السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » السياسة الشرعية » التدرج فى تطبيق احكام الشريعة
التدرج فى تطبيق احكام الشريعة
التدرج فى تطبيق احكام الشريعة

التدرج فى تطبيق احكام الشريعة

 

الأصل أنه لا يوجد تدرج في التطبيق ، وإنما يوجد تفهم لظروف المجتمع والأفراد عند تطبيق الأحكام الشرعية ، وتحقيق مناط الحكم قبل تطبيقه .

ويخضع هذا الأمر لجملة من الأدلة والقواعد ، منها :

–  ما اتفق عليه الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل لما بعثه لليمن: ”إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم. فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم. فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس“  

–  : ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع ثقيفًا على الإسلام اشترطوا عليه أن لا صدقة عليهم ولا جهاد، فقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعد أن بايعهم: ”سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا.“

– روى ابن الجوزي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه أمير المؤمنين الخليفة الراشد الخامس وقت قيلولته يستعجله بردّ المظالم إلى أهلها، فقال له عمر : يا بني، إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني، إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلا حتى أسقط ويسقطوا، وإني لأحتسب في نومتي الأجر مثل ما أحتسب الذي في يقظتي، إن الله لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، لكنه أنزل الآية والآيتين حتى استكنّ الإيمان في قلوبهم .

– وروي أن ابنه عبد الملك قال له : يا أبت لم لا تنفذ الأمور ؟ فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور ! فقال له عمر رضي الله عنه : “لا تعجل يا بني، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرّتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه وتكون فتنة” .

– وروي عنه قوله ”  لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم، فأخرج معه طمعاً من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا”

– وروي عنه قوله ” : “ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً”

– سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الرقيق العجم، يُشترون فيشهر رمضان وهم لا يعرفون الإسلام ويرغبون فيه، لكن لا يفقهون ما يُراد منهم، فهل يُجبرون على الصيام أم يُطعمون ؟ فقال : أرى أن يُطعموا ولا يمنعوا الطعام ويرفق بهم حتى يتعلموا الإسلام، ويعرفوا واجباته وأحكامه .

من أقوال الفقهاء :

قال ابن تيمية ” خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا ـ وقوله: الزانية والزاني فاجلدوا ـ وقوله: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ـ وكذلك قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ـ لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد ـ إلى أن قال ـ رحمه الله: والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من  باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه. “

ويقول أيضا ” فالواجب على المسلم أن يجتهد وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار”.

القواعد الشرعية :

–        سقوط التكليف بالعجـز.

–        فأتوا منه ما استطعتم.

–         ارتكاب أخف الضررين.

–         تقديم الأرجح عند التعارض بين المصالحوالمفاسـد.

من ضوابط التدرج :

أولا : الإيمان بوجوب التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية .

ثانيا : العمل على إزالة عوائق التطبيق الكامل وفق مقتضيات السياسة الشرعية .

ثالثا : التطبيق الفوري عند الإمكان ، فلا تأخير لحكم حتى يتهيأ الناس لغيره .  

رابعا : لا تدرج في العقيدة وما علم من الدين بالضرورة .

خامسا : إعلان المحرمات ومحاربتها ، ولا يعني التدرج القول بإباحتها إنما يمكن تاخير تنفيذ العقوبات الواردة فيها حتى تستكمل الشروط المناسبة لتطبيقها .

سادسا : مراعاة الأولويات  

شبهات حول التطبيق :

أولاً: التناقض المعرفى الظاهر فى تعبير “دولة المدنية ذات مرجعية دينية”، حيث إن الدولة المدنية تقوم على اعتبار الأمة هى مصدر السلطات، بينما المرجعية الدينية تعنى أن الله هو مصدر السلطات.

ثانيا : لا يوجد نموذج واحد لدولة ذات مرجعية دينية أثبت نجاحه فى العصر الحديث .

ثالثا : حيث إن الإسلام قد حرر البشر من سيطرة الكهنوت فلم يعد فى الإسلام كهنوت يحدد لنا الدين الصحيح لكى نتخذه مرجعية مثل المسيحية أو اليهودية، وعلى هذا فقد أصبح لدينا أكثر من إسلام يصل الأمر بينهم فى جميع المسائل إلى حد التناقض والتكفير المتبادل، فلا يوجد ما يسمى إجماعا، لدينا إسلام الأزهر وإسلام الصوفية وإسلام الوهابية (السلفيون) وإسلام تنظيم القاعدة وغيرهم، وكلهم يدعى الوسطية واتباع الدين الحق، فأى منهم سيكون مصدرا للمرجعية؟

رابعا : إن جعل الدين مرجعية للمجتمع يفتح بابا لا يقتصر الدخول منه على العلماء الأخيار فقط، بل سيدخل منه أيضا كل من يرتدى عباءة الدين من فقهاء السلاطين والدجالون ومفسرو الأحلام والمعالجون بالقرآن وأصحاب الكرامات، وتغرق البلاد فى بحر الخرافة.

خامسا : المرجعية الدينية ستسبغ نوعا من القداسة على الأحكام والقوانين، فيكون انتقادها أو محاولة تطويرها شاقا وعسيرا، لأنه سيتطلب نصاً يتفوق فى ثبوته وقطعية دلالته على النص الأول، وهنا يكون الجمود والركود والموت البطىء.

سادسا : إن معارضة المرجعية الدينية تؤدى لاتهام المعارضين فى دينهم مما سيؤدى لإحجام الكثيرين عن المعارضة، فيسود الاستبداد.

سابعا : إن كل مسألة فى الدين فيها عدة أقوال تصل إلى سبعة عشر قول، وكل شيخ جماعة أو مذهب سيريد أن يرى رأيه محل اعتبار وإلا اضمحل المذهب، وانفض الناس عن شيخه، لهذا سنرى التناحر المذهبى يتصاعد وينذر بأوخم العواقب.

ثامنا : المرجعية الدينية تستند إلى لغة قديمة فضفاضة، تختلف عن اللغة المدنية الحديثة ذات الاصطلاحات المحددة، وهذا سيوقعنا دائما فى محظور تعدد التفاسير والترجمات للفظ أو النص، مما سيعطل الأداء الحكومى، ويبطئ الفصل فى المنازعات.

تاسعا : هناك مدرستان فى الفقه، الأولى أيديولوجية سلفية تقدم النص على المصلحة، والثانية عقلانية حداثية تقدم المصلحة على النص، ولكل مدرسة مرجعيتها الشرعية، مما سيجعل البلاد دائما فى حالة دائمة من الغليان والتشكيك فى ما يصدر من قوانين، فلا ينعم الوطن بالاستقرار أو الهدوء اللازمين للبناء والتنمية.

عاشرا : الخلط الدائم بين تطبيق مبادئ الشريعة المطلقة والثابتة وبين تطبيق أحكامها من عقوبات بدنية وجزية وغيرها (رغم أن الأحكام الواردة فى النصوص المقدسة ليست مطلقة أو ثابتة، بل متغيرة، وأوقف الصحابة العمل بكثير منها لتغير ظروف المجتمع أو انقضاء الحاجة إليها) من شأنه فتح باب المزايدة أمام المعارضة من داخل التيار الدينى نفسه قبل غيرهم، ويؤدى إلى فزع دائم فى أوساط المسلمين غير المسيسين والمسيحيين ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية، فينعدم السلام الاجتماعى الضرورى لضمان مشاركة جميع المصريين فى التنمية.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*