الأحد , 25 يونيو 2017
جديد الموقع
أمن الحياة
أمن الحياة

أمن الحياة

أ.د. خالد فهمى(كلية الآداب/ جامعة المنوفية)
عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
إذا مر أحدكم فى مسجدنا،أو فى سوقنا و معه نبل فليمسك على نصالها ،أو قال : فليقبض بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين فيها بشئ (فتح البارى:كتاب الفتن ،باب قول النبى صلى الله عليه وسلم )من حمل علينا السلاح فليس منا 13/ حديث 7075.
هذا حديث يوشك أن يعلن أنه لزماننا هذا نعيشه بعد أن شاع بين الناس الشعور بافتقاد الأمان ، وبعد أن شاع فى الناس خوف بالغ على الأنفس من أثر شئ و سمى فى الإعلام باسم الفراغ الأمنى.
و الحديث يقرر حكما عاما يلزم الناس جميعا أن يأخذوا به وهو تحريم ترويع الآمنين ، وتحريم تهديدهم فى أنفس و أمنهم ، و تحريم أذاهم و لو بشئ قليل سمى فى هذا الحديث : بشئ ، و فى حديث آخر فى بابه باسم الخدش ، والخدش أول الجراح وأهونها!
و الحديث ساعة يلزم المكلفين جميعا بما رأيت يحقق ذلك بقدر ظاهر من الإجراءات البلاغية كما يلى
أولا- فى الحديث استثمار لبنية الوصل الناشئ عن توظيف العطف فى مثل قوله صلى الله عليه وسلم :(إذا مر أحدكم فى مسجدنا(أو)فى سوقنا)وهو عطف مراد، بيان القوافى والاحتياط من إصابة الناس بالأذى فى أى مكان كان،بمعنى أن الوصل صانع للاستغراق المكاني هنا، ليفيد عموم الحكم لعموم المكان الذي يرتاده الناس.
ثانيا-فى الحديث استثمار لبنية الأمر المتكرر توكيدا لمعنى الإلزام والوجوب، وهو المعنى الناشئ من استعمال(لام الطلب والفعل المضارع)فى (فليمسك)،(فلي)وهذان الفعلان يوسعان دائرة المأمورين المكلفين كف الأذى، واتخاذ الإجراءات نحو،ذلك أن هذه الصيغة الآمرة كلف الحاضرين و الغائبين ممن يرجى أن يبلغهم الأمر.
ثالثا– و فى الحديث استثمار للكناية ، فقوله صلى الله عليه وسلم :” فليقبض بكفه” ليس مقصودا به خصوص هذا الفعل ، و لكنه أراد المنع بأشكاله كافة ، و فيه كذلك نوع مجاز مرسل أطلق فيه مخصوصا و أردا العموم و الكل!
رابعا-و فى الحديث حفاوة ظاهرة ببنية الإفراد فى :أحدكم / ومسجدنا/ وسوقنا/ وأحدا/ وشئ ، وهو أمر مراد من ورائه الاحتياط البالغ ، والحذر الشديد من كل حد، و فى أى مكان ، أن يوقع أدنى أذى على أى أحد!
خامسا- و فى الحديث نوع حذف مؤسس على وصول المراد من الحديث للمتلقين فى )فليقبض بكفه) أى على النصال أو حديد السهام ،وفى ( أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشئ ؛أى خشية أو مخافة أن يصيب أحدا منها بشئ .و قد حقق هذا الحذف إسراعا بالخلوص إلى المقصود من الأمر بتغطية كل ما من شأنه أن يهدد الناس .
سادسا- و فى الحديث تعليل تحققه جملة :أن يصيب ، و التعليل لتأكيد للحرمة ببيان نتائج ما دعا إليها .
و الحديث بهذا يقرر تقوية الدعوة المعاصرة لنزع السلاح من أيدى الناس سدا لذريعة تهديد الناس ، أو تعرضهم للأذى ،وهو بعض ما قرره ابن حجر فى تعليقه على الحديث عندما قال )13/26):”و فيه حجة للقول بسد الذرائع “.
الحديث الشريف يحرم تعريض الناس للأذى ، و يغلظ الأمر فى ذلك ، ويمنع مادة الأسباب المفضية إلى أذية الخلق بكل وجه.
وهذا الاستغراق المقصود فى الحديث مدعوم بكثرة صيغة الأسماء المفردة النكرة فى : نبل / وأحدا/ شئ ، وهو ما يعنى تأكيد حرمة كل الأشكال التى أعقبت ما يسمى فى الدعاية الإعلامية باسم الانفلات الأمنى ، وهو ما من اعلى ما يؤكد حرص الفكرة الإسلامية على أمن الناس ، وحمايتهم.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*