الثلاثاء , 23 يناير 2018
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الاقتصاد الإسلامي » الحكم الشرعى لتداول السندات
الحكم الشرعى لتداول السندات
الحكم الشرعى لتداول السندات

الحكم الشرعى لتداول السندات

أ . د / على غازى
استاذ الشريعة بجامعة الازهر
الأدلة القائلين بتحريم تداول الأسهم
استدل القائلون بتحريم بيع وشراء الأسهم بما يلي:
1- اختلاف قيمة الأسهم السوقية ارتفاعا وهبوطا، مما يؤدي إلى الغرر.
مناقشة هذا الاستدلال:
يناقش هذا الاستدلال بأن هذا أمر طبيعي في حياة الشركات بحسب مركزها المالي، والشريك يعرف حقيقة مركز الشركة مُصْدِرَة السهم قبل أن يقدم على عملية شرائه مما ينفي الجهالة والغرر.
2- في شراء الأسهم مبادلة الدراهم بالدراهم من غير تقابض وهو ممنوع شرعا.
مناقشة هذا الاستدلال:
يناقش هذا الاستدلال بأن تسلم السهم يعتبر قبضا، لأن قبض كل شيء بحسبه.
3- بيع الشريك حصته في الشركة ينهي الشركة، مما يؤدي إلى موت الشركة وانفساخها.
مناقشة هذا الاستدلال:
يناقش هذا الاستدلال بأن الشركات تعلن في نظامها الأساسي رضاءها بدخول شركاء جدد، وما دام قد وجد الرضا فلا تنفسخ الشركة.
الرأي الراجح:
وبعد عرض وجهة نظر كل فريق من الفريقين المانعين والمجوزين لإصدار الأسهم وتداولها.
يتضح لنا أن ما ذهب إليه المجوزون هو الراجح والمقبول لقوة أدلتهم التي اعتمدوا عليها, ولامكان الرد على أدلة المانعين.
جـ- أما الشركات التي تخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فهي لا تتعامل في الحلال المحض ولا في الحرام المحض
كأن تمارس الشركة نشاطاً مشروعاً زراعياً و صناعياً أو تجارياً, ولكنها تقترض بالفائدة الربوية المحرمة أو تتعامل بعقود فاسدة, ونظراً لكثرة ظهور مثل هذه الشركات في عصرنا فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم هذا النوع من الشركات إلى ثلاثة أراء .
الرأي الأول : حرمة التعامل في أسهم هذه الشركات, ما دامت لا تقوم على الحلال المحض.
الرأي الثاني : إباحتها لحاجة الناس.
الرأي لثالث : كراهة قيام مثل هذه الشركات.
الأدلة
– أما الرأي الأول :
فقد بنى أصحاب هذا الرأي مذهبهم على أن هذه الأسهم ما دام الحرام قد دخل في بعضها, أو تزاول شركاتها بعض أعمال الحرام, فإن هذه الأسهم يصبح شراؤها محرماً, لوجوب تغليب جانب الحرام, عملا بالقاعدة الشـرعية ( إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام)( ).
وعلى ذلك فالشركات التي تكون أموالها مختلطة يحرم نشاطها من باب الاحتياط, عملاً بما رواه أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم “أنه لما وجد ثمرة ساقطة قال “لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأخذتها” ( )”
– أما الرأي الثاني :
وهو الذي أباح مثل هذه الشركات, فيعتمد أصحابه على أن الأسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة, وما شابها من شوائب وشبهات قليل بالنسبة للحلال، فما دام أكثرية رأس المال, وأكثر التصرفات حلال, فإن القليل النادر يأخذ حكم الكثير الشائع, وهذا الرأي مبني على الأصول التالية:
أولاً : اختلاط المال الحلال بجزء محرم لا يجعل مجموع المال محرماً عند الكثيرين, حيث جاز في المال المختلط التصرفات الشرعية من التملك والأكل والبيع والشراء ونحوها, ويقول ابن تيمية: والثاني: الحرام لكسبه, كالمأخوذ غصباً, وبعقد فاسد, فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه, فلو غصب الرجل دراهم أو دنانير أو دقيقاً أو حنطة أو خبزاً وخلط ذلك بماله لم يحرم ا لجميع, ولا على هذا, فهذا أصل نافع, فإن كثيراً من الناس توهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حرم جميعه فهذا خطأ, و إنما تورع بعض العلماء فيما إذا كانت قليلة, أما إذا كانت كثيرة فما أعلم فيه نزاعاً”( ).
وقال ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر( ) :
“إذا كان غالب مال المُهْدِي حلال, فلا بأس بقبول هديته وأكل ماله, ما لم يتبين أنه حرام، وإن كان غالب ماله حرام لا يقبلها ولا يأكل إلا إذا قال إنه حلال ورثه أو استقرضه”.
ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر مبايعات أهل السوق لا تخلوا من الفساد والحرام فإن الأولى للمسلم أن يتنـزه عن الشراء, لكن مع هذا لو اشتراه يطيب له, وقال أيضاً “إذا اختلط الحلال بالحرام في البلد, فإنه يجوز الشراء والأخذ إلا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام( ).
ثانياً : الحاجة تنزل منزلة الضرورة( ), والشريعة الإسلامية مبناها رفع الحرج وقد أجيزت عقود على خلاف القياس لحاجة الناس إليها كعقد السلم.
ثالثاً : وجود نسبة ضئيلة من المال الحرام لا تجعله محرماً, وإنما يجب نبذ المحرم فقط لا تحريم الكل.
– أما أصحاب الرأي الثالث :
فيبنون رأيهم على ما ذهب إليه الشافعي وأحمد وغيرهم, فذكر النووي عن ابن المنذر أنهم اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام وقبول هديته وجائزته فرخص فيه الحسن ومكحول والزهري والشافعي: ولا أحب ذلك, وكره ذلك طائفة( ).
وقال ابن قدامه : وإذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال كالسلطان الظالم والمرابي, فإن علم أن المبيع من حلال ماله فهو حلال, وإن علم أنه حرام فهو حرام, ولا يقبل قول المشترى عليه في الحكم لأن الظاهر والمعروف أن ما في يد الإنسان ملكه, فإن لم يعلم من أيهما هو كرهناه, لاحتمال التحريم فيه, ولم يبطل البيع لإمكان الحلال, قل الحرام أم كثر. وهذا هو الشبهة, وبقدر قلة الحرام أو كثرته تكون الشبهة وقلتها, قال أحمد: “لا يعجبني أن يأكل منه, لما روى النعمان بن بشير أن النبي  قال: “إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس, فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه, ألا وإن لكل ملك حمى وحمى الله في أرضه محارمه”( ).
روي الحسن بن على عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”( ) قال ابن رجب الحنبلي: “ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط, فإن كان أكثر ماله حرام فقال أحمد: ينبغي أن يتجنبه, إلا أن يكون شيئاً يسيراً, أو شيئاً لا يعرف, واختلف أصحابنا هل هو مكروه أو محرم على وجهين, وإن كان أكثر ماله حلال, جازت معاملته, والأكل منه”( ).
وبعد عرض الآراء الثلاثة التي ذكرها الفقهاء لحكم معاملة من اختلط ماله, فإنه لابد من النظر إلى الأمر من خلال الثوابت الآتية.
1- أن المسئولين عن هذه الشركات لا يجوز لهم قطعاً مزاولة أي نشاط محرم كالربا وغيره، وإنما يجب عليهم تحري استثمار الأموال في الحلال الطيب.
2- إننا -نحن المسلمين- اليوم نعيش عصراً لا يطبق فيه منهج الإسلام كله, بل تسيطر عليه النظم الوضعية, ولا يمكن أن نحقق ما نصبوا إليه من سير المعاملات بين الناس على الحلال الطيب الخالص دون المختلف فيه, مرة واحدة, ومن ثم فإن الحاجة ماسة إلى التعامل في هذه الشركات بما يحقق مصالح المسلمين.
* وعلى ذلك فالرأي الراجح هو جواز التعامل مع هذه الشركات ما دام أغلب أموالها حلالاً وتصرفاتها حلالاً, وإن كان الأحوط الابتعاد عنها.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*