السبت , 19 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » العقيدة » الفرق بين مفهوم العقيدة وعلم الكلام
الفرق بين مفهوم العقيدة وعلم الكلام
الفرق بين مفهوم العقيدة وعلم الكلام

الفرق بين مفهوم العقيدة وعلم الكلام

أ .د / محمد سلامة 

استاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية

وبين اختلاف هذين الفريقين يظل لعلم الكلام الإسلامي وجوده ودوره والحاجة إليه، ويظل لكل فريق رأيه وأدلته التي يعتمد عليها، وأسبابه التي ينطق منها لبيان وجهة نظره، وهو ما لم يحدث بحال فيما يتعلق بقضايا العقيدة الكبرى وأصولها حيث لا مجال للاختلاف أو النزاع حول أهمية تعلمها وضرورة الاشتغال بذلك، ومن ثم ظل تعلم العقيدة في إطار الوجوب والاتفاق، أما علمها وهو علم الكلام فكان وما زال محلاً لتعدد وجهات النظر.
وهناك فرق آخر بين العقيدة وعلم الكلام يتعلق بمعرفة مسائل ودلائل كل منهما، وهو أن المطالبين بمعرفة مسائل العقيدة وأدلتها وطرق فرضيتها تتسع دائرتهم لتشمل جميع المكلفين، بينما تظل المعرفة بعلم الكلام أمرًا موقوفًا على دائرة ضيقة من العلماء المختصين أو المسلمين الذين أثيرت لديهم بعض الشبهات التي لا سبيل لدفعها إلا من خلال مناهج الاستدلال العقلية وطرق الدفاع الكلامية.
وهذا ما يقودنا إلى نقطة أخرى فارقة بين العقيدة وعلم الكلام حيث ظلت غاية العقيدة الإسلامية أن تتحقق في نفوس المؤمنين بها بصورة يقينية لا تقبل الشك ولا تتأثر بالشبهة ليكون ذلك خطوة أولي نحو العمل والجهاد بعد العلم والإيمان، بينما تتلخص غايات وأهداف علم الكلام في أمرين اثنين:
أولهما: الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية.
وثانيهما: الرد على العقائد الباطلة والشبهات المثارة ومجادلة أصحابها( )؛ فالمؤمن لا يعتقد أصول دينه ابتداء من خلال منهج علم الكلام، فليس هذا هو دور العلم، وإنما دوره الدفاع والرد على الشبه، أما تأسيس اليقين والإيمان فليس مهمة علم الكلام ولا دوره( )، ومن ثم يمكن القول إن علم الكلام لا يبدأ إلا من حيث انتهت العقيدة الدينية التي تسعى من خلال طرقها المتعددة وأساليبها المتنوعة في خطاب العقل والقلب والفطرة والوجدان لتكوين ملكة الخشية من الله والمراقبة له، وهي غايات لا تدخل في المهام التقليدية لعلم الكلام وهو الأمر الذي انتقده كثيرون ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي وتميز فيه منهج العقيدة الإسلامية كما وردت تفاصيله في القرآن الكريم والسنة النبوية.
وفي الوقت الذي يتسم فيه منهج العقيدة الإسلامية بالبساطة واليسر مما يجعله متاحًا وقريبًا من كل مسلم مهما كان نصيبه من العلم والمعرفة والعقل والإدراك، يظل منهج علم الكلام في برجه العاجي حبيس أدلته الغامضة، ومقدماته المعقدة، وأساليبه الصعبة، يقول واحد من أشد المخلصين لهذا العلم وأكثرهم تحمسًا له: “ونحن نميل إلى تجنيب العوام مزالق البحث في قضايا الكلام ومسائله، وخاصة ما كان من ” دقيق الكلام”، أو ما أوغل في استخدام المصطلحات الفنية، ومناهج الاستدلال الدقيقة، أو ما عرض لشبهة تاريخية، لا وجود لها في الحاضر، ومن الخير كما نقلنا عن الغزالي أن نقيهم أخطار ذلك، وأن نقتصر بهم على طريقة القرآن الكريم، التي تخاطب العقل والقلب معًا، وتصلح للعامة والخاصة جميعًا؛ لما تقدم من البراهين التي يأخذ منها العامي ما يناسبه، ويذهب العالم في التفقه والتحقق بها إلى أغوار بعيدة… مع التحرز من روح الجدل والمراء والمغالبة، والحرص على هداية النفس أولا ثم هداية الآخرين بعد ذلك في مودة ونصفة وإخلاص”( ).
وبينما يتسم منهج العقيدة الإسلامية عبر القرآن الكريم والسنة النبوية بالحرارة والإيجابية نجد منهج علم الكلام يوصف ببرودة قوانينه الرياضية وجفاف قواعده الفلسفية، وشتان بين من تحركه العقيدة بعنفوانها واشتعال جذوتها فيتحول من مجرد إنسان يعتقد في صحة أمر من الأمور إلى مؤمن ملأ الإيمان عليه أقطار نفسه، وبين من تجمده القواعد الرياضية وتكبله المقدمات الفلسفية فيظل أسير القناعات العقلية المجردة التي لا وجود لها إلا في رؤوس أصحابها، ولا سبيل إلى تحققها ما دامت جامدة باردة.
وقد قارن كثير من علمائنا فيما يتعلق بمناهج الاستدلال على القضايا الإيمانية بين طريقة القرآن في تقرير العقيدة وإثباتها وبين ما يقابل ذلك في علم الكلام، حيث يرى الكندي الفيلسوف (ت 252م) أن المعرفة البشرية مهما تكاملت واجتهد أصحابها في إنضاجها ستظل قاصرة عاجزة رغم التكلف والمعاناة والجهد الجهيد، وليس هذا هو شأن علوم الأنبياء التي تنال بفضل الله دون جهد ولا طلب، فضلا عن كونها موصوفة بالإيجاز والبيان والإحاطة بالمطلوب.
وقد استدل الكندي على فكرته تلك بالأدلة التي استخدمها القرآن في إثبات المعاد في خواتيم سورة يس، يقول معلقًا: “فأي بشر يقدر بفلسفة البشر أن يجمع في قول بقدر حروف هذه الآيات ما جمع الله جل وتعالى إلى رسول الله () فيها… كلت من مثل ذلك الألسن المنطقية… وقصرت عن مثله نهايات البشر، وحجبت عنه العقول الجزئية”( ).
وذهب الغزالي( ) إلى قريب من ذلك حيث انحاز إلى أدلة القرآن في تقرير العقيدة وأدلة صحتها، وقال إنها كالغذاء والماء ينتفع بهما الخلق جميعا صغارًا وكبارًا ضعفاء وأقوياء، أما أدلة علم الكلام فمثلها كمثل الدواء لا يحتاجه إلا المرضى، فينفع كثيرين ممن كانت عللهم محتاجة إليه، وقد يضر أحيانًا، ويستغنى عنه الأصحاء.
وقد ذكر ابن رشد( ) أن الأدلة الشرعية جمعت بين أمرين، فهي يقينية، مع كونها بسيطة غير مركبة لأنها تختصر المقدمات إلى الحد الأدنى ومن ثم فهي تصل إلى المطلوب بأقصر طريق، وذلك فضلا عن القول بأنها ملائمة لجميع المستويات العقلية كما سبقت الإشارة.
وبتطبيق ذلك على المسائل التي قررتها العقيدة وناصرها واحتج لها علم الكلام، سنجد البون شاسعًا بين العقيدة المقررة حول إثبات وجود الله في القرآن الكريم، وما يقابل ذلك في علم الكلام، فبينما كثرت المقدمات التي صنعها المتكلمون للوصول إلى القول بأن الله موجود، وذلك من خلال إثبات حدوث العالم سواء عن طريق أدلة التناهي أو أدلة الجواهر والأعراض، ثم الوصول بعد ذلك إلى القول بأن العالم الحادث يحتاج إلى محدث وهو الله تعالى، نجد أدلة القرآن في تقرير ذلك أدلة يسيرة تنطلق من الحس وقوانين السببية البسيطة لإثبات الخلق وحاجة المخلوق إلى خالق، مرورًا بقواعد التأمل والتفكر في الكون والإنسان والحياة، للوقوف على قواعد التدبير والتقدير والحكمة والعناية الإلهية، مع حرص قرآني دائم على مخاطبة الفطرة الإنسانية المستقيمة، والتي لا شك لديها في خالقها وبارئها، أما المعاند والجاحد ممن طمست فطرته فليس هناك من دليل يقنعه إلا المعجزة القاهرة والحجة الباهرة والتحدي الإلهي علَّه يرجع إلى ربه ويثوب إلى رشده.
وهذا الذي ذكرناه فيما يتعلق بمسألة وجود الله تعالى نجده مطردًا في العديد من قضايا العقيدة التي تناولها علم الكلام بالبحث والاستدلال والنظر، كإثبات التوحيد والصفات والمعاد وغيرها.

Print Friendly

تعليق واحد

  1. في رأيي ان يكون العنوان الفرق بين التربية العقدية والثقافة العقدية ..لان النبي اهتم بالتربية العقدية ..يا غلام اني اعلمك كلمات …الخ ….ولما سأل الجارية اين الله فأجابت انه في السماء فلم يجادلها ويقول هذا ليس كافي ..أليس في الارض كذلك ؟!!!!!!!!ولكن اطلقها حره مباشرة ..لانه صلي الله عليه وسلم لم يبحث عن الثقافة والجدال .. بعض المشايخ لو تكلم في العقيدة لم يقف حتي يزهق الناس منه ولكن لا يستطيع ان يفتح بنت شفه في وجه سلطان جائر ويقول انا نصحته سرا ولكن سيد قطب رحمه الله قالها ..ان السبابة التي تشهد في كل صلاة …..الخ ولذا كانت النتيجة الاصطفاء والاختيار الي الجنة .والله حسيبه .. فالعنوان (الفرق بين التربية العقدية والثقافة العقدية ) اوقع في نظري والله اعلم وجزاكم الله خيرا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*