الأربعاء , 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الفقه »  الفقه الإسلامي
 الفقه الإسلامي
 الفقه الإسلامي

 الفقه الإسلامي

يُعَدُّ الفقه الإسلامي أحد أهمِّ ركائز الحضارة الإسلاميَّة، وتمثِّل قصته مراحل تكوين الأحكام الشرعية وكيفية استخراجها، ومن خلالها نعرف كيف كانت نشأة الفقه، وكيف نشأت المدارس الفقهية بقيادة الأئمة الأربعة، وكذلك الأسباب التي جعلت أئمة الفقه يتَّفقون في الحكم على بعض المسائل ويختلفون في البعض الآخر.

والفقه الإسلامي عمومًا هو العلم الذي يبحث لكل عملٍ عن حكمه الشرعي، ومعنى الفقه في اللَّغة: العلم بالشَّيء والفهم له[1]، وفي الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة المكتسب من أدلَّتها التَّفصيليَّة، أو هو مجموعة الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية[2].

وهناك صلة بين الفقه وأصوله تكمن في أنَّ الفقه يُعنى بالأدلَّة التَّفصيليَّة لاستنباط الأحكام العمليَّة منها، أمَّا أصول الفقه ‏فموضوعه الأدلَّة الإجماليَّة من حيث وجوه دلالتها على الأحكام الشَّرعيَّة.

وفضل الفقه عظيم؛ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: “‏مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ[3]. أمَّا موضوعه فهو أفعال المكلَّفين من العباد؛ فيبحث فيه عمَّا يَعْرِض لأفعالهم من حِلٍّ ‏وحُرْمَة، ووجوب وندب وكراهة.

الرسول الأكرم .. الفقيه الأول

والحقيقة أن قصة الفقه بدأت مع بداية الدَّعوة وبدء الرِّسالة؛ فقد نشأ الفقه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يجيب الصحابة عمَّا يَعْرِض لهم من أسئلة؛ إذ كان هو المرجع الأوَّل للفتاوى في أحكام الفقه الإسلامي، وكان يعتمد فيما يُفتي فيه على ما يُوحَى إليه به، وعلى ما يفهمه من كتاب الله عز وجل، وعلى ما أذن الله له به من تشريع، أو اجتهاد يجتهده، فإذا كان اجتهاده مطابقًا لما هو الأكمل والأحسن في علم الله أقرَّه الله سبحانه وتعالى عليه، ولم يتابِعْه فيه معدِّلاً ولا معاتبًا، وإن كان اجتهاده في القضية دون ذلك أرشده الله إلى ما هو الأهدى والأقوم والأكثر صوابًا، وربما عاتبه إذ لم يأخذ بما هو الأكمل والأحسن[4].

وقد أقرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه على بعض ما فهموا من كتاب الله من أحكام، وهذا يتضمَّن الإذن للمؤهَّلين منهم بفَهم الأحكام من القرآن واستنباطها، والإذن لهم باستنباط الأحكام من أقوال الرسول التي حفظوها منه، مع العمل بما جاء فيها صريحًا واضحًا لا يحتاج إلى استخراج واستنباط. وأذن الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤهَّلين من أصحابه بأن يجتهدوا لاستنباط الأحكام الشرعية برأيهم، قياسًا على الأشباه والنظائر، أو استبصارًا بمقاصد الشريعة وأحكامها كلما اضطرهم الأمر إلى الاجتهاد؛ إذ قد يكونون بعيدين عنه ولا يستطيعون التريُّث لمعرفة الحكم منه مباشرة، ويضاف إلى هذا تدريبهم على الاجتهاد، واستعمال ما لديهم من قدرات الفهم واستنباط الإحكام، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوِّب من أصاب باجتهاده من أصحابه، ويردُّ مَن أخطأ إلى وجه الصواب، إذ كانوا يعرضون عليه فتاواهم أو تصرفاتهم التي اعتمدوا فيها على اجتهاداتهم الخاصَّة بعد مرور الحوادث التي اجتهدوا فيها، وقد برزت طائفة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في علوم الدين وحفظ مسائله، وفي فهم نصوص القرآن والسُّنَّة، وفي معرفة مقاصد الشريعة، وفي استنباط الأحكام الفقهية، وأثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على بعضهم في حياته[5].

وقد بات التشريع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل الذي غدا كل فقيهٍ أتى بعد زمنه صلى الله عليه وسلم يُصرِّح بأنه مستندٌ إليه؛ حيث يعتمد الفقه على الوحي النازل من عند الله تعالى[6].

مصادر الشريعة الإسلامية

والملاحَظ أن الشريعة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تعتمد اعتمادًا فعليًّا على مصدرين فقط هما: ‏القرآن والسُّنَّة، أما الإجماع والقياس فلم يكن لهما وجود في ذاك العصر؛ لأن القياس يُلجَأ إليه عند ‏وجود مسألة لا نصَّ فيها، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًّا فالنصُّ مستمرٌّ ولا إشكال، وحتى لو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قاس أو اجتهد فلا بُدَّ أن يتحوَّل هذا الاجتهاد إلى نصٍّ، وتفصيل ذلك أنه إذا اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏في مسألة فإمَّا أن يُقِرَّه الله تعالى عليها فتصبح نصًّا حينئذ، أو أن يصوِّب الله تعالى له فيكون نصًّا ‏أيضًا[7].

وتُعَدُّ المرحلة الثانية من مراحل نشأة وتطوُّر الفقه الإسلامي، تلك التي جاءت بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو عصر الصحابة رضوان الله عليهم (من سنة 11 إلى سنة 40هـ).

فقد استجاب الصحابة رضوان الله عليهم للرسول صلى الله عليه وسلموهو يدعوهم إلى نقل كلامه حين قال: “نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ[8].

الصحابة حفظة الفقه وناقلوه

وعليه فلم ينتهِ عهد الصحابة حتى نقلوا كلام الرسول r كاملاً غير منقوص، وإذا كان قد غاب عن بعضهم أحاديث فإنه لا يغيب عن جميعهم، فأولئك هم أصحاب رسول الله r الذين شاهدوا وعاينوا ورأوا منازل الوحي، واستطاعوا بأمانة الله أن ينقلوه إلى الأخلاف، وكما يقول الإمام الشافعي: إن كل الصحابة قد رَوَوْا أخبار الرسول، وأحاديثه، وفتاويه. فإذا كان عصر النبي -عليه الصلاة والسلام- هو عصر تبليغ الشريعة فعصر الصحابة هو عصر حفظها، ونقلها للأخلاف غضَّة خصبة كما بيَّنها النبي الأمين[9].

وبالنسبة إلى الفقه ومعرفة مسائله، واستنباط أحكامه؛ فقد برز بعض الصحابة في هذا المجال واشتهروا به، وكانوا هم الذين يُرجَع إليهم في الفتاوى التي تختلف فيها وجهات النظر، مما لم يكن معلومًا عند جمهور الصحابة حُكْمُهُ.

وهؤلاء الصحابة البارزين كانوا يَرْجِعون في سبيل ذلك إلى نصوص القرآن الصريحة، أو إلى الفَهم منه استنباطًا، وإلى نصوص الرسول صلى الله عليه وسلم الصريحة، أو الفَهم منه استنباطًا كذلك، أو إلى اجتهادهم؛ وقد وضح ذلك من خلال حديث معاذ رضى الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقال له: “كَيْفَ تَقْضِي؟ فقال: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لا آلُو. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ[10].

فلم يكن عمل الصحابة رضوان الله عليهم إذن مجرد النقل، بل كان واجبًا عليهم أن يستنبطوا، وأن يجتهدوا آرائهم، وذلك فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ، ولم يعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم فيه أمرًا، وقد وجَّههم عليه صلى الله عليه وسلم إلى ذلك حين حثَّ على الاجتهاد وجعل له ثوابًا فقال صلى الله عليه وسلم: “إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ[11]. فالمجتهد في كلا الحالين مُثَاب.

فقهاء الصحابة

هذا وقد بَلَغ الذين حُفِظَت عنهم الفتوى من الصحابة والصحابيَّات ما يزيد على ثلاثين ومائة، وكان منهم المكثرون في الفتوى، والمتوسِّطون فيها، والمقلِّون؛ فالمكثرون سبعة هم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. ومن المتوسطين في الفتاوى: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقَّاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل. أمَّا المقلُّون من الصحابة في الفتاوى فهم الباقون؛ إذ لم يَرِدْ عن الواحد منهم إلا الفُتيا في بعض المسائل، وقد لا تتجاوز مسألة أو مسألتين[12].

فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه -على سبيل المثال- أحد عمالقة الفقه في عصر الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، وفي ذلك يقول الشعبي: “إذا اختلف الناس في شيء فخذوا بما قال عمر”. وقال عنه ابن مسعود أيضًا: “إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم”. وكذا قال: “لو أن عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ في كفَّة الميزان وَوُضِعَ عِلْمُ أهل الأرض في كفَّة لرجح علم عمر”. كما قال حذيفة: “كأن علم الناس مع علم عمر دس في جحر[13].

ولا ريبَ أن المقصود بعلم عمر هذا هو الفقه في الدين ومعرفة استنباط الأحكام، ودليل ذلك ما جاء واضحًا في قول مسروق: “كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأُبَيُّ بن كعب، وأبو موسى الأشعري”. وقال عامر: “قضاة هذه الأمة أربعة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى الأشعري[14].

وهؤلاء الصحابة المذكورون كانوا هم أكثر من اشتهر بالفتوى والفقه في زمنهم، وقد قال سعيد بن المسيِّب عن فقه علي بن أبي طالب وفقه ابن مسعود رضي الله عنهما: “كان عمر يتعوَّذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن، وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلملعبد الله بن مسعود بأنه عليم معلم[15]. وقال ابن سيرين عن علم عثمان رضى الله عنه بالفقه: “كانوا يرون أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان، ثم ابن عمر بعده[16].

ويضاف إلى هؤلاء الصحابة عائشة رضي الله عنها، والتي قال أبو موسى عنها: “ما أشكل علينا -أصحاب محمد r- حديث قطُّ فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا[17].

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يجتهدون حين لم يكن نصٌّ، وما كان اجتهادهم إلا قَبَسَةً من نور النبوة؛ لأنهم أعرف الناس بمقاصد الشريعة وغاياتها، فليس رأيهم الرأي، ولكنه الاتِّباع والاهتداء، حتى قال فيه الإمام مالك: “هو رأي وما هو بالرأي”. وذلك لأنه ليس تهجمًا على الحقائق، ولكنه مقيَّد بما علموا من أمر الرسالة والشريعة، وما أدركوا من أقوالٍ، وشاهدوا من أعمال. ولقد ذكر الإمام ابن قيِّم الجوزية أن آراء الصحابة كثير منها سُنَّة؛ لأن كثيرين منهم كانوا يُؤْثِرُون أن يُفْتُوا ناسبين القول لأنفسهم على أن ينسبوه للنبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يُشَبَّهَ عليهم، ويقعوا في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:”مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ[18]. ولقد ألحق جمهور المسلمين فتاوى الصحابة وأقوالهم بالسُّنَّة؛ لأن أقوالهم إما سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإما مستلهمة من وحيها، أو نابعة من نبعها، وهي في كل الأحوال نور من نورها[19].

وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء؛ قال الليث عن مجاهد: “العلماء: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم”. وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6] قال: “أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم” [20].

فهم أفقه الناس لرُّوح الإسلام وأعلمهم بمقاصده؛ لأنهم تخرَّجوا في مدرسة النبوة، وشاهدوا أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث، مع سلامة فطرة، ونور بصيرة، وتوجَّه للحقِّ، وجودة في الفَهم، وتمكُّن من اللغة، ولهذا اجتمعوا على رأي، أو نقل عن عدد منهم، ولم يُعْرَف لهم مخالف، فكان أقرب ما يكون تعبيرًا عن صلب الشريعة ولبُّ الإسلام[21].

فقهاء التابعين

وبعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم جاء دور فقهاء التابعين؛ فهم تلاميذهم وخرِّيجوهم الآخذون عنهم، والواردون مناهلهم، والسالكون طريقهم، من أمثال الفقهاء السبعة في المدينة، وعطاء ومجاهد وابن جُبَيْر في مكَّة، والحسن وابن سيرين في البصرة، وعلقمة والنَّخَعي والشَّعْبي في الكوفة، وطاوس في اليمن، ومكحول في الشام، ويزيد بن أبي حبيب في مصر، وغيرهم من الأعلام[22].

لقد ترك الصحابة رضوان الله عليهم ثروة من الفقه النبوي بالنصِّ عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو بالتخريج عليه، أو بالتطبيق على ما عرفوا من مقاصد الإسلام، وحمل ذلك من بعدهم تلاميذُهم من التابعين، فقد كان لكل صحابي تابعون يلازمونه، ومنهم مَن يختصُّ واحدًا منهم بالملازمة أو يغلب عليه ذلك، فناقل علم ابن عباس رضي الله عنهما: عكرمة مولاه، وناقل تفسيره: مجاهد، وناقل علم عمر رضى الله عنه: سعيد بن المسيب مع غيره ممن عاصروه، وناقل علم ابن عمر: مولاه نافع، وفي العراق ناقل علم عبد الله بن مسعود: علقمة وإبراهيم النخعي، وهكذا.

وكان هؤلاء التابعون ينقلون أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام والآثار المرويَّة عنه من أعمال وتقريرات، وينقلون علم الصحابة الذين تخرجوا عليه، ويَعتبرون ما أجمع عليه الصحابة حُجَّة قَطْعِيَّة لا مناصَ من اتِّباعها، وإن اختلفوا كان لهم أن يختاروا من بينها، ولا يَخْرُجُوا عن كُلِّها، وفي الغالب كان كل تلميذ يَتْبَع شيخه من الصحابة[23].

يقول ابن القيم: “والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس؛ فعِلْم الناس عامَّته عن أصحاب هؤلاء الأربعة، فأمَّا أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأمَّا أهل مكة فعِلْمُهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأمَّا أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود[24].

على أن التابعين كان لهم مع ذلك اجتهادٌ فيما لا يُعْرَف فيه رأي من قبلهم في أمر من الأمور؛ فإنهم حينئذ يجتهدون آراءهم كما سلك شيوخهم من الصحابة، وقد أَخَذت مناهج الاجتهاد تتميَّز في عهد التابعين من غير انحراف ولا خروج عن المبادئ العامَّة للإسلام، بل الجميع متعلِّقون بالكتاب والسنة وعلم الصحابة، يَعْتبرونها المنجاة من هاوية الباطل؛ فكان لفقهاء العراق نهجٌ في الاجتهاد بعد النصوص وأقوال الصحابة، وغلب عليهم الاجتهاد بالقياس، وكان لفقهاء الحجاز نهجٌ، ويغلب فيه الأخذ بالمصلحة، وكان لكلِّ منهاج مدرسة قائمة بذاتها، ابتدأت تتكوَّن في عهد التابعين، ثم نَمَتْ من بعدهم حتى تكاملت[25].

نشأة المذاهب الإسلامية

ولا شكَّ أن التابعين تفرَّقوا في الأمصار بعد اتساع الرقعة الإسلامية، وقد لاقَوْا أوضاعًا وأحداثًا وأمورًا لم تَعْرِض للصحابة من قبلُ، وكان عليهم أن يبحثوها ويُفْتُوا فيها، وبذلك ازداد نطاق الفقه اتِّساعًا؛ الأمر الذي اختلفت بسببه أقوال التابعين، وكان من وراء ذلك أن صار لكل فقيه من التابعين جملة آراء مستقلَّة نستطيع أن نسميها مذهبًا، واشتهر من هؤلاء: سعيد بن المسيب وعبد الله بن عمر في المدينة، ويحيى بن سعيد، وربيعة بن عبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح في مكة، وإبراهيم النخعي، والشعبي في الكوفة، والحسن البصري في البصرة، وطاوس بن كيسان في اليمن، ومكحول في الشام… إلخ[26].

والذي ينبغي التنبيه عليه هنا هو أن الصحابة اختلفوا، وفي زمن الرسول r نفسه، وأن التابعين كذلك اختلفوا على نحو ما أشرنا، وأن هذا الاختلاف الذي هو في الفروع الفقهية -كما يقول الإمام أبو زهرة- لا ضرر فيه على المسلمين، ولا على الحقائق الإسلامية ما دام القصد الوصول إلى الحقِّ، وليس في واحدٍ من الآراء هدم لنصٍّ، أو نقض لأصل، أو مصادمة لمقصد من المقاصد الشرعية، ويُروى في ذلك أن عمر بن عبد العزيز قال: “ما يسرني باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حُمْرُ النَّعَمِ، ولو كان رأيًا واحدًا لكان الناس في ضيق[27].

أسباب الاختلاف الفقهي

وإذا ما جئنا إلى موضوع الاختلاف الفقهي؛ فإن له أسبابًا متعددة ما بين مُجْمَل ومفصَّل، لكنها تعود في حقيقة الأمر إلى أربعة أسباب إجماليَّة هي[28]:

الأوَّل: الاختلاف في ثبوت النصِّ وعدم ثبوته: فالنصُّ الشرعيُّ هو المرجع الأوَّل للمجتهدين جميعًا، وعليه يدور استنباط الأحكام الشرعية، فإذا صحَّ ثبوته وكانت دلالته صريحة، وكان سالمًا من المعارض، كان عليه الاعتماد في الحكم، وهذا معنى قول الأئمة المجتهدين: “إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي“.

الثاني: اختلاف العلماء في فَهم النصوص الشرعية: فالعلماء يختلفون في فَهم النصِّ الثابت والاستنباط منه، وهذا يرجع إلى جانبين: جانب يعود إلى النصِّ نفسه، وجانب يعود إلى المجتهد في فَهم ذلك النصِّ؛ فمن أمثلة الجانب الأول، ما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال عنه: رجاله موثوقون عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ[29]، قال الصنعاني: “فإن لفظة طاهر لفظ مشتَرَك يُطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويُطلق على المؤمن وعلى مَن ليس على بدنه نجاسة، ولا بُدَّ لحمله على مُعَيَّن من قرينة[30]، فالاختلاف في معنى “طاهر” أدَّى إلى اختلاف الحكم الفقهي. ومن الأمثلة على الجانب الثاني اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في صلاة العصر في بني قريظة.

الثالث: الاختلاف في الجمع والترجيح بين النصوص: فقد تتعارض ظواهر بعض النصوص الشرعية؛ فيختلف العلماء في الجمع بين ظواهرها والتوفيق بين معانيها، أو في توضيح بعضها على بعض؛ مما ينتج عنه اختلاف في الأحكام الشرعية، ومن أمثلة التعارض بين النصوص الشرعية التي استتبعت اختلاف العلماء في الأحكام: اختلافهم في صفة صلاة الكسوف والقراءة فيها، واختلافهم في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة.

الرابع: الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط: فمن المعروف عن أهل العلم أن العلماء المجتهدين اختلفوا فيما بينهم في حجية بعض المصادر والأصول الاجتهادية؛ كاعتماد الإمام مالك -رحمه الله تعالى- على حجية عمل أهل المدينة دون غيره من الأئمة، وكَتَرْكِ الحنفية العمل بمفهوم المخالفة، وعمل الجمهور به؛ ومخالفة الحنفية في إمكان حمل العامِّ على الخاصِّ، وحمل المُطْلَق على المقَيَّد، وقولهم بالأخذ بعمل الراوي إذا عمل خلاف ما رواه[31].

والواقع أن مسألة اختلاف الفقهاء رحمة وتوسعة على الأُمَّة الإسلامية، وهي خصيصة لهذه الأُمَّة, وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة، فوق أنها تثبت صلاح الشريعة الإسلاميَّة لكلِّ عصرٍ وأوان، واستيعابها لكلِّ أصناف البشر واختلافاتهم.

عصر الأئمة الأربعة

هذا وقد ظهر في العالم الإسلامي بعد عصر فقهاء التابعين تلاميذُهم، وهم فقهاء تابعي التابعين، وقد بدأ في هذا العصر ظهور الأئمة المجتهدين الكبار، وتكوُّنُ المذاهب الفقهية المؤيَّدة بالأتباع من تلاميذهم الفقهاء، والمصحوبة بتدوين فقه هذه المذاهب[32]؛ الأمر الذي يمكننا أن نطلق على ذلك العصر بـ “عصر الأئمة الأربعة“.

ففي هذا العهد تألَّق الأئمة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد)، فكانوا كالبدور تحيط بهم هالات من النجوم والكواكب، وظهرت مدرسة الرأي والعقل بجوار مدرسة الحديث والنقل، وازدادت كل منهما وضوحًا وتميُّزًا، وكان من الطبيعي أن تنمو مدرسة الحديث في الحجاز عامَّة وفي المدينة خاصَّة؛ لأن الحجاز مهد السنة، وموطن الصحابة الذين تلقَّوها وحملوها، كما كان من الطبيعي أن تزدهر مدرسة الرأي والعقل في العراق؛ لأن العراق بلد جديد في الإسلام بالنسبة إلى الحجاز، وهو بعيد عن موطن السُّنَّة، وله تراث قانوني وحضاري، فأهله محتاجون إلى ما يقنعهم، ولا بدَّ في إقناعهم من الدليل والبرهان، ومن هنا انفسح المجال أمام العقل والتفكير[33].

وبعد أئمة الفقه الأربعة -وهم الرواد- الذين تطوَّر الفقه على أيديهم، وبلغ غاية في النضج والإحكام، واعترف لهم الجمهور بالإمامة والاجتهاد المطلق.

النعمان بن ثابت .. إمام أهل الرأي

وأوَّلهم هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، الذي ولد في الكوفة سنة 80هـ، وتُوُفِّيَ سنة 150هـ.

فأبو حنيفة يُعَدُّ واضعَ علم الفقه، أو هو مؤسِّس مدرسة الفقه في الإسلام، ومثبِّت أركانها، وواضع منهجها، وقد قال عنه الإمام الشافعي: “الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه”. وقال عنه أيضًا: “كان أبو حنيفة ممن وُفِّق له الفقه“.

وأبو حنيفة -رحمه الله- لم يضع أُسُسَ الفقه من فراغ، وإنما هو عالم بكتاب الله وسنة رسوله، واسع الاطلاع في شئون الدين والدنيا، فقد تتلمذ على كبار أئمة التابعين، فهضم علمهم، واستوعب فقههم، ومن ثَمَّ كانت مصادر فقهه هي المصادر التي لا مناص لمسلم من أن يجعلها مصدره ومعينه، وهو بعد ذلك يُعْمِلُ فكره، ويحكم رأيه دون خروج على نصٍّ، أو تصادم مع أَثَرٍ، ومن ثَمَّ اضطلع بتدوين الفقه الإسلامي على منهج وَضَعَه، وسبيل عَبَّدَه، وطريق يَسَّرَه.

وقد حدَّد الإمام أبو حنيفة بنفسه مصادر فقهه ومنهجه في الإفتاء بقوله: “آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول مَن شئتُ منهم، وأَدَعُ مَن شئتُ منهم، ولا أَخْرُج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا ما انتهى الأمر، أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب.. فقومٌ اجتهدوا، فأَجْتَهِدُ كما اجتهدوا[34].

وهذا القدر من أصول التشريع لا يختلف فيه أبو حنيفة عن غيره من الأئمة، فهم يتَّفقون جميعًا على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام منهما، غير أن أبا حنيفة تميَّز بمنهج مستقلٍّ في الاجتهاد، وطريقة خاصة في استنباط الأحكام التي لا تقف عند ظاهر النصوص، بل تغوص إلى المعاني التي تُشير إليها، وتتعمَّق في مقاصدها وغاياتها.

ولا يعني اشتهار أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يُهْمِل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قَبُول الحديث شروطًا متشدِّدة، مُبَالَغَة في التحرِّي والضبط، والتأكُّد من صحَّة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التشدُّد في قَبول الحديث هو ما حمله على التوسُّع في تفسير ما صحَّ عنده منها، والإكثار من القياس عليها، حتى يُوَاجه النوازل والمشكلات المتجدِّدة.

مالك بن أنس .. إمام أهل الحديث

وثاني هؤلاء الأئمة هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، الذي ولد سنة 93هـ، وتُوُفِّيَ سنة 179هـ، وعاش في المدينة المنورة، واشتهر بكتابه (الموطَّأ).

وإذا ذُكر الموطَّأ[35] ذُكِرَ به الإمام مالك، وعَظُم به، وإذا ذُكر الإمام مالك ذُكر به الموطأ وعَظُم به، فهما متلازمان كالشيء وظلِّه، وقد يكون الموطأ أوَّل كتاب وأشهره في ترتيبه وتركيبه، وفي اجتهاده ونقله، وفي حديثه وفقهه، وهو أعظم مرجع في عصره وأقدمه، ولم يُعتنَ بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ، فإن الموافِق والمخالِف اجتمع على تقديره، وتفضيله وروايته، وتقدُّم حديثه وتصحيحه، فأمَّا من اعتنى بالكلام على رجاله وحديثه والتصنيف في ذلك فعدد كثير من المالكيين، وغيرهم من أصحاب الحديث والعربية[36].

وروى أبو الحسن بن فهر عن علي بن أحمد الخلنجي: سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك: عرضتُ كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه؛ فسمَّيْتُه “الموطَّأ” وهذا ما جعل تسمية الموطَّأ من المواطأة أي الموافقة، وهذا مما لم يُرْوَ عن أحدٍ غيره. ورُوي أن مالكًا لمَّا أراد أن يؤلِّف بقي متفكِّرًا في أي اسم يُسَمِّي تأليفه، قال: فنِمْتُ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: “وَطِّئ للناس هذا العلم”. فسمَّى كتابه الموطأ[37].

الشافعي .. كاتب الأصول

وثالث هؤلاء الأئمة هو محمد بن إدريس الشافعي الهاشمي المطَّلبي، الذي وُلِدَ في غزة بفلسطين سنة 150هـ، وتُوُفِّيَ في مصر سنة 204هـ، وقد وضع مذهبه الجديد فيها.

وبالنسبة إلى أشهر كتبه؛ فإنه لمَّا ظهر الشافعي بعلمه ومواهبه، ولَفَتَ الأنظار إليه في مجالسه في المسجد الحرام، ثم في لقاءاته بالعراق، أرسل إليه بعض علمائها، وهو عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ) رسالة يطلب إليه فيها أن يكتب لهم كتابًا يُبَيِّن فيه معاني القرآن، ويجمع فيه قبول الأخبار، أي شروط قَبُول الحديث، ويُبَيِّن لهم حجية الإجماع، والناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، وقد أكَّدَ ذلك الطلب وتلك الحاجة العالم علي ابن المَدِينِيِّ الذي قال للشافعي: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك وهو متشوِّق إلى جوابك. قال: فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة الذي كتب عنه بالعراق، وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي، وقد أطلق الناس على كتابه هذا “الرسالة”؛ نظرًا لهذا السبب، ولكن الشافعي يسمِّيه “الكتاب”، أو “كتابي“.

وبحسب الروايات السابقة فإن الشافعي يكون قد ألَّف رسالته هذه في مكَّة، وأرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي في العراق، وذلك هو المشهور، ولكن هناك رواية أخرى تذكر أن الشافعي ألَّف كتابه هذا في العراق، قال الرازي: “اعلم أن الشافعي رضى الله عنه صنَّف كتاب الرسالة ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة وفي كل منهما علم كثير”. ومن هذه الرواية نعلم أيضًا أنه قد أعاد تأليفها في مصر بعد انتقاله إليها، ولا تعارض بين الروايات، فمِنَ الجائز أن يكون الشافعي قد ألَّف رسالته ثلاث مرَّات، لا ينشئها إنشاءً، ولكن يُعِيدُ النظر فيها وفي ترتيبها بالإضافة والحذف أو التقديم والتأخير[38].

وتستمدُّ الرسالة قيمتها العلمية، ومكانتها الفقهية والأصولية من الشافعي نفسه، وهو مَن عَرَفْنا من العلم والفقه والحديث واللغة؛ لذلك فإن كل فضل في هذه الرسالة انعكاس لفضل الشافعي، ومكانته بين العلماء، كما أن كل ثناء على الشافعي نجده بصورة أو بأخرى في ثنايا هذه الرسالة، وقد تكلَّم العلماء كثيرًا في فضل هذه الرسالة وقيمتها بما يضعها في قمَّة كتب الفقه وأصوله، وفي قمة كتب الشافعي أيضًا.

وهذا طرف من ثناء العلماء على هذه الرسالة، وآرائهم في قيمتها ومكانتها؛ فقد قال عبد الرحمن بن مهدي الذي أرسل إليه الشافعي رسالته هذه: “لما نظرتُ الرسالة للإمام الشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلامَ رجلٍ عاقل فصيح ناصح، فإني لأُكْثِرُ الدعاءَ له”. وقال: “ما أُصَلِّي صلاة إلاَّ وأنا أدعو للشافعي فيها”. وقال المزني: “أنا أنظر في كتاب الرسالة عن الشافعي منذ خمسين سنة ما أعلم أني نظرتُ فيه من مرَّة إلاَّ وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته[39].

وكتاب الرسالة هذا هو أوَّل كتاب منظَّم في أصول الفقه وفي أصول الحديث أيضًا؛ وذلك لأن الناس قبله كانوا يتكلَّمون في المسائل الأصولية حسبما اتُّفِقَ، ولم يكن لهم نظام جامع ولا قواعد كلية، إلى أن ألَّف الشافعي رسالته هذه، فوضع فيها القواعد الكلية والقانون الجامع في أصول الفقه، وفي ذلك يقول الفخر الرازي: “اعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العَرُوض؛ وذلك لأن الناس كانوا قبل أرسطو يستدلُّون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة، ولكن ما كان عندهم قانون في كيفية ترتيب الحدود والبراهين، وكذلك الشعراء كانوا قبل الخليل بن أحمد ينظمون أشعارًا وكان اعتمادهم على مجرَّد الطبع، فكذلك ههنا الناس، كانوا قبل الإمام الشافعي رضى الله عنه يتكلَّمون في مسائل أصول الفقه ويستدلُّون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي -رحمه الله تعالى- علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كليًّا يُرجَع إليه في معرفة مراتب أدلَّة الشرع، واعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز على سائر المجتهدين بسبب هذه الدرجة الشريفة”. ثم يقول -أي الفخر الرازي-: “والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه إلا أنهم عيال على الشافعي فيه؛ لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق[40].

وقد تناول الشافعي في هذه الرسالة مصادر الأحكام الرئيسية: القرآن الكريم والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، والاجتهاد، تناول ذلك كلَّه بالبيان الذي يوضِّح مكان كلٍّ منها من بين المصادر، وعَلاقة المصادر الأخرى به، ومكان الحُجة فيه، كما يتحدَّث عن الاستحسان، وأسباب الاختلاف في الحديث والفقه، ويقسِّم الشافعي ذلك في الرسالة على ثلاثة أجزاء، ويبدو أن هذا التقسيم تقسيم كَمِّيٍّ أو وقتيٍّ، بمعنى أن الشافعي قسَّمها هذا التقسيم حسب كمية الموضوعات التي تناولها في كل جزء، أو عند الانتهاء منها أنهى ذلك الجزء، ثم عند استئناف الإملاء ابتدأَ جزءًا آخر، وهكذا.

الإمام أحمد بن حنبل

أما رابع هؤلاء الأئمة فهو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، الذي وُلِدَ في بغداد سنة 164هـ، وتُوُفِّيَ فيها سنة 241هـ.

ويُعَدُّ الأَثَرُ أساس اجتهاد الإمام أحمد رحمه الله، ولا يَعْدِل عنه إلى القياس حتى يستنفد النصوص، ثم اجتهاد الصحابة، وإذا كان للصحابة رأيانِ رجَّح بينهما أو أقرَّ الرأيين معًا، ولهذا يُروى عنه في المسألة روايتان، وحينًا ثلاث روايات، قال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. فقالوا له: وأيُّ شيء بان لك من فضله؟ قال: رجل سُئل ستِّين ألف مسألة، فأجاب فيها: حدَّثنا وأخبرنا”. وليس معنى أن يكون جوابه للمسألة بحدَّثنا وأخبرنا أنه كان يُلقي بالأثر من غير فقه، بل كان دقيقًا بما يُفْتِي، عليمًا بما يَأْخُذُ أو ما يَدَعُ، حتى إنه ربما أجاب إجابة فيها من بُعْدِ النظر وشموله ما لا يصل إليه كثير ممن شُهِرَ بالاجتهاد[41].

وهناك قاعدة يُطَبَّق عليها الفقه الحنبلي، اختصرها ابن تيمية في قوله: “توقيف في العبادات، وعفو في المعاملات”. وقد فصَّل هذا القول ابن القيم بقوله: “الأصل في العبادات البُطلان، حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحَّة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما أن الله عز وجل لا يُعْبَد إلا بما شرعه على أَلْسِنَةِ رسله، فإن العبادة حقُّه على عباده، وحقُّه الذي أحقَّه هو، ورضي به وشرعه، وأمَّا العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يُحَرِّمَها؛ ولهذا نعى الله على المشركين مخالفة هذين الأصلين: وهو تحريم ما لم يُحَرِّمْه، والتقرُّب إليه بما لم يشرعه”. وهذا الأصل يُعطي الفقه الحنبلي صفة الحركة والمرونة، اللَّتين تَحِلانِ أكثر مشاكل العصور والأمم[42].

عصر المجتهدين

وهكذا كان عصر الأئمة الأربعة الذين تطور الفقه على أيديهم، وانتقل إلى مرحلة عالية، الأمر الذي تفتَّحت فيه عين الفقه بعد ذلك، وكثُر التلاميذ، كما كثُر الدارسون، بل الأئمة أيضًا!

يقول الشيخ جاد الحقِّ رحمه الله: “لقد أنجب هذا العصر ثلاثة عشر مجتهدًا، دُوِّنت مذاهبهم، واتُّبِعَت آراؤهم وأقرَّ لهم المجتمع الإسلامي بالإمامة وزعامة الفقه، وصاروا هم القدوة والقادة؛ ففي مكة كان سفيان بن عُيَيْنَةَ، وفي المدينة مالك بن أنس، وفي البصرة الحسن البصري، وفي الكوفة أبو حنيفة وسفيان الثوري، وفي الشام الأوزاعي، وفي مصر الشافعي، والليث بن سعد، وفي نَيْسَابُور إسحاق بن راهويه، وفي بغداد أبو ثور، وأحمد بن حنبل، وداود الظاهري، وابن جرير، وكانت حركة علمية زاهرة واسعة النطاق، حظي منها الفقه بحظٍّ وافر، وبرز هؤلاء الأئمة الأعلام، ومن مذاهبهم ما لا يزال مُتَّبَعًا تتناقله أجيال الدارسين، ومنها ما قُضِيَ عليه بالفناء بموت أهله، وكان إلى جانب أولئك الأئمة كثيرون من الفقهاء لم تنتشر مذاهبهم ولم يُنْقَل تراثهم، إلا إشارة في بعض مجاميع الفقه التي روت اختلاف الفقهاء[43].

المذاهب الثمانية

هذا وقد انحسرت موجة التاريخ عن ثمانية مذاهب معروفة دُوِّنَت وجُمِعَت، ودُرِسَتْ من التلاميذ في الأماكن التي انتشرت فيها تلك المذاهب، وبعضها كَثُرَ عدد معتنقيه، وبمقدارهم كان الدرس والفحص، وبعضهم تعدَّدت أماكنه، وحيثما حلَّ تأثر بعادات الإقليم وعُرْفِه، وذلك في غير ما ثَبَتَ بالنصِّ كما ترى في المذهب الحنفي، في اختلاف العادات بين فقه أرض الروم، وما وراء النهر، والعراقيين، والاختلاف فيه اختلافُ أعرافٍ لا اختلاف فقه. وتلك المذاهب الثمانية التي سُجِّلَت في التاريخ هي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وهذه كما يُعَبِّرُ الفقهاء “مذاهب الأمصار”، أي أنها التي انتشرت في الأمصار الإسلامية، ولا يخلو مصر منها، وقد يخلو من بعضها، ولا يخلو من كلها.

وهناك مذاهب أربعة أخرى هي: مذهب الإمام زيد بن علي زين العابدين المُتَوَفَّى سنة 122هـ، وهو أقرب مذاهب أهل البيت إلى مذاهب الأئمة الأربعة، بل إن المخرِّجين فيه في خراسان كانوا إذا لم يجدوا نصًّا مأثورًا عن الإمام زيد، أخذوا باجتهاد أبي حنيفة رضي الله عنهما، وهو منتشر في اليمن وخراسان.

والمذهب الثاني مذهب الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر، وقد تُوُفِّيَ أبو عبد الله سنة 148هـ، وقد أخذ عنه الإمام أبو حنيفة وروى عنه أحاديث، وقال فيه: ما رأيت أحدًا أعلم باختلاف الناس من جعفر بن محمد. وهو منتشر في شيعة العراق وإيران، وبعض إندونيسيا وباكستان والهند.

والمذهب الثالث مذهب داود الأصفهاني الظاهري، الذي كان تلميذًا للشافعي رضى الله عنه، وهو الذي قَصَرَ الاستنباط الفقهي على النصوص، وأقامه على القرآن وعلى السنة دون غيرهما، وقد دوَّن المذهب من بعده ابن حزم، وشدَّد في التمسُّك بالنصِّ أشدَّ من داود، وألَّف في ذلك كتابه (المُحَلَّى)، وإنه وإن كان المذهب لا يُعْلَمُ مَن يَعْمَلُ به بعد عصر الموحِّدين في الأندلس، فهو جامع للفقه الإسلامي، وهو ديوان من دواوينه، كما سمَّاه هو.

والمذهب الرابع هو مذهب الإباضية، ويُنْسَب إلى عبد الله بن إباض، وهو مذهب يقوم على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخالِف مذهب السنة إلا في الفروع، والتاريخ الإسلامي يذكر أن عبد الله بن إباض كان من الخوارج المعتزلة، الذين لا يُكَفِّرون المسلمين لما يزعمونه من أخطائهم، بل إنهم يقولون: إنهم كُفَّار نعمة.

ولكن أتباعه الذين يُقِيمُون في بعض الجُزُر والواحات يقولون: إنه كان تابعيًّا، ولم يكن خارجيًّا، ومهما يكن الشأن في أمره فإن له مذهبًا مدوَّنًا خصبًا[44].

عصر التقليد والجمود

ثم انتقل الفقه بعد عصر الأئمة إلى مرحلة جديدة تمتدُّ من منتصف القرن الرابع إلى عصر النهضة الفقهية الحديثة، وهو عصر التقليد والجمود.

فقد أحاطت بالفقه الإسلامي في بعض أدواره التاريخية عوامل سياسية واجتماعية وعلمية، تضخَّم على إثرها فقه العبادات والمعاملات على حساب فقه السياسة والاقتصاد والعَلاقات الدُّولية، كما تغيَّرت بفعل تلك العوامل تركيبة المنظومة الفقهية، فأصبح التقليد قاعدة، والاجتهاد استثناء، الأمر الذي ترك آثارًا سلبيَّة على العقل الفقهي على مسـتوى المنهج والإنتاج.

أما المنهج فقد استُبدِلت بنصوص الشريعة -الكتاب والسنة- نصوص الأئمة المجتهدين في الاستنباط والاستدلال الفقهيين، كما اعتنى الفقهاء بتقرير الأحكام المجرَّدة أكثر من عنايتهم بقواعد تنـزيلها على الواقع، فضمرت إلى حدٍّ ما صلة الفقه بالحياة العامَّة.

أما على مستوى الإنتاج، فقد اشتغل العقل الفقهي بعد توقُّف حركة الاجتهاد -في الغالب الأعمِّ- بإنتاج تعليمي يتعامل مع المتون، ولا يلتفت إلى قضايا الأمة، وحاجات أبنائها، ومتطلبات وجودها الحضاري.

ابن تيمية .. صاحب مدرسة التجديد

لكنْ على الرغم من امتداد عصر الجمود والتقليد فإن تاريخ الفقه فـي هذه المدَّة الطويلة لم يُعْدَم نماذج مستثناة من الخطِّ العامِّ، ونستعرض في هذه السطور طرفًا من حياة بعضهم، ومن منهجه في الفقه، ومنهم -على سبيل المثال- الإمام ابن تيمية (661- 728هـ).

فقد اتَّسمت الدراسات في عهد ابن تيمية بالتحيُّزِ الفكري، فكلٌّ له إمام يتبعه في الفقه وفي العقيدة، وقد ابتدأ ذلك بالخلاف بين المذاهب في القرن الرابع، والتعصَّب المذهبي فيه سواء أكان في الفقه أو في الاعتقاد، وتوارثت الأجيال ذلك التحيُّز الفكري، فانتقل إليها مدوَّنًا في الكتب، وإنك لتجد بعض الكتب الضخام فتقرأ أحدها فتجده كله قائمًا على شرح الخلافات القديمة، وبيان أوجه النظر المختلِفة، والتعصُّب لرأي منها، وقد سرى ذلك إلى المعاصرين لابن تيمية، فكان ذلك محلَّ الخلاف بينه وبينهم، هم يتبعون الرجال على أسمائهم، وهو يتبع الدليل أنَّى يكون، وإذا كانت القرون الثلاثة السادس والسابع والثامن قد امتازت في العلم بشيء، فقد امتازت بكثرة العلم، لا بكثرة الفكر، فقد كانت المعلومات كثيرة جدًّا، وتحصيلها كان بقدر عظيم، ولكنَّ التفكير في وزن الأدلة بالمقاييس السليمة من غير تحيُّز كان قليلاً، ولم يكن متناسبًا مع الثروة التي كانت موجودة في ذلك العصر، وقد استفاد ابن تيمية من هذه المادة العلمية، وإذا كان غيره قد درسها دراسة حفظ واتِّباع؛ فابن تيمية درسها دراسة حفظ واجتهاد، وفحصها فحص العارف الخبير، والمُحِيط بالدقائق وعُمْقِ الأفكار، فتكوَّنت له آراء مستقلَّة تُوَافِق بعض الموجود، أو تخالِفه كلَّه، وانطلق في إعلان آرائه حُرًّا جريئًا[45].

إن ابن تيمية يُعتَبر نقطة تحوُّل كبيرة في تاريخ الفقه الإسلامي، حيث اعتمد في اختياراته الفقهية على النظر في الأدلَّة، والأخذ بالقويِّ من آراء الفقهاء السابقين، واستخرج أحكامًا للقضايا الجديدة في عصره[46].

وإذا كان من علامات المجدِّد البارزة أن يعمَّ علمه ونفعه أهلَ عصره، فإنَّ لابن تيمية قَصَب السبق في ذلك، إذ تكوَّنت في حياته مدرسة كبرى، واتجاه علمي وعملي متميِّز، وباستقراء سريع لأبرز مَن تخرَّجوا من هذه المدرسة نُدْرِك عظمتها ومكانتها في الفكر الإسلامي؛ فابن القيِّم المُتَوَفَّى سنة 742هـ، وابن كثير المُتَوَفَّى سنة 774هـ، وابن عبد الهادي المُتَوَفَّى سنة 744هـ، والبزَّار المُتَوَفَّى سنة 749هـ وغيرهم كثير، تخرَّج في هذه المدرسة العظيمة، وما زالت كتب ابن تيمية وكتب تلامذته حيَّة على مرِّ الدهور، وتتابُع الأيام يَنْهَلُ منها العلماء، ويَفِيء إلى ظلِّها المهتدون، ويستنير بظلِّها وسناها الحائرون[47].

الإمام الشوكاني

كما يُعَدُّ الإمام الشوكاني (1173- 1250هـ) كذلك من أبرز مَن انخرط في الواقع السياسي والاجتماعي، كما عاين عن كَثَبٍ الواقع الثقافي والعَقَدِي، وتَعَمَّقَ فـي درسه، وأثمر ذلك كله اجتهادًا فقهيًّا ثريًّا ظهر جليًّا في كتبه المختلفة.

ولقد جلبت شخصية الشوكاني” الكثير من الباحثين، الذين حاولوا التعرُّف على رصيده العلمي، ومدى تجاوزه للمنظومة المعرفيَّة والفقهيَّة التي كانت سائدة في عصره، والمتأمِّل في هذه الدراسات يجدُها تمحورت في مجالات عديدة من فِكْرِه، لكن جانب الفقه والأصول لم يَلْقَ الاهتمام اللازم من قِبَلِ الباحثين، إذ يُلاحَظ غياب الدراسة الاستجلائية الهادفة إلى استخراج منظومة “الشوكاني” الفقهية، ومنهجه التجديدي في الفقه الإسلامي، على الرغم من أن تجديد المنهج الفقهي كان منطلق الحركة الإصلاحية التي قادها، والثورة الفقهية التي سعى لإحداثها[48].

التجديد والإصلاح في العصر الحديث

هذا وقد بات الفقه في عصوره المتأخِّرة من الأمور الجامدة التي يصعب على كثير من الناس فَهْمَه، لكن مع قدوم القرن العشرين الميلادي، بدأت صيحات كثيرة تنادي بالتجديد والإصلاح في كل المجالات، وكان علم الفقه من العلوم التي لحقها الجمود والخمول؛ بسبب عدم المناداة بالاجتهاد، والوقوف عند مسائل فقهية قديمة لا تتوافق مع العصر الحديث، فقام كثير من العلماء بتجديد الفقه، وجعله مسايرًا للعصر دون خروج عن الضوابط الشرعية، والقواعد الأصولية العامَّة التي حدَّدها الشارع الكريم، ومن هؤلاء العلماء الشيخ محمود شلتوت (1893- 1963م)، الذي حفظ القرآن الكريم وهو صغير، ثم التحق بالكليات الأزهريَّة، ونال شهادة العالمية من الأزهر سنة 1918م، ونقله الشيخ محمد مصطفى المراغي لسعة علمه إلى القسم العالي.

وكان من حظِّ الأزهر أن يبعثه ليمثِّله في مؤتمر لاهاي العالمي سنة 1937م، وقد انعقد بهولندا لدراسة القانون الدُّولي المقارَن، حيث جمع أساطين الفقهاء والأصوليين في الشرق والغرب، ليُوَضِّحوا ما يُحَبِّذونه من الأفكار القانونية، فألقى الشيخ بحثًا إضافيًّا تحت عنوان (المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية)، موضِّحًا معنى المسئولية في الإسلام، وشارحًا نصوص الفقهاء في الضمان والتعويض، ومستشهِدًا بنصوص القرآن والسُّنَّة في تحديد المسئولية، وقد امتدَّ بها الإسلام بحيث تشمل مسئولية الطبيب عن مريضه، ومسئولية مَن يقصِّر عن إغاثة الملهوف، ومسئولية الحيوان حين يُتْلِف زرعًا مملوكًا لغير صاحبه، ومسئولية المسلم أمام إتلاف محترَزَات غيره التي يُحَرِّمها الإسلام كالخمور ولحم الخنزير، موضِّحًا المراد من قول الفقهاء: حقوق الله، وحقوق العباد.

ولم يُغفل الحديث عن المسئولية الناشئة عن مخالفة العقد، والاستيلاء القهري مما عُرف في الفقه باسم الغصب، وتحقُق السببية بين الفعل والضرر، مقسِّمًا السبب إلى إيجابي وسلبي، والسبب الإيجابي واضح معروف، أما السبب السلبي فقد فسَّر الشيخ غامضه بأمثلة ونصوص ذات إقناع.

وامتدَّ البحث إلى المسئولية الجنائية، فتحدَّث عن الحدود في الإسلامي حديثًا جمع من نصوص الفقهاء ما كان غائبًا عن الكثيرين حتى من ذوي التخصُّص أنفسهم، وختم البحث بقوله: “إن الشرعية الإسلامية لم تُقَيِّد الفقهاء بعد أصولها الكلية بخُطَّةِ البحث، وإنما فوَّضت لهم الرأي والاعتماد على ما يُقَدِّرُون من مصالح وحقوق وواجبات في العصور المختلفة والبلدان المتباينة”. وكانت نتيجة البحث سارَّة، إذ قرَّر المؤتمر بإجماع أعضائه اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع الحديث، مع الاعتراف بصلاحيتها للتطوُّر، كما قرَّر المؤتمر أن تكون اللغة العربية -لغة الشريعة الإسلامية- إحدى لغات المؤتمر في دوراته المقبلة، وأن يُدْعَى إليه أكبر عدد من علماء الإسلام على اختلاف المذاهب والأقاليم[49].

وقد شغل الشيخ شلتوت نفسه بنوع آخر من الجهاد العلمي، وهو التقريب بين المذاهب الإسلامية؛ فقد حضر إلى مصر أحد كبار علماء الشيعة ليقرِّب بين السُّنَّة والشيعة، وليقضي على أسباب الخلاف بين أصحاب العقيدة الواحدة، وهو ما جعل الشيخ شلتوت يتحمَّس للفكرة ويظلُّ متابِعًا لها بقيَّة حياته[50].

الشيخ محمد أبو زهرة

ثم يأتي عَلَمٌ آخر من إعلام الفقه وهو الشيخ الجليل محمد أحمد أبو زهرة (1898- 1974م)، فهو يأتي على رأس الفقهاء المجدِّدين في العصر الحديث، وقد اتَّجه الشيخ محمد أبو زهرة إلى التدريس في كلية الحقوق، لكنه لم يَكْتُب مؤلَّفاته في الفقه الإسلامي إلا بعد أن وضح له الطريق، فقد اتجه في تأليفه التشريعي -تاريخًا وفقهًا- وجهتين محدَّدتين، تعرَّض للحديث عنهما في مقدِّمة كتابه عن الشافعي؛ إذ أشار إلى أن دراسة تاريخ علم من العلوم ذات شُعْبَتَيْن؛ شعبة تدرس الأطوار التي مرَّت عليها نظريَّات العلم، فتأتي بالقواعد والأحكام متسلسلة في تطوُّرها الزمني، مصوِّرة معرفة البيئات التي احتضنت هذه النظريات، وحاجات العصر التي دَفَعَت إليها مِن تجدُّد أحداث، واختلاف أمكنة ومُلابَسَات.

أما الشُّعبة الثانية فهي دراسة أصحاب النظريات الفقهية دراسة تحليلية، يُبَيِّن فيها الدَّارس وجهة نظر الفقيه المدروس، وما ابتكره من آراء قائمة على الأصول المعتمدة، ومقدار الأثر الذي تركه في ذلك العلم، والمناهج التي سلكها، والغايات التي يرمي إليها، والنتائج التي وصل إليها، وأثرها فيمن تلاه من تلاميذه، وأعيان مذهبه ومقلديه.

هاتان الوجهتان في دراسة التشريع تاريخًا كانتا موضع اهتمام الأستاذ، فهو في بَدْءِ تدريسه بكلية الحقوق، رَاعَى المنهج حيث تحدَّث عن الملكية، ونظرية العقد، وعن الوقف وأحكامه في المذاهب الفقهية، وعن الوصية وقوانينها، وعن التركات والتزاماتها، ثم عن الأحوال الشخصية في المواريث ومسائل الأسرة من زواج وطلاق ونفقة، ولكل عنوان منها كتاب مستقلٌّ.

وقد كان هذا حسبه لو سلم سبيل الكثيرين في الاكتفاء بموادِّ الدراسة الجامعية، ولكن الأستاذ جعل هذه الدراسات الأولى مسحًا مبدئيًّا لقضايا التشريع المدني والجنائي، ليتفرغ إلى دراسات مستقلَّة تنتمي إلى الشعبتين المحدَّدتين، فهو في تطبيق الشعبة الأولى يتحدَّث عن العقوبة في الفقه الإسلامي، وعن الجريمة، وعن عقد الزواج وآثاره، وعن الولاية على النفس، وعن تنظيم الأسرة، وتنظيم النسل، وقد يندرج في هذه الشعبة ما سبق أن كتبه للطلاب، ولكن طريقة التأليف في كتبه الأخيرة قد اتَّسعت نظرًا، وعمقت غوصًا، ونضحت عليها القراءة المتَّصلة، والتجرِبة الدائبة، وما ينضح الغيث على الزرع في أرضه الجيدة فآتت أكلها المنشود في دسامة وقوَّة وإبداع.

أما الشعبة الثانية، فقد وجدت تطبيقها فيما كتبه أبو زهرة عن أئمة الإسلام وأعلامه في مضمار التشريع، وقد اختصَّ منهم أبا حنيفة، والشافعي، ومالكًا وابن حنبل، وابن تيمية، وابن حزم، وزيد بن علي، وجعفرًا الصادق بثمانية مجلدات كبار، كانت المكتبة الإسلامية في مزيد الحاجة إليها، وقد جاءت سابقة رائدة في أكثر ما اتجهت إليه من آراء، وما برحت سابقة متقدمة على أكثر ما وليها من مؤلَّفات في موضوعاتها؛ لأن أكثر ما صدر عن هؤلاء الأئمة قد قام به مؤرِّخون وأدباء، لا فقهاء متخصِّصون، وطبيعي أنهم لم يتعرَّضوا للمسائل التشريعية في حسم واعٍ كما فعل أبو زهرة؛ لأن مؤرِّخ الفقهاء الأصيل لا بُدَّ أن يكون فقيهًا مارس الفروع، وعرف الأصول قبل أن يتصدَّى لتاريخ إمام جُلَّ عَمَلِهِ التشريع، وكأني بالأستاذ أبي زهرة، وقد قرأ ما كتبه هؤلاء، ولمس نقاط الضعف فيه، فقال مرشدًا إلى الصواب، دون أن يُعَيِّنَ الأسماء.

ولم يشأْ أبو زهرة أن يقصر بحوثه الفقهية -تاريخًا وتشريعًا- على المتخصِّصين وحدهم، إذ وجد في الشبيبة الإسلامية حبًّا دافعًا لدراسة مسائل الفقه، ومعرفة تواريخ الأئمة من الفقهاء، كما وجد بعضهم قد وقع تحت تأثير كتب ضعيفة أُلِّفَت في عصور الانحطاط، بغرائب الأحاديث، وشواذِّ الأحكام، ومستحيلات القصص والأخبار، وكل هذه لا تُعطي الصورة الإسلامية، في وضعها الصحيح، فرأى أن يُفرد كتبًا مستقلَّة بأحكام سهلة التناول عن الأسرة، والحدود والعقيدة الإسلامية، والقانون الدُّولي، تُقَرِّب المراد في يُسْرٍ سهل[51].

الدكتور يوسف القرضاوي

يُعَدُّ الدكتور يوسف القرضاوي من العلماء الذين ما زال علمهم يُنير الآفاق، وفقههم التوسُّطي المعتدل يجمع الناس بعد تشتُّت في غابة الفتاوى، التي أصبحت دَيْدَنَ مَن قرأ الفقه دون فهمه، وحمله دون بلوغ مرامه ومقاصده، وقد وُلِدَ القرضاوي عام 1926م، وحصل على العالية سنة 1953م، كما حصل على دبلوم معهد الدراسات العربية في اللغة والأدب في سنة 1958م، ثم في سنة 1960م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين، وفي سنة 1973م حصل على الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من نفس الكلية، وكان موضوع الرسالة عن “الزكاة وأثرها في حَلِّ المشاكل الاجتماعية[52].

ويعتمد القرضاوي منهجًا معتدلاً، كما يعتمد كذلك على إصدار الرأي الفقهي بعد استعراض مُجْمَلِ الأدلَّة الشرعية الصحيحة في الموضوع، واختيار ما يلائم الفتوى منها، محاوِلاً الجمع بينها في حال التعارض، مستخدمًا التقنيات المختلفة الموجودة في علم أصول الفقه عند مختلَف المذاهب، ومراعيًا قواعد المصالح الشرعية للوصول إلى الحكم الشرعي الأنسب والأصلح لزمن ومكان الفتوى التي يرغب في تصديرها، فهو يراعي الظروف الزمانية والمكانية للمستفتي، مفضِّلاً أسلوب التيسير في الدين الذي أوصى به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*