الأربعاء , 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » إنذار عشيرته الأقربين.
إنذار عشيرته الأقربين.
إنذار عشيرته الأقربين.

إنذار عشيرته الأقربين.

أ/ نادر أحمد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
من المعلوم أنّ الإسلام بدأ غريباً كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) ( ).
وتلك الغربة قد زالت بفضل الله تعالى ثم بفضل جهود رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة الإسلامية في مراحلها الخمسة وتحمله المشاق في سبيل إنجاحها.
وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- تلك المراحل الخمس وهي على النحو التالي:
المرحلة الأولى: النبوة.
المرحلة الثانية: إنذار عشيرته الأقربين.
المرحلة الثالثة: إنذار قومه.
المرحلة الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة.
المرحلة الخامسة: إنذار جميع من بلغته الدعوة من الجن والإنس إلى آخر الدهر( ).
ويمكن تقسيم هذه المراحل التي أشرتها آنفاً إلى مرحلتين: المرحلة المكية، والمرحلة المدنية أي بعد الهجرة.
أولاً: المرحلة المكية:
وهذه المرحلة هي أصعب المرحلتين لقلة المؤمنين بالرسول صلى الله عليه وسلم وضعفهم وقوة المعادين له وكثرتهم، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان على ثقة بالله -سبحانه وتعالى- في أن يتم هذا الأمر فلم يتزحزح عن طريق الحق قيد شبر طيلة المدة التي كان يدعو الناس إلى الله.
وفي السنوات الثلاث الأولى من هذه المرحلة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسر دعوته ولا يدعو الناس إلا فرادى، ويأمر من آمن به أن لا يظهر إسلامه خوفاً على نفسه.
ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم عن عمر بن عبسة -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث وهو يومئذ مستخف فقلت أنت ما أنت؟ قال: “أنا نبي” قلت: وما نبى؟ قال: “رسول الله” قلت: أرسلك الله؟ قال: “نعم” قلت: بم أرسلك؟ قال: “بأن تعبدوا الله وتكسروا الأوثان وتصلوا الرحم” قلت: نعما أرسلت فمن تبعك على هذا؟ قال: “حر وعبد” يعني أبا بكر وبلالاً، فكان عمر بن عبسة يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام فأسلمت فقلت: أتبعك يا رسول الله؟ قال: “لا، ولكن الحق بأرض قومك فإذا ظهرت فأتني”( ).
ويشير ابن القيم -رحمه الله- إلى هذه المرحلة قائلاً:
“وأقام صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله -سبحانه وتعالى- مستخفياً ثم نزل عليه: ((فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ)) [الحجر:94].
فأعلن صلى الله عليه وسلم بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن الله لهم بالهجرتين”( ).
ولا يخفى ما لهذه الفترة من مشقة نفسية بالنسبة لصاحب الرسالة – صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين على السواء بحيث أنّهم كانوا لا يقدرون أن ينطقوا بالحق الذي آمنوا به أمام الناس فضلاً عن دعوة الناس إليه جهراً خائفين على أنفسهم لأنّه من المحتمل وأد الدعوة في مهدها إذا أعلنوها آنذاك إمّا بقتل صاحبها أو معتنقيها أو إفتتانهم عن دينهم والفتنة أشد من القتل.
إضافة إلى ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم يعاني مشقة أخرى ينفرد بها عن أصحابه وهي شدة تلقي الوحي وخاصة في أيامه الأولى التي لم يتعوده بعد حتى أنّه كان يفزع من رؤية الملك جبريك عليه السلام أمين الوحي.
ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: “بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني فأنزل الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)) [المدثر:1].. إلى قوله: ((وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)) [المدثر:5] فحمى الوحي وتتابع)( ). وَمن شدائد الوحي أيضاً ما لقيه الرسول صلى الله عليه وسلم من حفظه وقراءته حتى إنه كان يسابق الملك في القراءة إلى أن نزل قوله تعالى: ((لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)) [القيامة:16-17].
يقول ابن عباس -رضي الله عنه- ما في هاتين الآيتين المذكورتين: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: ((لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)) [القيامة:16-17] فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أَتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه“( ).
يقول ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين: “هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك فإنّه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله -عز وجل- إذا جاءه الملك أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الذي ألقاه إليه وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه”( ).
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنّه كان يعاني من الوحي شدة طوال فترة بعثته غير أنّه تعود وتحمل دون رعب وفزع منه ومن الملك بخلاف ما كان يعاني وقت بدايته.
ويؤيد هذا ما روته عائشة -رضي الله عنها- أنّ الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليَّ حتى يفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول”، قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً“( ).
وأما بعد أن أمر الله -سبحانه وتعالى- رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة إلى الله- فقد ازدادت الشدة عليه وعلى المؤمنين بسبب معاداة قومه دعوته وإيذائه هو وأصحابه بكل ما أوتي لهم من قوة حسيّاً ومعنوياً.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بذل أقصى جهده في إبلاغ الدعوة إلى الناس وهو لا يخاف لومة لائم مهما كانت قوته وسلطته وتحمل المشاق في سبيل إنجاحها.
وقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم في إبلاغ قومه في هذه المرحلة طرقاً شتى وهي إمّا أن يطلب الناس إلى التجمع ليبلغ رسالة ربّه أو أن يذهب إلى أماكن تجمعهم كالمواسم والأسواق، أو أن يذهب إلى مواطنهم ومكان إقامتهم..
وأذكر هنا ما يؤيد ذلك من النصوص الصحيحة:
الطريقة الأولى: تجمع الناس لدعوتهم: ومما يدل على ذلك ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا: من هذا فاجتمعوا إليه فقال: “أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أفكنتم مصدقي؟ “قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً. قال: “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد” قال أبو لهب: تباً لك ما جمعتنا إلا لهذا؟ ( )
وهذا الحديث يدل على مدى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم إبلاغ الدعوة إلى قومه بحيث وقف على جبل الصفا في الصباح الباكر قائلاً بأعلى صوته: يا صباحاه لينبه هؤلاء حتى يجتمعوا له ومن ثم يبلغهم ما كلف به من قبل الله -سبحانه وتعالى- كما أنّه يدل على ما عانى الرسول صلى الله عليه وسلم من قومه من الاستهزاء والاستكبار والإعراض عنه والدعاء عليه وخاصة من أقرب شخص إليه وهو عمه أبو لهب الخاسر.
ولا يخفى ما لهذه الواقعة من المشقة إذ أنها تؤدي إلى اليأس بالنسبة لصاحب الرسالة وللمؤمنين من هؤلاء لولا لطف الله وعنايته المستمرين عليهم وكذلك إخبار الله تعالى عن الأمم السابقة وموقفهم من الرسل – عليهم الصلاة والسلام- من تكذيب وتعنت تسلية له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه.
الطريقة الثانية: وهي الذهاب إلى أماكن تجمعهم كالمواسم: ومما يدل على ذلك ما أخرجه الحاكم عن جابر بن عبد الله قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: “هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي” فأتاه رجل من همدان فقال: أنا فقال: “وهل عند قومك منعة؟” قال: نعم وسأله من أين هو؟ فقال: من همدان ثم إن الرجل الهمداني خشي أن يحفزه قومه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: آتي قومي فأخبرهم ثم ألقاك من عام قابل قال: نعم، فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب)( ).
وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على ما قام به مشركو قريش في وقف الدعوة الإسلامية حتى اضطر صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم أن يبحث عن قوم آخرين يوجه إليهم الدعوة التي كلف بتبليغها.
وفي ترك وطنه مشقة كبرى لا يشعرها إلا من مارس ذلك بالفعل لأنّه يقال ليس الخبر كالمعاينة مع الالتفات إلى الأسباب الداعية إلى ذلك وهي ما لقي من مشركي قريش من الأذى حسياً كان أو معنوياً.
ومن ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: “لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلاّ وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً”.
من هذه النصوص التي نقلتها آنفاً يتبين لنا مدى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بنشر الدعوة الإسلامية واستفادته من كل فرصة متاحة في إبلاغ الدعوة إلى قومه وتحمله المشاق في سبيل ذلك من سفر وترحال مع مراعاة وسائل النقل المتاحة له في ذلك الزمان إضافة إلى ما يلقاه من أعدائه المشركين الذين بذلوا كل الجهد واستعملوا كل الوسائل المتاحة لهم بإيقاف الدعوة الإسلامية.
ثانياً: المرحلة المدنية:
بعد ما أذن الله -سبحانه وتعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم والذين معه بالهجرة إلى المدينة ووصلوا هناك نشأت الدولة الإسلامية الأولى قائدها الرسول صلى الله عليه وسلم ودستورها القرآن الكريم.
وقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله طرقاً أخرى غير الذي ذكرت في المرحلة السابقة حسب ما يقتضيه المقام.
من تلك الطرق إرسال الرسل ينوبون عنه ويعلمون الدين الأقوام الذين أرسل إليهم مثل اليمن.
ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: “إنّك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فإذا جئتم فادعهم إلى أن يشهدوا أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب“( ).
ومن ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري بسنده عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: “بعث النبي صلى الله عليه وسلم جده أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن فقال: “يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا“( ).

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*