السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » العقيدة » الثقافة الشرعية
الثقافة الشرعية
الثقافة الشرعية

الثقافة الشرعية

د/ كامل محمد
العقيدة
وكلمة العقيدة كلمة جديدة،
لم يعرفها السلف، ولكنها استنبطت من العُقدة؛
لأنها تضم الاعتقاد بأركان الإيمان الستة، التى ينعقد القلب عليها، وأولها:
توحيد الله عز وجل توحيداً خالصاً من الشوائب، ثم الإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وينبغى للمسلم المعاصر أن ينتبه إلى أمور تتعلق بالعقيدة، منها:
1- الحذر من صرف الوقت والجهد فى فك ألغاز علم الكلام، إذ يجب توفير ذلك لما هو أجدى، فقد هاجم السلف علم الكلام وأهله، وكثير من العلماء الذين انشغلوا به رجعوا عن ذلك، وتمنّوا لو مات أحدهم على إيمان العجائز بلا تكلف ولا تعمق!
2- الحذر من صرف الهمة إلى مشكلات تاريخية فى العقيدة، مثل تفصيلات قضية (خلق القرآن) وتفصيلات الفروق بين الفرق المختلفة، وإن كان هذا لا يمنع -بالطبع- من الإشادة بثبات الإمام الجليل أحمد بن حنبل فى الفتنة، والأولى أن ننفق الجهد والوقت فى الرد على شبهات المنصِّرين والمستشرقين والشيوعيين والعلمانيين، وغيرهم من خصوم الإسلام وتلاميذهم، ردًّا علميا فكريا بلسان العصر.
3- الحذر من تكفير أو تفسيق أهل التأويل المعتمد على لغة العرب– وهم كبار أئمة المسلمين- وهو أمر لم يقع فيه السلف رحمهم الله. وإن لم يسلم منه بعض أتباعهم فى القديم والحديث، فمع أننا نعتقد فى الله عز وجل اعتقاد السلف الصالح، ونثبت له ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف ولا تحريف ولا تعطيل ولا تأويل، فإننا -مع ذلك- نعذر أئمة الإسلام، كالنووى والقرطبى وابن حجر والغزالى وابن الجوزي… الخ، الذين أوّلوا بعض آيات الصفات بما يتفق مع اللغة، لأنهم أرادوا تنزيه الله عز وجل، وأرادوا الرد على الفرق المنحرفة- وفق اجتهادهم- فهم معذورون بإذن الله تعالى، وأقدارهم محفوظة معلومة، ولحومهم مسمومة!
رابعاً: مع الفقه:
وبخاصة فقه العبادات والمعاملات؛ ليعمل بمقتضاها أولاً، ثم ليتمكن من تصحيح ما يقابله من أخطاء، وتقويم ما يواجهه من انحرافات فى ضوء الأحكام الشرعية، بعلم وفقه، لا بمجرد غضب وحماسة.
1- وبداءة ذى بدء فإن على المسلم أن يربط الأحكام بأدلتها من الكتاب والسنة، فلا فقه بلا دليل، والدليل يكسو الحكم نوراً وجمالاً، والفتوى دقة وانضباطا. وكل مسألة ليس عليها دليل لا تلزمنا.
2- وليحذر من المبالغة فى تعليل العبادات بأمر غير جامع (بمعنى أنه لا ينطبق على كل الحالات) ولا مانع (بمعنى أنه ينطبق على غير العلل مما لم يأخذ حكمه)، ومثال ذلك: تعليل تحريم بأن فى بطونها ديدانا خطيرة؛ فذلك ينطبق على الأبقار أيضاً… إلخ.
ومن ذلك تعليل حرمة الربا بأنه استغلال لحاجة الفقراء لمصلحة الأغنبياء، وهذا التعليل إنما ينطبق على صورة واحدة -تكاد تنقرض اليوم- لأن أكثر الذين يقترضون الآن من المصارف هم الأغنياء ورجال الأعمال الذين يريدون أن يوسعوا تجاراتهم، وهذا النوع يُسمّى بالقرض الانتاجى، أى القرض من أجل التوسع فى المشروعات التجارية والإنتاجية، لا من أجل الاستهلاك، وهذا يشبه ما كان يصنعه العباس بن عبد المطلب (عم النبى صلى الله عليه وسلم) حيث كان يأخذ أموال أغنياء قرى فى رحلاته التجارية؛ ليس لأنه فقير، وإنما ليتاجر بها، ثم يعيدها إليهم مع فوائدها المتفق عليها سلفاً، من دون أن يشتركوا معه فى المخاطرة، وربما أقرضهم هو نفسه بعض أمواله ليتاجروا بها فى رحلاتهم، ليحصل على تلك الفوائد أيضاً، واستمر الوضع على هذا النحو، حتى نزل قوله تعالى: “…فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون”، وخصّ النبى صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع هذه الصورة التى كان يقع فيها عمه العباس بالتحريم فقال:”… وإن كل ربا موضوع، وأوّل رباً أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله” (رواه مسلم).
والغرض من التوسّع فى هذا المثال أن ينضبط المسلم فى تعليل الأحكام.
3- ولعلّ من الكتب النافعة فى مجال الفقه لمن هم فى بداية الطريق فقه السنة لسيد سابق، منهاج المسلم للجزائرى، والفقه الواضح لمحمد بكر إسماعيل، وذلك لمن لا يريد الفقه المذهبى، ونرى أنه يحسن بالمسلم أن يتعلم الفقه على مذهب معين، فإن ذلك مما يُقرب الفهم، ويدعو إلى الثقة؛ فإن الأئمة الأربعة: وهم “أبو حنيفة ومالك، والشافعى، وأحمد”، قد أجمعت الأمة على علو قدرهم، وحسن فهمهم لدين الله تعالى، مع ضرورة عدم التعصب للأشخاص، فإنهم بشر، يصيبون ويخطئون، وإنما يجب على المبتدئ قبول كلّ إرشاد مصحوب بالدليل، متى اطمأن إلى كفاية من أرشده وتقواه. وليس التقليد -فى بداية الطلب- إلاّ مرحلة يتزوّد منها الطالب بالعلم الموثوق به من أكابر علماء هذه الأمة، فإن بلغ مرحلة النظر فى الأدلة وجب عليه أن يترك التقليد، وأن يأخذ من حيث أخذ الأئمة.
4- وعلى المبتدئ أيضاً ألا ينزعج من اختلاف الفقهاء؛ فإنه ناتجٌ عن أسباب علمية، لا عن هوى وتعصب، والأسلم -لأنه لا يستطيع الترجيح- أن يتبع رأى إمامه إن كان له إمام، وإلاّ فليأخذ برأى الجمهور، فهو أقرب للصواب، والعامى مذهبه مذهب من يُفتيه.
وفى النهاية نقول إن ما ذكرناه من ألوان الثقافة إنما هو زاد المتعجل، ومن أراد التوسّع عليه أن يعود إلى المصادر المبثوثة فى ثنايا هذا الموضوع، وليستفد- كما استفدنا أقصى استفادة- من كتابين كلاهما بعنوان “ثقافة الداعية”، الأول للعلامة يوسف القرضاوى (حفظه الله) والثانى للمربى الكبير الدكتور عبد الله ناصح علوان. ولينتقل بمفهوم الثقافة من إطار التصور النظرى المحض إلى إطار العمل والتطبيق، فإن شر الناس من لا ينتفع بعلمه، وصدق من قال:
إبليس أعلم أهل الأرض قاطبة *** والناس تلعنه فى البر والبحر!
وقانا الله هذا المصير أجمعين.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*