السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » السياسة الشرعية » الإسلام دين العدل
الإسلام دين العدل
الإسلام دين العدل

الإسلام دين العدل

فضيلة الشيخ / خالد مصطفى
الإسلام دين شامل، وقد ظهرت شموليته الواضحة فى كل جوانب الحياة الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية، كما أنه يشمل كل متطلبات الإنسان الروحية والعقلية والبدنية،
و أن الإسلام يرتكز في جوانبه الحضارية على ثلاثة مبادئ؛
الإنسان قبل البنيان، والساجد قبل المساجد، والوعى قبل السعي.
و التباين والتفاوت الذى نشهده في الرزق بين الناس هو أمر طبيعي،
يتفق مع سنن الفطرة؛ وأن أي مذهب يهدف إلى إيجاد المساواة الاقتصادية الكاملة بين العباد، باطل من أساسه؛ لأنه لا توجد مساواة في المواهب والعقول ، ومع ذلك يعمل المنهج الإسلامي على إيجاد التوازن والانضباط بين المجتمع حتى تتحقق العدالة الاجتماعية.
الإسلام دين العدل:
والحديث عن العدالة الاجتماعية إنما هو حديث عن (العدل) الذى هو صفة من صفات الله عز وجل، كما أن الإسلام- الذى هو دين الأنبياء جميعًا- هو دين العدل، فما أرسل الأنبياء ولا نزلت عليهم الكتب إلا لتحقيق العدل على الأرض، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد:25). هذه الآية التي جمعت بين القسط وإنزال الحديد، تبين أنه لابد للحق من حراسة قوية؛ لأن أعداء العدل الظلمة الطغاة لديهم من القوة ما يحمون به ظلمهم، ولتحقيق العدل، لابد من عدة ركائز؛ الأولى هي الإيمان بالله وتزكية النفس البشرية، والاعتقاد بأن المانح والمانع هو الله عز وجل وليس أحدًا من البشر.
المساواة بين البشر:
أما الركيزة الثانية فلابد من تحقيق المساواة التي قررها الله سبحانه بين البشر فلا فرق بين غنى وفقير، فمعيار التكريم في الإسلام هو تقوى الله.
التساوي في الحقوق:
لا فرق بين غنى وفقير في ضرورة وصول الحق إلى صاحبه، ولا بين قوى وضعيف، فقد قال سيدنا أبو بكر في خطبته عندما تولى الخلافة “القوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى حتى آخذ الحق له”.
كذلك لا فرق بين الصغير والكبير، فقد تولى أسامة بن زيد قيادة الجيش وفيه أبو بكر وعمر، وهو في الثامنة عشرة.. فالمسألة ليست بالسن وإنما بالكفاءة.. ولا فرق بين أبيض وأسود، فاختلاف الألوان آية من آيات الله وليس سببا للتفاضل بين البشر، ولذلك كان عبادة بين الصامت- وهو ذو بشرة سوداء- رئيس الوفد إلى المقوقس عظيم قبط مصر، وحينما رآه المقوقس قال قدِّموا غيره، ازدراءً منه للونه الأسود فقال الوفد جميعًا: هذا خيرنا وأفضلنا.
ولا فرق بين جنس وجنس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا آل البيت»، وكان بلال الحبشي يقف هو، وأبو سفيان بن حرب الشريف القرشي على باب عمر بن الخطاب، فأمر عمر بدخول بلال أولاً لأن له سابقة في الإسلام.
ولا فرق بين حاكم ومحكوم، فعندما قال عمر بن الخطاب للصحابة: “لو رأى أمير المؤمنين شخصًا يزنى، فما الحل؟ أجابه على ابن أبى طالب: على أمير المؤمنين أن يأتي بالبينة وإلا فحد في ظهره”.
إنصاف غير المسلمين:
أمام الحق والقانون لا فرق بين المسلم وغيره كما في القصة المشهورة لسيدنا على بن أبى طالب حين وقف في خصومة مع اليهودي، وقال للقاضي: إنك لم تسوِ بيننا حين ناديتني بكنيتي فقلت لي: يا أبا الحسن، بينما ناديت اليهودي باسمه.
وفى سورة الممتحنة جاء الأمر للمسلمين بردِّ صداق المسلمات إلى أزواجهن الكفار، حين يهاجرن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، فلا تضيع حقوق الكفار! فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الممتحنة:10).
و الاختلاف في الرؤى ووجهات النظر، ينبغي ألا يكون مدعاة لانتقاص الحقوق واحتقار الآخرين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة:8).
التكافل وأصحاب الحاجات:
الركيزة الثالثة هي التكافل، أي أنه إذا كان كل فرد يأخذ حسب ما يبذله من تعب وما يتكبده من مشقة، فينبغي ألا يضيع في المجتمع أصحاب الحاجات ومن لديهم إعاقات تمنعهم من اكتساب معاشهم، بل ينبغي أن تكفلهم الدولة وترعاهم وتوفر لهم الحياة الكريمة.
الركيزة الرابعة فهى عدم تركّز الثروة فى يد طبقة دون الناس: ولذلك يقول القرآن الكريم {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7) فيجب أن تكون هناك عدالة في توزيع الثروة، خاصة الثروة الطبيعية العامة مثل البترول والمعادن.
ومن حكمة تشريع (الميراث) وهى أن تتفتت الثروة بين الأبناء أو غيرهم من الأقارب في حال عدم وجودهم؛ ليستفيد أكبر عدد ممكن من الناس بالمال ولا تحتكره شريحة أو طبقة معينة.
المال والاستخلاف:
وفلسفة الإسلام في العدل نلخصها بالقول: إن الله تعالى هو الذى خلق الأموال والخيرات في هذا العالم وأودعها فيه، وجعل الإنسان في الأرض خليفة، فالمال مال الله والإنسان مستخلف فيه والأرض وضعها للبشر جميعًا،ويؤكد هذا كم من النصوص القرآنية، حيث يقول تعالى:{وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ}(الرحمن:10)، {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (الحديد:7)، {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ} (المؤمنون:55) {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً} (المدثر:11،12) {يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لكُمْ أَنْهَاراً} (نوح:11،12).
إذن الأمـوال والبنـون كما توضح آيات القرآن الكريم هي من عند الله.
وقد ألمح الإمام محمد عبده في هذا الصدد إلى أمر مهم وهو أن القرآن الكريم أضاف كلمة (المال) إلى ضمير الفرد فى سبع آيات، بينما أضافها إلى ملكية المجموع في سبع وأربعين آية؛ ويخلص إلى أن ذلك يدل على أن الإسلام لم يحرم الملكية الفردية مثل الشيوعية، ولم يرفض الملكية الجماعية مثل الرأسمالية، بل كان وسطا بينهما، فجعل للإنسان ملكية فردية لكنها ملكية استخلاف واستمتاع، وكل ذلك فى حدود وبنود عقد الاستخلاف كما تنظمه الشريعة الإسلامية.
فلسفة العدل فى الإسلام:
الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيقًا لفلسفة العدل في الإسلام وتأكيدًا على أن المال مال الله وأن الناس مستخلفون فيه- عند إقامة الدولة الإسلامية فى المدينة وضع هذا الفكر فى الممارسة والتطبيق، مؤكدًا أن العبادة هي العمل على عمارة هذا الكون وليست مجرد الشعائر والعبادات التى نتعارف عليها، ولذلك فى أول تمكين للدول الإسلامية دولة النبوة أقام الرسول صلى الله عليه وسلم المؤاخاة بين المهاجرين من ناحية وبين المهاجرين والأنصار من ناحية أخرى؛ وفلسفة المؤاخاة هى تعاقد اجتماعي حقيقي يقوم على المؤاخاة في الحق، وتعنى التناصر في الدين والأمور المعنوية وإقامة الحق، والمساواة في المعاش.
وعظمة العدالة الاجتماعية بدولة الخلافة الراشدة فى عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه؛ واضحة جلية فقد لاحظ فى عهده أن الأموال أخذت تكثر وهناك أفراد يأخذون أكثر من غيرهم مما ينذر بنشوء نظام الطبقية ويوجد قدرًا من التفاوت الاجتماعي غير الطبيعي فعزم على العودة إلى ما كان على عهد سيدنا أبى بكر من التسوية بين الناس في العطاء، فقال «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها في فقراء المهاجرين» وقال أيضًا: “لئن بقيت إلى الحول لألحقن أسفل الناس بمن علاهم”.
كما أرسى عمر بن الخطاب العديد من المبادئ والأحكام الاجتماعية التي أدت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية فى ربوع الدول الإسلامية فى عهده.
وقد نجح فى تحقيق العدالة على صعيد الواقع والتطبيق نجاحًا منقطع النظير حتى اقترن اسمه بالعدل.
من ناحية أخرى العدالة الاجتماعية هي التي تحقق المواطنة، مؤكدًا أنه لو امتلأت الدساتير بمعاني المواطنة فلن تكون ذات قيمة دون تحقيق العدالة الاجتماعية في الواقع بين أفراد المجتمع، فالمواطنة والعدالة الاجتماعية متلازمتان.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*