الإثنين , 27 فبراير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الفقه » الصدقة على الاقارب
الصدقة على الاقارب
الصدقة على الاقارب

الصدقة على الاقارب

الصدقة على الأقارب

(3) عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَتْ : كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّr فَقَالَ:((تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ))وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا ، قَالَ : فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ : سَلْ رَسُولَ اللَّهr أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنْ الصَّدَقَةِ ؟ فَقَالَ : سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِr، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ r ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي ، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا : سَلْ النَّبِيَّr: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي ؟ وَقُلْنَا : لَا تُخْبِرْ بِنَا ، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ :((مَنْ هُمَا ؟))قَالَ : زَيْنَبُ ، قَالَ : ((أَيُّ الزَّيَانِبِ ؟)) قَالَ : امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : (( نَعَمْ ، لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ))([1]) .

وفي رواية عند مسلم قالت : قال رسول الله r 🙁(تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ))، قَالَتْ : فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ ، فَقُلْتُ : إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِr قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي ، وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ ، قَالَتْ : فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ : بَلْ ائْتِيهِ أَنْتِ … الحديث .

معاني المفردات :

أَيَجْزِي عَنِّي : بفتح الياء ، يعني أيكفي عني .

في حجري : أي في حضني ، يعني أنها كانت تربيهم .

لَا تُخْبِرْ بِنَا : أي لا تعين اسمنا ، ولا تقل : إن السائلة فلانة ، بل قل : يسألك امرأتان مطلقا .

يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ : المعشر كل جماعة أمرهم واحد ، رجالا كانوا أو نساء .

خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ : كناية عن الفقر .

ترجمة الراوي :

 هي زينب بنت معاوية ، وقيل : بنت أبي معاوية ، ويقال : بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية ، امرأة عبد الله بن مسعودt ، لها صحبة .وقيل : اسمها رائطة أو رائطة لقبها ، قال الطحاوي : زينب هذه هي رائطة ، لا نعلم عبد الله تزوج غيرها في زمن رسول اللهr . وفرق أبو سعيد وابن حبان والعسكري وابن مندة وأبو نعيم وغير واحد بين زينب ورائطة امرأتي ابن مسعود t .

ومما رجح به البعض أنهما واحد أن قصة الباب رويت عن زينب ، وروي مثلها عَنْ رَائِطَةَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُمِّ وَلَدِهِ – كَانَتْ امْرَأَةً صَنَاعَ الْيَدِ – قَالَ : فَكَانَتْ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ مِنْ صَنْعَتِهَا ، قَالَتْ : فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : لَقَدْ شَغَلْتَنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ عَنْ الصَّدَقَةِ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَصَدَّقَ مَعَكُمْ بِشَيْءٍ ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ : وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ أَنْ تَفْعَلِي ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ r، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ ذَاتُ صَنْعَةٍ أَبِيعُ مِنْهَا ، وَلَيْسَ لِي وَلَا لِوَلَدِي وَلَا لِزَوْجِي نَفَقَةٌ غَيْرَهَا ، وَقَدْ شَغَلُونِي عَنْ الصَّدَقَةِ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ ، فَهَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِيمَا أَنْفَقْتُ ؟ قَالَ : فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ r : (( أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ لَكِ فِي ذَلِكَ أَجْرَ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ))([2]).

إلا أن ظاهر هذه الرواية ربما أفاد بأنها قصة أخرى ، فهي هنا تسأل عما إذا كان إنفاقها من الصدقة والزكاة على أيتامها يجزي عنها ويكون لها به أجر أوْ لا ، أما في حديث الباب عن زينب فإنها تسأل عما إذا كان يحل لها أن تتصدق بحليها على زوجها وأيتامها ، فالأغلب أنهما قصتان ، ولا يعني كونهما قصتين أنهما ليستا شخصا واحدا ،  والله أعلم .

روت عن النبي r ، وعن زوجها عبد الله بن مسعود ، وعمر بن الخطاب .

روى عنها : بسر بن سعيد ، وعبد الله بن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي ،  وعبيد بن السباق ، وابنها أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، وابن أخيها ، وقيل ابن أختها . روى لها الجماعة .

المعنى العام

حرص الإسلام كل الحرص على تكوين المجتمع النموذجي الفاضل المتعاون ، ودعا النبي r الأمة رجالا ونساء إلى التراحم والتكافل ، بحيث تُسَد سائر الحاجات ، ولا يجهد الفقراء ولا يشقوا ببخل الأغنياء ، وفي هذا الحديث صورة واقعية لما كان عليه ذلك المجتمع الكريم من تسارع في الخير وتعاون على البر والتقوى ، فها هو النبي r يعظ نساء الأمة أن يشاركن الرجال في مضمار التكافل الاجتماعي ، ويدعوهن إلى الصدقة ، وهانحن نرى زينب امرأة ابن مسعود تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها ؛ لما تعلم من حال زوجها وخفة ذات يده .

ولئن كان الإسلام حض على التعاون بين الزوجين فإنه قد قرر حق المرأة في الاستقلال المالي ، واعتبر هذا التعاون منها عملا تطوعيا ، حتى إنه ليجعل زوجها والأيتام في حجرها ممن يحل لها أن تعطيهم صدقتها ، بل هم أحق من تتصدق عليهم ، ولها في ذلك أجران .

  وحرصاً من ابن مسعود وامرأته على أن يكون عملهم موافقاً لما أمر به الله ورسوله، ومحققا للأجر المرتقب ، فقد حرصا على سؤال النبيr عن الصدقة على الزوج والأقربين، مع أن ابن مسعود كان يرى جواز ذلك ، وطلبت منه زوجه أن يسأل النبي r أولاً ، ثم استجابت لرأيه بأن تسأل بنفسها رسول الله r ليطمئن قلبها ، فلما أتت رسول الله r تسأله صادفت عنده امرأة أخرى جاءت تسأل نفس المسألة ، مما يدل على أن الأمة جميعا كانت حريصة على السؤال والاستفتاء ومعرفة الحكم الشرعي ، ومما يبين ما كان عليه نساء الصحابةy من المبادرة إلى تنفيذ وصايا رسول اللهr ، فلما سألت زينب رسول الله r عن صدقتها على زوجها وأيتامها صوَّب فعلها وبيَّن لها أن الصدقة على زوجها وأيتامها يتحقق بها أجران : أجر الصدقة ، وأجر صلة الرحم والقرابة ، ولئن كان إنفاق الرجل على أهله من القربات والطاعات؛ فإن إنفاق المرأة وتقديرها لحال زوجها يجعل لها أجر الصدقة وأجر القرابة ، ولك أن تتصور السعادة النفسية وحالة الطمأنينة التي تملأ البيت عندما يحصل هذا التعاون الكريم من غير منٍّ ولا أذى !.

وإنما ذُكر أمرُ هاتين في هذا الحديث دون غيرهما ؛ لخصوص المسألة التي سألتا عنها ، وإلا فقد ثبت يقيناً أن النساء جميعاً تسارعن في الاستجابة لأمر النبي r بالصدقة ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ yقَالَ لَهُ رَجُلٌ : شَهِدْتَ الْخُرُوجَ (يعني لصلاة العيد)مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ – يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ- أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ، ثُمَّ خَطَبَ ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُهْوِي بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا ، تُلْقِي فِي ثَوْبِ بِلَالٍ ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلَالٌ الْبَيْتَ .

وفي رواية قال : فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ([3]) . وروي مثل ذلك عن جابرt في الصحيحين .

فقه الحديث

1 – روايات القصة وهل تعددت :

ذكرنا أعلاه روايتي زينب رضي الله عنها للقصة ، وفيهما أنها طلبت من عبد الله t أن يأتي رسول الله r فيسأله عما إذا كان إنفاقها عليه وعلى عياله يجزئ عنها أو لا يجزئ، وقد وردت روايات أخرى للقصة على لسان بعض الصحابة منهم أبو سعيد الخدري ، وأبو هريرة وابن مسعود y، نذكرها ثم نبين ما بينها وبين رواية زينب من اتفاق واختلاف .

أ – حديث أبي سعيد الخدري t : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ ، فَقَالَ : ((أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا)) ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ ، فَقَالَ : ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ)) ، فَقُلْنَ : وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ)) ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ زَيْنَبُ ، فَقَالَ : ((أَيُّ الزَّيَانِبِ؟)) فَقِيلَ : امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : ((نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا)) فَأُذِنَ لَهَا ، قَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ r: ((صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ )) ([4]).

ب – حديث أَبِي هُرَيْرَةَ t : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ يَوْمًا ، فَأَتَى النِّسَاءَ فِي الْمَسْجِدِ فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ ، فَقَالَ : (( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَوَاقِصِ عُقُولٍ قَطُّ وَدِينٍ أَذْهَبُ بِقُلُوبِ ذَوِي الأَلْبَابِ مِنْكُنَّ ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَتَقَرَّبْنَ إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَعْتُنَّ )) ، وَكَانَ فِي النِّسَاءِ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَانْقَلَبَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا سَمِعَتْ مِنَ رَسُولِ اللَّهِ r ، وَأَخَذَتْ حُلِيِّهَا ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَيْنَ تَذْهَبِينَ بِهَذَا الْحُلِيِّ ؟ قَالَتْ : أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قَالَ : وَيْحَكَ هَلُمِّي تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيَّ وَعَلَى وَلَدِي ، فَإِنَّا لَهُ مَوْضِعٌ ، فَقَالَتْ : لا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، قَالَ : فَذَهَبَتْ تَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ زَيْنَبُ تَسْتَأْذِنُ ، قَالَ : ((أَيُّ الزَّيَانِبِ هِيَ ؟)) قَالَ : امْرَأَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : ((ايذَنُوا لَهَا)) ، فَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ r ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ مَقَالَةً فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَحَدَّثْتُهُ ، وَأَخَذْتُ حُلِيًّا لِي أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَإِلَيْكَ ؛ رَجَاءً أَنْ لا يَجْعَلَنِي اللَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَالَ لِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ : تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيَّ وَعَلَى ابْنِي فَإِنَّا لَهُ مَوْضِعٌ ، فَقُلْتُ : حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ r ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : (( تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى بَنِيهِ ، فَإِنَّهُمْ لَهُ مَوْضِعٌ ))([5]).

ج – حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود t قَالَ : قُلْتُ لامْرَأَتِي : اذْهَبِي إِلَى النَّبِيِّ r ، فَسَلِيهِ هَلْ تُجْزِي عَنَّا مَا تُنْفِقِينَ عَلَيَّ وَعَلَى أَيْتَامِكِ مِنَ الزَّكَاةِ ؟ قَالَتْ : فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ لَهَا مِثْلُ حَاجَتِي ، فَقَالَتْ لِبِلالٍ : استأْذِنْ لَنَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ زَيْنَبُ وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ r : ((أَيُّ الزَّيَانِبِ ؟)) قَالَ : امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ تَسْأَلُكَ : أَتُجْزِي عَنْهَا الزَّكَاةُ مَا تُنْفِقُ عَلَى زَوْجِهَا وَعَلَى أَيْتَامٍ لَهَا ؟ قَالَ : ((نَعَمْ ، ضِعْفُ الصَّدَقَةِ ، وَضِعْفُ الْقَرَابَةِ))([6]).

في حديث الباب أن زينب طلبت من بلال أن يسأل لها رسول الله r ، ففعل وأخبرها بجواب رسول الله r ، وفيه أن ذلك كان في المسجد ، وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة y أن زينب شافهته r بالسؤال وشافهها بالجواب لقولها فيه : يا نبي الله إنك أمرت ، وقولهr(( فيه صدق زوجك)) ، وفي حديث أبي سعيد tأن ذلك كان في المصلى في عيد الفطر أو الأضحى ، وفي حديث أبي هريرة أن ذلك كان بعد انصرافه r من الصبح ، وفي كل ذلك أنها كانت أرادت أن تتصدق بحلي لها ، أما حديث ابن مسعود t ففيه أنه طلب منها أن تسأل النبي r عما إذا كان إنفاقها عليه وعلى الأيتام من الزكاة يجزيها ، وهو أشبه بما ورد في حديث رائطة .  

فيحتمل أن تكونا قصتين ، وقيل : يجمع بينهما بأن تحمل هذه المراجعة على المجاز وإنما كانت على لسان بلال . واحتمال تعدد القصة أقوى فيما أرى ، لاختلاف الأسئلة ، قال ابن حجر : والذي يظهر لي أنهما قضيتان : إحداهما في سؤالها عن تصدقها بحليها على زوجها وولده ، والأخرى في سؤالها عن النفقة ، والله أعلم .

2 – لماذا خالف بلال قولهما وهو إخلاف للوعد وإفشاء للسر ؟

أجاب الكرماني : بأنه عارضه سؤال رسول الله r ، فإن جوابه واجب متحتم لا يجوز تأخيره ، فإذا تعارضت المصلحتان بدئ بأهمهما ، فإن قلت : كان الجواب المطابق للفظ هو أن يقال زينب وفلانة ، قلت : الأخرى محذوفة ، وهي أيضا اسمها زينب الأنصارية ، وزوجها أبو مسعود الأنصاري t ، ووقع الاكتفاء باسم من هي أكبر وأعظم منهما .

وأجاب أبو العباس القرطبي : بأن إخبار بلال باسم المرأتين بعد أن استكتمتاه ليس بإذاعة سر ولا كشف أمانة لوجهين : أحدهما أنهما لم تلزماه بذلك ، وإنما علم أنهما رأتا أن لا ضرورة تحوج إلى كتمانهما ، ثانيهما : أنه أخبر بذلك جوابا لسؤال النبي r ؛  لكون إجابته أوجب من التمسك بما أمرتاه به من الكتمان . وهذا كله بناء على أنه التزم لهما بذلك ، ويحتمل أن تكونا سألتاه ، ولا يجب إسعاف كل سائل .

3 – ما حكم الصدقة على الأقارب المحتاجين ، وهل تُدفع الزكاة إلى الأقارب؟

أما صدقة التطوع فلا بأس بأن يعطيها الرجل لأهله أو أولاده أو خدمه أو أقاربه ، فعن مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً ، وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ r ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ ، قَالَتْ : أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ : ((أَوَفَعَلْتِ ؟)) قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : ((أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ))([7]) .

وأما الزكاة الواجبة ، ففيه تفصيل على النحو التالي :

أولاً : إذا كان القريب بعيد القرابة كأبناء العمومة والخؤولة ومن بعدهم ، أو وثيق القرابة لكنه ممن لا تلزم صاحبَ الزكاة نفقتُه كالأخ والأخت وأولادهما ، فلا حرج في إعطائه من زكاة قريبه ، وسواء أعطي من سهم الفقراء أو المساكين أم من غيرهما ، لدخول كل أولئك في عموم الأحاديث المرغبة في الصدقة على ذوي الأرحام ، ومنها حديث سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ t عن النَّبِيَّ r قَالَ : ((الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ))([8]).

بين النبي r في هذا الحديث أن الصدقة (عموما الواجبة والنافلة) على المحتاجين من الأقارب تجمع بين كونها صدقة وكونها صلة رحم ، ويثاب المتصدق عندئذ بالقصدين جميعا ، ولهذا كان النبي r يوجه دائما إلى سد حاجة الأقربين أولا  :

فعن أنس بن مالك tقال : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ rيَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ ، قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ )لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ( قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ )لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا ، وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ((بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ : وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ)) فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ([9]).

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا ، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ ؟ قَالَ : ((نَعَمْ ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ))([10]).

ولئن كان هذا الحديثان غير صريحين في الزكاة الواجبة ، فإنه لم يأت ما يمنع من إعطاء الأقارب من الصدقة الواجبة (الزكاة) ، ولم يحدد النبي r لأبي طلحة أو لأم سلمة فرقا بين أن يكون عطاؤهما من صدقة التطوع أو أن يكون من صدقة الفريضة .

ثانياً : أما القريب الوثيق القرابة – كالوالدين والأولاد والزوجة ومن تلزمه نفقته – ففي جواز إعطائهم من الزكاة تفصيل :

أ – فإذا كان القريب يستحق الزكاة لأنه من العاملين عليها أو في الرقاب أو الغارمين أو في سبيل الله، فلقريبه أن يعطيه من زكاته ولا حرج ؛ لأنه يستحق الزكاة هنا بوصف لا تأثير للقرابة فيه .

ب – أما إذا كان القريب الوثيق القرابة فقيرًا أو مسكينًا ، وكان الذي يوزع الزكاة ويعطيها هو الإمام أو نائبه أو إحدي جمعيات الزكاة ، فلا بأس أن يُعطَى منها ولد المزكِّي، أو والده أو زوجه ما لم يشترط المزكي ذلك ؛ لأن صاحب الزكاة بدفعها إلى أي من تلك الجهات قد أبلغها محلها وبرئت ذمته منها ، وأصبح أمر توزيعها منوطًا بتلك الجهة.

ج – وإذا كان الوالد أو الولد ونحوهما ممن تجب نفقته على المزكي فقيرًا أو مسكينًا وكان الذي يعطيه هو المزكي نفسه ، فلا يجوز الصرف إلى أحد منهم من زكاته ؛ لأن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته ، ويسقطها عنه ، ويعود نفعها إليه ، فكأنه دفعها إلى نفسه ، فلم تجز ، كما لو قضى بها دينه .

ولأن مال الولد مال لوالديه ، والولد من كسب أبيه ، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قالت : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : (( إِنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ))([11]) .

وكذلك لا يجوز دفع الزكاة إلى الأولاد ؛ لأنهم جزء منه ، والدفع إليهم كأنه دفع إلى نفسه . ولا يناقض ذلك حديث مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ y قَالَ : كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ ! فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَالَ : ((لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ))([12]) إذ الظاهر من هذه الصدقة أنها صدقة تطوع – كما قال الشوكاني – وليست الزكاة المفروضة .

وقد انعقد الإجماع على عدم إعطاء الزكاة للأصول وإن علوا ، ولا للفروع وإن نزلوا ، خلافا لما روي عن مالك : أنه يجوز الصرف في بني البنين وفيما فوق الجد والجدة، وذلك أن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه ، ويعود نفعها إليه ، فكأنه دفعها إلى نفسه .

د – لكن إن كان صاحب المال معسرًا ، وملك نصابًا وجبت فيه الزكاة وكان ولده أو والده فقيرًا أو مسكينًا ففي هذه الحالة لا تجب النفقة على صحب المال بسبب إعساره،  ومن ثَمّ يجوز للمزكي دفع الزكاة إلى والده أو ولده في هذه الحالة من سهم الفقراء والمساكين، لأنه حينئذ كالأجنبي([13]) .

وقال ابن تيمية: يجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، وإلى الوالد وإن سفل، إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم . أيد ذلك بوجود المقتضى للصرف (وهو الفقر والحاجة) السالم عن المعارض (أي لم يوجد مانع شرعي يعارض هذا المقتضى) قال ابن تيمية: وهو أحد القولين في مذهب أحمد ، وإذا كانت أم فقيرة ، ولها أولاد صغار لهم مال ، ونفقتها تضرُّ بهم ، أُعطيت من زكاتهم([14]) .

4 –  الصدقة على الزوج والزوجة :

أ – الزكاة على الزوجة : أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة  لأن نفقة الزوجة واجبة عليه سواء كانت غنية أو فقيرة ، فإن كانت فقيرة فإنها تستغني بنفقته عليها عن أخذ الزكاة ، فلم يَجُزْ دفعُها إليها ، ثم إن الزوجة من زوجها كأنها نفسه أو بعضه ، قال تعالى )وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا( (الروم: 21) وبيت زوجها هو بيتها كما قال تعالى )لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ( (الطلاق:1) وهي بيوت الزوجية، التي هي ملك الأزواج عادة . فإذا صرف الزوج من زكاته إلى زوجته فهو في الحقيقة إنما يعطي باليمين ليأخذ بالشمال .

ب – الزكاة على الزوج : في حديث الباب ما يدل على أن الزوجة تعطي زوجها من صدقتها ، بل هو أحق بها من غيره ، لكن اختلف العلماء هل يجوز لها أن تدفع زكاته إلى زوجها أوْ لا ، وسبب الاختلاف : هو اختلافهم في الصدقة المذكورة في حديث الباب ، هل هي صدقة واجبة أو هي صدقة تطوع ، على قولين :

الأول : عدم جواز دفع الزوجة زكاتها لزوجها ، وهذا رأي الحسن البصري ، وأبي حنيفة وبعض الفقهاء ووجه عن أحمد ، قالوا : لأن الرجل من امرأته ، كالمرأة من زوجها ، فيقاس عليها في المنع ، مثلما أن الوالدين لا يعطيان أولادهما من الزكاة ولا يأخذان من أولادهما الزكاة .  

وقالوا : إن قوله (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) وكون صدقتها كانت من صناعتها(كما في حديث رائطة) يدلَّان على التطوع ، وبه جزم النووي . وتأولوا قولها (أَيَجْزِي عَنِّي) أي في الوقاية من النار ، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا يحصل لها المقصود .

واحتجوا أيضا على أنها صدقة تطوع بما في حديث أبي سعيد السابق (زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ) قال الطحاوي : وقد أجمعوا على أنه لا يجوز للمرأة أن تنفق على ولدها من زكاتها ، فلما كان ما أنفقت على ولدها ليس من الزكاة ، فكذلك ما أنفقت على زوجها ليس هو أيضا من الزكاة .

كما احتج الطحاوي لهذا القول بما جاء في حديث أبي هريرة t أنها أخذت حُليها للتقرب به إلى الله ورسوله ، قال : فكان ذلك على الصدقة بكل الحلي ، وذلك من التطوع لا من الزكاة ؛ لأن الزكاة لا توجب الصدقة بكل المال ، وإنما توجب الصدقة بجزء منه([15]) .

القول الثاني : جواز دفع الزوجة زكاتها لزوجها إن كان من الأصناف المستحقة : وبه قال الثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد ، وإليه ذهب الهادي والناصر والمؤيد بالله من أئمة الشيعة .

وقالوا : قياس إعطاء الزوج على إعطاء الزوجة قياس غير صحيح ويرده العقل والنظر، كما يرده النقل والأثر . أما العقل والنظر فما قال أبو عبيد : أن الرجل يجبر على نفقة امرأته وإن كانت موسرة ، وليست تُجبر على نفقته وإن كان معسرًا ، فأي اختلاف أشد تفاوتًا من هذين؟([16]).وأما الأثر فلحديث الباب .

وقالوا : إن الصدقة في حديث الباب صدقة واجبة ، وبذلك جزم المازَري . ويؤيد ذلك قولها (أَيَجْزِي عَنِّي) ، وهو ما جاء صريحاً في حديث ابن مسعود ففيه أنه قال لها : اذْهَبِي إِلَى النَّبِيِّr ، فَسَلِيهِ هَلْ تُجْزِي عَنَّا مَا تُنْفِقِينَ عَلَيَّ وَعَلَى أَيْتَامِكِ مِنَ الزَّكَاةِ ؟ وأن بلالاً قَالَ : امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ تَسْأَلُكَ : أَتُجْزِي عَنْهَا الزَّكَاةُ مَا تُنْفِقُ عَلَى زَوْجِهَا وَعَلَى أَيْتَامٍ لَهَا ؟ .

وأما الاحتجاج بذكر الولد في حديث أبي سعيد فيجاب عنه : بأنه ليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها ، بل معناه أنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب ، فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج ، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها ، والذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطيَ نفقتُه ، والأم لا يلزمها نفقةُ ابنها مع وجود أبيه .وقال ابن تيمية : قوله (وولدك) محمول على أن الإضافة للتربية لا للولادة فكأنه ولده من غيرها . قلت : يؤيد كلام ابن تيمية ما أخرجه الطبراني عَنْ زَيْنَبَ ، قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِي ؟ فَقَالَ : (( لَكِ كِفْلانِ مِنَ الأَجْرِ ))([17])، وفي رواية أخرى : فَقَالَتْ زَيْنَبُ لِعَبْدِ اللَّهِ : أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَضَعَ صَدَقَتِي فِيكَ وَفِي بَنِي أَخِي أَوْ أُخْتِي أَيْتَامٍ ؟ وفيه : فَخَرَجَ إِلَيْنَا بِلالٌ ، فَقُلْنَا لَهُ : سَلْ رَسُولَ اللَّهِ r ، وَلا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ : أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَضَعَ صَدَقَتِي فِي بَنِي أَخِي أَيْتَامٍ ، أَوْ بَنِي أُخْتِي أَيْتَامٍ فِي حِجْرِي ؟ ، الحديث ([18]).

وأما الاستدلال بأنها أخذت حُليها …إلخ ، فلا دليل فيه على عدم الجواز ، بل هو دليل على الجواز من جهة أن النبي r لم يستفصل منها عن الصدقة بحليها هل هي تطوع أو واجب ، مما يدل على أنه لا فرق في الحكم بين التطوع والواجب ، فكأنه قال : يجزئ عنك فرضا كان أو تطوعا ، ويقوي ذلك أنه لا دليل على المنع أصلا ، فيبقى الأمر على  الجواز ، ومن قال إنه لا يجوز فعليه الدليل .

وهذا الرأي هو الراجح إن شاء الله تعالى .

ما يستفاد من الحديث :

1 – فيه مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها .

2 – فيه الحث على الصدقة على الأقارب .

3 – فيه الحث على صلة الرحم .

4 – فيه بيان لاستقلال الذمة المالية للمرأة وجواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها .

5 – فيه عظة النساء وترغيب ولي الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء .

6 – فيه جواز التحدث مع النساء الأجانب عند أمن الفتنة .

7 – فيه التخويف من المؤاخذة بالذنوب وما يتوقع بسببها من العذاب .

8 – فيه فتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه وطلب الترقي في تحمل العلم .

9 – فيه دليل على ما كان عليه نساء الصحابةy من المبادرة إلى تنفيذ وصايا رسول اللهr .

10 – فيه التعاون بين الزوجين في الإنفاق على البيت وفي تحمل أعباء الحياة وتقاسم هم الإنفاق على الأسرة .

 

([1]) أخرجه البخاري في كتاب : الزكاة ، باب : الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر 3/328(1466)، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد 2/694 (1000/45).

([2]) أخرجه أحمد 3/503 بإسناد صحيح ، وصححه ابن حبان (4247) .

([3]) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان،باب: وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور1/295 (825)، وفي كتاب : النكاح ، باب : والذين لم يبلغوا الحلم  5/2010(4951) ، وفي مواضع أخرى .

([4]) أخرجه البخاري في كتاب : الزكاة ، باب : الزكاة على الأقارب 2/531(1393) .

([5]) صححه ابن خزيمة (2461) ، وابن حبان (6585) ، وأخرجه أحمد 3/373-374، ورجاله ثقات كما ذكر الهيثمي في المجمع 3/118، وأصله في صحيح مسلم في كتاب الإيمان (80/132) .

([6]) رواه الشاشي في مسنده (545) .

([7]) أخرجه البخاري في كتاب : الهبة ، باب : هبة المرأة لغير زوجها 5/ (2592) ، وباب : من يبدأ بالهدية (2594) ، ومسلم في كتاب : الزكاة ، باب : فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد 2/694 (999/44) .

([8]) أخرجه الترمذي – وحسنه – في كتاب : الزكاة ، باب : ما جاء في الصدقة على ذي القرابة 3/46(658) ، والنسائي في كتاب : الزكاة ، باب : الصدقة على الأقارب 5/92 ، وصححه ابن خزيمة (2385) ، وابن حبان (3344) .

([9]) أخرجه البخاري في كتاب : الزكاة ، باب : الزكاة على الأقارب 2/530 (1392)، وكتاب:الوكالة ، باب : إذا قال الرجل لوكيله : ضعهحيث أراك الله  2/814 (2193) ، ومسلم في كتاب : الزكاة ، باب : فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج 2/693(998/42) .

([10]) أخرجه البخاري في كتاب : الزكاة ، باب : الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر 3/328(1467) ، وفي كتاب : النفقات ، باب : وعلى الوارث مثل ذلك وهل على المرأة منه شيئ 9/514(5369) ، ومسلم في الموضع السابق (1001/47) .

([11]) أخرجه أبو داود في كتاب : الإجارة ، باب : في الرجل يأكل من مال ولده 3/289(3528) ، والترمذي – وقال : حسن صحيح – في كتاب :الأحكام ، باب : ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده (1358) ، والنسائي في كتاب : البيوع ، باب : الحث على الكسب 7/240 ، وابن ماجه في كتاب : التجارات ، باب : ما للرجل من مال ولده ، وصححه ابن حبان (4259: 4261) ، والحاكم 2/46 على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .

([12]) أخرجه البخاري في كتاب : الزكاة ، باب : إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر 3/291 (1422) .

([13]) انظر (المجموع: 6/229).

([14])اختيارات ابن تيمية ص 61 – 62.

 

([15]) انظر في تقرير هذا الرأي والانتصار له بالنظر والأثر : شرح معاني الآثار للطحاوي 2/22 وما بعدها .

([16]) الأموال 588 .

([17]) أخرجه الطبراني في الكبير 24/286 (728) ، ورجاله ثقات ، لكن فيه انقطاعا بين أبي وائل وزينب الثقفية ، والحديث مشهور من روايته عن عمرو بن الحارث عن زينب .

([18]) أخرجه أبو داود الطيالسي (1758) بإسناد صحيح ، والطبراني في الكبير 24/285(725) .

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*