الثلاثاء , 17 يناير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » السيرة النبوية » أنى أحب الله ورسوله
أنى أحب الله ورسوله
أنى أحب الله ورسوله

أنى أحب الله ورسوله

د/ ياسر حمدى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
أخرج الإمام مسلم فى صحيحه وسنده عن أنس بن مالك أن رجلاً سأل رسول الله فقال : (( يا رسول الله متى الساعة ؟ ، فقال النبى : ماذا أعددت لها ؟ ، فقال الرجل : ما أعددت لها كثير صومٍ ولا صلاةٍ غير أنى أحب الله ورسوله ، فقال الحبيب : أنت مع من أحببت ))
يقول أنس : ( فو الله ما فرحنا بشىء كفرحنا يومئذ بقول النبى : أنت مع من أحببت )
يقول أنس فأنا أحب أبو بكر وعمر وأتمنى أن أُحشر معهم .
نقف مع هذا الحديث من خلال نقاط رئيسية :
1ـ هذا الجانب المهم من جوانب السنة النبوية السؤال والجواب فى سنة الحبيب  .
2ـ كيف سئل النبى وكيف أجاب .
3ـ عبر وعظات نسأل الله أن ينفعنا بها .
سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم هى التفسير العملى للقرآن والدليل على ذلك ما يحفظه كلٌ منا أن السيدة عائشة رضى الله عنها لما سئلت عن خلق النبى قالت :
كان خلقه القرآن .
إذن فالنبى بسنته كان تفسيراً عملياً للقرآن وكما يقول العلماء كان صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشى بين الناس فمن أراد أن يرى الإسلام خير الرؤية ومن أراد التطبيق العملى لهذا الدين فليدرس سنة النبى الأمين ، هنا ستجيب السنة عن كل ما يجرى فى قلبك وذهنك ، ستجيب السنة عن كل ما تحتاجه فى دينك ودنياك وآخرتك ويكفينا أن يقول النبى فى الحديث الصحيح : (( ما تركت شيئا يقربكم من الجنة إلا ودللتكم عليه ، وما تركت شئ يقربكم من النار إلا وحذرتكم منه )) فالنبى صلى الله عليه وسلم ترك فى سنته العملية والقولية والخلقية ما يجعلنا نرى الإسلام فى وضوحه وكماله وروعته وكان فى جوانب السنة المطهرة جانب مهم هو السؤال والجواب ، فلقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم من الناس وأجاب وسأل النبى الناس وأجابوا ، إذن فالسؤال والجواب فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم ركن هام من السنة ينبغى أن يلتفت إليه المسلمون وهو سؤال تعليمى تربوى يأتى من فم الحبيب صلى الله عليه وسلم ولذلك نعلم أن السؤال والجواب فى السنة إما أن النبى سأل وأجاب الناس وعقب النبى وإما أن النبى سُئِل من الناس فأجاب وحديثنا فى يومنا هذا من الشق الثانى ( أن يُسأل النبى فيجيب ) وإنا نقف مع مدرسة الحبيب المصطفى ومع المنهج التربوى الرائع فى بناء الأمة وكشف الغمة عنها والأخذ بيدها إلى ما يحب الله ويرضى .
النبى معلم ، النبى مربى ، النبى قائد ، النبى أب رحيم
يجلس ويتحرك ويقابل الناس ويسمع ويجيب وإذا بالسائل يدخل عليه ويسأل النبى أمام الناس : يا رسول الله متى الساعة ، سؤال وجه إليه والسؤال لا محل له من الإعراب ، سؤال غير مطلوب لأن الساعة فى الحقيقة فى علم من ؟ ، فى علم الله ، ولكن انظر إلى أدب النبى وحلم النبى وعلم النبى لم ينهر السائل ولم يقل له سؤالك لا مكان له ولم يقل له اخرج من المسجد حتى تتعلم كيف تسأل وإنما أجاب النبى إجابة تعلم الدعاة إلى يوم القيامة وتعلم المربين فى المدارس والمعاهد والجامعات كيف تجيب على من يريد أن يتعلم حتى ولو سأل سؤالاً لا محل له وأنت معى انه سؤال لا محل له كما قلت الساعة فى علم الله وتقرأون معى اختصاص ربنا بهذه الغيبية حيث يقول ربنا
 إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام … لذلك رأى أحد العلماء الصالحين رسول الله فيما يرى النائم وسأله : يا رسول الله هل اقتربت الساعة حتى أعظم الاستعداد ؟ فأشار إليه رسول الله فى الرؤيا بأصابعه الخمس ، واستيقظ الرجل لا يدرى ما الخمس ، خمس ساعات أم خمس اشهر أم خمس سنوات ، وذهب إلى محمد بن سيرين فقال له : إن النبى لا يخبرك بالغيب ولكن يخبرك بأن سؤالك قد أجيب عنه فى الحديث : خمس من الغيب لا يعلمه إلا الله وقرأ الآية .
إذن متى تقوم الساعة ؟ هى فى علم الله وقال الله تعالى  يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله
إذن فالسؤال الموجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال لا محل له ولكن انظر إلى الإجابة التربوية ، قال النبى للرجل : وماذا أعددت لها ، قال العلماء : هذه إجابة الرحيم وإجابة الحكيم .
هذه إجابة الرحيم لأن النبى لم ينهر السائل ولم يوقفه بين يدى الناس موقفاً صعبا وإنما كان رحيما رؤوفا
صلى الله عليه وسلم فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك  واسمع إلى الحديث الآخر عند الإمام مسلم  (( أسلم رجل وجلس مع النبى صلى الله عليه وسلم وفى هذه الجلسة حتى أقيمت الصلاة لم يتعلم الرجل فى الجلسة كثيراً لأن الوقت ضئيل بين الأذان والإقامة ، لكن لاحظ أن كل من يعطس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشمته رسول الله يقول له : يرحمك الله وتعلمها الرجل وقام إلى الصلاة ووقف فى الصف وهو لا يعرف شيئاً فعطس من بجانبه فقال له : يرحمك الله ، يقول الرجل فوجدت من حولى فى الصلاة يرمقوننى بأبصارهم فلم يسكت وإنما ازداد فى الكلام وقال : واثكلى أمى لماذا تخوفوننى ؟ فأزاد الكلام قال : فوجدت أصحاب رسول الله يضربون على أفخاذهم إشارة إلى أن اسكت فسكت ، فلما انتهت الصلاة نادانى رسول الله فبأبى هو وأمى ما رأيت معلماً أرحم منه ولا أكرم منه ، فوالله ما عنفنى ولا سبنى وإنما قال : يا أخا الإسلام إن الصلاة ذكر وتسبيح ليس فيها شىء من كلام الناس ، اللهم صل على سيد الناس الرحيم الكريم الودود .
بهذا وجدنا رسول الله هنا يعلم كل المربين ، يعلم الأب فى بيته والمدرس فى المدرسة والشيخ فى مسجده والأستاذ فى الجامعة وصاحب المهنة فى مصنعه ، كل هؤلاء عليهم أن يتعلموا رحمة النبى ويسيروا على نهج هذه المدرسة الفاضلة فى الأخلاق ، فى الحلم الذى يقول عنه النبى لأم المؤمنين عائشة : يا عائشة ما كان الرفق فى شيئ إلا زانه وما نزع من شئ إلا نقصه وشانه ، فقال أيضاً : يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف ، فأجاب النبى إجابة الرحيم ثم أجاب النبى إجابة الحكيم ، وإجابة الحكيم معناها أن تحول السؤال الفارغ إلى سؤال له مضمون وأن تلفت نظر من سأل سؤالاً لا مضمون له إلى الحقيقة التى يجب أن ينتبه إليها ، يسأل الرجل عن الساعة وذلك فى علم الله ، يحول النبى السؤال إلى مضمون كامل فيقول النبى : وماذا أعددت لها ؟ هذا هو محل السؤال وهذا هو محل العمل وهذا هو ما يجب أن ينتبه إليه الجميع .
عندما يأتى طالب ويسأل : متى الامتحان ؟ أقول له لا تشغل نفسك بمتى الامتحان ولكن هل ذاكرت واستعددت للامتحان ؟ حتى إذا جاءك الامتحان غدا أو بعد غد تكون على استعداد كامل .
الرسول يحول سؤال الرجل إلى مضمون كامل : ماذا أعددت لها ؟ سؤال يجب أن نقف أمامه طويلا ، سؤال يجب أن نتواصى به مع أنفسنا ومع بعضنا البعض ، سل نفسك فى كل يوم عدة مرات ، قل لنفسك ماذا أعددت للقاء الله ؟ قل لنفسك : لو قابلت ربى فى هذه اللحظة فهل لدى إجابة أجيب بها على أسئلة الملكين فى القبر ؟ هل معى زاد فى هذه الرحلة الطويلة لتكون رحلة موفقة سعيدة ؟ هذا هو السؤال الذى يجب أن نسأله أنفسنا جميعا كل يوم وينبغى أن يتواصى به بعضنا البعض فإذا قابل أحدنا أخاه سأله ماذا أعددت لها ؟ فيذكر بعضنا البعض لينتبه إلى الحقيقة التى يجب أن تكون نصب أعيننا جميعاً فلا نسهو عنها ، انظر إلى أصحاب رسول الله يجلس ثلاثة منهم يتذاكرون القيامة ويُذَكِّرُ بعضهم بعضا هذه الساعة فيقول أولهم : أنا أكثركم ذكراً للموت واستعداداً للقاء الله ، قالوا : ولم ؟ ، قال : لأنى إذا جاء الصباح فلا انتظر المساء وإذا جاء المساء فلا انتظر الصباح أجهز نفسى فى أقرب فرصة ، وقال الثانى : إنى أعظم منك استعداداً إنى إذا أكلت الطعام لا انتظر هضمه ولا تصريفه ، وقال الثالث : أنا اكثر منكما إنى إذا أخذت النفس لا انتظر خروجه .
هكذا كان استعدادهم وكان يقينهم وكان تواصيهم بهذا الأمر بعضهم مع بعض ، من هنا معاشر الإخوة لابد أن نكون مع هذه الحقيقة وأن نعمل لها ، قال  : (( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله ))
ماذا أعددت لها ؟ وقفة جليلة نرى قائدنا وحبيبنا يعطينا القدوة فيها يقف بين يدى الله حتى تتورم منه الأقدام يبكى ويرجو ويسأل ربه ويأتى بلال يؤذن لصلاة الفجر ويخبر النبى بالفجر فيجد النبى واقفاً قد تورمت قدماه فيقول : يا رسول الله لم هذا التعب ؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : يا بلال أفلا أكون عبداً شكورا ؟ ، واسمعوا إلى أم المؤمنين عائشة تبين لنا القدوة فى استعداد النبى للقيامة ولقاء الله تقول : بات عندى رسول الله حتى مس جلده جلدى ثم قال يا ابنة أبى بكر ذرينى أتعبد لربى فقلت يا رسول الله إنى أحب قربك ولكنى أؤثر هواك فقم إلى ربك ، قالت : فقام إلى قربة ماء فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم وقف بين يدى ربه حتى بلل لحيته وبكى حتى بلل موضع سجوده فاقتربت لأسمع بماذا يناجى ربه فسمعته يقول : يا ربى أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك سجد لك سوادى وآمن بك فؤادى وهذه يدى وما جنيت بها على نفسى فاغفر الذنب العظيم فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم ، وقالت : وسمعته فى تهجد آخر يقول :
(( اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق )) ، ثم يقول صلى الله عليه وسلم : (( اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت )) .
هكذا كان النبى يُعِد هكذا كان النبى يستعد هكذا كان قدوتنا يعلمنا كيف يجمع الزاد ليوم المعاد ثم نرى أصحابه رضوان الله عليهم ونرى أهل بيته وهم يحسنون الاستعداد ليوم القيامة .

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*