السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » غير مصنف » أهمية القواعد الفقهية

أهمية القواعد الفقهية

د / عبد التواب مصطفى
مستشار شرعى
للقواعد الفقهية مكانة كبيرة لا تقل عن مكانة أي علم من علوم الشريعة، وتظهر هذه المكانة فيما تحققه القواعد الفقهية من الفوائد والمنافع الآتية:
1 ) تنمية وتكوين الملكة الفقهية :
الملكة الفقهية: صفة راسخة في النفس تحقق الفهم لمقاصد الكلام الذي يسهم في التمكن من إعطاء الحكم الشرعي للقضية المطروحة، إما برده إلى مظانه في مخزون الفقه، أو بالاستنباط من الأدلة الشرعية، أو القواعد الكلية.( )
وقد أطلق عليها البصيرة والحكمة والاجتهاد، فالبصيرة: مأخوذة من النص القرآني قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (الأنعام: 104)، والحكمة: مأخوذه من قوله تعالى: وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (البقرة: 269)، والاجتهاد مصطلح أصولي معروف( ).
ولأهمية القواعد الفقهية في تكوين هذه الملكة عند الفقيه وجدنا ابن رجب في قواعده يقول عن هذه القواعد: «إنها تضبط للفقيه أصول المذهب وتطلعه على مآخذ الفقه على ما كان عند قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد»( ).
ويقول السيوطي عنها، أي القواعد الفقهية: «اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإ لحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر»( ).
2 ) أنها تكسب الفقيه القدرة على المثابرة في تحصيل العلم :
وذلك لأن تتبع هذه القواعد في مظانها المختلفة وبيان فروع جزئياتها المتناثرة في أبواب الفقه، وتوضيح الروابط التي تجمعها، كل هذا لا يتأتى إلا لمن وطن نفسه على الجد والعمل الدؤوب حتى تألفه النفس وتصبح قادرة على الغوص في بحار هذه القواعد، وكشف وردها واصطياد لؤلؤها، وبدون اكتساب هذه الصفة يصبح الاستعجال داءً يحول دون كشف هذه القواعد أو معرفة مظانها وأسرارها، ومن أجل هذا وجدنا الشيخ ابن نجيم يقول: «ولعمري إن هذا الفن لا يدرك بالتمني، ولا ينال بسوف ولعل، ولو أنى، ولا يناله إلا من كشف عن ساعد الجد، وشمر واعتزل أهله، وشد المئزر، وخاض البحار، وخالط العجاج، يدأب في التكرار والمطالعة بكرة وأصيلا، وينصب نفسه للتأليف والتحرير بياتا ومقيلا، ليس له همة إلا معضلة يحلها، أو مستعصية عزت على القاصرين إلا ويرتقي إليها ويحلها، على أن ذلك ليس من كسب العبد، وإنما هو من فضل الله يؤتيه من يشاء»( ).
3 ) حفظ وضبط الفروع الفقهية المتناثرة وغير المنحصرة في قواعد كلية :
يندرج تحت كل قاعدة أو ضابط، عدد كبير من الفروع( ) وإلى هذا أشار القرافي بقوله: «من ضبط الفقه بقواعد؛ استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات»( ).
وأشار الزركشي إلى ذلك أيضا بقوله: «فإن ضبط الأمور المنثرة المتعددة في القوانين المتحدة، هو أدعى لحفظها، وأدعى لضبطها، وهي إحدى حكم العدد الذي وضع لأجلها، والحكم إذا أراد التعليم لا بدل له أن يجمع بين بابين: إجمالي تتشوق إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه، وقد بلغني عن الشيخ قطب الدين السنباطي، رحمه الله، أنه كان يقول: الفقه معرفة النظائر»( ).
4 ) أنها تساعد الفقيه على ربط الكليات بالجزئيات، والعكس :
ومعنى هذا أن الفقيه لا بد أن ينظر إلى الكليات ويربطها بجزئياتها، ومن الخطأ البين خطؤه أن ينظر الفقيه إلى هذه الكليات بمعزل عن جزئياتها، أو ينظر إلى الجزئيات دون أن يربطها بكلياتها، والذي يُعبِّد هذه المهمة أمام الفقيه الإحاطة بالقواعد الفقهية، ولذلك يقول الشاطبي: «فمن الوجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها»( ).
وفائدة هذا الربط بين الكليات والجزئيات أنه ينأى بالفقيه عن الوقوع في التناقض -إذا أحسن الربط ووفق إليه- في الأحكام بين النصوص، ولذلك يقول القرافي: «ومن جعل يخرج الفروع المناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع، واختلفت وتزلزلت خواطره فيها، واضطربت»( ).
وإذا كان التناقض منفيا قطعا في القرآن بجميع أنواعه( ) لقوله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: 82)، فإنه ينبغي أن ينسحب على الفقه المستنبط في القرآن الكريم؛ لأنه روحه ولبّه، ولكن الناظر في اجتهادات الفقهاء المبنية على الرأي يلحظ أحيانا خروجا عن ذلك؛ لأن جهد البشر يعتوره النقص، ولا يمكن أن يتصف بالكمال، فلا بدّ من ربط جزئيات الفقه بكلياتها لعدم الوقوع في التناقض ( ).
5 ) تيسير الفقه على غير المختصين :
فعلماء الاجتماع والاقتصاد والقانون الوضعي وغيرهم يحتاجون هذه القواعد الفقهية؛ لأنها بمثابة مواد دستورية تعينهم على فهم المراد من النصوص الفقهية من أقرب طريق دون الحاجة إلى الكشف عن أحكامها من مظان الكتب الفقهية، خصوصا في مجال المقارنة بين الفقه وهذه العلوم، وكذلك الأمر لعوام الناس من غير الباحثين، فإهم يحتاجون معرفة الحكم الشرعي بعبارة سهلة دون تعقيد أو ذكر اختلافات يحار الذهن في الترجيح بينها، وبذلك تكون مادة الفقه الإسلامي ميسورة الفهم والتناول لجميع الناس، فيعم النفع للمتخصص وغير المتخصص.
6) التقليل من الاختلافات المذهبية، والقضاء على العصبية المذهبية:
وبيان ذلك أن هذه القواعد تذكر غالبا دون التعصب لمذهب معين، وإنما هي قضية كلية تجمع في ثناياها فروعًا وجزئيات شتى من جميع المذاهب، والاستثناء فيها قليل لا يعرفه إلا المختصون، فمثلا: قاعدة «المشقة تجلب التيسير» قال العلماء: «يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتحقيقاته»( ) بل «إن هذه القاعدة يرجع إليها غالب أبواب الفقه»( ) وقاعدة «الفرض أفضل من النفل»( ) قاعدة عامة وليس لها إلا استثناء قليل يكون فيه النفل أفضل من الفرض، مثل: رد السلام، وإنظار المعسر، والوضوء قبل الوقت( )، وهكذا سائر القواعد تجدها في معظمها تجمع ولا تفرق، وتقرب ولا تبعد، وتيسر ولا تعسر، وتوضح المراد بغير الحاجة إلى ذكر الأدلة والترجيح بينها كما هو الشأن في دراسة الفقه المقارن الذي هو من عمل المشتغلين بالفقه، أما سواد الأمة فهم بحاجة ملحة إلى معرفة الأحكام الشرعية التي تأخذ بأيديهم إلى العبادة أ والمعاملة الصحيحة المقبولة شرعا من غير تعصب لمذهب قد لا يستطيع معرفة دليله.
والحاصل: أن هذه القواعد تعتبر بمثابة مباديء أولية لنظرية فقهية كلية تعمل على جمع المسلمين وتقرب بين مذاهبهم، وتؤلف بين قلوبهم، ومن ثم يتوحد صفهم، وهذا ما نرجوه ونأمله، والله على كل شيء قدير.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*