الثلاثاء , 23 يناير 2018
جديد الموقع
الخطيب البارع
الخطيب البارع

الخطيب البارع

كن متزنا
ذكرنا في صفحات قليلة سابقا أنه لا يجب العبث بملابسك أو مجوهراتك لأنها تلفت الانتباه . وهناك سبب آخر أيضا . فذلك يمنح انطباعا عن الضعف وقلة الثقة بالنفس . وكل دقيقة لا تضيف الى وجودك، تحط من قدرك . ليست هناك حركات حيادية . وهكذا، قف هادئا، وسيطر على نفسك جسديا، فذلك يمنحك انطباعا عن السيطرة الذهنية والاتزان .
بعدما تنهض لمخاطبة جمهورك، لا تبدأ بعجلة . فهذه هي السمة المميزة
للمبتدئ . تنشق نفسا عميقا . تطلع الى جمهورك للحظة، وان كانت هناك ضجة،
توقف قليلا حتى تزول .
أبق صدرك عاليا . لكن لم الانتظار لفعل ذلك أمام الجمهور ؟ لم لا تفعل ذلك يوميا حين تكون منفردا بذاتك ؟ عندئذ يمكنك أن تفعل ذلك تلقائيا أمام الناس .
وماذا يجب أن تفعل بيديك ؟ لا تفكر بها . فاذا انسدلتا بشكل طبيعي الى جانبيك، يكون الأمر مثاليا . واذا كانتا تبدوان كعنقود من الموز، لا تتخيل أبدا أن
أحد ينتبه لهما أو لديه أدنى اهتمام بهما . لأنهما ستبدوان أفضل وهما مسترخيتان الى جانبيك، وسيجذبان أدنى اهتمام لهما . حتى ان المولع بالانتقاد لن يتمكن من انتقاد وضعك . هذا بالإضافة الى أنهما ستكونان متحررتين للقيام بحركات تلقائية عندما يستدعي الأمر ذلك .
لكن لنفترض أنك عصبي للغاية، حتى أنك تجد أن وضعهما وراء ظهر أو ادخالهما في جيبيك أو إلقائهما على المنصة، يساعدك على التخلص من التوترات
ماذا يجب أن تفعل ؟ استخدم براعتك . لقد سمعت أن عددا من خطباء هذا العصر المشهورين . يضعون أيديهم داخل جيوبهم أثناء إلقاء الخطاب، وقد فعل ذلك برايان، وتشونسي م . ديبيو وتيدي روزفلت . حتى أن ديزرائيلي المتأنق والشديد الحساسية كان يخضع الى هذا الإغراء . لكن السماء لم تهبط، وطبقا للتقارير المناخية، اذا ما أسعفتني ذاكرتي، أشرقت الشمس في الوقت المحدد من الصباح التالي . فاذا كان لدى الإنسان ما يستحق البوح به، ويبوح به بإخلاص وإيمان، لا يهم، بالتأكيد، ما الذي يفعله بيديه ورجليه . واذا كان عقله مليئا وقلبه مثارا، لن تبرز هذه التفاصيل الثانوية كثيرا . فقبل أي شيء، ان الشيء الأهم في إلقاء الخطاب هو الجانب النفسي فيه، وليس موضع اليدين والرجلين . ملاحظات هامة
سنناقش هنا بعض مظاهر الخطب الطبيعية لكي نجعلها أكثر وضوحا . لقد ترددت في القيام بذلك، لأن من الؤكد أن يقول أحد : ” فهمت، يمكنني أن أدفع نفسي للقيام بتلك الأشياء فأصبح على أتم ما يرام “. كلا، لن تكون كذلك . ادفع نفسك للقيام بها، فتصبح متخشبا وآليا “.
لقد استخدمنت معظم هذه المبادئ بالأمس خلال محادثتك، استخدمها من دون جهد عقلي مثلما التهمت عشاءك البارحة . فتلك هي الطريقة لاستخدامها . وهي الطريقة الوحيدة . وهي ستأتي، فيما يخص فن الخطابة، ومثلما قال سابقا، من خلال التدريب .
أولا : شدد على الكلمات المهمة،
إخفض الكلمات غير المهمة
خلال المحادثة، نشدد على جزء من الكلمة، ونذكر بسرعة الأجزاء الأخرى، مثلما تمر سيارة الأجرة أمام مجموعة من المتشردين . ونفعل كذلك في الجملة . نشدد على الكلمات المهمة . وهذه ليست عملية غريبة أو غير اعتيادية . تستطيع أن تسمع ذلك يقال أمامك طيلة الوقت . وأنت نفسك فعلت ذلك مئة مرة أو ربما ألف مرة، نهار أمس . ستفعلهه مئة مرة غدا، من دون شك .
ثانيا غير طبقات صوتك
تتدفق طبقات صوتنا، خلال المحادثة، نحو الأعلى والأسفل وبالعكس . فلا تستقر بل تبقى متموجة كسطح البحر . لماذا ؟ لا أحد يعلم ذلك، ولا أحد يهتم بذلك . لكن النتيجة تبعث على الارتياح، ذلك هو شأن الطبيعة . فليس علينا أن نتعلم ذلك ! بل جاء الينا حين كنا أطفالا من دون أن نبحث عنه أو نعيه . لكن دعنا نقف ونواجه الجمهور، فهناك مجال لأن تصدر أصواتنا جافة مملة ورتيبة كصحراء ” نيفادا ” القلوية.
عندما تجد نفسك تتحدث بطبقة رتيبة – عادة تكون مرتفعة – توقف قليلا وقل في نفسك : ” أنا أتكلم كالهندي الأخرق . كن انسانا، كن طبيعيا “.
هل يساعدك هذا النوع من تعليم ذاتك ؟ ربما قليلا . ان التوقف ذاته سيساعدك . وعليك أن تحقق خلاصتك بالتدريب .
يمكنك أن تؤلف أية جملة أو كلمة تختارها، قف كشجرة الغار الخضراء في الردهة الأمامية، وتكلم فجأة بطبقة صوتية منخفضة أو مرتفعة . لقد فعل ذلك كل خطيب مشهور .
ثالثا : غير معدل سرعة صوتك
عندما يتكلم الطفل الصغير، أو عندما نتحدث خلال محادثة عادية، نغير عادة معدل سرعة كلامنا . ان ذلك يبعث على السرور، وهو طبيعي ويحدث من دون وعي، وهو في الحقيقة من أفضل الوسائل لإيضاح الفكرة .
يخبرنا والتر . ب . ستيفنز في كتابه ” تقارير لنكولن ” الصادر عن جمعية
” ميسوري ” التاريخية، أن هذه كانت أفضل الوسائل بالنسبة للنكولن من أجل إيصال فكرته :
” كان يقول عدة كلمات بسرعة عظيمة، وعندما يصل الى الكلمة أو الجملة التي يرغب في التشديد عليها – يرفع صوته ببطء . ثم يندفع الى آخر جملته كالبرق . . . فكان يكرس وقتا لكلمة أو لكلمتين يرغب في التأكيد عليهما، أكثر مما يكرسه لستة كلمات تكون أقل قيمة منها “.
رابعا : توقف قبل وبعد الأفكار المهمة
غالبا ما كان لنكولن يتوقف أثناء خطابه . فعندما يمر بفكرة عظيمة يرغب في ترسيخها بأذهان مستمعيه، ينحني الى الأمام ويحدق بعيونهم مباشرة للحظة من دون أن يقول شيئا . هذا الصمت المفاجئ له نتيجة الضجة المفاجئة ذاتها : فهي تجذب الانتباه . وهي تجعل كل انسان منتبه وواع لما سيتلو ذلك . مثلا، عندما كانت نقاشاته المشهورة مع دوغلاس تشرف على الانتهاء، وعندما تشير الدلائل الى هزيمته، ينتابه الأسى، والحزن الاعتيادي القديم يعود اليه في بعض الأوقات، فتأتي كلماته مصبوغة بالرقة . ففي نهاية خطبه، يتوقف فجأة ويقف صامتا للحظة، ثم ينظر الى الوجوه التي نصفها عدائي ونصفها حميم، بعينيه القلقتين العميقتين اللتين كانتا تبدوان مليئتين بالدموع التي لم تنهمر . ثم يفرد ذراعيه وكأنهما متعبتين من جراء قتال مميت، ويقول بنبرته الغريبة : ” أيها الأصدقاء، هناك فرق بسيط بين انتخابي وانتخاب القاضي دوغلاس الى مجلس الشيوخ الأميركي . لكن المسألة العظيمة التي قدمناها لكم اليوم هي بعيدة جدا عن المصالح الشخصية أو المصير السياسي لأي رجل . يا أصدقائي “، هنا يتوقف ثانية، فيصغي الجمهور الى كل كلمة، ” هذه المسألة ستعيش وتتنفس وتحترق عندما يصمت في القبر لسان القاضي دوغلاس ولساني الضعيف المتلعثم “.
” هذه الكلمات البسيطة “، تقول احدى مذكراته، “لامست كل قلب في الصميم”.
كان لنكولن يتوقف بعد كل جملة يريد توكيدها . فكان يضيف الى قوتها من خلال الصمت، بينمام يغوص المعنى ويؤدي رسالته .
ودائما ما كان السير أوليفر لودج يتوقف في خطابه قبل وبعد كل فكرة مهمة، يتوقف ثلاث أو أربع مرات في الجملة الواحدة، لكنه كان يفعل ذلك بشكل طبيعي . ومن دون تكلف .
قال كيبلينغ : ” من خلال صمتك تتكلم “. فالصمت ليس ذهبيا أكثر مما يستخدم عندما تتكلم . وهو أداة قوية ومهمة لا ينبغي إغفالها، ومع ذلك، فهي مهملة دائما من قبل الخطيب المبتدئ .

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*