الأحد , 26 فبراير 2017
جديد الموقع
الرسول الزوج
الرسول الزوج

الرسول الزوج

أ.د/ ياسر ابوشبانه
استاذ الدعوة بجامعة الأزهر
الثبات على المبدأ،والوقوف في وجه الانحراف مهما كانت المغريات والعواقب :
يحدث أحيانا أخى الخطيب والواعظ أن يكون الزوج صاحب منصب أو صاحب حرفة أو تجارة … إلخ ، المهم أنه في مكان أو مكانة تسمح له بطريق غير مشروع أحيانا أن يكون صاحب ثروة طائلة، ولكنه إنسان ملتزم بدينه ومراقب لربه، ويخشى على نفسه وأسرته من عواقب الكسب الحرام … بيد أن الله جل شأنه ابتلاه بزوجة غَفَلَتْ عن مراقبة ربها، وتغلَّبَتْ عليها النفس الأمَّارة بالسوء، فتراها صباح مساء تلاحق زوجها بمطالبها ومطالب أولادها التى لا تنتهى، والتى هى أيضا فوق طاقاته وأكبر بكثير إمكانياته .
وتظل هذه الزوجة الغافلة عن مراقبة ربها تُلحُّ على زوجها باستغلال منصبه أو حرفته أو تجارته لتحقيق الثروة الكبيرة التى ترضى أطماعها وتشبع رغباتها إن كان لها أن ترضى وتشبع ثم تأخذ في توبيخه وتقريعه، ووصفه بأنه إنسان متزمت جامد، لا يفهم كيف تجرى الحياة من حوله، ولا يدرى من أمر الدنيا وأحوالها شيئا. وتستخدم الزوجة في حربها غير الشريفة هذه كافة الأسلحة والوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافها؛ فتراها تارة تستخدم أسلوب الترغيب، حينما تذكر لزوجها فلانا وفلانا من الناس، الذين هم في نظرها أذكياء، أجادوا فهم قواعد اللعبة، وأحسنوا استغلال الفرص المتاحة لهم، فسكنوا القصور الفاخرة، وركبوا السيارات الفارهة، وارتدوا الملابس الأنيقة … وتعيد الزوجة القول وتزيد: نحن لسنا أقل من هؤلاء، وأولادنا ليسوا أقل من أولادهم، فَدَعْكَ من الشرف والمبادىء فإنها ستودى بك إلى المهانة والحضيض في حين يرفل غيرك في النعيم، ولسْتَ أنت الذى سيُصلح موازين الكون ويُعدِّل معايير الحياة .
وتراها تارة أخرى تستخدم سلاح الترهيب، فتتمنَّع على زوجها وتضغط عليه بسلاح الأنثى خاصة إذا كانت تعلم من حال زوجها التعلق بها أو تضغط عليه بسلاح أولاده وحقهم في التمتع بمباهج الحياة … أو … إلخ .
وهنا وفى مواجهة هذه الضغوط العصبية الهائلة قد تضعف مقاومة الزوج وتلين قناته، فيستجيب في لحظة ضعف إيمانى وتسلط شيطانى ويأخذ في استغلال كافة الإمكانات المتاحة، وبكافة الطرق غير المشروعة، فينحرف إلى مستنقع الانحراف، ويهوى إلى حضيض الكسب الحرام .
فمن واجبك أخى الخطيب والواعظ أن تمدّ طوق النجاة لهؤلاء الغارقين، وأن تقطع الطريق على السائرين في هذا الدرب قبل وصولهم إلى حافة الهاوية، وذلك بأن تذكر لهم نموذجا واقعيا في حياة المصطفى  للثبات على المبدأ، ومقامة الخطأ بقوة، مهما كانت المغريات والعواقب. مع ملاحظة أن البون شاسع والفارق كبير بين حالة الزوجة التى صوَّرتُها لك في السطور السابقة، وبين حال أمهات المؤمنين رضى الله عنهن أجمعين ، زوجات سيد المرسلين  ؛ فأين الثرى من الثريا ؟! وأين التراب من التِّبْر ؟! ، ولكننا نحرص على إيراد هذا النموذج الواقعى ليكون مجرد مثال للتأسِّى بالنبى  فيما نحن بصدده، مع التأكيد على حفظ المقامات .
تذكر كتب السنة المطهرة ما خلاصته أن زوجات النبى  اجتمعن إليه يسأَلْنه التوسعة في النفقة، ويبدو أنهن قد أكثرن القول في هذا، لدرجة أن النبى  ابتعد عنهن شهرا حتى أُشيع بين الناس أنه فارق نساءه ولدرجة يصورها ما جاء في حديث جابر  قال: أقبل أبو بكر  يستأذن على رسول الله  والناس ببابه جلوس، والنبى  جالس، فلم يُؤْذَن له، ثم أقبل عمر  فاستأذن، فلم يؤذن له . ثم أُذن لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما فدخلا، والنبى  جالس وحوله نساؤه، وهو  ساكت، فقال عمر  : لأكلِّمَنَّ النبى  لعله يضحك. فقال عمر  : يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد (امرأة عمر) سألتنى النفقة آنفا فوجَأْتُ ( كسرتُ ) عنقها ؟! فضحك النبى  حتى بَدتْ نواجذه وقال :” هُنَّ حولى يسأَلْننى النفقة ” ، فقام أبوبكر  إلى عائشة ليضربها، وقام عمر  إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النى  ماليس عنده ؟! فنهاهما رسول الله  ، فقُلْن : والله لا نسأل رسول الله  بعد هذا المجلس ما ليس عنده .
قال جابر  : وأنزل الله عز وجل الخيار فبدأ ( النبى  ) بعائشة رضى الله عنها فقال :” إنى أذكر لكِ أمراً ما أحبُّ أن تعجلى فيه حتى تَسْتَأْمِرِى (تستشيرى) أبويك “قالت: وما هو ؟ قال: فتلا عليها :{ يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنتُنَّ تُرِدْن الحياة الدنيا وزينتها فتعالَيْنَ أمتِّعْكُنَّ وأسَرِّحْكُنَّ سراحا جميلا . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعدَّ للمحسنات منكُنَّ أجرا عظيما }( )، قالت عائشة رضى الله عنها أفيك أَسْتَأْمِرُ أبوىَّ ؟! بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترتُ. فقال  :” إن الله تعالى لم يبعثنى معنِّفاً ولكن بعثى معلِّما ميسِّرا ؛ لا تسألنى امرأة منهن عما اختَرْتِ إلا أخبرتُها .” .. وتذكر الروايات أنهن جميعا اختَرْن الله ورسوله والدار الآخرة .( )
فانظر أخى الكريم إلى ما في هذا الموقف النبوى العظيم من معان جليلة، ينبغى أن توجه أنظار مستمعيك إليها. لعل أهمها مما نحن بصدد الحديث عنه هذا الثبات القوى على المبدأ، وعدم الحيدة عنه قيد أنملة، مع أنه  صاحب القلب الكبير والنفس الرحيمة، ومع أن نساءه لم يطلبن شيئا محرما أو مكروها أو خلاف الأولى وحاشاهم رضى الله عنهن إلا أن المصطفى  كان حريصا على أن يفهموا حق الفهم، ويدركوا تمام الإدراك، أن أصحاب الهمم العالية والمهام الكبيرة لا يتوقفون عند هذه السفاسف، ولا يعيرون هذه الزخارف الباطلة التفاتا، فكذلك يجب أن تكون بيوتهم: على القدر ذاته من السمر، وفى المكانة نفسها من الرفعة .
(5) التعامل مع المواقف الحرجة بذكاء وهدوء يؤدى إلى الوقاية من الأزمات :
هذا عنصر يشتد احتياج الناس إلى التأسى والاقتداء فيه بالنبى  ؛ فكم من مواقف كثيرة وأزمات خطيرة كان من الممكن تلافيها بشىء من الحكمة والذكاء وسرعة البديهة، وكم من بيوت خرِّبتُ أولاد شُرِّدوا بسبب مواقف بسيطة لم يحسن الزوج التعامل معها، وتُركت وأُهملت ليتعاظم شأنها ويتفاقم خطرها .
فاذكر أخى الخطيب والواعظ لمستمعيك ما يحضرك من مشاهد في حياة النبى  ، تشهد له  بُحسْن التصرف في المواقف الحرجة، وكيفية مواجهته لها بالهدوء الذى يقضى على المشكلة في مهدها . ومن ذلك :
# حينما اجتمعت نسوة المصطفى  إليه ووجَّهْن إليه هذا السؤال المحرج: مَنْ مِنَّا أحبُّ إليك وأَقْرب إلى قلبك ؟! .. وهنا تبرز الفطنة وسرعة البديهة من جانبه  حينما قال لهن :” سأجيبكن على ذلك غدا إن شاء الله”، ثم ذهب في تلك الليلة إلى كل واحدة في حجرتها وأعطاها ديناراً ، وفى الصباح اجتمعن إليه وأعَدْن عليه السؤال، فقال :” أحبُّكن إلىَّ وأقربُكُنَّ إلى قلبى مَنْ أعطيتها الدينار بالأمس “( ).
# وحينما كان النبى  في حجرة السيدة عائشة رضى الله عنها ، وجاءت الخادمة بإناء من الحلوى قامت بإعداده السيدة زينب بنت جحش رضى الله عنها ، ودبَّت الغيرة في قلب السيدة عائشة لما كانت تعلمه من جبِّ النبى  لهذا النوع من الحلوى فأخذت الإناء من الخادمة ويداها ترتعشان من شدة الغيرة، فوقع الإناء على الأرض، وانكسر، وانسكب ما فيه من طعام .. فما كان من النبى  إلا أن خاطبها بكل هدوء ورويَّة قائلا :” يا عائشة، إناء مثل إناء ، وطعام مثل طعام “( ). أى : عليك بإعداد طعام مثل الذى انسكب، وإعطائه للسيدة زينب بنت جحش في إناء بدل الذى انكسر .
# وعندما كانت الغيرة تعمل عملها في قلب السيدتين الجليلتين عائشة وحفصة رضى الله عنهما تجاه السيدة صفية رضى الله عنها لما كانت تتمتع به من جمال فكانا يذكِّرانها بماضيها قبل إسلامها، ويقولان لها: يا يهودية، فتحزن نفسها ويألم قلبها، فتجد القلب الحنون والفؤاد الرؤوم متمثلا في الحبيب المصطفى  ، يطيب خاطرها ويهدئ روعها ويجبر كسرها، فيقول لها :” قولى لهما : أبى موسى، وعمى هارون، وزوجى محمد “( ). صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين .
وأحب أخى الخطيب والواعظ أن تلفت انتباه مستمعيك إلى أن الهدوء في مواجهة مثل هذه المواقف لا يعنى مطلقا التساهل أو التسامح في مواجهتها، إذا خرجت عن النطاق المحتمل، بل كان النبى  يواجه هذا الخروج بالحسم الشديد .
فذات مرة دفعت الغيرة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها إلى أن تقول للنبى  : حسْبُك من صفية كذا كذا ( قال بعض الرواة : تعنى أنها قصيرة ) فقال النبى  :” لقد قُلْتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزَجَتْه “( ).
فتأمل معى أخى الكريم هذا التعبير النبوى الكريم، الذى بلغ الغاية في التنفير من الغيبة والزجر عن الوقوع في إثمها ؛ فهذه الكلمة التى هى في ظاهرها يسيرة وبسيطة لو خلطت بماء البحر لأدَّت إلى تغير لونه وطعمه ورائحته، ولأفسدته وأنتنته … فأى زجر وأى حسم هذا !!

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*