الثلاثاء , 20 فبراير 2018
جديد الموقع
القرض الحسن
القرض الحسن

القرض الحسن

د/ ياسر حمدى
قال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}( الحديد: (11)
المعنى الإجمالي: من ذا الذي ينفق في سبيل الله محتسبًا من قلبه بلا مَنٍّ ولا أذى، فيضاعف له ربه الأجر والثواب، وله جزاء كريم، وهو الجنة؟ ( )
قال ابن كثير : وَقَوْلُهُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هُوَ الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّفَقَةُ عَلَى الْعِيَالِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ وَعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ، دَخَلَ فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الْبَقَرَةِ: 245] أَيْ: جَزَاءٌ جَمِيلٌ وَرِزْقٌ بَاهِرٌ-وَهُوَ الْجَنَّةُ-يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
تأثير هذه الآية الكريمة على نفوس الصحابة – رضي الله عنه:
قَالَ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟ ” قَالَ: “نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ”. قَالَ أَرِنِي يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَنَاوَلَهُ يَدَهُ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي-وَلَهُ حَائِطٌ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ وَعِيَالُهَا-قال: فجاء أبو الدحداح فنادها: يَا أَمَّ الدَّحْدَاحِ. قَالَتْ: لَبَّيْكَ. فَقَالَ: اخْرُجِي، فَقَدْ أَقْرَضْتُهُ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ-وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: رَبح بَيْعُكَ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ. وَنَقَلَتْ مِنْهُ مَتَاعَهَا وَصِبْيَانَهَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “كَمْ مِنْ عَذْق رَدَاح فِي الْجَنَّةِ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ”. وَفِي لَفْظٍ: “رُبَّ نَخْلَةٍ مُدَلَّاةٍ عُرُوقُهَا دُرٌّ وياقوت لأبي الدحداح في الجنة” ( )
فضل القرض:
1 – قال الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } (البقرة:245).
2 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيْهِ»( )
نماذج – من غزوة تبوك:
حثَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – المسلمين على الإنفاق في سبيل الله لتجهيز جيش المسلمين، جاء بعض المؤمنين الصادقين بكل ماله، ومنهم من جاء بنصف ماله، وجاء عثمان بن عفان – رضي الله عنه – بألف دينار، فنثرها في حجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فسُرَّ بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وجعل يقبلها في حجره وهو يقول: “ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم“( )
ومن يقرأ السيرة المطهرة والتاريخ النماذج يجد العديد من هذه النماذج العاطرة.
– حكم القرض:
1 – القرض مستحب للمُقرِض، ومباح للمقتَرِض، وكل ما صح بيعه صح قرضه إذا كان معلوماً، والمقرض ممن يصح تبرعه، وعلى المقترض أن يرد بدل ما اقترضه، المِثْل في المثليات، والقيمة في غيرها.
2 – كل قرض جر نفعاً فهو من الربا المحرم كأن يقرضه شيئاً ويشترط أن يسكن داره، أو يقرضه مالاً بفائدة كأن يقرضه ألفاً بألف ومائتين بعد سنة.
– حكم الإحسان في القرض:
الإحسان في القرض مستحب إن لم يكن شرطاً كأن يقرضه من الإبل بكراً فيعطيه بدله رباعياً؛ لأن هذا من حسن القضاء ومكارم الأخلاق، وَمَنْ أقرض مسلماً مرتين فكأنما تصدق عليه مرة. عن أبي رافع: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – استسلف من رجل بكرا وقال: ( إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك” فلما قدمت، قال: “يا أبا رافع، اقض هذا الرجل بكره” فلم أجد إلا رباعيا فصاعدا، فأخبرت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: “أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاء) ( )
– حكم الحط من الدين من أجل تعجيله:
يجوز الحط من الدين المؤجل لأجل تعجيله، سواء كان بطلب من الدائن أو المدين، ومن أدى عن غيره واجباً عليه من دين، أو نفقة، رجع عليه به إن شاء.
– فضل إنظار المعسر والتجاوز عنه:
إنظار المعسر من مكارم الأخلاق، وأفضل منه التجاوز عنه.
1 – قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (البقرة:280).
2 – وعن أبي اليسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ الله فِي ظِلِّهِ»( )
أداء الدين :
قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا} (النساء: 58) (الأمانات) جمع أمانة وهي كل ما اؤتمن عليه من حق مادي أو معنوي. (أهلها) أصحابها. (بالعدل) هو إعطاء كل ذي حق حقه دون محاباة. (نعما يعظكم به) نعم الشيء الذي يعظكم به وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل.
عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أبصر – يعني أحدا – قال: «ما أحب أنه تحول لي ذهبا، يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث، إلا دينارا أرصده لدين» ثم قال: «إن الأكثرين هم الأقلون، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، – وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله – وقليل ما هم»، وقال: «مكانك»، وتقدم غير بعيد فسمعت صوتا، فأردت أن آتيه، ثم ذكرت قوله: «مكانك حتى آتيك»، فلما جاء قلت: يا رسول الله، الذي سمعت – أو قال: الصوت الذي سمعت؟ – قال: «وهل سمعت؟»، قلت: نعم، قال: ” أتاني جبريل عليه السلام، فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة “، قلت: وإن فعل كذا وكذا، قال: «نعم» ( )
(فوق ثلاث) ليال. (أرصده لدين) أعده لوفاء دين علي. (الأكثرين) مالا في الدنيا. (الأقلون) ثوابا في الآخرة إذا لم يؤدوا حقوق المال الذي في أيديهم. (قال بالمال هكذا وهكذا) أنفقه في كل جهة من جهات الخير. (قليل ما هم) قليلون من الناس هم الذين يفعلون ذلك. (مكانك) الزم مكانك. (كذا وكذا) كناية عن أفعال سيئة صرح بها في رواية أخرى كالزنا والسرقة)
باب: مطل الغني ظلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم»( )
– عقوبة من اقترض المال وهو لا يريد رده:
يجب على مَن اقترض مالاً أن يَعزم على أدائه، وإلا أتلفه الله عز وجل كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى الله عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إتْلافَهَا أَتْلَفَهُ الله» ( ). ( )
من هداية الآية الكريمة:
– فضيلة إقراض المعسر.
– إنظار المعسر أو الوضع عنه.
– كل قرض جر نفعًا فهو ربا.
– منزلة تفريج الكرب عن المكروبين.
– الوفاء في موعد حلول الدين.
– السماحة عند الاقتضاء والقضاء.
– كل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة، دخل في عموم هذه الآية.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*