السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » الأخلاق في ضوء القرآن
الأخلاق في ضوء القرآن
الأخلاق في ضوء القرآن

الأخلاق في ضوء القرآن

الاستاذ الدكتور
عبد الستار فتح الله سعيد
أستاذ التفسير وعلوم القرآن
بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقا)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. . . أما بعد:
1- معنى الأخلاق، وضرورتها، وتحديد الوحي الإلهي لها: ( )
يُعنى بالأخلاق القوى والسجايا النفسية الراسخة التي تصدر عنها أنماط السلوك الإنساني الخارجي من خلال إرادة حرة، وهي تمثل الصورة الباطنة للإنسان، كما أن الْخَلْق يمثل الصورة الظاهرة، وكلاهما يكون حسنًا أو غير حسن، والأصل في الخُلُق أن يكون اختياريًا يكتسب بالتخلق والجهد والمثابرة؛ ولذلك يُمدح به الإنسان أو يُذم، ويثاب عليه أو يعاقب بخلاف الخلَقْ، فهو فطرة مقسومة محددة لا مدخل لأحدٍ فيها ولا اختيار، ولا يتعلق بها لذاتها مدح أو ذم، ولا يترتب عليها ثواب أو عقاب، على أننا ننبه أن الله -تبارك وتعالى- قد فطر الإنسان من حيث هو على الخير، وركز في فطرته أصول الأخلاق والفضائل السامية، وركب فيه حب موافقتها وبغض مخالفتها، إلا من انتكست فطرته تحت وطأة البيئة، أو ضلال التربية، وإغواء النفس والشيطان ونحو ذلك.
والاختيار الخلقي حينئذٍ يكون في اتجاه الإنسان مع أصول فطرته، ومقاومة عوامل التدلي والتضليل المذكورة، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ]وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا $ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا $ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا $ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَ[ (الشمس:7-10)، والإلهام هو الإلقاء بالشيء في النفس، والمعنى أفهم النفس الأمرين جميعًا، وعرفها حالهما، وما يؤدي إليه كل منهما، ومكنها من اختيار أيهما شاءت؛ فيفوز من تطهر من الدنايا، ويخيب من طمس فطرتها، ومعنى ]دَسَّاهَا[ أخفاها بالفجور والمعاصي، والآيات الكريمة تجمع بين ما قلنا من الإلهام الإلهي للإنسان بمقتضى فطرته، وبين الجهد الاختياري له في التزكية أو التدسية.
وواضح أن الله -تبارك وتعالى- يدعو إلى طريق الخير بما وصفه بالتقوى وفلاح صاحبه، ويكره الطريق الآخر بما وصفه بالفجور وخيبة صاحبه، ولو شاء لمنعه قهرًا، ولكن حكمته اقتضت الاختيار؛ والأخلاق لذلك تمثل جانبًا خطيرًا في الحياة الإنسانية، بل هي إحدى الخصائص الكبرى التي تميز الإنسان وتجعل له معنًى أكبر من حدوده الحيوانية؛ ولذلك كان لها في هذه الشريعة الإلهية ثِقلٌ عظيمٌ، فصاغها على وفق اتجاهها في الاعتقاد، وبناها على أساس الحقيقة الكبرى للكون والحياة، وغاية الجنس الإنساني ومآله، ومهمة وجوده من حيث هو خليفة في الأرض يقيم فيها شريعة الله ومنهاجه.
ويبين القرآن الكريم مهمة الأخلاق الخطيرة مع الإنسان منذ النشأة الأولى حين ذكر توبة أبينا آدم، وأنه ثاب إلى خلق رَضِيّ من أخلاق الإيمان، وهو الاعتذار عن الخطأ، والاعتراف به، والانكسار بين يدي مولاه فقال هو وزوجه: ]رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ[ (الأعراف:23)، فكان لهما في ذلك النجاة والقبول، ويقارن القرآن الكريم هذا الخلق الرضي بخلق مضاد له وهو الاستكبار والإباء عن أمر الله -عز وجل- الذي أهلك إبليس وطرده من رحمة الله تعالى على سعتها.
تحديد الأخلاق:
على أن من فضل الله علينا أنه تعبدنا بخلق محدد على ألسنة الرسل، ولم يتركنا لأحاسيس الفطرة وحدها التي قد تخطيء أو تضل أو تضلل، ولا لنظرات العقول وحدها، ولا اجتهادات الأفكار التي تتضارب وتتصاعد؛ وبذلك كان لدينا مرجع تفصيليٌّ وافٍ بصحيح الأخلاق وفاسدها، وما يُحمد منها وما يُذم، وقد اتفقت على ذلك كلمة الرسل جميعًا؛ لأن هذا أحد الأصول المشتركة التي لا تتغير في دين الله -تبارك وتعالى- على ألسنة جميع الرسل.
المثل الأعلى:
لقد جاءت الأخلاق في هذا المنهاج الإلهي على أسمى درجات السمو والارتقاء؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- جعل نفسه المثل الأعلى لأخلاق المؤمنين، وطلب منهم أن يتخلقوا على نمط ما علمهم عن نفسه -جل شأنه- من رحمة، وودّ، وحلم، وعفو، وسخاء، وإتقان، وإحسان، وشكر، وصبر، ومغفرة، وصدق، وعدل، ووفاء بالعهد، بل وبطش بالأعداء -بأعداء الحق- بعد المطاولة والإعذار، مع ملاحظة الفارق التام الكبير بين صفات الخالق والمخلوق في كل شيء، قال تعالى: ]لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ (النحل:60).
ثم لقد نصب لهم من أنفسهم رسله الأكرمين، فعصمهم وطهرهم وكملهم وجعلهم المثل البشري الأعلى في التخلق بما أمر ورسم -جل شأنه- وجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة لقومهم وللناس أجمعين، ومن الجلي أنه لا سبيل إلى مقارنة الخلق بالخالق، ففي جانبه تعالى الكمال مطلق، وهو وصف ثابت له، وفي جانبهم الكمال نسبي إضافي، ثم هو لهم غاية تُطلب ويُسعى إليها، فالرسل يتابعون الترقي نحوها، وعامة البشر يقاومون التدلي، ثم يبذلون الجهد ليبلغوا أقصى طاقتهم من الكمال الممكن لهم، وقد أتاح هذان الأمران للأخلاق البشرية أعلى قدر من السمو والثبات.
ننتقل إلى عنصر المقياس الخُلقي:
وقد جعل الله تعالى معيار الخُلق على هذا الطراز من السمو، فلم يربطه بنفعية أنانية تتعبد في محراب ذاتها الخسيس، وإنما جعل معياره طلب رضا الله تعالى وثوابه والخوف من سخطه وعقابه، وبذلك اكتسب الخُلق قدسية دينية جعلت مزاولته من أعلى درجات الإيمان، كما جاء في حديث الصحيحين: “والحياء شعبة من الإيمان” وصيّرته عبادة يستحق بها صاحبها ثواب العابدين؛ لما وراءه من باعث تعبدي يتطلب مرضاة الله تعالى واجتناب سخطه، وهذا المعيار قد علمه الله تعالى للإنسان منذ نشأته، وقصه الله تعالى علينا في قصة ابني آدم، وتجلى في قول هابيل لأخيه: ]إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنْ الْمُتَّقِينَ[ (المائدة:27) وقوله: ]إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ[ (المائدة:28) وقوله: ]إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ[ (المائدة:29)، والآيات في سورة المائدة بالتفصيل.
وبهذه الأمور الثلاثة -التحديد الأوفى، والمثل الأعلى، والمعيار الأسمى- أصبحت الأخلاق الإسلامية نمطًا فريدًا لا يقاربه ولا يدانيه شيء من حكم الحكماء، أو نظر الفلاسفة، أو شرائع المشترعين، أو عادات الأمم وآدابها إلا أن تكون أثارة من الوحي الأعلى بقيت في عقبه بين الناس، أو كانت أثرًا من سلامة الفطرة التي فطر الله عليها الناس.
أهمية التحديد الإلهي للأخلاق:
قلنا: إن الإنسان مفطور على الشعور الخُلقي، ومزود بالسجايا النفسية التي تميز الخير من الشر، وما زال الإنسان دائمًا يشعر بفطرته نحو بعض الأخلاق بالحب والميل ويمدحها ويثني على أصحابها، ونحو بعض الأخلاق الأخرى بالبغض ويذمها ويمقت أصحابها، وقد يختفي شعوره في الحالين تحت وطأة انتكاس الفطرة، ولكنه شعور لا يموت ولا يقتلع اقتلاعًا، بل يظل كامنًا في أعماق النفس ليعود إلى الظهور قويًا جارفًا عند أول فرصة ملائمة له؛ ولذلك كان الحلم والعفو والصدق والأمانة والتعاون بين الخلق من الخُلق المحمود المحبوب عند عامة البشر الأسوياء، وعلى النقيض من ذلك كان الغدر والخيانة والحقد والكذب والشقاق. . . إلى آخر هذه الأخلاق السيئة -والعياذ بالله تعالى- ولكن البشر من الناحية العملية الواقعية تفرقوا رغم هذا الشعور الفطري، واختلفوا في أمر الأخلاق، وحدود الخير والشر والحق والباطل، ولم يتفقوا على كلمة جامعة في تحديد المقياس الخُلقي ولا في الحكم الخُلقي، وحين نقرأ المذاهب والنظريات الأخلاقية، ونرى الخلافات الواسعة بينها وما ووجهت بها كل منها من مطاعن وتفنيد، نشعر بالأسى والحسرة من أجل هذا الإنسان الحائر المسحوق بين أرجاء المناهج والأفكار، على حين أن هداية الله تعالى قريبة منه كما قال ربُّنا: ]قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ $ يَهْدِي بِهِ الله مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[ (المائدة:15، 16).
ولذلك -كما قال بعض العلماء- لا نكاد نجد حتى اليوم من بين المقاييس النظرية مقياسًا مجمعًا على صلاحيته سليمًا من النقد، بل نجد مقاييس مختلفة تبعًا لاختلاف أنظار واضعيها في المعنى الذي يكون به العمل خيرًا أو شرًا؛ لأن البواعث والمقاصد المعتبرة في خيرية العمل أو شريته تختلف عندهم اختلافًا بينًا، وهذا اختلاف في المقاييس، فكان منها مقياس اللذة الفردية، ومقياس الواجبية، ومقياس المنفعة العامة أو الخاصة، ومقياس أصحاب مذهب الكمال كما سموه غلطًا وهكذا، بل إن أصحاب كل مقياسٍ انقسموا على أنفسهم شيعًا متضاربة رغم خطورة القضية، ودورها الحاسم في الحياة البشرية كافة؛ ولذلك كان من فضل الله -تبارك وتعالى- ورحمته بالإنسانية جمعاء أن أعطانا حدودًا ومعايير للأخلاق، وأعطانا مرجعًا تفصيليًا بالقيم والآداب؛ ليهدي الإنسان إلى تمام سعادته وصلاحه، ولينقذه من شر نفسه ومن حيرته القاتلة المدمرة.
كان خلقه القرآن:
ننتقل إلى هذا العنصر الخطير المهم تحت عنوان كان خلقه القرآن، وقد تمثل هذا المرجع في الكتب الإلهية، وفي سلوك الرسل -عليهم السلام- وأقوالهم، وإذا كانت الكتب السماوية السابقة قد دخل عليها التحريف، فإن تاريخ رسلها قد زُيف أيضًا ولحقه الضياع أو الاختراع، ولم يبق منه إلا مواضع الشك والريبة في كثير من جوانبه، ولم يبق على العالمين من حجة، بل لم يبق لهم من ملاذٍ غير هذا الكتاب المحفوظ القرآن الكريم، والذي تمثل معناه في رجل من البشر يمشي بين الناس، ونُقِلَ لنا أدق التفاصيل من سيرته وسلوكه وأقواله وأعماله نقلًا وثيقًا، وقد أوجزت السيدة عائشة -رضي الله عنها- وأبلغت حين سئلت عن خلقه ^ فقالت: “كان خلقه القرآن” وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما.
فلدينا إذن من الله تعالى دليل وافٍ بتفاصيل الأخلاق المطلوبة، وقدوة عملية معصومة في تطبيق هذه الأخلاق في واقع الناس، وبذلك توفر للبشرية أزكى وأتم أنواع الأخلاق النظرية والعملية، فلا تحتاج بعدهما إلى قولٍ أو رأي في هذا الباب ولله الحمد والمنة.
2- سعة الأخلاق وشمولها في الإسلام: ( )
سعة المعنى الأخلاقي وشموله في دين الله:
لم يقصر هذا الدين معاني الأخلاق على جوانب معينة، وإنما بثها بثًّا واسعًا في كافة أوجه الحياة الإنسانية الظاهرة والباطنة، والفردية والاجتماعية، والمحلية والعالمية، بل ربما كان أكثر إلزامًا وتأكيدًا لأمر الأخلاق في النواحي التي تواضعت واتفقت مجتمعات البشر على تجريدها من الالتزام الخلقي كالسياسة، وشئون الحكم، والاقتصاد، والحروب، والمواجهة في مواقع الخصومات، ومعاملة المخالفين في الدين والجنس. . . وغير ذلك، وقد أضافت الرسالة القرآنية للأخلاق بُعدًا جديدًا وخطيرًا تمثل في إقامة دولة عالمية على أساس أخلاق متينة، فكان ذلك شيئًا فريدًا في بابه أن يستوي الحاكم بالمحكوم، وأن يُقيد الحاكم من نفسه لأدنى رعاياه، وأن يعف عن أموال الدولة أو المجتمع ولو وصل إلى الجوع أو الاستدانة، وأن يحرم الغدر ولو بالأعداء، وأن تُحترم المعاهدات معهم حتى ينبذ إليهم على سواء، وغير ذلك كثير ممّا لم يكن للدول به عهد ولا اعتبار، وربما كان لديهم مبادئ نظرية في هذا، لكنها لم ترق إلى موقع التنفيذ، فضلًا عن أن تصبح واقعًا عمليًا لحياة الناس الواسعة المتقلبة اليومية.
ومن هنا نفهم معنى قوله ^: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وفي رواية: “صالح الأخلاق” والحديث رواه الإمام أحمد، والبيهقي في (الشّعَب)، والحاكم في (المستدرك) وقالً: صحيحٌ على شرط مسلم، ذلك لأن الأخلاق قبله ^ لم تظفر بمثل هذا التأسيس النظري والتطبيق العملي مع مده إلى آفاق شاسعة من الحياة، وإلى أرجاء واسعة من الأرض؛ حتى أصبح للأخلاق ثِقلها العظيم في الناس بعد أن كانت تتوارى بينهم، وغدت للأخلاق دولة ردت للإنسان معنى الإنسانية فيه، بعد أن جردته سبل الجاهليات وأضاليلها من خير معانيه، وجماع الأخلاق الإسلامية يعود إلى أمرين هما: الحق، والخير، ولم يترك الله تعالى شيئًا من خلال الحق أو من خصال الخير إلا قرره وأكده وأمر به، وبغض للناس نقيضه، وأنذرهم على فعل هذا النقيض.
أقسام الأخلاق -حسنة وسيئة- وبيان القرآن لكل قسم: ( )
الأخلاق نوعان:
والمتأمل في القرآن الكريم يجد أنه ما من خلق حسن في ميزان الفضائل النفسية، أو الآداب الفردية والاجتماعية، أو السلوك الفردي إلا وقد حض القرآن عليه، وحشد له كل قوى النفس والعقيدة، وعبأ حوله كل طاقات العبادة والأسوة، وبعث له كل حوافز التنفيذ، وحاطه بالبيان والتفصيل والتشريع، وجعله مسئولية عامة للفرد والأمة والدولة والحكومة، وما من خلق سوء إلا وأتبعه ذمًّا وتحقيرًا وتنفيرًا، وأشبعه لومًا وتقريعًا، وحدده وأطلق عليه أيضًا قوى الأمة والسلطة لمطاردته ومنعه، فضلًا عن قوى النفس والاعتقاد والضمير، وغرض القرآن من ذلك هو التأكيد على أمر الأخلاق، وضرورة الجمع بين التحلية والتخلية، أو بين الجانب السلبي والإيجابي؛ حتى يكفل للفرد وللمجتمع طهارة حقيقية لا تتأتى على وجهها الصحيح إلا في ظلال دين الله -عز وجل- حين قرر سمو الإنسان وخلافته، ومهمة وجوده وغاية مصيره وإعداده لجوار الرحمن في دار الخلود.
ومن الأخلاق الأولى الحسنة: الصبر، والحلم، والعفو، والصفح، والسماحة، والإحسان، واللين، والإخلاص، والصدق، والوفاء، والأمانة، والعدل، والفضل، والعفة، والتعاون، والإيثار، والبذل، والسخاء، والتراحم، وصلة الأرحام، والاعتدال، والجهر بالحق، والشورى، وطيب القول، والروية، والتثبت، والثبات على الحق، والأمر بالمعروف، وكلها أخلاق قرآنية قررها الله تعالى بأساليب شتى، وأوردها بأحسن الحديث، ودعمها بالقصص الحق في كتابه الكريم.
ومن الأخلاق الثانية السيئة: الخيانة، والغدر، والاستبداد، والظلم، والكذب، والنكث، وشهادة الزور، والتنابذ بالألقاب، والغلظة، والفحش، والسخط، والكبر، والغرور، والفخر، والبطر، والرياء، والحقد، والحسد، والنفاق، والخداع، والبغي، والأثرة، والغيبة، والنميمة، والسخرية، والهمز، واللمز، وظن السوء، والتجسس، والبخل، وكتمان الحق، والرضا بالمنكر. . . وغير ذلك كثير.
وهذا كله غيض من فيض ممّا جاء في تضاعيف هذا الكتاب المعجز، والذي يعجب الإنسان كيف ضم كل هذا القدر من الأخلاق بنوعيها، وعلى هذا الوجه من التفصيل؟! وكأنها غرضه الوحيد من كثرة ما أبرزها وصرف فيها القول، وضرب فيها الأمثال، وأوردها على طريقته في صورة القواعد العامة أحيانًا أو التفصيل المحدد أحيانًا أخرى.
4- طريقة القرآن الكريم في بيان الأخلاق بالآيات المجموعة أمرًا ونهيًا:
ولنأخذ بعض الأمثلة:
أ- جوامع الأخلاق بنوعيها: ( )
قال تعالى: ]إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ $ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ $ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ الله بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[ (النحل:90-92) فهذه أربعة من أصول الخير يأمر الله تعالى عباده أن يتخلقوا بها وهي: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والوفاء بالعهد، ويقترن بها أربع من خلال السوء التي تدمر المجتمعات؛ فينهى الله تعالى عنها أشد النهي وهي: الفحشاء، والمنكر، والبغي، ونقض العهود، فهذه أربعة في مقابلة أربعة حتى قال ابن مسعود -رضي الله عنه- عن الآية الأولى منها: ]إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ[ يقول: هي أجمع آية في القرآن للخير والشر.
وقال الإمام البيضاوي -رحمة الله تعالى عليه: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقب قوله تعالى: ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ[ (النحل:89) هو للتنبيه على ذلك. انتهى كلام الإمام البيضاوي.
والله -عز وجل- يورد هذه الألفاظ الجامعة على علمٍ وحكمة، فيأمر بالعدل وهو ضد الجور، أو هو بمعنى الاعتدال والتوسط الجامع لمحاسن الصفات المتعارضة.
أما الإحسان: فهو مرتبة فوق العدل؛ إذ يراد به الفضل كأن يعفو الإنسان عن حقه، أو يأخذ دون أجره، أو يؤثر على نفسه، أو يراد به الإتقان في سلوك الخير واختيار الأحسن من الأخلاق.
وكذلك إيتاء ذي القربى كلمة على غاية الإيجاز والإعجاز، فتشمل كل إيتاء كالبذل المالي، والتعاهد بالسؤال، والمودة، واللقاء بالبشاشة. . . وغير ذلك من ضروب العطاء المادي والمعنوي.
أما الوفاء بالعهد: فهو خلق أساسي من أخلاق الفرد والجماعة لا تستقيم الحياة إلا به، وهو يدل على الإيمان كما يدل نقيضه على الفسوق والنفاق.
وأما الكلمات الموبقات التي نهى الله عنها وهي: (الفحشاء، والمنكر، والبغي، ونقض الأيمان والعهود)، فلم تدع من أمر القبائح شيئًا يضر الفرد أو المجتمع، وما يتعلق بالأنفس أو بالغير، أو ما يتصل بالأعراض وما دونها مما يحرص عليه الإنسان ويتميز به عن سائر الحيوان.
وقد شدد الله تعالى في الوصية بالتزام أمره ونهيه، وأكد ذلك بعديد من الأمور:
منها: إسناد الأمر والنهي إلى ذاته العليا ترغيبًا وترهيبًا وإجلالًا وخشية.
ومنها: التصريح بلفظ الأمر والنهي، يقول: ]يَأْمُرُ[ و]يَنْهَى[، أو بصيغتهما ]أَوْفُوا[ و]لا تَنقُضُوا[ مع ما أردفه من ذكر الوعظ وهو النصيحة؛ ليحرك النفوس إلى الاستجابة تلطفًا منه -سبحانه وتعالى- في الاستدعاء.
ومنها: تذكيرهم بعلمه المحيط: ]وَقَدْ جَعَلْتُمْ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ[.
ومنها: إبراز النكث بالعهود على أبشع صورة، إذ يضرب له مثالًا محسوسًا يتقرر به في النفس على هيئته المنفرة، المشبهة بامرأة خرقاء تكدُّ في الغزل كدًّا طويلًا حتى تبرمه وتحكمه، ثم تعود فتنقضه نقضًا وتجعله أنكاثًا -أي: طاقات- متفرقة، فهي تعمل بلا فائدة.
ومنها -من هذه المؤكدات: ختم الآية الثالثة بذكر القيامة، وهو استخدامٌ للعقيدة في موطنه؛ ليصل بالتأثير إلى أعماق النفس الإنسانية، فتهتز للنصح الإلهي من أعماقها، وتكون في أرجى أحوالها امتثالًا واستجابة لله تعالى، وهكذا ترتفع الأخلاق إلى أعلى المراتب في استمدادها أمرًا ونهيًا من الله العلي الكبير؛ فتصبح على مستوى العبادة العليا، وتحشد لها في الآيات كل وسائل التأكيد والتأثير، حتى ضَرْب الأمثال رحمة منه تعالى لعباده، وحرصًا على هدايتهم واستنقاذهم من سوء الأخلاق وسوء الأحوال، وضمانًا لاستقرارهم على وجه طيب في الحياة.
ولذلك ختمت الآيات الكريمة بهذه المعاني البينة من قوله تعالى: ]وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ (النحل:94) والمعنى لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للغدر والفساد، فتتزلزل قواعد القيم في المجتمع، وتنزلق أقدامكم إلى الشك والحيرة في علاقاتكم تبعًا لذلك بعد أن كانت ثابتة بثبات القيم الأخلاقية، ويصيبكم إذا فعلتم سوء الدنيا والآخرة؛ لأنكم أعرضتم عن تعاليم ربكم -سبحانه وتعالى.
وعلى العكس من ذلك قوله تعالى: ]مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ وهي أيضًا في سورة النحل الآية السابعة والتسعين، وهذا بيان لسنة الله تعالى الماضية في ضمان سعادة الدنيا لمن آمن وعمل صالحًا، وتخلق بأخلاق هذا المنهاج الإلهي العظيم، حيث تقوم الحياة الطيبة على الثقة والطمأنينة وعدم المكر والغدر، ولأجر الآخرة أزكى وأطيب، على أن هذه الأصول المجملة الجامعة قد عاد عليها القرآن بالتفصيل والتحديد؛ فنجد مثلًا قوله تعالى: ]وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى[ (الأنعام:152) فهذا أمر بالعدل في الأقوال.
والعدل في الحقوق والأموال كتابة: يقول تعالى فيه: ]وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ[ (البقرة:282)، وإملاءً: ]فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ[ (البقرة:282)، وشهادة: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ[ (النساء:135) وهذا عدلٌ مع النفس والأولياء مهما تكن النتائج، وهو بذاته العدل الذي أُمرنا به حتى مع الخصوم والأعداء، وجعل من صميم الدين والعبادة كما قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ[ أي: لا يحملنكم ]وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا الله[ (المائدة:8) وغير ذلك في القرآن كثير.
بعد ذلك الفحشاء جاء تفصيلها في أمور مثل الزنى يقول ربُّنا: ]وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا[ (الإسراء: 32).
والنكاح الباطل يقول تعالى: ]وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً[ (النساء:22).
والعري في الطواف يقول الله تعالى فيه: ]وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا[ (الأعراف:28).
أيضًا هناك الوفاء بالعهود جاء تفصيله في عقد الإيمان والتوحيد كما قال تعالى: ]الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ[ (الرعد: 20) وفي عقد البيعة العامة أو الخاصة كما قال ربُّنا: ]إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[ (الفتح:10) والمراد هنا بيعة الإيمان، أو بيعة الجهاد والحرب.
وفي معاهدات الهدنة، أو الصلح، أو الموادعة يقول ربُّنا: ]إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُم لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[ (التوبة:4).
وختام الآية الكريمة مؤذن بأن الوفاء بالعهود ولو مع المشركين هو من أفراد التقوى المستوجبة لحب الله -تبارك وتعالى- فهذه كلها أعمال خُلقية تدخل في جميع جوانب الحياة، ويرتقي بها الوحي الإلهي إلى ذروة متفردة حين يجعلها دينّا وعبادة ومحلًا لثواب الله -تبارك وتعالى- أو محلًا لعقابه الأليم عند المخالفة. هذا هو النموذج الأول الذي قرأناه من سورة النحل.
ب- أجمع الآيات القرآنية للأخلاق بنوعيها: ( )
هنا أيضًا نموذج ثان أطول، النموذج الثاني هذا موجود في سورة الإسراء يقول ربُّنا: ]وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا $ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا $ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا $ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا $ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا $ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا $ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا $ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا $ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا $ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا $ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا $ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا $ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا $ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا $ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا $ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا $ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ[ (الإسراء:23-39).
وهذه الآيات الكريمة هي أجمع الآيات لنوعي الخلق المحمود والمذموم، وقد جعل التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة على رأس هذا البرنامج الخلقي؛ لأن له في الحقيقة جانبًا أخلاقيًا أصيلًا؛ إذ الاستجابة إلى ذلك ترجع إلى خلق العدل والإنصاف والصدق مع النفس، كما أن الإعراض عن ذلك يرجع أيضًا في الحقيقة إلى بؤرة سوء الأخلاق في المقام الأول مثل الكبر عن قبول الحق، أو الاستكبار عن اتباع الرسل غرورًا وجهلا، أو الولوع بالمراء والجدال الباطل مغالبة وحبًّا في الظهور، أو تقليدًا وجمودًا على الإلف والعرف مع ضلاله وبهتانه، وكل هذه الأمور وأمثالها أخلاق سوء تُهلك أصحابها، وتصدهم عن الحق بعد ما تبين لهم، وتصدهم عن السعادة في الدارين مع استيقان أنفسهم بأن طريق الرسل هو السبيل إليها.
والآيات بعد ذلك تذكر أنماطًا خلقية متعددة الجوانب في شئون الأسرة مثل: بر الوالدين وما جاء فيه من وصايًا غاية في السمو والإحسان والوفاء بالجميل، ومثل بر الأقارب والضعفاء، وفي شئون المال والإنفاق بالنهي عن التبذير، والأمر بالاعتدال بين الشح المطبق والبسط المستغرق، وقد نفّر الله تعالى من التبذير بإضافته إلى شر الخلق: ]إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ[ (الإسراء:27) ونفر من الحرص والإمساك عن الإنفاق بتصويره على أبشع مثال: ]وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ[ (الإسراء:29) اليد التي تبخل كأنها ملتصقة بالعنق فلا تريد أن تبذل الخير للناس.
وتأمر الآيات الكريمة بخلق جميل غاية في السمو وهو الحرص على الكلمة الطيبة، والعِدَة الجميلة إذا لم يجد الإنسان من المال ما يسع به الناس: ]وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا[ (الإسراء:28)، وهو وصية ذات أثر بالغ في إحسان العلائق بين الناس، بل ربما فضلوها أحيانًا على العطاء المادي خاصة إذا اقترن بالمن والأذى، وقد قرر رسول الله ^ هذا الخلق القرآني بحاله ومقاله جميعًا ومن ذلك قوله ^: “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق” رواه البزار والحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب. . . إلى آخر ما جاء في هذا الباب.
ثم تتحدث الآيات الكريمة عن سوء الخلق بالبغي والاستطالة، وقساوة القلب، وجفاف الرحمة، وجمود العاطفة الكريمة، ويتمثل ذلك في مظهره الجنائي وهو القتل، وخاصة قتل الابنة الصغيرة، نعم القتل جريمة جنائية تُسلك في قانون العقوبات والقصاص، ولكنها هنا تعالج من زاويتها الأخلاقية؛ لأن الآية المكية نزلت قبل تشريعات العقوبات في المدينة التي تستهدف الوقاية، وتعمل على تغيير الإرادة، وعلى توجيهها وجهة صريحة بتحريم الفعل وتجريمه وإصلاح عقيدة صاحبه ]نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ[ وبهدم القيم الاجتماعية الجائرة التي صنعت هذا المنكر وسوغته بلا نكير، وتنهي الآيات عن الزنى وهو بنفس المقياس جريمة خلقية أساسها البغي والاستطالة على الأعراض والحرمات، وإهدار العفاف والشرف، والاستهتار بكل كريم من القيم الإنسانية العليا، وتأمر الآيات وتنهى عن أمور مردها إلى خلق الأمانة أو الخيانة، أو الجد والعبث، والتواضع العزيز أو الكبر والغرور.
فمن الأمانة: حفظ مال اليتيم حتى يبلغ أشده، والوفاء بالعهد، وتوفية الكيل والميزان، والخيانة أضدادها، ومن الجد اشتغال الإنسان بما يعنيه وعدم تتبعه ما ليس له به شأن ولا علم، كما قال ربُّنا في الآيات: ]وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ[ أي: لا تتبع ]وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا[ (الإسراء:36) والعبث كل العبث في اشتغال الإنسان بما نهي عنه، ومن التواضع الجميل شعور الإنسان بحدوده، ومعرفته قدر نفسه؛ فيضعها في مواضعها الصحيحة دائمًا، ومن الكبر والغرور ذلك التطاول المبني على الجهل والطيش والحماقة كما قال ربُّنا: ]وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا[ والمرح المراد به هنا الكبر والاستهتار.
ولأن هذه وصايا جامعة لكل ما يصلح شأن الإنسان ختمها الله تعالى بقوله الحكيم: ]ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ[ (الإسراء:39) فسماها حكمة، وختمها بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك كما بدأ الآيات بذلك؛ لأن الإيمان بالله تعالى هو مفتاح كل خير وحافظه وحارسه، والكفر هو مفتاح كل شر وباعثه ومحركه.
جـ- آيات الوصايا العشر: ( )
ننتقل إلى هذا العنصر الجديد ببيان النماذج القرآنية، فقد ذكرنا نموذجين تفصيليين، وفي القرآن الكريم آيات على هذا النمط المجموعي الجامع كثيرة كالآيات التي اشتهرت باسم الوصايا العشر في سورة الأنعام من الآية 151 إلى الآية 153 والتي تبدأ بقوله تعالى: ]قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . . . [ إلى آخر الآيات الكريمة.
أيضًا الآيات الكريمة التي سيقت وصفًا لمن سماهم القرآن عباد الرحمن في سورة الفرقان يقول فيه: ]وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا $ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا $ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا $ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا $ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا $ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا $ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا[ (الفرقان:62-69) الآيات بالتفصيل مذكورة في سورة الفرقان.
وهناك آيات تربية الجماعة المسلمة في سورة الشورى من أول قوله تعالى: ]فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ (الشورى:36)، وما بعدها إلى الآية 43.
وآيات أيضًا في سورة المعارج: ]إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. . . [ من الآية التاسعة عشرة إلى الآية الرابعة والثلاثين، وغير ذلك كثير يطول بنا الأمر لو أردنا إحصاءه وذكره هنا.
ومن دقائق القرآن الكريم ومن لطائفه أنه يصدّر هذه الآيات الأخلاقية بتقرير التوحيد والعبودية لله تعالى، وهذا بدوره تأكيد أساسي على حقائق وأصول الشريعة الإسلامية الجامعة التي تتبع جميعها هذا المدخل التأسيسي، وبذلك يتقرر:
أولاً: أن الله تعالى هو وحده مصدر التشريع في الشرائع جميعًا، وهو شارع القيم والمعايير الأخلاقية، وهو وحده الذي يقرر حسنها أو قبحها.
ثانيًا: أن الأخلاق دين ملتزم ليست مجرد فضائل نثاب عليها، بل هي دين مقرر، بل هي أصل من أصول المنهاج الإلهي وليست مجرد فضائل فردية كما يدعي بعض الناس، أو آداب اجتماعية، أو أذواق حضرية، أو غير ذلك.
ثالثًا: الأخلاق قيم أساسية في حياة البشر ينبغي أن تحظى بالثبات والاستقرار، وبالتالي يُمنع الطواغيت من التلاعب بها، أو تشكيلها حسب الأهواء والنظريات والمصالح.
رابعًا: قد احتوى القرآن الكريم على العديد من الآداب الفذة التي تعطي أسمى التوجيهات في باب الفضائل والآداب الفردية والاجتماعية، والذي لم تبلغ سفح ذراها أرقى المجتمعات في أمم الحضارات قديمها وحديثها، وحقًّا إنها كما وصفها ربُّنا: ]صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ الله صِبْغَة[ (البقرة:138) وصدق ربُّنا.
5- طريقة القرآن الكريم في بيان بعض الأخلاق بالآيات المفردة أمرًا ونهيًا:
ومن ذلك أمثلة:
أ- الأمر برد التحية أو أحسن منها: ( )
أولاً: آيات التربية على أدب الحديث وحسن اختيار الألفاظ والعبارات، فيقول تعالى على سبيل الإطلاق: ]وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ إجمالًا هكذا: ]وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا[ (الإسراء:53).
أو يقول ربنا على سبيل التحديد: ]وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا، أَو رُدُّوهَ[ (النساء:86).
ويلاحظ أن الأمر الإلهي في الحالين يرتفع بالمؤمنين إلى الدرجة العليا من التربية، حيث يأمرهم بالأحسن الذي هو أطيب الحسن؛ ليكون بينهم وبين السيئ من الأفعال والأقوال شُقة واسعة، فلا يفعلوا السوء فضلًا عن الأسوأ، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا[ (البقرة:104) والآية الكريمة ممّا لا نظير له في باب تربية الذوق والإحساس الاجتماعي وأدب الخطاب، ذلك لأن كلمة ]رَاعِنَا[ لا غبار عليها في ذاتها لأنها بمعنى لاحظنا وانظر إلينا يا رسول الله، وكان المسلمون يقولونها للنبي ^ في مجالسه معهم يستمهلونه بها ويستلفتون نظره إليهم، فلما سمعها اليهود استغلوا تشابهها اللفظي مع كلمة في لغتهم العبرية تعني الرعونة والحمق، فكانوا يقولون للنبي ^ بهذا القصد الخبيث: راعنا يا محمد راعنا؛ فنهى الله تعالى المؤمنين عنها حينئذٍ وأمرهم أن يقولوا كلمة لا تحتمل غير ظاهرها، فكان أصلًا في تخير الألفاظ، وفي تجنب الكلمات الموهمة التي قد تستبطن ذمًّا أو تنقيصًا، ولو كانا غير مقصودين، وهذا أدب فريد لا يليق إلا بالإنسان المكرم، ولا يرقى إليه إلا مجتمع المؤمنين.
ب- النهي عن العيب والطعن في الناس استخفاء: ( )
ومن هذا الباب نهيه تعالى عن الهمز واللمز قال تعالى: ]وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ[ (الهمزة:1) وهو العيب والطعن في الآخرين استخفاءً سواء في حضورهم أو في غيبتهم.
أيضًا من هذا -النهي عن التنابذ بألقاب القبح والسوء- قال تعالى: ]وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ[ (الحجرات:11) كأن يقول له تعييبًا: يا أيها الأعرج، أو الأعمش. . . أو ما إلى ذلك.
أيضًا من هذا النوع آيات في التربية على حسن المعاشرة والمخالطة والمعاملة بين الناس، ومن ذلك:
أولاً: في المجالس يقول ربُّنا: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ[ في مجالس العلم في مجالس الاجتماعات العامة وما إلى ذلك ]إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ الله لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا[ يعني: انتشروا ]فَانشُزُوا يَرْفَعْ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[ (المجادلة:11).
ومن هذا اللون أيضًا: في البيوت هذا الأدب أيضًا: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ[ (النور:58).
وحددها ربُّنا ويقول: ]وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ[ يعني: البلوغ ]فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[ (النور:59).
ويقول ربنا: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ[ (الأحزاب:53).
ويقول ربنا: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا[ (النور:27) والاستئناس شعورٌ نفسي يتحسس مواقع الدخول قبل الاستئذان، فهو من أبلغ ألوان التربية الاجتماعية التي تستهدف ترقية مشاعر المؤمنين والوصول بها إلى درجة عالية من الرقة والدقة وصفاء الإحساس؛ ولذلك يلاحظ أن عامة الآيات تصدر بنداء: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[ افعلوا كذا، ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[ أي أن هذه الأخلاق العظيمة من قضايا الإيمان ومن لوازمه كأن الكفار بمعزلٍ عن أن يرتقوا إلى هذا المستوى الكريم، وفي هذا النداء أيضًا انتداب للجماعة المسلمة لتقوم على حراسة هذه المعاني في مجتمعها فضلًا عن تطبيقها على أنفسها.
ومن الأمثلة أيضًا: آداب الأمور العامة مثل قوله تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ الله[ (النور:62)، فالآية الكريمة ترمي إلى غرس خلقية الارتباط بجماعة المؤمنين وبقيادتهم في الأمور الجامعة، كالمشاورة في أمر نَزَل كما قال المفسرون، أو حرب حضرت، أو مجلس صلح، أو صلاة عامة كالجمعة والعيدين وغير ذلك.
ومثل ذلك قوله تعالى: ]وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[ (النساء:83) والآية الكريمة تنعي على المتسرعين من الجمهور العام المتحدثين بكل ما سمعوا مهما كانت عواقبه، وهو في الحقيقة عملٌ يصدر عن خلق العجلة والطيش وعدم الأناة ممّا ينبغي على المؤمنين أن يجتنبوه، والجزء الأخير من الآية الكريمة يرمي إلى اقتلاع هذا الخلق وما يصدر عنه من سلوك، ويهدف إلى غرس الروية والأناة والتثبت مكان سابقه، وهو في المعنى يشابه قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[ (الحجرات:6). ويلاحظ أن الآيات الكريمة ليست تعليمًا أخلاقيًا لجمهور الأمة فقط، وإنما هي كذلك للقادة وللحكام، بل لعلهم هم أحوج الناس إلى هذه الأخلاق القرآنية مثل خُلق الشورى، والرحمة، والشفقة بالجمهور، ورعاية مصالحهم، بل قال الله تعالى لرسوله وهو أكمل الحكام: ]فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ الله[ (النور:62) ويقول -سبحانه وتعالى: ]فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (آل عمران:159).
كذلك تعلمهم الآيات الكريمة خلق الصراحة مع الأمة، وبيان الأمور لها بدلًا من الاستهتار بالجمهور، والاستئثار بكل شيء دونه، وفي مثل هذا تندلع الأراجيف والأقاويل والتخرصات، ولا تُوقف إلا بامتثال أولي الأمر أولاً لهذا الخلق القرآني العظيم بالبيان والتعليم.
أيضًا هناك آيات في التربية على الطهارة الخلقية والاجتماعية: فقد حض الله تعالى المؤمنين والمؤمنات على العفة، وطهارة الأعراض، والسمو في ذاتهم وحياتهم الاجتماعية؛ ولذلك أمر بغض الأبصار، وحفظ الفروج، وستر العورات، وحث النساء على ضرب خمورهن على جيوبهن، وإدناء الجلاليب، وعدم إبداء الزينة والتبرج أمام الأجانب عنهن، وحض على كل ما يؤدي إلى طهارة المجتمع رجالًا ونساءً وشيبًا وشبانًا، حتى الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ ولذلك يختم المولى -جل شأنه- كثيرًا من هذه الوصايا الخلقية ببيان نتائجها وأثرها في حفظ المجتمع الإسلامي، وطهارة وجه الحياة فيه من أدناس تغشى وجوه الحياة في مجتمعات الجاهلية ]كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا[ (يونس:27) يقول ربنا سبحانه وتعالى: ]قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم[ (النور:30) أي: أطهر وأنظف ماديًا ومعنويًا.
ويكرر سبحانه الأمر للنساء ويزيد عليه ما يناسبهن يقول تعالى: ]وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْربن بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ[ (النور:31).
ويقول سبحانه: ]وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[ (الأحزاب:33) والآية الكريمة عامة الحكم -كما هو واضح- إذ العبرة بعموم اللفظ كما هو مقرر، وتخصيص أهل البيت بالذكر لورود السبب عليهم في نزولها فقط، ولأنهم نصبوا قدوة للمؤمنين والمؤمنات.
ومن هذا الباب أيضًا: الآيات الكريمة التي تنهى عن الخمر وتحرمها تحريمًا جازمًا، باعتبارها رذيلة بالغة الخطورة والآثار في تدمير أخلاق الفرد والمجتمع، وقد كانت ولا تزال أبدًا مبعث شرور ورذائل اجتماعية لا حصر لها؛ لذلك سلكت هي والميسر في سلسلة واحدة مع الأصنام والأنصاب، ووصفت بالرجس وبتدمير الصلات الاجتماعية الحسنة بين الناس قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ $ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[ (المائدة:90، 91).
ومن ذلك أيضًا: آيات تحريم الربا، فإنه ليس جريمة اقتصادية فقط، وإنما هو قبل ذلك جريمة خلقية تنبعث من انطماس كل معاني الإنسانية والرحمة في قلوب المرابين، وأنها تمتلئ بكل ضروب القسوة والجشع والحرص على تنمية المال رغم كل القيم والاعتبارات السامية؛ ولذلك كان المدين قديمًا يُسترقُّ إذا عجز عن السداد؛ ولذلك تنبعث في صدور المحتاجين في مقابل هذا كل معاني الحقد والكراهية والتربص بالمرابين، وقد نُسب إليه كثير من ألوان البلايا التي صُبت على اليهود في كل العصور؛ لأنهم أحلوا لأنفسهم الربا من الأمم، وهذا مصداق لقوله تعالى: ]وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[ (النساء:61).
ومصداق لنذيره العام للمرابين إذا لم يتوبوا عن الربا: ]فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ[ (البقرة:279) وهذا غاية العدل والرحمة وإقامة التوازن بين الناس على أساس من العدالة والأخلاق والإنصاف.
والله أعلم.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*