الثلاثاء , 17 يناير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الحديث » السنة النبوية ومكانتها 1
السنة النبوية ومكانتها 1
السنةالنبوية ومكانتها

السنة النبوية ومكانتها 1

الاستاذ الدكتور / أيمن مهدى           

استاذ الحديث بجامعة الازهر                                   

السُّنَّة النبويَّة ممثَّلة في الحديث النبوي الشريف هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي المنهل البياني له في تفصيل الأحكام المجملة التي وردت فيه، وفي تقييد المطلق وتخصيص العامِّ، وتأسيس الأحكام التي لم يَنُصَّ عليها القرآن.

وفي اللغة تُعَرَّف السنة بأنها السيرة والطريقة، سواءٌ أكانت حسنة أم سيئة، محمودة أم مذمومة، وأمَّا في الشرع فتُطلَق على كلِّ ما صدر عن النبي  غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير[1].

وقد تُطلَق السنة على ما كان عليه عَمَلُ الصحابة رضوان الله عليهم، واجتهدوا فيه، وأجمعوا عليه، وذلك كجمع المصحف، وتدوين الدواوين، وغيرها؛ قال : “عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ[2]. كما تُطلَق السنة على ما يقابِل البدعة، وذلك فيما يُحْدِثه الناس في الدين من قول أو عمل ممَّا لم يُؤْثَرْ عنه  أو عن أصحابه، فيُقال: فلان على سُنَّةٍ. إذا عَمِل على وَفْقِ ما عَمِل عليه النبي ، ويقال: فلان على بدعة. إذا عَمِل على خلاف ذلك. وقد تُطْلَق السُّنَّة على غير الفرائض من نوافل العبادات التي جاءت عن النبي  وندب إليها.

والسُّنَّة النبوية واجبة الاتِّباع، وفي ذلك جاء قول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشـر: 7]، وهي في الاحتجاج كحُجيَّة القرآن الكريم؛ فكلاهما وحيٌ من عند الله ، غير أن القرآن وحيٌ إلهي باللفظ والمعنى، والسُّنَّة وحي إلهي بالمعنى دون اللفظ، وقد قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]؛ وقال حسان بن عطية: “كان جبريل ينزل على رسول الله  بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن[3]. وفي ذلك فقد عَنْوَن الخطيب في (الكفاية) بقوله: “ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله وحكم سنة رسول الله  في وجوب العمل ولزوم التكليف[4]، وفي السُّنَنِ أيضًا عن المقدام بن معدي كرِب أن رسول الله  قال: “أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ[5].

 وعلى هذا فقد اعتني المسلمون بسُّنَّة الرسول  في حياته وبعد وفاته، واستمرَّ هذا الاهتمام عبر الأجيال المتتالية، حتى حفظوها في أُمَّهات كتب السُّنَّة ومصادر السيرة النبويَّة الشريفة، التي تشهد بجهدهم وجهادهم في حفظ هذا الدين.

 والحقيقة أن رسول الله  لم يأذن أوَّلَ الأمر لعامَّة المسلمين بكتابة ما يسمعونه منه من أحاديث وبيانات؛ وذلك خَشْية اختلاط شيء منه بما كانوا يكتبون من القرآن الكريم؛ لأن المسلمين كانوا في بَدْءِ تحوُّلهم من أُمَّة أُمِّيَّة إلى أُمَّة قارئة كاتبة تُدَوِّن معارفها، وإنما اتخذ  ثلاث خطوات لحفظ سُنَّته:

 تمثَّلت الأُولَى في أنه حمَّل أصحابه ومَن يأخذ عنهم مسئوليَّة حفظ أقواله وبياناته، ومسئوليَّة تبليغها لمن وراءهم، والعرب في مجال الحفظ على أتمِّ الاستعداد لقَبول كلِّ ما يقوله رسول الله ؛ لاستعدادهم الفطري لقبول ذلك. وتمثَّلت الخطوة الثانية في أن رسول الله  أَذِنَ لبعض خاصَّة أصحابه بكتابة ما يسمعونه منه من أقواله وبياناته، وذلك حينما وَثِقَ من ضبط هؤلاء الصحابة  ويقظتهم، وأنهم مأمونون من أن يخلِطوا ما يكتبونه من أحاديثه بما يكتبونه من القرآن الكريم. أمَّا الخطوة الثالثة فتمثَّلت في توجيه الرسول  الإذن العامَّ في آخر الأمر بكتابة سُنَّته، وكان هذا حينما رأى أن اختلاط أقواله  بكتاب الله  صار أمرًا غير محذور الوقوع فيه لدى معظم صحابته  .[6] 

كتبة السنة

كان الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص من أكثر الصحابة كتابة عن رسول الله ؛ فقد ورد عن أبي هريرة  أنه قال: “ليس أحدٌ من أصحاب رسول الله  أكثر حديثًا عن النبي  منِّي، إلاَّ ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب[7]. وقد قال عبد الله بن عمرو  عن نفسه: كنتُ أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله  أريد حفظه، فنَهَتْنِي قريش، وقالوا: تكتب كلَّ شيء سمعته من رسول الله، ورسول الله  بشرٌ، يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: “اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ[8].

 كما كان عبد الله بن عباس  من الستَّة المكثرين في الحديث، والخمسةُ الباقون هم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة بنت أبي بكر . وقد بلغ مجموع ما رواه ابن عباس 1660حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم على خمسة وتسعين حديثًا، وانفرد البخاري بمائة وعشرين حديثًا، وانفرد مسلم بتسعة وأربعين حديثًا، وبقية الأحاديث في كتب السنن الأخرى، ورغم المدَّة الزمنية القصيرة التي عاصرها ابن عباس  لرسول الله  وهي ثلاثون شهرًا- إلاَّ إنه استطاع أن يجمع كلَّ هذا العِلْم في السنة النبويَّة[9].

 ويُعَدُّ أبو هريرة  أكثر الصحابة حديثًا وحفظًا، فعن زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي ، فقال: “ادْعُوا”. فدعوت أنا وصاحبي، وأمَّن النبي ، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحبايَ، وأسألك علمًا لا يُنْسَى. فأمَّن النبي ، فقلنا: ونحن يا رسول الله كذلك. فقال: “سَبَقَكُمَا الْغُلامُ الدَّوْسِيُّ[10].

 ومن ذلك يظهر اهتمام الصحابة بحفظ الأحاديث النبويَّة، حيث أودعوها أوَّل الأمر حوافظهم الفذَّة، وبذلوا في ذلك أعظم الجهد، حتى تناقلت أحاديث النبي  جيلاً بعد جيل، فرَوَوْا أحاديث الوضوء، والطهارة، والصلاة، والصيام، والحجِّ، وكانت الحلقة الأُولى في سلسلة الإسناد الشريف بعد النبي  هم الصحابة الذين رَوَوْا عن المعصوم  مشافهة، أو أخذ بعضهم عن بعض، وعددهم كثير جدًّا؛ قال الحافظ ابن الصلاح: “رُوِّينَا عن أبي زُرْعَة أنه قيل له: أليس يقال: حديث النبي  أربعة آلاف حديث؟ قال: ومَن قال ذا، قلقل الله أنيابه؟! هذا قول الزنادقة، ومَنْ يحصي حديث رسول الله ؟ قُبِضَ رسول الله  عن مائة ألفٍ وأربعةَ عشَرَ ألفًا من الصحابة، وممن روى عنه وسمع منه. فقيل له: يا أبا زُرْعَة، هؤلاء أين كانوا، وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومَنْ بينهما، والأعراب، ومَنْ شهد حَجَّة الوداع، كلٌّ رآه وسَمِعَ منه بعرفة[11].

 وقد أورد الذهبي أن عدد الصحابة الذين رَوَوُا الحديث عن رسول الله  نحو ألف وخمسمائة، وقد كان كثير من الصحابة  يأمر تلاميذه بالكتابة لتثبيت حفظهم، ثم مَحْوِ ما كتبوه حتى لا يتَّكل على الكتاب، قال الخطيب البغدادي: “وكان غير واحد من السلف يَستعِين على حفظ الحديث بأن يكتبه، ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب، خوفًا من أن يَتَّكل القلبُ عليه، فيُؤَدِّي إلى نقصان الحفظ، وترك العناية بالمحفوظ[12].

تدوين السنة

 من مظاهر هذا التدوين والاهتمام به في عهد النبي  ما ثبت عن أنس بن مالك الأنصاري  أنه كان يحثُّ أولاده على كتابة العلم، فقال: “يا بَنِيَّ، قيِّدوا العلم بالكتاب”. وكان يقول : “كنا لا نَعُدُّ عِلْمَ مَن لم يَكتب عِلْمَه عِلْمًا[13].

 فكان الحديث يُكتَب في صحف، عُدَّت بعد ذلك النواة الأُولى لما صُنِّفَ في القرنين الثاني والثالث من الجوامع والمسانيد والسُّنَنِ، وعن ذلك يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: “والذي كان يُكْتَب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتَّبًا مبوَّبًا، إنما كان يُكْتَب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في عصر تابعي التابعين صُنِّفَت التصانيف، وجَمَعَ طائفة من أهل العلم كلام النبي ، وبعضهم جَمَعَ كلام الصحابة[14].

 وقد وُجِدَت صحف دوَّنها كثير من صحابة النبي ؛ فقد روى الخطيب بسنده إلى أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق بعثه مُصَدِّقًا، وكتب معه كتابًا فيه فرائض الصدقة، وعليه خاتم رسول الله  وفيه: “… هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ  عَلَى الْمُسْلِمِينَ…”[15].= ومنها صحيفة لعلي بن أبي طالب ؛ حيث قال خطيبًا: “مَن زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلاَّ كتاب الله وهذه الصحيفة – (قال الراوي: وصحيفة مُعلَّقة في قِرَابِ سيفه) – فقد كَذَبَ…”[16]. وقد كانت هذه الصحف من أشهر ما دُوِّنَ في عهد النبي ، ولم يعترض عليها أحدٌ أو يمحها[17].

 وبعد وفاة الرسول  أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  أن يُدَوِّنَ الحديث الشريف؛ نظرًا لتعرُّض المسلمين للمستجدَّات المتزايدة من المشاكل التي لن تُحَلَّ إلاَّ بإخضاعها للمصدر الأوَّل من التشريع وهو القرآن الكريم، وكذا المصدر الثاني وهي السُّنَّة، التي لم تكن قد دُوِّنَت بعدُ، لكنَّ عمر بن الخطاب  عدل ورجع بعدما استشار صحابة النبي  في جمع السُّنَّة؛ خَشْية أن يشوب كتاب الله شيءٌ مِن جَمْعِها، وهو ما خَشِيَه أبو بكر الصديق  مِن قَبْلُ، وعليُّ بن أبي طالب  من بعدُ[18].

 دور صحابة رسول الله في تدريس سننه

جاء عصرٌ أَضْحَى صحابة رسول الله  المنهل الرئيس الذي يَسْتَقِي منه الناس كلَّ ما يتعلَّق بالنبي ؛ فقام كثير من صحابة رسول الله  في تدريس الحديث الشريف، وأَخَذَ عشاقُ العِلْم الإسلامي من التابعين يتلقَّفون منهم جميع ما كانوا وعَوْه وحفِظوه من سُنَنِه؛ فقامت على إثر ذلك حركةٌ علميَّة نشطة، قادها نوابغُ من التابعين؛ لحفظ العِلْمِ النبوي وجَمْعِه من الذين تلقَّوْه مباشرة من الرسول ، وكانت عمدتهم الكبرى الأخذ مشافهة وحفظ ما يسمعونه[19].

 بَيْدَ أن هؤلاء الصحابة تفرَّقوا في الأمصار الإسلاميَّة بسبب الفتوحات، فتابعهم نوابغ التابعين عن طريق قطع الفيافي والقِفَار، فنشأت عن ذلك الرحلات التي كانت أقربَ إلى الأساطير؛ وذلك لطلب الحديث وسماعه وتدوينه، حتى كان منهم مَن يَرْحَل لسماع حديث من صحابي آخرَ ليَأْخُذَه عنه، ومنهم مَن يقطع آلاف الأميال ليَسْتَوْثِق من حديث واحد!

 وظهر في عصر التابعين التدوينُ الكثير للسُّنَّة النبويَّة، وظهر الرأي الذي يرى ضرورةَ ذلك؛ خَشْيَة ضياع السُّنَّة، وخَشْية اختلاف الآراء في بيان الرسول  لأحكام الدين؛ فقد شكا عبد الرحمن بن حَرْمَلَة تلميذُ سعيد بن المسيِّب إليه سوء حفظه، فوجَّهه للكتابة. كما كان الشَّعْبِيُّ من كبار التابعين يقول: “إذا سمعتم منِّي شيئًا فاكتبوه ولو في حائط[20].

 ولقد انتشرت كتابة الحديث في جيل التابعين على نطاق أوسع ممَّا كان في زمن الصحابة؛ إذ أصبحت الكتابة ملازمة لحلقات العلم المنتشرة في الأمصار الإسلاميَّة آنذاك، ولعلَّ من أسباب انتشار تدوين السُّنَّة في جيل التابعين هو انتشار الروايات، وطول الأسانيد، وكثرة أسماء الرواة وأنسابهم، وأيضًا بسبب موت كثير من حُفَّاظ السُّنَّة من الصحابة وكبار التابعين، حتى خِيفَ بذهابهم أن يذهب كثير من السُّنَّة، وكذلك ضَعْف مَلَكَة الحفظ مع انتشار الكتابة بين الناس، وكثرة العلوم المختلفة، ثم أخيرًا ظهور البدع والأهواء وفشوّ الكذب، فكان التدوين حِفَاظًا على السُّنَّة، وحماية لها من أن يَدْخُل فيها ما ليس منها، فشُرِع في تدوينها[21].

 وعليه فقد كثرت صُحُف الأحاديث التي كُتِبَت في ذلك العصر، وكان منها على سبيل المثال لا الحصر: صُحُف سعيد بن جُبَيْرٍ تلميذ ابن عباس، وصحيفة بَشِير بن نَهِيك كتبها عن أبي هريرة وغيره، وصحف مجاهد بن جَبْرٍ تلميذ ابن عباس، وصحيفة أبي الزُّبَيْرِ محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ المكِّيِّ تلميذ جابر بن عبد الله، يَرْوِي نُسَخَه عنه وعن غيره، وعن سعيد بن جُبَيْرٍ قال: “كنتُ أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلِي، ثم أكتب في كفِّي[22].

 ونظرًا لأن الحاجة إلى تدوين السنة أخذت تَبْرُز أكثر فأكثر بمرور الأيام، على أثر تناقص حَفَظَة السُّنَّة من صحابة رسول الله ، وتَعَرُّضِ المسلمِينَ للمستجدَّات المتزايدة من المشكلات، فقد فكَّرت الدولة جديًّا في كتابة السُّنَّة وتدوينها بشكل رسمي؛ لتكون إلى جانب القرآن الكريم مصدرًا ثانيًا يَسْهُل الرجوع إليه في حلِّ ما يواجِه المسلمين من مشكلات[23].

 جمع وتدوين سنة النبي

وبدأت الجهود الحقيقية لجمع وتدوين سُنَّة النبي  في القرن الأوَّل الهجري حيث قام الخليفة الأُموي عمر بن عبد العزيز  بإصدار أمر البَدْءِ في تدوين الحديث، فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن حزم: “انظر ما كان من حديث رسول الله  فاكتبه؛ فإني خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ، وذهاب العلماء، ولا تَقْبَلْ إلاَّ حديث النبي ، ولْتُفْشُوا العِلْم، ولتَجْلِسُوا حتى يَعْلَمَ مَن لا يَعْلَمُ، فإنَّ العلم لا يَهْلِك حتى يكون سرًّا[24].

 وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الآفاق، وإلى عماله في الأمصار بمثل ما كتب إلى عامله على المدينة، وكان أوَّل مَن استجاب له في حياته، وحقَّق له ما كان يرجوه، عالم الحجاز والشام محمد بن مُسْلِم بن شهاب الزُّهْرِيُّ المَدَنِيُّ؛ إذ دوَّن في ذلك كتابًا وأرسله إليه، وفيه يقول الزُّهْرِيُّ: “لَمْ يُدَوِّنْ هذا العلم أحد قبل تدويني”. وفي مدى اهتمام الزهري بذلك يروي صالح بن كَيْسَانَ فيقول: “اجتمعتُ أنا والزهري، ونحن نطلب العلم، فقلنا: نحن نكتب السُّنَن. فكتبنا ما جاء عن النبي ، ثم قال لي: هلُمَّ فلنكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سُنَّةٌ. فقلتُ: إنه ليس بسُنَّة فلا تكتبْ. قال: فكتب، ولم أكتب، فأنجح وضيَّعتُ[25]. وكان مما دُوِّنَ في هذا العهد صحيفة رواها التابعي همام بن مُنبِّهٍ عن الصحابي الجليل أبي هريرة ، وكان سماعه لها منه في منتصف القرن الأول الهجري[26].

 وقد بلغ الاهتمام بالتدوين في العهد الأموي مبلغًا كبيرًا، خاصَّة عند ابن شهاب الزهري (ت 124هـ)، الذي عُدَّ أوَّل من دَوَّن الحديث، وأحد أكابر الحُفَّاظ والفقهاء[27]، وهو الذي قال: “أمرَنا عمر بن عبد العزيز بجمع السُّنَنِ فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كلِّ أرض له عليها سلطانٌ دفترًا[28].

 وبعد ابن شهاب ظهر جيل جديد في القرن الثاني للهجرة، وهم أتباع التابعين الحلقة الثالثة بعد الصحابة والتابعين؛ وكان التابعون الكبار وهم تلاميذ الصحابة قد تأخَّرَت وفاة كثير منهم حتى عام 140 للهجرة، وهذا الجيل الجديد تميَّزت مجهوداتهم في التصدِّي لأصحاب البِدَعِ والخرافات والأهواء الذين وَضَعُوا في حديث رسول الله  ما ليس منه، حتى اضطرَّ الخليفة المهدي إلى تكليف أحد رجاله بتتبُّع أخبار هؤلاء الخارجين عن دائرة الدِّينِ، فأصبح ذلك الرجل يُعْرَفُ بصاحب الزَّنَادِقَة[29].

 ظهور الأحاديث الموضوعة

أثَّرت الأحداث السياسيَّة، واتِّساع رقعة الدولة الإسلاميَّة من منتصف القرن الأوَّل الهجري والقرن الثاني الهجري، في ظهور الأحاديث الموضوعة، والتي كان لها الأثر السيِّئ على صفاء الحديث النبوي، ومن أهمِّ الأسباب التي أدَّت إلى ظهور الأحاديث الموضوعة في هذا العهد ما كان من أمر الخلافات السياسيَّة، والذي تمثَّل فيما وَضَعَتْه الرافضة من أحاديث في فَضْل عَلِيٍّ والطعن على مُعَاوِيَة، وما وضعه خصومهم في فضل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ردًّا عليهم، وبما وضعه محبُّو الأمويين، ومحبُّو العباسيين، وما كان أيضًا من ظهور الفِرَقِ الكلاميَّة: كالقدريَّة، والمرجئة، والجهميَّة، والمشبِّهَة، وما كان كذلك من ظهور العصبيَّة للجنس، والقبيلة، واللُّغة، والبلد، والإمام، هذا فضلاً عن دَوْرِ القصَّاصين، وجَهَلَةِ الصالحين ممَّن يَضَعُون الحديث للترغيب والترهيب[30].

 ولقد كان لجيل تابعي التابعين الرِّيادة في ابتداء التدوين المُرَتَّب على الأبواب والفصول، وكذلك الرِّيادة في التصنيف في عِلْمِ الرجال، وكان من جُمْلَة مَن ألَّفوا في هذا العلم: الليث بن سعد المصري (ت 175هـ)، وابن المبارك (ت 181هـ)، وضَمْرَة بن ربيعة (ت 202هـ)، والفضل بن دُكَيْنٍ (ت 218هـ)، ويُعْتَبَر هذا الجيل جيل التأسيس للسُّنَّة المطهَّرة؛ إذ عاش فيه جهابذة رجال السُّنَّة؛ مثل الأئمة: مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وابن عُيَيْنَة، وابن المبارَك، والقطَّان

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*