الإثنين , 27 فبراير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » خطب » التحذير من الرشوة
التحذير من الرشوة
التحذير من الرشوة

التحذير من الرشوة

فضيلة الشيخ / أحمد عبد العزيز
مقدمة:
– قال تعالى:” وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ” (الأعراف: 157)
– تحصيل علم هذا الباب واجب على كل مسلم مكتسب.
– الأصل في الأشياء الحل, ما لم يرد أصل يحرمها.
– الكسب الخبيث له آثار ضارة على الفرد والمجتمع.
أولا/ موارد الكسب الخبيث يمكن تلخيصها في الموارد الآتية:
المورد الأول: ما كان بغير مقابل من عمل: كالربا والقمار ونحوهما.
المورد الثاني: ما كان بغير حق: كالسرقة والرشوة، والغش والاحتكار ونحو ذلك.
المورد الثالث: ما كان عوضًا لما يضر: كثمن الخمر والمخدرات.
ثانيًا/ التحذير من الكسب الخبيث:
إن كان الإسلام يعترف بالكسب الطيب المشروع, ويعترف بآثاره, فإنه قد حظر الكسب الخبيث, لما له من آثار ضارة على الفرد والمجتمع, وينذر الرسول – صلى الله عليه وسلم آكل الحرام بالنار كما في هذا الحديث العظيم, فعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: “كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَمْلُوكٌ يَغُلُّ عَلَيْهِ, فَأَتَاهُ لَيْلَةً بِطَعَامٍ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ لُقْمَةً، فَقَالَ لَهُ الْمَمْلُوكُ: مَا لَكَ كُنْتَ تَسْأَلُنِي كُلَّ لَيْلَةٍ وَلَمْ تَسْأَلْنِي اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ الْجُوعُ, مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذَا؟ قَالَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَقِيتُ لَهُمْ فَوَعَدُونِي, فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ مَرَرْتُ بِهِمْ فَإِذَا عُرْسٌ لَهُمْ فَأَعْطَوْنِي, قَالَ: إِنْ كِدْتَ أَنْ تُهْلِكَنِي, فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي حَلْقِهِ فَجَعَلَ يَتَقَيَّأُ, وَجَعَلَتْ لَا تَخْرُجُ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِالْمَاءِ, فَدَعَا بِطَسْتٍ مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ يَشْرَبُ وَيَتَقَيَّأُ حَتَّى رَمَى بِهَا, فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ, قَالَ: لَوْ لَمْ تَخْرُجْ إِلَّا مَعَ نَفْسِي لَأَخْرَجْتُهَا, سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ», فَخَشِيتُ أَنْ يَنْبُتُ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِي مِنْ هَذِهِ اللُّقْمَةِ “(كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به )(شعب الإيمان) والسُّحْتُ، بالضم، وبِضَمَّتَينِ: الحَرامُ، أو ما خَبُثَ من المَكاسب.(القاموس المحيط)

ولا يقيم الإسلام وزنًا لحسن النية, وشرف الغاية إذا كان طريق الكسب محرمًا, فقد جاء في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(المؤمنون: 51), وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}(البقرة: 172) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟)(مسلم), وفي حديث آخر:(إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ)(مسند أحمد)
ورد عن الإمام الأوزاعي قوله:
المال يذهب حله وحرامه يومًا ويبقى بعده آثامُه
ليس التقي بمتقٍ لإلهه حتى يطيب طعامُه وكلامُه
وورد عن مجاهد قوله: قال إبليس إن أعجزني ابن آدم فلن يعجزني في ثلاث خصال: أخذ مال بغير حقه, فإنفاقه في غير حقه, أو منعه عن حقه) (الإمام أبوبكر بن أبي الدنيا – إصلاح المال )
ثالثا/ تعريف الرشوة:
1/ الرشوة في اللغة: قال ابن منظور: الرّشو: فعل الرّشوة، والمراشاة: المحاباة، والرّشوة (بالفتح) ، والرّشوة (بالكسر) ، والرّشوة (بالضّمّ) الجعل، قال: وهي مأخوذة من رشا الفرخ إذا مدّ رأسه إلى أمّه لتزقّه. قال ابن الأثير: الرّاشي: من يعطي الّذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ (للرّشوة) ، والرّائش الّذي يسعى بينهما يستزيد لهذا، ويستنقص لهذا. قال: وأصل ذلك من الرّشاء الّذي يتوصّل به إلى الماء.
2/ الرشوة في الاصطلاح: قال الجرجاني: الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل.
رابعًا/ الرّشوة من الكبائر: قال الذّهبيّ: الكبيرة الثّانية والثّلاثون: أخذ الرّشوة على الحكم، وقد استدلّ على ذلك بقوله تعالى:” وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة/ 188) قال الذّهبيّ: لا تدلوا بأموالكم إلى الحكّام: أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقّا لغيركم وأنتم تعلمون أنّ ذلك لا يحلّ لكم، وعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الرّاشي والمرتشي” مجمع الزوائد.
وعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ – قَالَ عَمْرٌو: وَابْنُ أَبِي عُمَرَ – عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أُهْدِيَ لِي، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: ” مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ “، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟» مَرَّتَيْنِ. ( مسلم)
وبعد أن ذكر الأحاديث الدّالّة على التّحريم، قال: إنّما تلحق اللّعنة الرّاشي إذا قصد بها أذيّة مسلم، أو ليدفع له بها ما لا يستحقّ، أمّا إذا أعطى ليتوصّل إلى حقّ له، أو ليدفع عن نفسه ظلما، فإنّه غير داخل في اللّعنة، أمّا الحاكم فالرّشوة عليه حرام سواء أبطل بها حقّا أو دفع بها ظلما، والرّائش (وهو السّاعي بالرّشوة) تابع للرّاشي في قصده إن قصد خيرا لم تلحقه اللّعنة وإلّا لحقته.( انظر موسوعة نضرة النعيم)
خامسًا/ من مضار (الرشوة)
(1) هي مغضبة للرّبّ، ومخالفة لسنّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومجلبة للعذاب.
(2) تسبّب الهلاك والخسران في الدّارين وربّما أدّت إلى الكفر.
(3) هي إفساد للمجتمع حكّاما ومحكومين.
(4) تبطل حقوق الضّعفاء وتنشر الظّلم.
(5) الرّاشي والمرتشي والرّائش كلّهم ملعونون عند الله ورسوله.
(6) الرّشوة في تولّي القضاء والوظائف العامّة تفسد أحوال المجتمع وتنشر الفساد.
(7) الرّشوة في أمور الجند تجعل الكفاءة فيهم غير معتبرة ويؤول الأمر إلى أن يتولّى الدّفاع عن البلاد من هم غير أهل لذلك فتحيق بهم الهزيمة، ويلحق العار البلاد بأسرها.
(8) المرتشي تشدّ يساره إلى يمينه ثمّ يرمى به في جهنّم وساءت مصيرا.
سادسًا/ عوامل تفشي الرشوة:
1/ ضعف الوازع الديني
2/ وقوع الظلم والجور في المجتمعات.
3/ عدم مراقبة العمال وأصحاب الولايات على الرعية من قبل المسؤولين.
4/ وجود خلل في نظام السلطة؛ فلا يصل صاحب الحق إلى حقه إلا بها.
5/ وجود الحاجة والفاقة؛ فيعمد المحتاج إليها لسد حاجته وفاقته.
سابعًا/ منهج العلاج:
1/ تقوية الوازع الديني.
2/ الرقابة على الأجهزة
3/ مصادرة كل ما ثبت أنه أخذ رشوة.
4/ توفير ضرورات الحياة للناس.
ثامنًا/ الوصايا العملية:
– أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة.
– طهر كسبك من الحرام حتى لا تكن وقودًا للنار.
– كن رحيمًا بالناس يرحمك الله.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*