية للإنسان، وفي قضية الإيمان بالذات، حتى يحاط به من خارجه ومن داخله جميعًا، فتمتلئ نفسه يقينًا، لا يتسرب إليه ريب ولا قلق، وكم من إنسان امتلأ عقله بالمعارف والأرقام وفنون الإحصاء،وامتلأت حواسه بعجائب هذا الكون، ولكنه يمضي متبلد الإحساس بسبب أنه تعطل وجدانه الداخلي كما قال تعالى: ]فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[(الحج:46).

ومن هنا: اهتم القرآن العظيم ببيان هذا الدليل النفسي، وساق الآيات تذكيرًا للناس بهذا الجانب الفذ،الذي أهملوه وعطلوه وطمروه تحت ركام من الشبهات، والشهوات التي رانت على قلوبهم، فأظلمتها وأماتتها.

يخبرنا الله تعالى أن المشركين الذين يعطلون التوحيد، ويشركون مع الله آلهة أخرى في كل شئون حياتهم، ويجادلون غاية الجدل دفاعًا وحمية عن أوثانهم، يخبرنا الله تعالى أن هؤلاء يحملون في أعماق نفوسهم دليل الوحدانية، ويمضون صمًّا وعميانًا عنه في الرخاء، حتى إذا مستهم شدة جائحة انتفض الدليل في صدورهم حيًا نابضًا حين لا تغني الأصنام أو الأوهام عن أصحابها شيئًا هم في أشد الحاجة إليه حينئذ، وفي ذلك يقول تعالى: ]وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ[(الإسراء:67).

نتخيل إنسانًاركب سفينة في البحر، وهاجت الأمواج، ورأينا الأعاصير التي تأتي بأمواج كالجبال، ثم ينظر يمينًا وشمالًا فلا يجد إلا أن يتجه قلبه إلى الله -سبحانه وتعالى- وتتساقط كل المعبودات من دون الله، يسألهم القرآن سؤال تقرير عن حقيقة يعلمونها وإن كابروا فيها، ثم يقررها لهم زيادة في التقرير والتأكيد فيقول: ]قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ $بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ[(الأنعام:40-41) وينتزع لنا القرآن من حياتناصورًا واقعية حية تعتمد على هذا المعنى،الذي تتجه فيه النفوس إلى مالك القوى والقدر اتجاه شعور وفطرة، واتجاه خضوع ودعاء، وتنسى ما عداه -سبحانه وتعالى- حين تكتنفها الأخطار الماحقة، قال تعالى: ]هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ[(يونس:22).

فهذا الدليل يصور لنا حالة الإنسان حينما يركب السفينة والبحر مطمئن هادئ، فينظر إلى زرقة الأمواج وإلى زرقة السماء فوقه، وإلى النسيم الذي يمر عليه، ويكون فرحًا مسرورًا، ثم للأسف الشديد حينئذ تمتد نفسه إلى أن يعصى الله في هذا، أن يرتكب المنكرات في هذا البحر ثم فجأة يتغير الجو، وتأتي جبال من الأمواج، ويقع الإنسان في أزمة شديدة لا مخرج له منها إلا الله -سبحانه وتعالى- أما الذي يعتقد في تأثير الأولياء أو الأنبياء أو الأصنام أو في عيسى بن مريم أو في غير ذلكفحينئذ تتساقط عند الخطر الماحق دعواه في هذا، ويتجه شعوره بفطرته إلى الله -سبحانه وتعالى- وحده، ]وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ[(الإسراء: 67)-سبحانه وتعالى- وهذا دليل على أن الله هو الحق المبين، هذا الدليل انتزع من داخل الإنسان لا من خارجه، فمن خارجه يمكن أنيرى الشمس والقمر والنجوم والزهور والطيور والأسماك والبحار وما إلى ذلك، لكن هذا الدليل ما انتزع إلا من داخل الإنسان أثناء الشدة الماحقة، فعلم أن الحق لله وضل عنه ما كان يدعوه من آلهة وما إلى ذلك.

النوع الثالث من أنواع الأدلة:هو الأدلة العقلية

وهي الأدلة التي تعتمد على عمليات نظرية فكرية، كترتيب المقدمات، واستخراج نتائجها حسب ضوابط وقوانين، بعدبداهة الحس،ومشاعر النفس، وإن كان الإدراك في الجميع راجعًا إلى العقل.

والأدلة العقلية أوسع مدى من أشكال المنطق اليوناني وضروبه المنتجة لذلك لم يتقيد القرآن العظيم بهذا النمط الفكري، وإنما جاء على نمط خاص في الاستدلال العقلي هو ضرب من إعجازه الذي تفرد به.

وقد استخرج العلماء منه أنواعًا كثيرة، منها: أولاً الدليل البدهي، وهو الذي يقوم على استخدام الحقائق المشهورة والبدهيات المستقرة في ابتناء الدليل عليها؛ فيذعن الخصم للدليل إذعانًا تامًّا إن كان منصفًا، وأما إن كان مكابرًا فلا شيء ينفع معه؛ لأن الله تعالى يقول: ]وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً[(الكهف:54).

ومن ذلك قوله تعالى في هذا الدليل البدهي: ]بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ[(الأنعام:101) هذا استدلال على وحدانية الله: أنه ليس له ولد، ولا يوجد له صاحبة، وليس له شركاء من دونه -سبحانه وتعالى- فيقول الله: هو بديع السماوات، هو الخالق المتفرد الذي أبدع الوجود، كيف يكون لهذا الرب الواحد الأحد، كيفيكون له ولد ولم تكن له زوجة؟ فحيث تقرر أن الولد لا يكون من غير أم فقد بنى القرآن على هذه الحقيقة المسلّمة دليل بطلان ما نسبوه إليه من الولد؛ لأنه ليس له زوجة، أي: صاحبة، فمن أين له الولد؟!.

والدليل -كما ترى- سهل واضح يشبه الدليل الحسي في كونه يدل على المطلوب مباشرة، ولا يحتاج إلى مقدمات تنظم الدليل على وجه مخصوص، ولابد من دليل على النظري منها وغير ذلك من التعقيدات التي تصرف الذهن عن المطلوب الأصلي بكثرة الوسائط والاشتغال بالمقدمات والاستدلال عليها ثم علىنتائجها أحيانًا كما بينا منذ قليل.

فالقضية إذن: أن الدليل البدهي يقوم على البساطة التامة كل واحد ممكن يخاطب بهذا الدليل لا يحتاج أن يكون متعلمًا تعليمًا عاليًا أو متوسطًا أو ما إلى ذلك، إنما هو دليل يعتمد على بداهة العقل؛ فيكون القبول له من الجميع شائعًا ذائعًا، وبذلك يخاطب القرآن كل الطبقات في وقت واحد، ويؤدي إلى إقامة الحجة على الناس جميعًا.

ننتقل إلى دليل آخر عجيب، اسمه: دليل التمانع، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا[(الأنبياء:22) وتقرير هذا الدليل أن يقال: لو كان للعالم صانعان لكان تدبيرهما لا يجري على نظام، ولكان العجز يلحقهما أو يلحق أحدهما، وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته، فحينئذ إما أن تنفذ إرادتهما معًا فيتناقض ذلك، كيف يجتمع الضدان؟ وإما أن لا تنفذ إرادتهما معًا؛ فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه هو، والإله لا يكون عاجزًا فبطل ما أدى إليه، وهو افتراض التعدد وثبت نقيضه وهو الوحدانية: ]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا[(الأنبياء:22) هذا دليل من أعجب ما أورده القرآن، الكون الآن يمشي في نظام وفي روعة وفي ثبات،الشمس تخرج بالثانية كما يعلمها العلماء وراقبوها على مر السنين، وتغرب في ميعادها تمامًا، وهي في غاية الانضباط، والقمر كذلك: ]لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ[(يس:40) والكون يمشي في غاية الانضباط، فلو كان هناك إلهان في الكون لحصل فيه اضطراب، واحد يريد أن تخرج الشمس الآن، والثاني يقول: نؤخرها قليلًا أو يأتي القمر الآن يقول: لا يبكر اليوم فكان يحصل اضطراب، وحينئذ يضطرب أمر الكون، بينما نحن نرى الكون من مئات الآلاف من السنين وهو منتظم غاية الانتظام،والأمور تمشي فيه على انضباط تام، فدل على أن هناك إلها واحدا يصرف الأمور ويصدع الكون لأمره وحده لا شريك له.

هناك دليل اسمه “دليل التسليم” وهو الذي يسلم فيه بوقوع المستحيل تسليمًا جدليًا على سبيل الجدل فقط، ثم يستدل على عدم فائدة هذا المحال على تقدير وقوعه، ومثاله قوله تعالى: ]مَا اتَّخَذَ الله مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ[(المؤمنون:91) ومعنى الآية الكريمة أن الله تعالى ليس معه إله، ولو سلم جدلًا أن معه إلهًا لزم من ذلك التسليم ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق،واستعلاء بعضهم على بعض، فلا يتم في العالم أمر ولا ينفذ حكم ولا تنتظم أحواله،والواقع المشاهد خلاف ذلك ففرض إلاهين فصاعدًا هو من المحال لما يلزم عليه من المحال.

3-الشرك ظنون وأوهام ليس له برهان: ([3])

بعد ذلك ننتقل إلى بيان قضية قرآنية في هذا السبيل غاية في الأهمية، وهي أن الشرك ظنون وأوهام:

ففي ختام هذا الاستدلال على صحة التوحيد يبرز القرآن العظيم وجهًا آخر من وجوه الاستدلال، حين يطالب المشركين ويتحداهم أن يقدموا دليلًا واحدًا من أي نوع على صحة عقيدتهم، فلا يستطيعون، القرآن جاءنا بعقيدة التوحيد والوحدانية،صفة الله:الوحدانية،والتوحيد:هو تكليف المكلفين بهذا، ثم أقام الأدلة على ذلك أن الله واحد لا شريك له بما قدم من أدلة الحس، وأدلة النفس وأدلة العقل وما إلى ذلك، هنا يتحدى الله المشركين أن يؤتوا دليلًا من أي نوع على صحة عقيدتهم الشركية، فلا يستطيعون بل لا يملكون إلا التعلق بالظنون والأوهام،والاحتجاج بفعل أبائهم الذين قال الله عنهم ]أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ[(البقر ة:170) ومن هذا التحدي الشامل قوله تعالى للكفار: ]قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[(الأحقاف:4) أي أن الآلهة التي تعبدونها لم تخلق شيئًا في هذا الكون، وليس عليها دليل من كتب الله المنزلة،ولا بقية من أثر علمي صحيح، وإن ادعيتم شيئًا من ذلك فأثبتوه إن كنتم صادقين، ولما كانوا عاجزين عن ذلك بيّن القرآن الكريم حقائق عقائدهم، وأنها مجرد ظنون وأوهام فاسدة، قال تعالى: ]يَظُنُّونَ بِالله غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ[(البقرة:154) ويقول عن أصنامهم: ]إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى[(النجم:23).

فالحمد الله الذي جاءنا بهذا الهدى، وعلمنا الحق الذي قامت على صحته أدلة الحس والنفس والعقل والنقل؛ ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وليكونوا على غاية اليقين بوحدانية رب العالمين، وبأن توحيده هو الحق المبين والصراط المستقيم، وما الشرك والإلحاد إلا لوثات وضلالات عارية من كل دليل، بل هي مضادة لكل فكر وعقل سليم.

علمنا الله -سبحانه وتعالى- أن عقائد الكفار والمشركين ما هي إلا ظنون وأوهام، وليست لها حقائق واقعية، حتى الأسماء هي مجرد مخترعات بلا حقيقة، لكن هناك أمر آخر يلفت النظر إليه كتاب الله -سبحانه وتعالى- ويعلمنا إياه هي أن الشرائع التي جاءت من عند الله بناء على أنه واحد لا شريك له هي حقائق، وهي الحق المبين كما قال ربنا: ]وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً[(الأنعام:115) صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فلا كذب فيها حينما يقص علينا قصة يقول: ]إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ[(آل عمران:62) ليس كذبًا، وليس افتعالًا فما جاء من عند الله الواحد الأحد هو حقائق، وهو صادق، وهو حق مبين.

أما ما جاء من عند الكفار الذين بنوا حياتهم على عقائد زائفة، وأسماء وهمية فإنه في هذه الحالة يكون كل ما يأتي من الباطل فهو باطل وما ترتب على الباطل، أو ما قام على الباطل فهو باطل، وهنا الغرض الأساسي من تقريرات الأمثال والقصص… وما إلى ذلك، هو تثبيت هذه الشريعة في نفوس الناس، شريعة الله، دين الله في كل العصور، وهو طريق سعادة البشر في الدنيا والآخرة.

ومن هنا: يأتي الله تعالى بكل هذا القصص وبكل هذه الأمثال، وبكل هذه الأساليب من أجل أن يستتبع الناس، وأن يلفت أنظارهم إلى دينه، وإلى وجوب التزام هذا الحق المبين الذي هو حقائق وليس فيه أكاذيب ولا ظنون.

ومن هنا: قرر الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم: أن ما عند الكفار من شرائع وقوانين ومذاهب وأفكار ما هي إلا ظنون فاسدة،ربما تنفع في أشياء وتضر في أشياء أخرى، فلا تورث الإنسان إلا الغفلة، وإلا الضياع، وإلا المعيشة الضنك. . . وما إلى ذلك، مهما فتحت للناس من أبواب الرزق،ومن أبواب المال ومن أبواب الجاه في هذه الحياة فإنها تورثهم بعد ذلكالشقاوة.

لما أهبط الله آدم من الجنة أخبره أنه سينزل إلى حياة الكدح والشقاء في الأرض، وقال له -سبحانه وتعالى- سأنزل عليك ديني ومنهاجي وشريعتي، وقال له في سورة طه: ]فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى$ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى $قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً $قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى[(طه:123-126).

ومعنى معيشة ضنكا: أي ضيقة، مضطربة، نكداء.

4-  صلة التشريع الإلهي بالتوحيد: ([4])

ومن هنا نقول: إن ما عند غير المسلمين، ما عند غير الله، ما عند غير الدين الإلهي، هو مجموعة من الأباطيل،ربما يكون فيها بعض الحقائق لكنها لا تورث أصحابها إلا الشك والريب والمتاعب وحياة الضنك وما إلى ذلك من ضروب ما نشاهد في العالم، رغم وفرة المتاع والمال نجد الانتحار في السويد، وهي من أعلى البلاد في الدخل القومي نجد نسبة الانتحار من أعلى النسب، نجد العصاب الأمراض العصبية والنفسية تندلع في ظل هذه الحضارة المادية اندلاعًا هائلًا، بحيث يقول بعض علماء النفس الذين لهم مصحات عالمية: أنه لم يستطع أن ينجح في إنقاذ أي مريض من هذه الأمراض العصبية إلا حينما أفلح في إعادته إلى عقيدته الدينية كي يطمئن كما قال ربنا: ]أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[(الرعد:28)،وبداهةًعند أهل الكتاب بقايا من دين الله -عز وجل- فإذا اطمأن الإنسان القلق الحائر إلى جناب الله -عز وجل- وأن هذا دين الله إنما يطمئن إلى أنه في رعاية الله وكنفه، فتطمئن نفسه ويستعيد صحته النفسية، هنا يقول لنا ربنا حينما عرض علينا أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور،وأنزل الإنجيل فيه هدى ونور ووقع فيهماتحريف وتزييف وما إلى ذلك يقول: ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ[(المائدة:48) أي: أن القرآن أُنزل ليكونهو المعيار الذي تقاس به الكتب، وتقاس به النظم، وتقاس به المذاهب والأفكار، فإن وافقته فهي في اتجاه الحق والصدق،وإلا تخبط الإنسان ووقع في الشهوات والشبهات والأهواء والمتاعب النفسية والجسدية. . . وما إلى ذلك من ضروب المتاعب التي أنذرنا الله بها من أول الطريق حين قال:]وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا[(طه:124) ننظر في سورة المائدة حينما عرض الله علينا قال: ]إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ[(المائدة:44) فالتوراة جاءت على لسان موسى بالخير والبر لإصلاح بني إسرائيل فكفروا بها وتلاعبوا بها، ولما أنزل الله الإنجيل على لسان عيسى -عليه السلام- تلاعب به قومه بعد ذلك، وعبدوا عيسى وادعوا ادعاءات كثيرة وجاء الإسلام بمنهاج يصحح كل هذا، وضمن له الخلود والبقاء والحفظ إلى يوم القيامة: ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[(الحجر:9)بعد هذا يقول الله تعالى: ]وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ[(المائدة:49)ثم يقول ربنا في الآية الخمسين من سورة المائدة، وهي آية جديرة بالتأمل والفهم تمامًا ]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[(المائدة:50)أي: أن أحكام غير الإسلام هي ظنون وأوهام، وتؤدي إلى القلق والاضطراب والتناقض في الحياة، هذا في الحياة الدنيا، فما بالنا في أنها لا تؤدي إلا إلى النار والعياذ بالله؛ لأنها مخالفة لدين الله، ولسلطان الله الذي قرره، ولكتب الله السماوية التي أنزلها. ومن هنا جاء قوله تعالى: ] أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ يعني: من أراد اليقين فعنده دين الله -سبحانه وتعالى- من أراد الظنون والأوهام، فليتبع ما شاء: ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ[(آل عمران:85).

نقول هذا الكلام بمناسبة أن هناك هجومًا كاسحًا الآن على الإسلام، يدّعيأن الإسلام: كأنه دين استنفد أغراضه ومضى، وأنه دين مرحلي، وأن البشرية تحتاج إلى تطور في الأفهام وما إلى ذلك، نعم نحتاج إلى تطور في الوسائل، وفي الأساليب دائمًا لكن الحقائق الكبرى التي أقامها الله في الكون،ورتب عليها بعثة الرسل، وإنزال الكتب وتعليم الدين،هي هي لم تتغير، ولذلك لا بد من عبادة الله وحده لا شريك له،لا بد من اليقين بأنه هو الفعال في الكون،لا بد من اليقين بأنه يبعث الناس إلى يوم لا ريب فيه، هذامعنى: ]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[(المائدة:50) يعني: ومن أحسن من حكم الله -هذا هو الأصل في التركيب- ومن أحسن من حكم الله،لكن الله -عز وجل- أخر الحكم وقدم لفظ الجلالة ]وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ الله حُكْماً[ لماذا؟ لأن التشريع الذي يأتي من الله لا بد أن يحمل آثار صفات الله -سبحانه وتعالى- فانظر إلى آثار رحمة الله، هذا التشريع الذي يأتي من الله يحمل آثار صفاته، فهو عليم محيط العلم، وهو حكيم، وهو قادر، وهو يعلم السر وأخفى، وهو يعلم ما يضر، وما ينفع، ولذلك يكون تشريعه دائما يحمل هذه الآثار اليقينية في أنه هو التشريع الصحيح والحق والصدق،والذي يؤدي إلى آثار الخير والبر في نفوس الناس؛ لأنه من عند الله العليم الخبير الذي خلق الإنسان، وأنزل التشريع،فالطبع من عند الله والشرع من عند الله ولذلك يقول ربنا ]فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله[(الروم:30)هناك فطرة فطر الناس عليها، وهناك شرعة شرعها فهما متوافقان، أما إذا جاء إنسان يشرع من دون الله فهو لم يخلق هذه الفطرة، ولا يعلم هذه الفطرة ما ينفعها أو يضرها،فربما شرع لها ما أفسدها وربما منعها مما ينفعها فيتخبط الإنسان.

لهذا فإن التشريع الإلهي مرتبط بالوحدانية كما قلنا مرتبط بوحدانية الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى من السر، ولذلك علمنا في الشورى: أننا لا نستشير في وضع الشرائع، إنما نستشير في أساليب الحياة نستشير في أن نفعل ذلك أو لا نفعله، الشرائع تكفل بها -سبحانه وتعالى- يقول -سبحانه وتعالى- في الآية العاشرة من سورة الشورى: ]وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله[ أي شيء يقع فيه الخلاف بين البشر أو لا يقع، حكمه إلى الله -سبحانه وتعالى: ]ذَلِكُمْ الله رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[ ثم بين ربنا -سبحانه وتعالى- المبررات أو الأسباب التي من أجلها تفرد بالحكم والتشريع لعباده، وهو أنه محيط بكل شيء، يقول -سبحانه وتعالى: ]فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ$ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[(الشورى:11، 12).

إذا تأملنا هذه الآيات الكريمة نجدها متسلسلة في أن ]وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله[(الشورى:10)،ثم مبررات ذلك أن الله هو الذي فطر السماوات والأرض، هو الذي خلق كل شيء، وبث الحياة على نمط الزوجية، وتفرد هو ذاته بأنه ذات لا يشبهه شيء ليس كمثله شيء، فأي إنسان يشرع لإنسان آخر فكأنه يجعل نفسه إلها فوقه، وهو لا يملك هذا، لا يملك علمًا خاصًا، ولا يملك قوة خاصة،الذي يملك ذلك هو الله؛ ولذلك فالله هو الذي بث الحياة على نمط الزوجية، وهو ذات واحدة متفردة في هذا الكون: ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[،ثم قال: ]لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[ مفاتيح الكون كلها بيد الله -سبحانه وتعالى- فالذي يشرع من الناسللناس ماذا معه من مفاتيح الكون؟!]يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ -سبحانه وتعالى- فهو الذي يملك هذا التشريع لهذا بعد ذلك جاءت الآية الثالثة عشرة في سورة الشورى يقول الله ]شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ[(الشورى:13)يعني: من أول التاريخ منذ نوح إلى محمد إلى يوم القيامة أن التشريع بيد الله -سبحانه وتعالى- ولا يملك أحد ذلك.

ثم بعد هذا تأتي الآية الحادية والعشرين في هذه السورة يقرر لنا ربنا: أنه من شرع من دون الله وتصدى لوضع المناهج والقوانين والمذاهب والأفكار في الأرض للناس فقد ارتكب إثمًا مبينًا، كأنه شركة مع الله يقول سبحانه: ]أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ[(الشورى:21) إذن: التشريع خصوصية إلهية لما فيه من العلم والرحمة والحكمة والثبات، وما عدا ذلك تخبطات؛ لذلك ربط الله تعالى التشريع الإلهي بالوحدانية فصار التوحيد معناه أنني أفرد الله في اعتقادي بأنه واحد لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، وأيضا أنه هو الشارع الحكيم الذي يضع للناس الشرائع والأحكام.

ومن المفيد هنا: أن نتأمل الآية الكريمة الآية الثالثة عشرة من سورة الشورى التي يقول فيها ربنا: ]شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ[(الشورى:13).

هذه الآية تقرر وحدة الدينالتي بعث الله بها الأنبياء،أو وحدة الدين الإلهي الذي بعث به الأنبياء طوال التاريخ، وأنه -سبحانه وتعالى- هو الذي شرع لهم في كل مراحل التاريخ؛ لذلك في أول السورة يقول: ]كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ الله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[(الشورى:3) فالله -سبحانه وتعالى- هو الذي أوحى إلى نوح بشرعه، وهو الذي أوحى إلى محمد وما بينهما من أولي العزم إبراهيم وموسى وعيسى، الله هو الذي شرع لهم، وفي كل مراحل التاريخ أعطى الإنسان شريعته، ما جاءت مرحلة لا يوجد فيها شرع الله -عز وجل- وإلا كان الناس معذورين في أن يتبعوا شرع غير الله، إنما في كل مراحل التاريخ الله -سبحانه وتعالى- جعل للناس شرعا هاديًا على ألسنة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وخص الذين ذكرهم من أولي العزم من الرسل الذين هم عمد الحياة الدينية في كل العصور من أول رسول إلى أهل الأرض بعد آدم وهو نوح -عليه السلام- إلى آخر رسول،وهو محمد ^ وما بينهما من أولي العزم يقول الله تعالى: ]شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ[ شرع يعني هذا فعل واقعي: ]شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[.

لذلك معلوم أن دين الإسلام هو اسم لدين الله في كل العصور،سيدنا نوح -عليه السلام- في سورة يونس يذكر الله على لسانه: ]وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ[(يونس:72)،ثم إبراهيم: ]إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[(البقرة::131)،]وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[(البقرة:132)،أما سيدنا سليمان الذي يزعم اليهود أنه كان ملكا لليهود،وأنه جاء باليهودية هو كان حنيفًا مسلمًا، ما من رسول بعث أبدا إلا بالرسالة الحنيفية السمحة دين الله في كل العصور لذلك يقول الله تعالى: ]إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلام[(آل عمران:19) ليس في عهد محمد فقط ^ بل على لسان الأنبياء جميعا: ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ[(آل عمران:85) تقرر من ذلك: أن الدين عند الله هو الإسلام، وأن سليمان -عليه السلام- الذي يزعم اليهود أنه جاء باليهودية أو ما إلى ذلك كان حنيفًا مسلمًا لله رب العالمين، حين نقرأ قصته في سورة النمل حينما أرسل الهدهد إلى ملكة سبأ، وما إلى ذلك الخطاب الذي أرسله: ]إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ$ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ[(النمل:30، 31) والملكة حين أسلمت قالت: ]وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[(النمل:44).

فهذا هو التشريع الإلهي المرتبط من أوله إلى آخره بحقيقة التوحيد والوحدانية، فمن علم أن له ربًا واحدًا لا شريك له خضع لتشريعه ولو أخطأ أوأذنب في التطبيق، لا بد أن يعترف بأن له تشريعًا حقًا ينبغي أن يتبعه، وأن يعتقد أن فيه شمولًا كاملًا مصداقًا لقول الله -عز وجل- في سورة النحل الآية التاسعة والثمانين: ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[(النحل:89).

والله تعالى أعلم.


 

 

([1]) راجع:المدخل إلى التفسير الموضوعي للدكتور عبد الستار فتح الله صـ116 وما بعدها، الطبعة الثانية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة

([2]) راجع: المدخل إلى التفسير الموضوعي للدكتور عبد الستار فتح الله صـ119.

([3]) المدخل إلى التفسير الموضوعي للدكتور عبد الستار فتح الله: صـ125

([4]) راجع: تفسير ابن كثير، المنهاج القرآني في التشريع للدكتور عبد الستار فتح الله: صـ354 وما بعدها، الطبعة الأولى، دار التوزيع النشر الإسلامية، القاهرة

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*