الثلاثاء , 17 يناير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » التاريخ الإسلامي » الصراع مع اليهود دروس المرجعيات
الصراع مع اليهود دروس المرجعيات
الصراع مع اليهود دروس المرجعيات

الصراع مع اليهود دروس المرجعيات

       أ.د / خالد فهمي.

        كلية الأداب – جامعة المنوفية.

(1) مدخل :القرأن يتنزل من جديد “.

ربما يكون صحيحا أن تقرر أنه لا يحسن فهم الكتاب العزيز , إلا  بتمثل الأجواء الملتهبة التى تنزل فيها ابتداء .

ومن أجل ذلك ترافد الأجيال على الإخلاص له , وقراءة أزمات الزمان على هدي مما يبوح به .حتى استقرت القاعدة التى تقرر :”إن القرأن يفسره الزمان” , فيما روي عن ابن عباس رضى الله عنه .

ونحن نعيش زمانا ملتهبا بكل معاني الكلمة وبكل ظلال معانيها أيضا , ومن عجيب الأمر أن للكتاب العزيز قولا فى طبيعة الشخصية اليهودية , وفى تاريخ اليهود. وللسيرة النبوية قول

فى التعامل معهم ، وفى مفاوضاتهم .

وإنما جعل الكتاب العزيز وجعل تفسيره العلمى الماثل فى السيرة النبوية الصحيحة ليكونا مرجعيتين حاكمتين لمسيرة الأمة .

وقد كان ذلك الاستصحاب لفرعي المرجعية أمرا استراتيجيا  فى قيادة الأمة , وفى حراكها السياسي والحربي فى أوقات التمدد االثقافي و الحضاري . لقد كانت العبارة التاريخية التى تقول

كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم , منارة على الطريق، فحقق الوظائف الجليلة التالية :

أ ضبط حركة الأمة فى الحياة .

ب – ترشيد حركة الامة فى الحياة .

ج – ربط الامة بغايات وجودها الحي .

د – تجديد طاقات الامة بإطلاق الملكات واستفزاز الهمم .

و من ثم فإن تتابع الأزمات حامل على مراجعة المرجعيات ،واتخاذ القرارات فى ضوء ما ينبثق من فحصها .

لقد تكرر ذكر اليهود فى الكتاب العزيز ثماني مرات علما على قوم بعينهم , وأولى خطوات النظر أن نتدبر ما جاء فيها، و نتأمل  ما هو منها من  التذييل أو التعقيب أو الحكم أو الخبر.يقول تعالى ”

”  {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } البقرة113

{ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }  البقرة120

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }   المائدة18

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } المائدة51

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }المائدة64

{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ  } المائدة82

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }التوبة30

(2)بداية الطريق : موجز لأحكام الثوابت الإستريتجية “.

إن فى هذه المدونة الكريمة الموضوعية التى تجمعت فيها مجموعة من أحكام الله تعالى فى حق اليهود تمثل بداية الطريق التفاوضي و الحربي معا , ولا يصح بحال التفريط فى أي منها مهما بدا فى الواقع ما يعاندها ,

أو يناقضها ذلك أن الانتصار للثوابت , والإيمان بالعلم اليقينى وعدم التنازل عن حقائقه ضامن لتحقيق النجاحات وإحراز الانتصارات .

وفى هذا السبيل تكشف هذه الآيات الكريمة مضموما إليها الذى  ما تقرر في بعضها من  أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا فى قوله تعالى :

{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَآل عمران67

مجموعة مهمة من الثوابت يمكن إجمالها فى ما يلى :

أولا :

سقوط دعوى العلم عن اليهود في ما يتعلق بهوية الشخصية اليهودية

 ” كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ “.

 ثانيا :

سقوط فكرة الطريق الجامع بين المسلمين واليهود كليا

{ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }

ثالثا : متابعه اليهود خيانة للوحي وتكذيب به

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة120

رابعا :  سقوط دعوى تعالي الجنس اليهودي وتساميه عن بقية البشر.

( بل أتنتم بشر ممن خلق)

 خامسا : التحذير من ولايه اليهود والتعلق القلبي  بهم،÷ ومؤزارتهم استراتيجيا.

 سادسا : التحالف اليهودي /النصراني  حقيقة استراتيجية ولايصح التفريط فى هذه الحقيقة

{بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }

سابعا : المجتمع اليهودي يتحرك بعوامل هدفه.

وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

ثامنا : الهدنه فكره ضد طبيعه التركيبة اليهودية

كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ

تاسعا : الحرب اليهودية حرب متجاوزة للإطار العسكري بمراحل

وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً

عاشرا : عداوة اليهود للمسلمين ثابتة ومستمرة، ووزنها النسبي مرتفع جدا

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ

حادى عشر : الفكرة اليهودية غير صالحة لقيادة العالم وسقوطهم حتمي ، بسبب عنصريتها ، وعدم إنسانيتها.

قَاتَلَهُمُ اللّهُ

ثاني عشر : تتنوع أسباب عداوة المسلمين لليهود وهو ما يجب أن يكون ظاهرا، فالكتاب العزيز حريص على إظهارالتنوع فى أسباب العداوة حتى لا تخفت حدته على الزمان والأسباب متوافرة موزعة علىالمحاور التالية :

أ.عداوة المعتقد فقد دعوا لله ولدا.

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ

ب.هم فريق من الكفار المحاربين، بتجمعهم في الأرض المحتلة ، وبإيمانهم بالصهيونية .

يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ

ج.تحركهم لإفساد المجتمعات الإسلامية.

وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً

د.تتابع إشعال الحروب ضدنا .

كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ

فإذا أضفنا إلى هذه المجموعة مجموعةالآيات التي  تتكلم عن بني إسرائيل انضاف لنا مجموعةكبيرةمن الثوابت الاستراتيجيه من مثل :

اولا .الارتباط المتجذر بالحياة المادية، والتنكر للآخرة.

ثانيا .استقرار العقيدة العسكرية فى التحصين والتجمع ، مما يعرف بنظرية القتال من وراء الجدران.

{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ.

ثالثا .تحالفات اليهود مع غيرهم دائما هشة وتحمل عناصر انهيارها .

تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى

رابعا .الخوف جزء أصيل من تكوينهم النفسي الجمعي.

خامسا .سقوط نظرية الاصطفاء للشخصية اليهودية.

سادسا .استدعاء التاريخ ضرورة  فى مواجهة اليهود.

(3 ).تجليات الصراع مع اليهود فى السيرة النبوية: خطاب الاستلهام.

إن القرآن الكريم  هو المرجعية اليقينية فيه ثوابت يلزم تحصيلها دائما وبدرجه أكبر في زمانالأزمات

وجاءت السنة النبوية المشرفة والسيرة المطهرة لتعكس مجموعة من تجليات الصراع معاليهود

وهى تجاليات اتسمت بمجموعة من السمات جعلت من قضية :محمد صلى الله عليه وسلمواليهود موضوعا مستقلا ذا خصوصية فى دراسات السيرة والتاريخ فى الدراسات والمراجعالمعاصرة وشكل هذا الموضوع مكتبة واتجاها بحثيا بامتياز.

ومما أفرزه فحص السيرة فى  هذا الجانب مجموعة الحقائق التالية :

اولا .فى بداية الصراع كانت الدعاية اليهودية السوداء ضد المسلمين وممارسة الحرب النفسية ضد المجتمع المسلم فى المدينة المنورة (عماد الدين خليل دراسات فى السيرة 224/4).

ثانيا .التعييب الاجتماعي والاخلاقي على المسلمين وخرق بنود الاتفاق الذى تقرر بوثيقة المدينة (عماد الدين :دراسات فى السيرة ص 325 )

ثالثا .التحالف مع أعداء الدولة الاسلامية فى غزوه الأحزاب ،واللعب فى البني’ الداخلية بالانقلاب الداخلي (عماد الدين خليل :دراسات فى السيرة ص 244)

رابعا .تكشف السيرةعن عبقرية التوجه نحو تفتيت التجمع اليهودي الذى دأب على ممارسة مايلي :

أ-  مواجهة الإسلام من بوابة الخصومة ، والرفض والكيد والحسد التاريخي.

ب حبك المؤمرات المتوالية.

ج مناصرة الأعداء الخارجيين ضد دولة الإسلام، في خيانة واضحة للمفهوم الوطني الذي كانوا جزءا منه بالانضمام لوثيقة المدينة.

خامسا .توافر العنصر الفكري والأيديولوجي فى خصومة اليهود وهو المتمثل فى النظرة السيئة التى كانوا يضمرونها للنبي صلى الله عليه وسلم (بركات أحمد :محمدواليهود نظرة جديدة ص 202)من باب رفض النبوة .

سادسا .أسباب العداوه متجاوزة الدين، فالنزاع له وجوهه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية (بركات أحمد :محمد واليهود نظرة جديدة ص 205 )

سابعا .تنوع أشكال جهاد النبي صلى الله عليه وسلم ضد اليهود واتخاذه الأشكال التاليه:

أ الشكل العسكرى (الغزوات ).

ب الشكل الاقتصادى (حصار ونزع القدرات ).

ج الشكل الدبلوماسى التفاوضى (تحالفات ).

د الشكل السياسى (تفتيت للتكتلات السياسية ).

(4) .دروس المرجعيات ومجالات الاستمثار.

إن الغاية من فحص المرجعيات (الكتاب العزيز والسنة والسيرة المشرفة ) فى ماورد فيهما ممايضيئ طبيعة العلاقة مع العدو اليهود هو الاستلهام وإعادة استحضار النموذج الذهبى المتمثل في ممارسات العصر النبوي أولا ثمالعلمى ثانيا لقيادة مراحل التأزم التى تعرض للمجتمعات الإسلامية عند تجدد النزاع والصراع .

وهذا الفحص يلزمه استثمار مايلى :

أولا . إدراك تنوع أسباب الصراع مع اليهود يفرض تنوع أسباب الاستعداد وتنوع أسباب المواجهة.

ثانيا .ضرورة التأكيد على إأن الأحلاف والاتفاقات والمعاهدات مؤقتة مادام واحد من طرفي الصراع هو اليهود فى صورة تكتل أومؤسسة أو كيان، أى ليس فى صورة أفراد أو مواطنين.

ثالثا .دعم سياسات القوى لدى الدول الاسلامية ولاسيما على جانب الالتحام والإبرار (القتال البرى والمواجههةالمباشرة )بعد التمكين للوعي بابعاد الصراع الحقيقية.

رابعا .نزع السلاح واحد منأهم ماأفرزهفحص السيرة، وهو مايلزم التفكير الجاد فى تحقيقه لقد أخرج النبى صلى الله عليه وسلم اليهود بعد نزع سلاحهم ، وهو أمر واجب التفكير في بدائله المعاصرة.

خامسا .ضرورة دعم الدراسات الفكرية للشخصية اليهودية والمجتمع اليهودي واقتصاده وثقافته.

سادسا .ضرورة التحرك من منطق يعيد التمايز التام المطلق بين اليهود والمسلمين .

سابعا .أنتج فحص التاريخ الخاص بالنزاع اليهودي الإسلامى ضرورة العنايد بالبعد الإعلامي والمجتمعي معا .

لقد فرق النبى صلى الله عليه وسلم من حق عليه القتل من اليهود على بيوت الأوس جميعا ففرقهم فى دور الأنصار فقتلوهم (منير الغضبان :المنهج الحركى للسيرة النبوىة 314) وهو مايفرض ضرورة جمع المجتمع على عداوتهم وخصومتهم، وهو بعض واجب التعليم والإعلام والفنون والآداب .

ثامنا .لايصح تغييب العقيد ة من إد ارة الصراع مع اليهود لأن الأمة فى مواجهة عدوها الأساسي مامورة أن تستلهم مرجعيتها، وتديم النظر فيها، وتتخذ قراراتها على هدي  مما يلوح لها من أنوارها.

ذلك هو الذى ينبغي  أن  يحكمها  في مقامات القتداء والتأسي.

أعيدوا الحياة  للسيرة باستلهامها.

أعيدوا الحياة لكم باستصحاب هذا المنهج الحى النابض الخصيب .

 

 

 

 

 

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*