السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » تطوير دعوى » مهارات دعوية » أوصاف الأمة الإيجابية
أوصاف الأمة الإيجابية

أوصاف الأمة الإيجابية

د/ ياسر حمدى
الصبر على المكر والأذى والمغريات من صفات الأمة الإيجابية :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن رسالة الإصلاح ستواجه هذا البغي والمكر؛ ولهذا صبر على مكرهم، آذوه.. عذبوا أصحابه.. أوصلوا إليه سائر ألوان الأذى، خنقه عقبة بن أبي معيط يوما بثوبه، حتى احمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء أبو بكر فكسع عقبة بن أبي معيط وقال: “أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم”، رموا على رأسه وهو يصلى ألوان الأذى والقاذورات، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة رضي الله عنها وهي تزيل من على رأسه الأذى وهو يقول: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”، صلى الله عليك يا صاحب القلب الكبير.
جاء بما يسعد الناس، ومع ذلك قابله الناس بما يؤذيه، جاء يقول للناس: يا قوم.. هذه قارورة الدواء، هذا مصباح الظلام، تعالوا إلى طريق الله حيث الهدى والنور، والسعادة والسرور، فوقف له أصحاب الشر والفساد بالمرصاد، وهكذا في كل زمن، لا يدعو داع إلى الحق إلا وترفع رؤوس الفساد من الأفاعي رؤسها وتبث سمومها، وتبدأ في محاربة الدعاة إلى الله ومن يدل الناس على الخير، وهكذا تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أسباب الإغراء والإغواء والسطو.
وصل الحال، إلى أن ذهبوا إلى عمه أبو طالب وألحوا عليه، ورجع أبو طالب يقول: يا ابن أخي إن القوم قد عرضوا عرضا، وأرادوا خيرا، وأراد أن يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم إغرائهم، فقال كلمته التي ظل التاريخ يحفظها، فقال: يا عمي والله لو وضعوا القمر في يميني والشمس في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دينه.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يحمل للناس رسالة ليحملوا له سلطانا أو مالا أو جاها، ولكنه جاء برسالة لصلاح هذه البشرية: قل لا أسألكم
وهكذا أصحاب الرسالات، لم يطلب أحدهم من الناس مالا أو جاها، ولكنه يريد إسعاد الناس.
الأمة الإيجابية لا تقبل المساومة ولا يرهبها شدة التهديد والوعيد :
فلا يمكن في يوم من الأيام أن يقبل المسلم المساومة؛ أو أن يقعد عن أداء الرسالة بسبب تهديد، لا ضغط مادي أو ضغط معنوي لأنه صاحب رسالة.
هكذا عاش صلى الله عليه وسلم ، وهكذا ربى جيلا من الأمة الإيجابية.
وهذا مثال:
أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم أسلم، رجع بيته، قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر إن الله أرسلني للناس بشيرا ونذيرا، فقال أشهد أن لا الله، وأن محمد رسول الله، لم يتردد ولم يتلعثم ولم تكن له كبوة
ولم يكتف أبو بكر يوم أسلم بأن يجلس في بيته، فرجع بيته، وسأل نفسه: هل محمد صلى الله عليه وسلم هو المكلف وحده بتبليغها لجميع الناس؛ (ليس هذا كلاما منطقيا(، فلابد أن يكون له دور مع محمد صلى الله عليه وسلم فخرج من بيته في نفس اليوم الذي أسلم فيه، وتوجه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال له، أشعرت أن الله بعث محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، ألا تؤمن به؟، فآمن عثمان، فذهب إلى الزبير بن العوام، فأسلم الزبير، وذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، فأسلم أبو عبيدة، وذهب إلى بلال بن رباح وهو عبد حبشي، فقال له أبو بكر: إن الله بعث محمد بالهدى ودين الحق وأنا أدعوك إلى الإيمان به، قال له: يا أبا بكر: هلا انتظرت إلى الصباح، فقال: ومن يضمن لي أن أعيش إلى الصباح..
وهكذا يجب أن يكون المسلم في إيجابيته؛ لهذا كان رضوان الله عليه أعظم الناس بعد الأنبياء والرسل في ميزان الله عز وجل، لو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبو بكر، لأنه رجل أحس بدوره من أول يوم قال لا إله إلا الله محمد رسول الله.
من إيجابية الأمة القيام بالنصيحة :
سمع أبو بكر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة؛ فعلم أنه لن يقبل منه دين إلا إذا قام بواجب النصح، وهذه هي الإيجابية، أن يرى الإنسان الفساد فلا يسكت، أن يرى الإنسان الخير فلا يقعد؛ لابد من إعانة أهل الخير ومقاومة أهل الفساد، لابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله ربط خيرية الأمة لهذا الغرض، فقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فإذا أنا رأيت معروفا، ورأيت دعاة إلى الخير، وعملا صالحا ينفع الناس جميعا، ثم قعدت عنه لم أؤازر أصحابة ولم أساعد أصحابه ولم أدع الناس إليه .. فأنا آثم. وإذا رأيت فسادا وشرا ومنكرا، ثم لم أنهي عنه، ولم أحاول تغييره، وقلت يكفيني ما بيني وبين ربي، فقد أثمت.. ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه السلبية قد تكون سببا في فساد الأمة كلها؛ فالبلاء حين يأتي لا يأتي على الناطق بالباطل فقط، إنما يأخذ الناطق بالباطل والساكت عن الحق، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ‏مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا “، وهذا هو العمل الإيجابي، فلو تركوهم كان ذلك كفيلا بأن تغرق السفينة بما فيها ومن فيها.
فحين نرى الشر، ويقول كل إنسان أن هذا لا يخصني؛ فهذا معناه أن الأمة كلها ستغرق، يقول الله سبحانه وتعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً  فهذه الفتنة لم تكن خاصة بفئة معينة فقط، وإنما ستصيب الجميع، مادمت ترى الشر وتسكت عليه وترى المعروف ولا تعينه، فحين يأتي البلاء يأخذ الناطق بالباطل والساكت عن الحق.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*