الخميس , 19 يناير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » دروس » الأسرة المسلمة فى ظلال الحج
الأسرة المسلمة فى ظلال الحج
الأسرة المسلمة فى ظلال الحج

الأسرة المسلمة فى ظلال الحج

د/ ياسر حمدى
وأول ما يظهر لنا من دروس في مناسك الحج هي تلك المعاني الجميلة والأخلاقيات الحسنة والصفات السوية التي تميزت بها أسرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
أولاً : الأم (هاجر) رضي الله عنها وأرضاها:
تلك الأم التي يفيض موقفها طاعة لله ، ولزوجها ، واحتساباً للأجر من الله تعالى وثقة في موعوده ، حيث أمر الله تعالى زوجها إبراهيم عليه السلام بالذهاب إلى واد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام لا زرع هناك ولا ماء ليترك الأم ورضيعها بلا مأوى فما كان منها إلا أن قالت : “يا إبراهيم إلى من تتركنا؟”.
حتى إذا بلغ منحى الطريق قالت : “يا إبراهيم ، آلله أمرك بهذا؟”.
فأومأ برأسه أن نعم ، فقالت : ” إذاً لن يضيعنا الله أبداً”.
ثم رحمتها بولدها حتى كاد قلبها ينخلع لهفة ورحمة به ، وهي تأخذ بالأسباب في البحث عن المأكل أو المشرب – مع انعدام الإمكانات المادية – فتهرول من الصفا إلى المروة وهي في حالتها هذه لم تتبرم من زوجها ولم تسبه ولم تتهمه بما لا يليق فتصبر فيجزيها الله أجر الصابرين : “قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” (الزمر 10).
فأتى الفرج من الله تعالى وتفجر لها الماء عذبا زلالا، لا ينضب ما دامت السماوات والأرض ، شفاء سقم ، وطعام طعم.
ثم تتعرض لفتنة أكبر ، وهو ذبح ولدها الوحيد بعد أن بدأ يسعى فامتثلت لأمر الله ولم تصرخ في وجه زوجها ولم تتعدد حدود الأدب معه ، فيكون الفداء وينجي الله لها ولدها وقرة عينها.
وهكذا يجب أن تكون الأم فهي من الأسرة بمثابة الرأس من الجسد فإن صلحت ، صلحت الأسرة كلها وإن فسدت ، فسدت الأسرة كلها.
ثانياً : الأب
وهو في تلك القصة إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء الرجل الطائع لأمر الله تعالى والذي أدار بيته – زوجة وولداً – على الإيمان وحسن التوكل والطاعة لله تعالى والالتزام بأوامر الله ، فكان هو النموذج الذي تعلم منه أهل بيته كل الفضائل.
أمره الله بالذهاب بأهله إلى بيت الله الحرام فذهب ، أمره الله بذبح ولده الذي بدأ السعي معه ورزقه الله به بعد طول انتظار وأمل فصدع بأمر الله تعالى.
فليس في قلب إبراهيم تعلق بالدنيا وما فيها، اللهم إلا بالله تعالى وفضله فاستقام أمر بيته ، وهكذا يجب أن تستقيم أمور البيوت المسلمة بغير إهمال ولا تقصير فاختبره الله تعالى فنجح في الاختبار فكانت المنزلة الكبرى فهو أبو الأنبياء ، ويكون الجزاء والذكر الخالد : “وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ” (الصافات 108-109).
ويقول تعالى : “رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ” (إبراهيم 37).
ويقول تعالى : “وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ” (القصص 57).
وقال تعالى : “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ” (البقرة 125).
فحُق أن يتُخذ مقامه مصلى لمن طاف بالبيت.
إن إبراهيم عليه السلام كان يتابع ابنه ليتأكد من تكوين ابنه لأسرة مسلمة فيزور إسماعيل ويترك رسالة لإسماعيل : “غير عتبة البيت”.
ولم يكتف إبراهيم عليه السلام بهذه الزيارة ولكنه يكررها ليتأكد أن أسرة إسماعيل أسرة صالحة فيزوره ويقول له : “أبق على عتبة البيت”.
وبذلك يتأكد لنا أن احتفالا بهذه المناسبة كل عام أمر ضروري لترسيخ قيمة الأسرة : (ابن بار – زوجة صالحة – زوج مطيع لربه وخالقه – إنها أسرة تسعد بها الإنسانية).
ثالثاً : الابن
ذلك الولد الصالح البار بوالديه ، قال تعالى : “فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ” (الصافات 102).
رفع الله ذكره لصدقه مع الله ولطاعته لأبيه : “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا” (مريم 54).
الولد الذي امتثل لأمر الله فأطاع أباه وأحسن معاملة أمه.
كان رحيما يراعي شعورها وشغف قلبها به ، وكان مشغوفا بأبيه في ذلك الموقف العصيب فحاول أن يخفف عن أبيه ويعينه على طاعة الله تعالى ناصحاً له : يا أبت إذا هممت بذبحي فاشحذ السكين حتى لا تؤذيني فتتألم لألمي فتعصى الله ، يا أبت إذا هممت بذبحي فأدر وجهي عن وجهك حتى لا تنظر إليّ فتحزن فتتأخر فتعصى الله ، يا أبت إذا هممت بذبحي فلا تخبر أمي إلا بعد ذبحي حتى لا تتأثر لأمرها فتتأخر عن تنفيذ أمر الله واخلع عني ردائي حتى لا ترى أمي أثر الدم فتأسى.
فيكون جزاء هذا الولد الصالح أن يفديه الله صغيرا ويجتبيه رجلا فيكون نبياً ويخلد ذكره في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة ، ويكون له جزء من الكعبة هو حجر إسماعيل.
وهكذا يجب أن تكون الأسرة المسلمة تفيض حباً ورحمة وشفقة ورأفة وطاعة لله وصلاحاً وتقوى ، كل مرتبط بربه ، يتقي الله في الآخر يقوم كل بدوره ثم يكون العفو والمغفرة يحيون بتعاليم دينهم ، ويتقون الله في أنفسهم وأهليهم

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*