الأربعاء , 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » خطب » العمل والإنتاج سبيل السيادة والريادة
العمل والإنتاج سبيل السيادة والريادة
العمل والإنتاج سبيل السيادة والريادة

العمل والإنتاج سبيل السيادة والريادة

إعداد : الشيخ السيد طــه
خطبة الجمعة pdf

الحمد لله رب العالمين .. خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور.. فنحمده علي نعمة الإسلام العظيم وكفي بها نعمة ونشكره أن هدانا للقرآن الكريم ولولاه ما اهتدينا ونتوب إليه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله ..وحده لا شريك له ..له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو علي كل شيء قدير.القائل ( وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلي عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) التوبة 105. وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم … سيد العاملين أوصي بالعمل ورفع من قيمة العمل : (فقال صلى الله عليه وسلم ” من بات كالا من عمله بات مغفورا له “
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعـد :ــ فيا أيها المؤمنون ..
فإن نهضة الأمم والشعوب ورقيها وسيادتها وسعادتها تتوقف على تقدمها في مجال العلم والعمل، وبهما تبني الأمم أمجادها فلا تبنى الأمجاد على البطالة والجهل والفقر والمرض، ورحم الله من قال:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم لم يبـن ملك على جهـل وإقـلال.
وبالعمل والاحتراف المتقن تتبوأ الشعوب الصدارة بين الأمم، والله سبحانه وتعالى يحب اليد التي تعمل وتجتهد لتقدم الخير لنفسها ووطنها ودينها، والمؤمن المحترف يحبه الله ورسوله جزاء ما قدم، ومن أحبه الله ورسوله هداه الله واجتباه وحفظه ووقاه وجعله من أوليائه وأدخله في رحمته فيسعد في الدنيا والآخرة. لذلك كان حديثنا عن (العمل والإنتاج سبيل السيادة والريادة) ويتناول هذه العناصر الرئيسية :ـ
1 ـ نظرة الإسلام للعمل .
2ـ صلة العمل بالإيمان .
3ـ محاربة البطالة والكسل .
4ـ ضوابط العمل .
5 ـ أثر العمل والإنتاج علي الفرد والمجتمع .
6 ـ الخاتمة .
العنصر الأول : نظرة الإسلام للعمل:ــ
لقد دعا الإسلام إلى العمل والاحتراف والاشتغال بالعلوم النافعة؛ وإن أطيب مال وأحلَّ كسب ما كان من عمل الإنسان،ولأن قضية العمل بالنسبة للإنسان قضية مستقبل ومصير، اهتم القرآن الكريم اهتماما كبيرا بها وجاء لفظ العمل ومشتقاته في آيات كثيرة بلغت 359 آية ، وردت هذه الآيات بأساليب متنوعة ، مرة تأتي بلفظ الأمر الذي يفيد الوجوب فقال تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوْا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْـمُؤْمِنُونَ﴾ (سورة التوبة: 105)، ومرة بأسلوب الإستثناء فقال تعالي ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ……….)
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير ما يأكل الإنسان من كسب يده: فقال «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه »رواه ابن ماجه .
وكانت نظرة الإسلام للعمل نظرة شاملة من خلال هذه النقاط :ـ
1 – لقد اعتنى الإسلام بالعمل المهني وجعله نعمة تستحق الشكر قال تعالى : ” ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ” فالآية تشير أن ما يتغذى عليه الإنسان هو من كسبه وكده سواء كان بزراعة الأرض وهو ما أومأت أليه الآية : ” من ثمره ” أو بالتجارة المشروعة كما في قوله : ” وما عملته أيديهم ” وهذه القدرة التي منحها الله تعالى للإنسان والعلم الذي وهبه إياه لاستخراج ما في بطن الأرض من الخيرات والثمرات وإدارة موارد الطبيعة وحسن توظيفها هو نعمة عظيمة تستحق الشكر الجزيل والاعتراف بالجميل .
2ـ اعتبر الإسلام العمل نوعا من الجهاد ينال به درجة المجاهدين وشرف المرابطين ” وقد رأى الصحابة شابا قويا يسرع إلى عمله فقالوا : لو كان هذا في سبيل الله ؟! فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” لا تقولوا هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان ” ولما لا يعد العمل جهادا ؟ وهو الذي يوفر الطعام والشراب والكساء والسلاح والمال للمرابطين في أرض المعركة ولولا العمال الكادحين والصناع المهرة ما قامت لنا قائمة ، وبعث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ” سفيان بن مالك ” ساعيا بالبصرة فمكث حينا ثم استأذنه في الجهاد فقال له عمر : أولست في جهاد ؟
3 ـ ومما يؤكد على قيمة العمل أن القرآن الكريم أشار إلى كثير من الصناعات التي لا يستغني عنها الناس مثل:ــ صناعة الحديد :” وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ” الحديد25.
وصناعة الأكسية ” ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين “( النحل 80 )
والصناعات الحربية : ” وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد “( سبأ10 ، 11)
وصناعة الجلود : ” وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم). النحل 80
وصناعة الملابس : ” وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ” النحل 81. والسربال : القميص من أي شيء.
وصناعة السفن والمراكب : ” فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ” المؤمنون 27
والصناعات السكنية : ” وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا” (الأعراف 74 )
كما كان كثير من الأنبياء لهم حرف يرتزقون منها فآدم عليه السلام حراثا ، وداود صناعا للسرد والدروع ، وموسى راعيا ، وكذا نبينا اشتغل بالرعي .
فقد حث الإسلام المسلم على أن يكون ديدنه في حياته كلها العمل والعطاء وتعمير الأرض وبناء الحياة حتى يدركه الموت أو الساعة قال صلى الله عليه وسلم: ” إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها” رواه الإمام أحمد.
العنصر الثاني :ـ علاقة العمل بالإيمان :ـ
إن العمل مرتبط بالإيمان بالله عز وجل ، وقد ذكر القرآن الكريم الإيمان مقروناً بالعمل في أكثر من سبعين آية من آياته، ولم يكتف بمجرد العمل ولكنه يطلب عمل “الصالحات” وهي كلمة جامعة من جوامع القرآن تشمل كل ما تصلح به الدنيا والدين، وما يصلح به الفرد والمجتمع، وما تصلح به الحياة الروحية والمادية معاً. والإيمان هو تقديم الأعمال بأمانة وإتقان العمل بجد واجتهاد، والصدق، ومنع أي أذى قد يصيب الآلة التي أعمل عليها وحمايتها من التلف والضياع وصيانتها دوريًا.
وقد اقترن العمل بالإيمان في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ اَوْ اُنْثٰی وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْیِیَنَّهُ حَیٰوةً طَیِّبَةً وَ لَنَجْزِیَنَّهُمْ اَجْرَهُمْ بِاَحْسَنِ مَا كَانُوْا یَعْمَلُوْنَ﴾ (سورة النحل الآية 97).
وقال تعالى: ﴿اِنَّ الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا وَ عَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ اِنَّا لَا نُضِیْعُ اَجْرَ مَنْ اَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (سورة الكهف الآية30)
وأوضح القرآن الكريم الفرق بين من يحسن ويتقي ويصلح وبين من أساء إلى دينه و وطنه وأهله قال تعالى: ﴿اَمْ نَجْعَلُ الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا وَ عَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ كَالْمُفْسِدِیْنَ فِی الْاَرْضِ اَمْ نَجْعَلُ الْـمُتَّقِیْنَ كَالْفُجَّارِ﴾ (سورة ص، الآية28)
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ یَرْجُوْا لِقَآءَ رَبِّه فَلْیَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَّ لَا یُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهٓ اَحَدًا﴾ (سورة الكهف، الآية 110).
إن الإيمان بالله واليوم الآخر أعظم دافع للعمل والإنتاج .
العنصر الثالث : محاربة البطالة والكسل:ـ
لقد عمل الشرع الحنيف على القضاء على مظاهر العوز والفقر، وذلك بالحث على السعي لطلب الرزق، فنهى الله تعالى الصحابة الكرام عن المكث في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الطعام الذي دعوا إليه، ودعاهم إلى الانتشار في الأرض، ومثله قوله تعالى: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: 10).
وقوله سبحانه: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾(الروم: 23) فالنوم يكون بالليل، ويكون أيضاً بالنهار لمن تستدعي طبيعة عمله أن يعمل بالليل.
ومن العوامل التي تساعد على المضي قدمًا في زيادة الإنتاج وتوفيره ..
تحفيز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على إعمار الأرض الخراب، فيقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ” أخرجه أحمد.
وأخرج البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ “
ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَلَهُ مِنْهَا يَعْنِي أَجْرًا وَمَا أَكَلَتْ الْعَوَافِي مِنْهَا يعني الطير والسباع فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ “
والإعمار والإحياء إما بالزرع أو حفر الآبار، أو بالبناء عليها،كبناء المصانع، والشركات المنتجة لما يلزم للناس، ونحو ذلك.
ولقد ذم السلف للعاطلين ، إن المتابع لهدي السلف الصالحين يجدهم عمالا متكسبين وليسوا كسالى ولا متسولين، قال صلى الله عليه وسلم: “اليد العليا خير من اليد السفلى” أخرجه البخاري و مسلم .
ولم يجعل النبي صلي الله عليه وسلم لمتبطل كسول حقا في الصدقات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي” أخرجه أبو داود والترمذي..
و لكنه قد تجوز المسألة عند الحاجة ، قال صلى الله عليه وسلم :”إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة :لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع” أخرجه أحمد وابن ماجة..
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال” إن الله خلق الأيدي لتعمل فإن لم تجد في الطاعة عملا وجدت في المعصية أعمالا “.
وأخرج الطبراني في “معجمه الكبير” عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : “إني لأكره الرجل فارغاً لا في عمل الدنيا ولا في الآخرة”.
وكان أبو بكر رضي الله عنه أتجر قريش حتى دخل في الإمارة، وقد رأى الفاروقُ رضي الله عنه قومًا قابعين في رُكن المسجد بعدَ صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟ قالوا: نحن المُتوَكِّلون على الله، فعَلاهم عمر رضي الله عنه بدِرَّته ونَهَرَهم، وقال: لا يَقعُدنَّ أحدُكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علِمَ أن السماءَ لا تُمطِرُ ذهبًا ولا فضّة، وإن الله يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: 10).
وروى ابن أبي الدنيا في “التوكل” بسنده عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب، لقي ناسا من أهل اليمن، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن المتوكلون. قال : بل أنتم المتكلون، إنما « المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله ». وكان سفيانُ الثوريّ رحمه الله يمُرُّ ببعض الناس وهم جلوسٌ بالمسجدِ الحرام، فيقول: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: فما نصنَع؟! قال: اطلُبوا من فضلِ الله، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.
وكان إبراهيم بن أدهم إذا قيل له : كيف أنت ؟ قال : بخير ما لم يتحمل مؤنتي غيري.
دلني على السوق:ـ
أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسٍ – رضى الله عنه – قَالَ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَآخَى النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِىِّ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِى أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، دُلَّنِى عَلَى السُّوقِ . فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ ، فَرَآهُ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ ، فَقَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – « مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ » . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ . قَالَ « فَمَا سُقْتَ فِيهَا » . فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ . فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: « أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ » أخرجه البخاري. وفي رواية عند البخاري أيضًا عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَآخَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالاً سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا؛ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيرًا ، حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَهْيَمْ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَا سُقْتَ فِيهَا؛ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. أخرجه البخاري.
العنصر الرابع :ضوابط العمل :ـ
1 ـ أن يكون العمل صالحا ومشروعا :ـ
أن لا يكون هذا العمل مما نصت الشريعة على حرمته وبان ضرره وعظم خبثه كزراعة المخدرات والاتجار فيها وتعاطي الربا في المعاملات المالية وغير ذلك ، والمحرمات في ديننا معروفة ومحدودة ودائرة الحلال واسعة تستوعب كل النشاط الإنساني .. قال تعالي ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل من الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) المائدة 90. وما دام العمل كذلك وجب البعد عنه وحرم الاشتغال به وحرم استخدام المال الذي يأتي منه ( ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ) القصص . 77 .
2ـ النية الصادقة :ــ
فالعمل مهما كان حجمه إذا نوى صاحبه إطعام الجائع وكساء العاري وشفاء المرض وإغناء الفقير كان له بذلك صدقة جارية وأجر غير ممنون ما انتفع الناس والحيوان بثمرة عمله قال صلى الله عليه وسلم ” من بني بنيانا من غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع به خلق الله “
وقال أيضا : ” ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله عز وجل له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغراس ”
وقال أيضا : ” ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ”
3 ـ ألا يشغله العمل عن آخرته :ــ
العمل ليس هدفا في حد ذاته ؛ وإنما هو وسيلة تغني المسلم وتكفل له حياة كريمة فينبغي أن لا تشغله عن آخرته وتعطله عن ربه وتعوقه عن خدمة دينه بل ترفعه إلى العطاء ورعاية واجباته الدعوية ؛ ولذا جاء في وصف المؤمنين الصادقين ” رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله “
وقال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ” فالمؤمنين ليسوا عالة على غيرهم تشغلهم عبادتهم عن العمل والكسب ، وليسوا طلاب دنيا وعبيد مال تحجزهم مصالحهم وتلهيهم تجارتهم عن أداء حقوق الله تعالى ، ” ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك .. ”
ودخل عبد الله بن عمر- رضي الله عنه – السوق ، فأقيمت الصلاة فأغلق التجار حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال : فيهم نزلت : ” رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .. ” ،
وقال مطرف الوراق : “كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة “
4ـ القناعة والرضا بما قسم الله عز وجل من رزق :ــ
أن يقنع المسلم بما قسمه الله له ويرضى برزقه وهذا يمنعه من التطلع إلى ما في أيدي الناس ، وسلوك طرق محرمة لزيادة دخله كالرشوة والسرقة والتزلف لذوي الأموال هي القناعة لا تبغي بها بدلا فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن.
واسمع إلي هذا الموقف الرائع لسيدنا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، دخل رضي الله عنه المسجد وقال لرجل كان واقفا على باب المسجد: أمسك عليّ بغلتي، فأخذ الرجل لجامها، ومضى وترك البغلة، فخرج علي وفي يده درهمان ليكافىء بها الرجل على إمساكه بغلته فوجد البغلة واقفة بغير لجام، فركبها ومضى، ودفع لغلامه درهمين يشتري بهما لجاما، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين، فقال علي رضي الله عنه: إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزداد على ما قدر له..
5ـ عدم استغلال العمل أو المنصب في كسب غير مشروع :ــ
يحرم علي العامل أو الموظف أن يأخذ من الجهة الني يعمل بها أكثر من الأجر المقدر له أو الحافز المقرر له .
ومن يحاول أخذ شيء سوي ذلك فهو غال وخائن لأمانة ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) آل عمران 161 .
روي مسلم في صحيحه بسنده عن عدي ابن عميرة الكندي قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول من استعملناه منكم علي عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة قال فقام رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال يا رسول الله أفيل عني عملك قال ومالك قال سمعتك تقول كذا وكذا قال وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم علي عمل فليجئ بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهي . كما يحرم علي العامل أو الموظف أن يرتشي أو يقبل الهدية ممن يعمل لهم من الناس فأخذ الرشوة إن كانت في مقابل تسهيلات فالحرمة تكون أشد لما فيها من أكل السحت ومخالفة الأمر وإن كانت بلا مقابل فكيف يأخذ ما لا يستحق وكيف يحمل نفسه من الأوزار في الدنيا والأثقال في الآخرة مالا يحتمل .
روي الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما قال لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم الراشي والمرتشي ).
وحديث ابن اللتبية خير دليل علي ذلك . روي مسلم رحمه الله في صحيحه بسنده عن أبي حميد الساعدي قال استعمل رسول الله صلي الله عليه وسلم رجلا من الأزد علي صدقات بني سليم يدعي ابن اللتبية فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتي تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم خطبنا فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم علي العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتي تأتيه هديته إن كان صادقا والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه إلا لقي الله تعالي يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتي رؤي بياض إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني .
6ـ أن يلتزم بمواعيد العمل ابتداء وانتهاء :ــ
في أثناء فترة العمل المحددة تجده يخرج لقضاء مصالحه الشخصية ويعطل مصالح الناس ، يفطر ويشرب الشاي ويقرأ الصحف ويهاتف الأصحاب والبيت.
7ـ الإتقان في العمل :ــ
فكما أحسن الله إلي الإنسان بالصحة الجيدة والقدرة علي البذل والعطاء يجب علي الإنسان أن يعطي ولا يبخل ويعمل ولا يكسل ويظهر من نفسه القدرة ولا يعجز قال تعالي( وأحسن كما أحسن الله إليك ) القصص (77).
والمؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف . قال صلى الله عليه وسلم : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” لوجدت كلمة (عملا ) جاءت مطلقة من غير تحديد لنوع معين من الأعمال يجب الاهتمام به والإحسان فيه دون غيره لتشمل أعمال الدنيا والآخرة ، وهذا ما أشار إليه الحديث السابق ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء ” وقوله تعالي ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان….) النحل(90)
” العنصر الخامس : أثر العمل والإنتاج علي الفرد والمجتمع :ــ
1ـ إن النجاح في الدنيا مرتبط بالعمل:ـ
لا يذهب الظن أو الوهم بأحد، فيحسب أن ارتباط السعادة والفوز بالعمل مقصور على الآخرة وحدها، فإن قوانين الله في الجزاء واحدة، ورب الدنيا والآخرة واحد، فالله تعالى يقول: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) (الكهف: 30)، (فنعم أجر العاملين) (الزمر: 74)، وقال تعالي (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 7، 8).
وسنة الله التي أخبرنا القرآن أنها لا تتبدل ولا تتحول لا تسمح لفارغ أو قاعد أو كسول أن يظفر بما يريد، أو يحقق ما يأمل، بل إن سنن الله في الدنيا لا تفرق في الجزاء على العمل بين مؤمن وكافر … فمن عمل أُجر، ومن قعد حُرم، مهما كان دينه أو اعتقاده.
وبهذا يندفع المؤمن إلى العمل دائماً، حتى لا يصادم سنن الله في الكون فتصدمه؛ فيكون من الهالكين.
2ـ العمل قوة وعزة للمؤمن:ـ
المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والعمل الشريف يطهر المجتمع من شر البطالة، ويجعل المؤمن قوياً بقوة المجتمع عزيزًا غنياً معتمدًا على نفسه في توفير وسائل الحياة والتقدم والرفاهية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يكون المؤمن عالةً على غيره في توفير سبل العيش، وقال صلى الله عليه وسلم لمن تفرغ للعبادة وترك العمل، «إن أخاك أعبد منك»، وكان هذا المتعبد يعتمد في حياته على سعي وعمل أخيه، والعمل شرف وعبادة وهو خير للإنسان من أن يسأل الناس لما فيه من ذل السؤال الذي يفقد الإنسان عزته وكرامته قال تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِيْنْ﴾ (سورة المنافقون:8)
3ـ محبة الله تعالي ومغفرة الذنوب :ـ
إن العمل يسبب محبة الله تعالى لتلك الأيادى، منها يد الفلاح في حقله، والعامل في مصنعه، والعالم في محرابه، والمعلم في معهده، والطبيب في عيادته، وغيرهم من رجال يسهرون على راحتنا، وهؤلاء لهم ثواب عظيم؛ لأن «من بات كالّاً من عمل يده بات مغفورًا له».
وقوله صلي الله عليه وسلم ( إن الله يحب المؤمن المحترف ) .البيهقي في شعب الإيمان
والعمل الجاد مكفر للذنوب ومطهر للآثام فقال صلى الله عليه وسلم ” من بات كالا من عمله بات مغفورا له “.البخاري
وقال : ” من بات وانيا من عمله بات والله عنه راض”
4ـ حفظ الهيبة :
فالعمل مهما كان قدره ومهما كان ربحه وعائده فهو يمنع صاحبه من التبذل وسقوط ماء الوجه وضياع هيبته بالسؤال وبذلك ينال العامل توقير المجتمع واحترامه ويحيى عزيزا كريما ويموت جليلا حميدا واليد العليا خير من اليد السفلى وفي حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ” لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه ” .
والمسلم عزيز النفس كريم الخلق عفيف الطبع، يكره ما يسيئه ويشينه بعد أن أعزه الله بالإسلام، فبدلا من أن يقعد عن العمل ويمد يده للناس سائلا منهم المال فليعمل ليتكسب، فروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: “لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم”.(البخاري ومسلم).
وفي يقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أني لأرى الرجل فيعجبني فأقول أله حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني).. ورحم الله الخليفة الراشد علي ابن أبي طالب حين قال:ـ

لنقل الصخر من تلك الجبال أخف علي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عار فقلت العار في ذل السؤال
6ـ منعة الأمة :ــ
إن تقدم الأمة في الصناعات المختلفة وريادتها في الأعمال المبتكرة يحقق لها المنعة من الأعداء المتربصين بها والطامعين في ثرواتها وكنوزها ، وقد رأينا يوم أن أصبحنا عالة على غيرنا في ما نأكل ونشرب ونلبس ونركب ونحن لا حول لنا ولا قوة نهبت أموالنا وصودرت أراضينا ومقدساتنا ؛ ولذا كان من مخطط الغرب لنا أن يبقينا شعوبا جاهلة متسولة لكل تقنية تعيش وتقتات على صناعات غيرها يقول أحد القساوسة الفرنسيين : ” إن العالم الإسلامي يقعد اليوم على ثروة خيالية من الذهب الأسود والموارد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة ؛ فلنعط هذا العالم ما يشاء ولنقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج فقد بؤنا بالإخفاق السريع وأصبح خطر العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطرا داهما يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية ”
الخاتمة :ـ
نخلص من هذا الكلام أن العمل والإنتاج لسد حاجة المجتمع وتقوية بنيته ،وتحقيق تقدمه وريادته في شرعنا فرض تأثم الأمة كلها إذا لم يتحقق لها ذلك ، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى :” لهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما كأبي حامد الغزالي ، وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم : إن هذه الصناعات فرض على الكفاية فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها ” وبعملنا وإنتاجنا نرضي ربنا ونحقق ريادتنا ونسعد في الدنيا والآخرة ، فعلي كل منا أن يبحث عن عمل يعف نفسه وعياله ، وعلي كل عمل أن يتقن عمله حتي يكون حبيب إلي الله تعالي ، ورسوله صلي الله عليه وسلم .
انتهت بفضل الله

Print Friendly

2 تعليقان

  1. جزاكم اللة خيرا

  2. جزاكم اللة خيرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*