الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » التاريخ الهجري وعزة الأمة
التاريخ الهجري وعزة الأمة
التاريخ الهجري وعزة الأمة

التاريخ الهجري وعزة الأمة

بقلم فضيلة الشيخ:- محمد فرحات معوض*

لكل أمة من الأمم تاريخ تعتز به، وتُنسب إليه أحداثها، فالتاريخ بالنسبة لأي أمة من الأمم يمثل هويتها، ويعكس اهتمامها، لذا لم يكن غريباً على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يبدأ التأريخ للمسلمين بالهجرة، – والقصة كما رواها ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجالد عن الشعبي قال: كتب أبو موسى إلى عمر أنه يأتينا كتب ما نعرف تأريخها فأرخ، فاستشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: أرخ لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: أرخ لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين الحق والباطل فأرخ – وكانت لمحة عبقرية من عبقري وعلَّل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذا الأمر بقوله ( فإن مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرَّق بين الحق والباطل).

وهي بداية قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وبداية تأسيس البنيان للدولة الإسلامية القوية على تقوى من الله ورضوان قال تعالى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ)، وكانت الهجرة كذلك إعزازًا للدين، وذلك الهدف الأسمى الذي كان يسعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، وكذلك النقطة الفاصلة في حياة المسلمين التي حولتهم من مرحلة الضعف إلى مرحلة القوة، ومن مرحلة اللا كيان إلى كيان كبير على رأسه محمد صلى الله عليه وسلم ويطبق فيه شرع الله عز وجل.

تأصيل التأريخ الهجري

وفى تأصل التأريخ الهجرى وقفات هي:-

أولاً: أن الله عز وجل هو الذي قرره فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يقول ابن كثير: (بالشمس تُعرف الأيام، وبسير القمر تُعرف الشهور والأعوام).

ثانياً: إن بعض العبادات، مرهونة بالشهور العربية وذلك حتى يتأصَّل التاريخ الهجري لدى المسلمين فلا يغفلوا عنه أو يتشاغلوا بغيره دونه، فالصيام في شهر رمضان (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، والحج له أشهر معلومات قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، ومن الأمور الفقهية كعِدة المرأة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، وكفارة الظهار، فكل ذلك مرتبط بالشهور الهجرية.

ثالثًا: إن الله عز وجل يصرح بأن الأشهر عند الله التي يجب العمل بها لا بغيرها هي الأشهر العربية فقال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، ومن المعلوم لدى كافة الخلق أن الأشهر الحرم من الأشهر العربية.

رابعًا: إن الذي أرخ التأريخ الهجري سيدنا عمر بن الخطاب خليفة المسلمين وأمير المؤمنين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً للأمة اتباع سنته  صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين فعن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.

خامسًا: أجمعت الأمة بما فيهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على العمل بهذا التأريخ ومن المعلوم أن الإجماع هو المصدر الثالث للتشريع.

فكل هذه شواهد تؤكد العمل بالـتأريخ الذي ارتضاه الله عز وجل للمسلمين التاريخ الهجري.

هل نعتز بتقويمنا الهجري ؟!

التاريخ الهجري يمثل للمسلمين القلب النابض الذي يعمل على بث روح الأمل فيهم من جديد، فهو الذي يذكر بالأحداث المجيدة كغزوة بدر، وفتح مكة، والقادسية وغيرها من أحداث عظام في تاريخ أمتنا، ولقد فطن أعداؤنا إلى أهمية التاريخ الهجري بالنسبة للمسلمين فعملوا على إهماله فكانت إحدى أهداف المستعمِر محو ذلك التاريخ من عقول الناس ونسيانه ويقول الشيخ محمد الغزالي :- ( وظل التاريخ الهجري الضابط الأوحد للأحداث الخاصة والعامة؛ حتى دهم المسلمين الاستعمارُ العالمي الأخير، وبدأ خطته في محو شخصيتهم وتشويه معالمهم، فإذا التاريخ الأوروبي يطارد التاريخ العربي ويحاول القضاء عليه ) كتاب الحق المر .

لقد نسي المسلمين تاريخهم أو تناسوه؛ بل إن بعض المسلمين لا يكاد يتذكر الشهر الهجري الذي يحيا فيه أو السنة الهجرية التي يعيش فيها، في وقت يعتز النصارى بتاريخهم ويمجدوه ويعتزوا به، وكذلك اليهود لهم تقويم خاص بهم، بل كان العرب رغم جهلهم وقلة ثقافتهم يؤرخون بالأحداث التي تمر عليهم، فأولى بنا نحن أن نعتز بتاريخنا المضيء المشرق الذي اختاره الله لنا.

أعجب كل العجب في نسيان هذا التاريخ والتملص منه وعدم الاعتزاز به، وهذا أخطر ما يكون ففيه ضياع هوية الأمة، وتاريخها المشرق.

إن عدم الاعتزاز بالتاريخ الهجري يجعل أمتنا بدون ماض تستند إليه وهذا ما أراده لنا المحتل الغاصب، أن ننسلخ من تاريخنا الذي يذكرنا بانتصاراتنا المجيدة.

فأولى بنا أن نعتز بالتقويم الذي ارتضاه الله لنا وهو التقويم الهجري ونؤرخ به أحداثنا بدلاً من تواريخ لا تمت إلى ديننا بأدنى صلة .. والله الموفق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*