الثلاثاء , 24 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » المحاضرة التاسعة من علوم القرآن لـ أ.د محمد جبريل
المحاضرة التاسعة من علوم القرآن لـ أ.د محمد جبريل

المحاضرة التاسعة من علوم القرآن لـ أ.د محمد جبريل

 شاهد الحلقة فلاش

سادسا: فوائد معرفة أسباب النـزول

قد عرفنا فيما سبق ما هو سبب النـزول، وما الذى يرجع إليه فى معرفته، وما صيغته التى يرد بها، وقد آن لنا أن نعرف ما هى الثمرة المرجوة، والفائدة المأمولة من وراء هذا البحث.

الحق أن البحث فى سبب النـزول وفوائد معرفته بحث مهم، ولهذا نرى أن علماء الأمة قد أولوه عنايتهم كما سبقت الإشارة إليه فى كلام السيوطى رحمه الله تعالى فى بيان من أفرد هذا الموضوع بالبحث، كما نرى واحدا من أعلام هؤلاء العلماء، وهو بدر الدين الزركشى رحمه الله تعالى قد بدأ مصنفه القيم فى علوم القرآن الذى يعتبر عمدة فى هذا الفن، وهو كتاب (البرهان فى علوم القرآن) ببحث هذا الموضوع، فجعل النوع الأول مما بحثه فى كتابه من موضوعات: (معرفة أسباب النـزول).

وإنه لمخطئ من يظن أنه ليس من وراء البحث فى أسباب النـزول من فائدة، إذ يبنى ظنه على أن هذا الموضوع من قبيل ما يجرى مجرى التاريخ الذى مرت أحداثه، وانتهت ملابساته، وعليه فإن معرفة سبب النـزول لا تزيد عن كونها نوعا من الاطلاع والعلم المجرد بما وقع من أحداث، وكان سببا فى نـزول بعض الآيات.

ولاشك أن هذا الظن خاطئ، بل لمعرفة أسباب النـزول فى القرآن الكريم فوائد جليلة، منها ما يلى:

أولا: بيان الحكمة الباعثة على تشريع كثير من الأحكام، ومن ثم إدراك أن روح التشريع الإسلامى وجوهره يقوم على مراعاة هذا التشريع الحكيم لمصالح العباد فى معالجة ما يعرض لهم من أحداث ووقائع، وأن مراعاة هذه المصالح أمر ينطلق من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، ورأفته بهم، وتيسيره عليهم.

ولقد تجلت هذه الحكمة واضحة فيما ورد فى حادثة سبب نـزول آية التيمم من جهة، وفى النص عليها فى نفس الآية من جهة أخرى، وهذه الآية هى قول الله عز وجل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: 6)

فعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضى الله عنها زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لى، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق – رضى الله عنه- فقالوا: أترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر – رضى الله عنه- ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذى قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت عائشة – رضى الله عنها-: فعاتبنى أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعننى بيده فى خاصرتى، ولا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء فأنـزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير –رضى الله عنه-: ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر، قالت: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فإذا العقد تحته).

والمقصود بآية التيمم هنا: هى آية المائدة التى مر ذكرها آنفا قبل قليل، لأنه قد ورد فى نفس الباب عند البخارى رواية من طريق ابن وهب: عن عمرو عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه فى نفس القصة جاء فى نهايتها قول أم المؤمنين رضى الله عنها: (ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح –أى صلاة الصبح- فالتمس الماء فلم يوجد، فنـزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ…)

ثانيا: تخصيص الحكم – فيما نـزل بصيغة العموم- بصورة السبب التى نـزل فيها- أى بالحادثة التى كان وقوعها سببا فى نـزول الحكم- وذلك عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

ومعنى هذا الكلام: أن النص العام الوارد على سبب خاص لايبقى على عمومه بعد نـزوله على سببه الخاص، بل يكون مقصورا على حالة هذا السبب، بمعنى أن استفادة الحكم فى هذا السبب بذاته مما نـزل تكون بطريق النص، فإذا عمل بهذا الحكم فى حادثة أو حوادث تشابه حادثة صورة السبب كان استفادة الحكم فى هذه الحوادث المشابهة بطريق القياس لابطريق النص، ولكن هذا التخصيص مسألة خلافية سوف نعرض لها بالتفصيل عند بحث مسألة عموم اللفظ وخصوص السبب.

ثالثا: إذا كان اللفظ النازل فى سببٍٍ ما عاماً، وقام الدليل على تخصيصه، فإن معرفة سبب النـزول تجعل التخصيص الوارد قاصرا على ماعدا الحادثة التى كانت صورة السبب، ذلك لأن صورة حادثة السبب لايجوز إخراجها بالاجتهاد قياسا على صورة أخرى لايجرى فيها الحكم الوارد فى ذلك النص، ذلك أن دخول الحادثة التى هى صورة السبب فى اللفظ العام قطعى، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد وهو ظنى.

مثال ذلك: ماذكره المفسرون فى سبب نـزول قول الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 23)

فقد أوردوا عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى، وابن عباس رضى الله عنهما: أن هذه الآية نـزلت فى رماة عائشة رضى الله عنها خاصة، أو فيها وسائر أزواج النبى صلى الله عليه وسلم عامة، وهو وعيد لهؤلاء الرماة، عام فى عذابهم فى الدنيا والآخرة، مما يفيد عدم قبول توبتهم، ولكن هذا العموم قد خصص بقبول توبة من يقذف غيرهن من المؤمنات إذا تاب بدليل قول الله تعالى:

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوَهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ. لاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور: 4-5)

فهذه الآية مخصصة لعموم الآية السابقة، ولكن لاينبغى أن يقاس فى هذا التخصيص قبول توبة من يقذف عائشة رضى الله عنها أو إحدى أمهات المؤمنين على قبول توبة قاذف غيرهن، لأن قذف أزواج النبى صلى الله عليه وسلم هو صورة السبب التى نـزل عليها الحكم فى قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ…) الآية، وعليه فيمتنع أن تخرج صورة السبب من النص العام النازل عليها بالتخصيص الوارد فى الآية الثانية، بل يقتصر هذا التخصيص على ماعدا صورة السبب، فلا يكون لقاذف أزواج النبى صلى الله عليه وسلم توبة.

قال السيوطى رحمه الله تعالى: (إن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعى، وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضى أبو بكر فى التقريب، ولا التفات إلى من شذ فجوز ذلك).

لكن الآية التى معنا قد تُخَرَّج على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها إنما هو لمن أصر على القذف ولم يتب، وأن ذلك يكون فى حق القاذف المصرّ عموما سواء كان قذفه لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم أو لغيرهن.

كما يمكن تخريجها على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها خاص بمن قذف عائشة رضى الله عنها، أو إحدى أمهات المؤمنين رضى الله عنهن جميعا، بعد نـزول مانـزل فى شأن عائشة رضى الله عنها من القرآن.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها –يعنى بذلك عائشة رضى الله عنها- بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذى ذكر فى هذه الآية فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن وفى بقية أمهات المؤمنين قولان، أصحهما: أنهن كهى، والله أعلم).

رابعا: من أهم فوائد معرفة أسباب النـزول، بل من دواعى هذه المعرفة والحاجة إليها: أنها تعين فى كثير من المواطن على فهم معنى الآيات، وإزالة ماقد يبدو فيها من إشكال، وبدون معرفة سبب النـزول يمكن أن يخطئ المفسر فى فهم معنى الآية فيحمله على غير المراد، وقد لايعرفه على الإطلاق، وفى هذا من الخطورة مافيه، لأن الجهل فى هذا الصدد يفتح الباب على مصراعيه أمام الفتاوى الخاطئة، ويلبس على المؤمنين أمر دينهم، ولهذا نبه العلماء على أهمية معرفة سبب النـزول من هذه الحيثية.

فقد أشار الواحدى رحمه الله تعالى إلى امتناع معرفة تفسير الآية، ومعرفة ماتعنيه، دون الوقوف على قصتها والعلم بسبب النـزول.

وقال ابن دقيق العبد رحمه الله تعالى: (بيان سبب النـزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن).

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (معرفة سبب النـزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب).

وهناك أمثلة كثيرة من أسباب النـزول التى توضح كيفية إزالة الإشكال فى فهم كثير من آيات القرآن الكريم، التى لم يكن يتأتى فهم معناها بدون معرفة هذه الأسباب.

ومن بين الآيات التى يتضح فيها ذلك مايلى:

1- قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 158)

فإن ظاهر هذه الآية لم ينص على فرضية السعى بين الصفا والمروة، مما يفهم منه أن السعى بينهما مباح، من شاء فعله ومن شاء تركه ولا حرج عليه، لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الإلزام، وهذا الفهم قد تبادر إلى عروة بن الزبير بن العوام (ت 94ه‍) رحمه الله تعالى، وصرح به لخالته أم المؤمنين الصديقة عائشة رضى الله عنها، فلما سمعت منه ذلك بينت له ماتفيده الآية الكريمة على الوجه الصحيح، وكان ذلك ببيان سبب نـزولها، وقد أوردت الصحاح قصة طويلة فى بيان ذلك نوردها بتمامها لما فيها من الفائدة.

فعن ابن شهاب الزهرى رحمه الله تعالى: قال عروة: (سألت عائشة رضى الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فوالله ما على أحد جناح ألا يطّوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختى، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه ألا يتطوف بهما، ولكنها أنـزلت فى الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغيه، التى كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنـزل الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، قالت عائشة رضى الله عنها: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس –إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة فى القرآن قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنـزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنـزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نـزلت فى الفريقين كليهما: فى الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا فى الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما فى الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ماذكر الطواف بالبيت).

2- قول الله سبحانه: (وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ…)  الآية، (الطلاق: 4).

فقد أشكل معنى هذا الشرط (إن ارتبتم) على البعض، حتى قال الظاهرية بأن الآيسة لاعدة عليها إذا لم ترتب، وسبب ذلك أنهم فهموا أن الشرط مرتبط بالحيض، فحسبوا أن المعنىك إن ارتبتم فى حيضهن ولكن ماورد فى سبب نـزول هذه الآية يزيل هذا الإشكال، لأنه يجعل الارتياب فى حكم عدة الآيسة وليس فى حيضها.

فقد أخرج الحاكم وصححه عن أبى بن كعب رضى الله عنه قال: (لما نـزلت الآية التى فى سورة البقرة فى عدد من عدد النساء، قالوا: قد بقى من عِدَد النساء لم يذكرن، الصغار والكبار، ولا من انقطعت عنهن الحيض، وذوات الأحمال، فأنـزل الله عز وجل: (وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ…) الآية.

3- قول الله عز وجل: (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران: 188)

فقد أشكل أمر هذه الآية على مروان بن الحكم، فأرسل إلى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، فأجابه فيها ببيان سبب النـزول، الذى أزال الإشكال واللبس.

فعن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: أن مروان بن الحكم قال: (إذهب يا رافع –لبوابه- إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بماأوتى- فى رواية مسلم: فرح بما أتى- وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذبن أجمعون، قال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية، إنما أنـزلت هذه فى أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) وتلا (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) ثم قال ابن عباس: سألهم النبى صلى الله عليه وسلم عن شئ فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه بما قد سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه).

4- قول الله تبارك وتعالى: (وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة: 189).

فإن هذه الآية يصعب التوصل إلى المقصود فيها من قول الله تعالى: (وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا) إلا بمعرفة سبب نـزولها، أو فى أى شئ نـزلت.

وبالفعل فإنه قد ورد سبب يوضح المعنى المراد، فقد أخرج البخارى عن أبى إسحاق السبيعى قال: سمعت البراء رضى الله عنه يقول: نـزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عيِّر بذلك، فنـزلت: (وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

خامسا: ومن الفوائد المترتبة على معرفة سبب النـزول: ما ذكره الزركشى من دفع توهم الحصر المتبادر من بعض الآيات، وقد فصل ذلك بقوله: (قال الشافعى مامعناه فى معنى قوله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنـزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: 145): إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حلال إلا ما أحللتموه، نازلا منـزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة لا النفى والإثبات على الحقيقة، فكأنه قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنـزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل.

 (قال إمام الحرمين: وهذا فى غاية الحسن، ولولا سبق الشافعى إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك فى حصر المحرمات فيما ذكر فى الآية) أ. ه‍ ما قاله الزركشى.

قلت: وهذا يتوقف على ورود سبب صحيح فى نـزول الآية، يقضى بأن الكفار أحلوا ماحرمته تلك الآية فجاءت الآية ردا عليهم، ولكن الزركشى لم يورد مثل هذا السبب صريحا، كما أن السيوطى فى نقله ذلك عنه لم يصرح بهذا السبب كذلك، بل نقل عبارة الزركشى بنصها كما ذكرها صاحبها فى البرهان.

سابعا: عموم اللفظ وخصوص السبب

عنى بتحقيق هذه المسألة كثير من العلماء، ومن أشدهم عناية بذلك الأصوليون والمفسرون، أما الأولون فلأن بحثهم فى مجالهم يقوم على الاستدلال بألفاظ القرآن الكريم على الأحكام الشرعية، وأما الآخرون فلأن البحث فى ذلك يساعدهم على فهم المعنى المراد من الآيات القرآنية.

واستقراء مانـزل من آيات القرآن الكريم على سبب فى ضوء مطابقة ألفاظ النازل لأفراد السبب من حيث التعميم أو التخصيص ينكشف عن أربع صور عقلية، لأن اللفظ النازل إما عام وإما خاص، والسبب الذى نـزل عليه اللفظ إما عام وإما خاص كذلك، فتنتج هذه الصور التى نذكرها فيما يلى:

أولا: قد يكون سبب النـزول عاما، واللفظ الذى نـزل عاما كذلك، ولا إشكال فى هذه الصورة؛ لأن الحكم الوارد فى الآية عام، وهو ثابت لكل أفراد السبب العام بطريق النص، وهذا محل اتفاق بين العلماء نظرا للتطابق بين اللفظ والسبب.

مثال ذلك: ماورد فى سبب نـزول قول الله تبارك وتعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: 220)

فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: (لما أنـزل الله عز وجل: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الآية (الإسراء: 34) – و(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) الآية (النساء: 10) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنـزل الله عز وجل: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم).

ثانيا: قد يكون سبب النـزول خاصا واللفظ الذى نـزل فى شأنه خاصا كذلك، وهذا مثل سابقه لا إشكال فيه كذلك، لأن الحكم الخاص الوارد فى الآية ثابت للفرد الخاص الذى نـزل فى شأنه، وذلك للتطابق بينهما فى جهة الخصوص ولاخلاف بين العلماء فى ذلك.

مثال ذلك: ماورد فى سبب نـزول قول الله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ…) إلى آخر سورة المسد.

فقد أخرج البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما نـزلت (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) صعد النبى صلى الله عليه وسلم الصفا، فجعل ينادى: يابنى فهر، يا بنى عدى –لبطون قريش- حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنـزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ...) إلى آخر سورة المسد.

ثالثا: قد يكون السبب عاما واللفظ خاصا: (وتلك صورة فرضية غير واقعية فى القرآن؛ لأنها تتنافى وبلاغته، لعدم وفاء اللفظ للسبب، إذ السبب بمنـزلة السؤال واللفظ بمنـزلة الجواب، وقصور الجواب عن مطلوب السؤال مخل بالبلاغة.

رابعا: قد يكون سبب النـزول خاصا، واللفظ الذى نـزل فى شأنه عاما، وهذه الصورة هى موضع خلاف العلماء، وقد تكررت هذه الصورة فى القرآن الكريم فى أكثر من سورة.

واختلاف العلماء فى شأن هذه الصورة يدور حول ما يعتبر عندهم، ويعتد به من الأمرين:

هل تكون العبرة بعموم اللفظ؟ وعندئذ يكون اللفظ العام باقيا على عمومه، فيتناول أفراد السبب الخاص وكل ما يكون مشابها له من أفراد غيره، أو تكون العبرة بخصوص السبب؛ فلا يكون اللفظ باقيا على عمومه بل يكون مقصورا على أفراد السبب الخاص، ولا يدخل ما سوى ذلك فى الحكم إلا بدليل آخر غير النص.

ولنذكر أولا مثالا تتضح فيه صورة هذا الخلاف، ثم نذكر ما قاله العلماء فى هذا الصدد مقرونا بالأدلة، ثم نبين أى القولين أولى بالاعتبار.

ففى الصحيح: عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى صلى الله عليه وسلم بشريك بن السحماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البينة وإلا حد فى ظهرك) قال: فقال هلال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته، أيلتمس البينة؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (البينة وإلا فحد فى ظهرك) قال: فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق، ولينـزلن الله فى أمرى ما يبرئ ظهرى من الحد، فنـزل: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ) فقرأ حتى بلغ (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (النور: من الآية 6-9) قال: فانصرف النبى صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية فشهد، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قالوا لها: إنها موجبة فقال ابن عباس: فتلكأت ونكست حتى ظننا أنها سترجع، فقالت لا أفضح قومى سائر اليوم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن السحماء) فجاءت به كذلك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (لولا ما مضى من كتاب الله عز وجل لكان لنا ولها شأن).

فالحديث كما هو واضح يصرح بأن سبب النـزول هنا خاص، وهو قذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن السحماء، والآيات المذكورة نـزلت بحكم اللعان بلفظ عام، لأنها مبدوءة بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ…) الآية، واسم الموصول من صيغ العموم، وموضوع خلاف العلماء هنا هو:

هل لفظ الآية العام يتناول بنصه كل قاذف لزوجته من غير شهود يشهدون معه؟ ولا حاجة مع هذا النص إلى أدلة أخرى من اجتهاد أو قياس فى تعميم هذا الحكم على غير هلال بن أمية، أى أن العبرة بعموم اللفظ فى الآيات، لا بخصوص السبب النازلة عليه، أو أن لفظ الآيات العام قاصر فى حكمه على سببه الخاص، وهو قذف هلال بن أمية امرأته، وأما من عداه ممن يفعل فعله فلا ينطبق عليه الحكم من خلال لفظ الآيات، وإنما ينطبق عليه بدليل آخر هو القياس؛ والعبرة عندئذ تكون بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؟ رأيان للعلماء: ذهب إلى الأول منهما جمهور العلماء، وذهب إلى الثانى فريق منهم.

وقبل أن نستعرض أدلة كل فريق ينبغى التأكيد على أن الجميع متفقون على تعميم أحكام الآيات التى نـزلت بألفاظ العموم، وإن كان سببها خاصا، مادامت قد خلت عن قرينة تمنع من هذا التعميم، بمعنى أن اللفظ العام الذى نـزل بحكم ما على سبب خاص لاخلاف فى تعميم حكمه على كل الحالات التى يتناولها، من أفراد السبب وغيرها، لكن الخلاف فى كيفية استفادة الحكم بالنسبة لأفراد غير السبب: فالجمهور يرى أن استفادة الحكم فيها بطريق النص كما فى أفراد السبب، أما غيرهم فيرون أن الحكم فى صورة غير السبب يكون بطريق القياس وليس بالنص، بمعنى أنهم لايقولون بامتناع ثبوت الحكم فى غير صورة السبب مما هو من نوعه بل يقولون بتعديته إليه بطريق القياس، أما أدلتهم فهى كما يلى:

أولا أدلة الجمهور:

 (أ) أن المعول فى الاحتجاج على لفظ الشارع وحده – أى النص القرآنى- لا على السؤال أو السبب الذى نـزلت الآيات فى شأنه، لهذا نرى أن اللفظ القرآنى فى بعض الأحوال قد يعدل بالجواب عن سنن السؤال وذلك لحكمة وفائدة فى مجال التوجيه والتربية، كأن يرد السؤال عن شئ بذاته، فيوجه الجواب السائل إلى شئ آخر هو أولى بالاهتمام وهو الذى كان من المفروض أن تُتَحَرّى معرفته، وذلك كما فى قول الله سبحانه وتعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: 215).

فالسؤال فى الآية قد توخى معرفة ما ينبغى أن ينفق، والجواب توخى الإعلام بالجهات التى ينبغى أن توجه إليها النفقة لأنه أنسب فى هذا الموضع.

 (ب) أن اللفظ القرآنى عام فيجب بقاؤه على عمومه، لأن الأصل في الألفاظ حملها على معانيها الأصلية المتبادرة، ولا يجوز صرف اللفظ عن معناه الذى وضع له إلا لقرينة تمنع بقاءه على هذا الأصل، وكون اللفظ القرآنى قد نـزل على سبب خاص، فذلك ليس قرينة على التخصيص؛ لأنه لامانع أن يكون السبب الخاص وسيلة لبيان حكمه، وحكم كل ماهو على شاكلته، بل إن العدول – فى ذاته- عن ربط الحكم بالخاص إلى ربطه بالعام دليل على قصد العموم.

 (ج) أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن بعدهم قد تمسكوا –فيما نـزل على أسباب خاصة- بما أفادته ألفاظ القرآن النازل من العموم، واحتجوا بذلك على وقائع لم تكن أسبابا لنـزول الآيات، بل شابهتها، وذلك من غير حاجة إلى دليل آخر كالقياس ونحوه.

فنراهم قد استدلوا على حكم الظهار، وماينبغى أن يفعله من يظاهر من زوجته –عند العود- من الإتيان بالكفارة: من تحرير الرقبة، أو الصيام، أو الإطعام، وأن ذلك لكل مظاهر، أقول: استدلوا على ذلك بعموم ماورد فى قول الله تعالى:

(وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المجادلة (3-4) مع أن السبب فى نـزول هذه الآيات هو فعل أوس بن الصامت رضى الله عنه، لما ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة كما سيأتى بيانه فى موضع قادم إن شاء الله تعالى.

والصحابة رضوان الله تعالى علهم من العرب الخلص، الذين يعرفون بسليقتهم ماتفيده الألفاظ العربية، ولو كان ورود العام على سبب خاص يستلزم قصره عليه –فيما عهدوه من لغتهم- لما ذهبوا إلى هذا التعميم ولوقفوا عند مقتضى التخصيص، ولكن ذلك لم ينقل عنهم.

بل أصرح من هذا: أنه قد ورد عنهم ما ينص على هذا التعميم، قال ابن جرير الطبرى رحمه الله تعالى: (حدثنى محمد بن أبى معشر، قال: قال أخبرنى أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدا المقبرى يذاكر محمدا بن كعب، فقال: إن فى بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا منسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعلى يجترأون، وبى يغترون؟ وعزتى لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا فى كتاب الله جل ثناؤه، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَام. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: 204-205) فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنـزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنـزل فى الرجل ثم تكون عامة بعد).

وشبيه بذلك ما صرح فيه عقب نـزول بعض الآيات باعتبار عموم لفظه، على الرغم من خصوص سببه كما جاء فى الحديث التالى:

عن ابن مسعود رضى الله عنه: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فسأله عن كفارتها، فنـزلت: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (سورة هود: 114)

فقال الرجل: ألى هذه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لك ولمن عمل بها من أمتى) وفى بعض الروايات: فقال الصحابة: يا رسول الله، ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: (بل للناس عامة).

ثانيا: أدلة المخالفين:

أما المخالفون: فليس لهم أدلة سوى بعض المحاذير التى يرون أنها تترتب على القول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهى محاذير يمكن الرد عليها جميعا، ومن بين هذه المحاذير:

 (أ) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: ألا يكون هناك فائدة لأسباب النـزول، أو لبيانها على الرغم من اجتهاد العلماء فى نقل هذه الأسباب، واهتمام علماء التفسير بها، ولا تظهر الفائدة من ذلك إلا بالقول بأن العبرة بخصوص السبب لابعموم اللفظ.

ويمكن الرد على ذلك: بأن لمعرفة أسباب النـزول كثيرا من الفوائد الهامة غير هذه الفائدة التى أوردها هؤلاء مثل معرفة حكمة التشريع، وإزالة ماقد يكون فى الآيات من إشكال، وغير ذلك مما عالجناه فى موضع آخر.

 (ب) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: أنه يحنث من قال: والله لا آكل، جوابا لمن قال: كل فاكهة إذا حدث وأكل خبزا، لأن قوله: لا آكل يعم كل أكل، مع أن الفقهاء على أنه لا يحنث، فثبت أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ.

والرد على ذلك: أن التخصيص فى هذا المثال إنما جاء من العرف، الذى يقضى بأن الحالف فى مثل هذه الحالة لا يقصد نفى الأكل مطلقا، وإنما يقصد نفى أكل الفاكهة، فالتخصيص جاء من قرينة قضت به، لامن خصوص السبب، ولا نـزاع فى ذلك، إنما النـزاع عند عدم القرينة.

 (ج) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: أن لا يكون لربط نـزول الآية بسببها فائدة، لأن هذا الربط دليل على أن العبرة بخصوص السبب، ولولا ذلك كانت الآيات تنـزل إما قبل حدوث هذه الأسباب، أو بعدها بوقت طويل، حتى ينفك هذا الارتباط، فدل ذلك التعاقب على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

والرد على ذلك: أن هذا التعاقب بين السبب والآيات النازلة فى شأنه يؤدى إلى تثبيت الحكم الشرعى وإظهار حكمة التشريع، وتوضيح المراد من الآيات عندما يشكل معناها، وليس المراد منه قصر الحكم على سببه الخاص.

 (د) أنه يترتب على القول بعموم الفظ: جواز إخراج صورة السبب من اللفظ العام إذا ورد ما يخصصه؛ لأنه حينئذ كأى فرد من أفراده، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز إخراج صورة السبب من العام فى هذه الحالة فدل ذلك على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

ويجاب على ذلك: بأن عدم جواز إخراج صورة السبب بما ورد من التخصيص إنما هو لمزية فى صورة السبب ليست فى سائر الأفراد، وهى مع ذلك تدخل دخولا أوليا، وقد عولج ذلك بالتفصيل فى بيان فوائد معرفة أسباب النـزول.

 (ه‍) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: عدم مطابقة اللفظ العام الذى هو بمنـزلة الجواب للسبب الذى هو بمنـزلة السؤال، لأن السبب خاص واللفظ عام، فلا تطابق بينهما، مع أن التطابق فى مثل ذلك ضرورى، انطلاقا من قواعد البلاغة، وإذا لم يتحقق هذا التطابق يكون مخلا ببلاغة القرآن، وهو عندئذ نقص يتنـزه عنه القرآن الكريم.

والجواب على ذلك: أن التطابق المنشود يتحقق فى حالة عموم اللفظ؛ لأنه يتضمن بيان حكم السبب الخاص، وهذا قدر متيقن، ويزيد عليه بيان حكم ما يشابهه، ولا يخل بأعلى مراتب البلاغة أن يكون اللفظ العام جوابا شاملا للسبب ولغيره، بل إن هذه مزية، لأنها فائدة زائدة ترفع من شأن الكلام. وتزيد من قيمته.

وحيث زالت هذه المحاذير بما لا تكلف فيه: فإنه لا يبقى لهؤلاء دليل على رأيهم، وتبقى أدلة الجمهور سالمة ناطقة بصواب ما ذهبوا إليه، وهو أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وإذا كان لهذا الخلاف من ثمرة: فإن الثمرة تنحصر فى تحديد مأخذ الحكم فى غير صورة السبب الخاص وهى –كما قدمنا- مندرجة تحت الحكم قطعا، ولكن جماهير العلماء يرون مأخذ الحكم فيها بطريق النص نفسه بينما يرى البعض مأخذه بطريق القياس، فالحكم فى غير صورة السبب قائم فى كلتا الحالتين على دليل شرعى.

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*