الأربعاء , 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » أصول الفقه » المحاضرة الثالثة من أصول الفقه للدكتور أكرم البدوي أبو العنين
المحاضرة الثالثة من أصول الفقه للدكتور أكرم البدوي أبو العنين

المحاضرة الثالثة من أصول الفقه للدكتور أكرم البدوي أبو العنين

شاهد الحلقة فلاش

الحكم الشرعي
وفيه تمهيد وفصلان:
أولا: التمهيد: أركان الحكم وتعريفه وبيان أقسامه الأصلية.
ثانيا: الفصل الأول: الحكم التكليفي وأقسامه.
ثالثا: الفصل الثاني: الحكم الوضعي وأقسام
أولا: التمهيد
أركان الحكم وتعريفه وبيان أقسامه
يتضمن هذا الموضوع النقاط التالية:
1- أركان الحكم.
2- تعريف الحكم وأقسامه الأصلية.
يُتوقع منك عزيزي الدارس بانتهائك من هذا الموضوع تحقيق الأهداف التالية:
1- أن تعرف المقصود بالحكم الشرعى لغة.
2- أن تدرك تعريف الحكم.
3- أن تعرف المقصود بالحكم الشرعي عند الأصوليين.
4- أن تدرك مفردات التعريف ويبين محترزات التعريف.
5- أن تعرف أقسام الحكم الشرعي الأصلية.
1 – أركان الحكم
قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50)، وقد بينت قبل ذلك أن أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية التي ينبني عليها العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.
أو هو: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، وقد بينت أن معرفة الحكم الشرعي هو الغاية من علم الفقه وأصوله، ولكن علم الأصول ينظر إليه من جهة وضع القواعد والمناهج الموصلة إليه، وعلم الفقه ينظر إليه باعتبار استنباطه واستخراجه، وذلك بتطبيق ما وضعه علم الأصول للتعرف عليه.
لذلك كان من المهم أن نبدأ بتعريف الحكم ثم بيان أقسامه ومتعلقاته.
وقبل ذلك يجب أن نمهد لذلك فنقول:
إن أي حكم من الأحكام يقتضي حاكما ومحكوما فيه يتعلق به هذا الحكم، ومحكوما عليه يقع عليه التكليف بهذا الحكم. وهذه هي أركان الحكم أو ملا بد للحكم منه.
وقبل الكلام عن الحكم الشرعي أود أن ألقي الضوء على كل ركن من هذه الأركان.
الركن الأول وهو الحاكم:
إن هناك آيات كثيرة تبين لنا أن الحاكم في الحقيقة هو الله، وأن الحكم مقصور عليه، فلا حاكم سواه من هذه الآيات (إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ)، (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنـزلَ اللَّه)، (أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، ومن ثم اتفق العلماء على أن الحاكم بمعنى منشئ الحكم ومصدره هو الله سبحانه وتعالى، فهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، ويمكن أن يثار هنا تساؤل وهو أن الحكم يجوز أن يكون مبنيا على الاجتهاد أو القياس المحتمل للخطأ، فكيف ينسب إلى الله تعالى؟!
ويجاب على ذلك: بأن الحاكم في المسألة الاجتهادية حقيقة هو الله سبحانه وتعالى، وهو يحكم بالصواب دائما وأبدا، وعلى ذلك فالحكم المنسوب إلى الله تعالى هو الحق الذي لا يحوم حوله الباطل، وأما ما وقع من الخطأ للمجتهد فليس حكما في الحقيقة بل هو حكم في الظاهر فقط والمجتهد معذور. وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم ثم اجتهد فأخطأ فله أجر واحد».
الركن الثاني: المحكوم فيه:
بعض العلماء يعبر بالمحكوم به، لكن التعبير بالمحكوم فيه أولى؛ لأن المحكوم به هو الوجوب والحرمة والمندوب والكراهة والإباحة، وأما فعل المكلف فهو المحكوم فيه، والذي جاءت الشريعة لتبين حكمه، فالتعبير بالمحكوم فيه يمنع الالتباس الذي قد يفيده التعبير بالمحكوم به من أنه هو الحكم نفسه؛ وعليه فإن المحكوم فيه: هو الفعل الذي تعلق به خطاب الشارع كالصيام والزكاة والصلاة والحج والبيع والزواج والطلاق ونحو ذلك.
شروط المحكوم فيه:
لكي يصح التكليف بالفعل لابد من شروط نوجزها فيما يلي:

1- أن يكون معلوما للمكلف أن التكليف صادر ممن له سلطان التكليف لكي يتصور قصد الامتثال والطاعة؛ لأن المكلف إذا علم بالفعل ولكنه لم يعلم أنه مأمور به من جهة الشارع وأتى بالفعل؛ فإن هذا الإتيان لا يعد امتثالا؛ لأن الامتثال لا بد فيه من النية.
2- أن يكون الفعل المأمور به معلوما للمكلف حتى يتسنى له القيام به على الوجه المطلوب منه؛ لأن من لا يعلم لا يتصور أن يطلب منه الإتيان بما لا يعلم.
3- أن يكون المأمور به أي الفعل المكلف به مقدور المكلف؛ لأن التكليف بغير المقدور يكون من قبيل التكليف بالمحال، والتكليف بالمحال لا يجوز على قول الجمهور.
4- أن يكون المحكوم فيه موجودا ومتحققا بحيث يدرك حسا وعقلا لأن خطاب الشارع لا يتعلق بما ليس له وجود.
5- أن يكون حاصلا بكسب المكلف، فلا يصح أمر زيد بكتابة عمرو، ولا يعترض على هذا بإلزام العاقلة دية خطأ؛ لأن ذلك من ربط الحكم بالسبب.
6- أن يتعلق به حكم شرعي سواء كان حكما تكليفيا أو حكما وضعيا؛ لأن المحكوم فيه يختلف باختلاف نوع الحكم.
الركن الثالث: «المحكوم عليه»:
تعريف المحكوم عليه:
هو من تعلق بفعله خطاب الله تعالى بالاقتضاء أو التخيير، وشروطه:
1- أن يكون عاقلا يفهم الخطاب؛ لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال وشرط القصد بالعلم بالعقود والفهم للتكليف.
2- أن يكون المكلف أهلا لما كلف به؛ أي صالحا لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات وألا يحول بينه وبين التكليف عارضا من عوارض الأهلية.
والمراد بعوارض الأهلية: هي الأحوال التي تطرأ على الإنسان فتنقص عقله كالعته. أو تفقده بعد كماله، كالجنون. أو تغيير بعض الأحكام بالنسبة لمن عرضت له من غير تأثير في أهليته، كالسفه والغفلة والدين.
وهذ العوارض تنقسم إلى قسمين: (عوارض سماوية – عوارض مكتسبة)
أولا: العوارض السماوية:
وهي التي تثبت من قبل صاحب الشرع بدون اختيار الإنسان، ولهذا نسبت إلى السماء؛ لأن ما لا اختيار للإنسان فيه ينسب إلى السماء على معنى أنه خارج عن قدرة الإنسان.
ومن أهم هذه العوارض السماوية:
الصغر- الجنون- العته- النسيان- النوم- الإغماء- الرق- الحيض والنفاس- الموت.
ثانيا: العوارض المكتسبة:
وهي ما كان للإنسان فيها كسب واختيار، وذلك بمباشرة العب للأسباب، وما بالتقاعد عن زيلها كالجهل.
والعوارض المكتسبة تتنوع إلى نوعين:
3- ما يكون من الإنسان على نفسه؛ أي من جهته، وذلك مثل: الجهل والسكر والهزل والسفه والسفر والخطأ.
4- ما يكون من غير الإنسان عليه، ويتمثل هذا النوع في الإكراه.
2- تعريف الحكم وبيان أقسامه الأصلية
تعريف الحكم:
الحكم في العرف: إسناد أمر إلى آخر بمعنى نسبته إليه بالإيجاب أو السلب.
والحكم في اللغة: القضاء، وأصله المنع، يقال: حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج منه، وحكمت بين الناس أي: فصلت بينهم، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرازل.
ومنه الحَكَمَةُ للحديدة التي في اللجام، وبمعنى الإحكام، ومنه الحكيم, صفة من صفاته سبحانه وتعالى.
ويقال: حكم الله، أي قضاؤه بأمر والمنع من مخالفته، وهذا المعنى موافق للحكم الشرعي، فإذا قيل حكم الله في المسألة الوجوب، فإن المراد من ذلك: أنه سبحانه قضى فيها بالوجوب ومنع المكلف من مخالفته.
تعريف الحكم اصطلاحا:
للحكم حقائق ثلاث:
1- حقيقة لغوية وهي:
إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، فيقال مثلا حكمي على طلاب الشريعة بأنهم ملتزمون، أي أسندت الالتزام إلى طلاب الشريعة.
2- حقيقة فقهية وهي:
أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرا أو وضعا. كالوجوب للصيام، فهو أثر لخطاب الشارع الوارد في قوله تعالى: (…كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ…) (البقرة: 183)
وكحرمة شرب الخمر، فهو أثر لخطاب الشارع، وهو قوله تعالى: (…إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ…) (المائدة:90)
3- حقيقة أصولية، وهي:
خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا.
والسبب في اختلاف تعريف الحكم عند الفقهاء والأصوليين؛ أن علماء الأصول نظروا إلى الحكم من ناحية مصدره، وهو الله تعالى، فالحكم صفة له، فقالوا: إن الحكم خطاب. والفقهاء نظروا إليه من ناحية متعلقه، وهو فعل المكلف، فقالوا: إن الحكم مدلول الخطاب وأثره.
مثال ذلك قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ…) (الإسراء: 78).
فباعتبار النظر إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى يسمى إيجابا، أي حكما عند الأصوليين، وبالنظر إلى ما تعلق به وهو فعل المكلف يسمى وجوبا، أي حكما عند الفقهاء، فهما متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار.
وبعبارة أوضح: إن الحكم عند الأصوليين هو نفس الخطاب «النص الشرعي»، أما عند الفقهاء، فهو الأثر المترتب على ذلك الخطاب.
فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) (البقرة:183) هو الحكم عند الأصوليين؛ لأنه خطاب الله تعالى، أما وجوب الصيام فهو الحكم الفقهي؛ لأنه الأثر المترتب على ذلك الخطاب.
ولكن، لما كان الخطاب وما ترتب عليه متلازمين لم يكن لاختلاف تعريف الحكم عند الأصوليين وعند الفقهاء أثر عملي اللهم إلا في التسمية فقط.
والذي يهمنا من هذه الاصطلاحات هو اصطلاح الأصوليين؛ لذا سأقتصر عليه وأتعرض له بالشرح والتحليل.
تعريف الحكم الشرعي عند الأصوليين:
لتعريف الحكم اصطلاحا، لابد من تقييده بالشرعي تفريقا له عن العقلي والعادي وغيرهما.
لذلك عرّف الأصوليون الحكم الشرعي بتعريفات كثيرة، أقتصر منها على تعريف الجمهور، ألا وهو:
«خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع».
شرح التعريف:
«الخطاب» معناه في اللغة: توجيه الكلام المفهم إلى الغير بحيث يسمعه ويدركه للاستفادة منه حالا أو مالا؛ لأنه مصدر خاطب يخاطب خطابا ومخاطبة إذا وجه الكلام إلى الغير على وجه يسمعه ويدركه، والمراد به هنا: ما خوب به المكلفون لا حقيقة الخطاب، وذلك على سبيل المجاز من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، وقد صار بعد الاطلاع عليه حقيقة عرضية.
و«الخطاب» جنس في التعريف فيكون شاملا لخطاب الله تعالى وخطاب غيره من الملائكة والإنس والجن.
وإضافة لفظ الجلالة إليه «قيد» أول يخرج به خطاب ما سواه، فلا يعد حكما عند الأصوليين.
والمراد بخطاب الله تعالى: كلامه الأزلي القديم المترتب ترتيبا لا تعاقب فيه ولا انقضاء، ولكن لما كان هذا الكلام خفيا على المكلفين لا اطلاع لهم عليه لأنه صفة من صفات الله تعالى؛ أقام الشارع ما يوصلهم إليه ويعرفهم به وهو: القرآن والسنة – وغيرهما من سائر الأدلة – مقامه، ولذا سميت بالأدلة؛ لأنها تدل الناس وتوصلهم إلى معرفة الأحكام الخفية عليهم.
فإن قيل: إن إضافة الخطاب إلى الله تعالى قيد يخرج الأحكام الثابتة بالسنة والإجماع والقياس وغير ذلك من الأدلة المختلف فيها؛ لأن هذه الأمور ليست كلاما لله تعالى وإنما هي فعل من أفعال البشر، وبذلك يكون التعريف خاصا بالأحكام الثابتة بالقرآن باعتبار أنه كلام الله تعالى اللفظي فيكون التعريف غير جامع.
أجيب: إن هذه الأدلة ليست مثبتة للحكم بذاتها المستقلة لحدوثها، وإنما هي أمارة عليه؛ لأن الكلام النفسي الأزلي لا اطلاع لنا عليه فجعل الله سبحانه وتعالى هذه الأدلة لتكون معرفات له، فتكون الأحكام الثابتة بها ثابتة بنفس خطاب الله تعالى، ولذلك فالسنة مثلا: جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
وكذلك الإجماع فلابد فيه أن يكون لكل مجتهد من المجمعين أن يستند إلى دليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك القياس، فمعروف فيه أنه كاشف للحكم ومظهر له وليس بمثبت له، ونما المثبت هو دليل الأصل سواء كان هذا الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
كما أن سائر الأدلة الشرعية- غير النصوص- ترجع عند التحقيق إلى النصوص، فهي في الحقيقة من الشارع ولكنه غير مباشر.
وعليه، فخطاب الله تعالى مراد به: خطاب الله تعالى أصالة أو بالتبع.
«المتعلق» أي: المرتبط، والمراد به: الذي من شأنه أن يتعلق بفعل المكلف على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوبا أو مخيرا فيه أو مجعولا سببا أو شرطا أو صحيحا أو فاسدا.
والمراد من «الارتباط» الدلالة على ما يدل عليه دلالة معنوية أي قبل التعبير عنه بالألفاظ.
وهذا التعلق قديم، ولذا كان تعلق الخطاب قديما -تعلقا معنويا- بأفعال المكلفين قبل وجودها، فإذا وجد المكلفون بعد البعثة مستجمعين لشرائط التكليف تعلق الحكم بأفعالهم؛ إذ لا حكم قبل البعثة على الراجح.
«بأفعال المكلفين»: الأفعال جمع فعل والمراد بفعل المكلف: كل ما يعده العرف فعلا وهو كل ما يصدر عن المكلف من قول أو فعل أو اعتقاد، وليس المراد به ما قابل القول والاعتقاد؛ لأن الحكم كما يتعلق بالأفعال كإيجاب الصيام والزكاة، يتعلق بالأقوال كتحريم الغيبة، ويتعلق كذلك بالاعتقاد: كالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه… وهكذا.
«والمكلفين» جمع مكلف وهو البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة وتأهل للخطاب، أي لم يوجد به مانع من تعلق الخطاب به كالغفلة والإكراه والنسيان.
ومعنى تعلق الخطاب بأفعال المكلفين: أي ارتباطه بفعل المكلف على وجه يبين منه صفة هذه الأفعال من حيث كونها مطلوبة أو غير مطلوبة.
مثال ذلك: إن الله تعالى أوجب الصيام في الأزل، وألزم المكلف به عند وجوده مستجمعا شروط التكليف، وجاء قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ليكشف للمكلفين عن هذا الإيجاب، فهذا الإيجاب الأزلي القديم هو الحكم، وهذا النص, الدليل الذي عرفنا ذلك الحكم.
وتقييد الخطاب بكونه متعلقا «بأفعال المكلفين» قيد يخرج به الخطابات الواردة من الله تعالى التى لا تتعلق بفعل المكلف مثل:
1- الخطاب المتعلق بذات الله تعالى، كقوله تعالى» (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) (آل عمران:18).
2- الخطاب المتعلق بصفة من صفات الله تعالى، كقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر:22).
3- الخطاب المتعلق بفعله تعالى، كقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (يس: 82)
4- الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ) (هود: 44)
5- الخطاب المتعلق بأفعال العباد دون طلب فعل بها أو ترك فعل، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: 96)
6- الخطابات المتعلقة بفعل غير المكلف كالصبي والمجنون وأمثالهما، وما ورد من الأحكام التي يتوهم تعلقها بفعل الصبي، فهي ليست متعلقة بالصبي وإنما هي متعلقة بالولي بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر»، كما أن وصف صلاته بالصحة إذا استجمعت شروطها وأركانها وكونه يثاب عليها؛ فهذا ليس من باب التكليف، وإنما هو من باب التأليف، أي: مأمورا بها لحكمة، وهي أن يعتادها فلا يتركها بعد بلوغه وكما هو معلوم أنه ليس من الضروري أن يكون الثواب في مقابلة عمل؛ فإن يثبنا الله تعالى فبمحض الفضل.
إذن مثل هذه الخطابات السابقة لا تعتبر حكما شرعيا لعدم تعلقها بفعل المكلف.
«بالاقتضاء»: الاقتضاء هو الطلب، والطلب قسمان: طلب فعل وطلب ترك، وكل منهما ينقسم إلى قسمين: جازم وغير جازم، أو كما يقول البعض محتم وغير محتم، فالأقسام حينئذ أربعة وهذا بيانها:
1- طلب الفعل المحتم وهو الإيجاب، كطلب الصيام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ).
2- طلب الفعل غير المحتم، وهو الندب، كالخطاب المتعلق بمكاتبة السيد لعبده المدلول عليه بقوله تعالى: (فَكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) (النور:33) وكذلك الخطاب المتعلق بالإشهاد على البيع المدلول عليه بقول تعالى (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (البقرة:282).
3- طلب الترك المحتم، وهو التحريم كالخطاب المتعلق بطلب الكف عن أكل أموال الناس ظلما المدلول عليه بقوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: 188).
طلب الترك غير المحتم وهو الكراهية كالخطاب المتعلق بطلب الكف عن بيع الإنسان على بيع أخيه المدلول عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه».
«أو التخيير»، والتخير معناه: التسوية بين الفعل والترك، ويسمى هذا بالإباحة.
كالخطاب المتعلق بإباحة الأكل والشرب حتى طلوع الفجر المدلول عليه بقول الله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) (البقرة: 187)، فخرج بالاقتضاء أو التخيير الخطاب المتعلق بفعل المكلف على جهة الخبر كقول الله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: 96)، فإن القيود وجدت فيه مع أنه ليس بحكم شرعي؛ لأنه ليس فيه طلب ولا تخيير، وإنما هو متعلق بذات المكلف وصفاته من حيث الخلق.
«أو الوضع»: الوضع معناه: أن يكون الشارع قد جعل الشئ سببا لشئ آخر أو شرطا له أو مانعا منه أو صحيحا أو فاسدا.
فمثال السببية: جعل الشارع السرقة سببا في وجوب قطع يد السارق والسارقة، في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) (المائدة: 38).
ومثال الشرطية: جعل الشارع الاستطاعة شرطا لإيجاب حج بيته في قوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (آل عمران: 97)
ومثال المانعية: جعل الشارع القتل مانعا من الإرث في قوله صلى الله عليه وسلم «ليس للقاتل ميراث».
ومثال الصحة: جعل النكاح صحيحا، أي تترتب عليه آثاره الشرعية إذا وجد مستوفيا لشروطه وأركانه.
ومثال الفساد: جعل النكاح فاسدا إذا لم يستوف أركانه وشروطه.
وفائدة ذكر كلمة أو الوضع في التعريف لإدخال أقسام خطاب الوضع من السببية والشرطية والمانعية والصحة والفساد، وذلك لأنها أحكام شرعية لم تثبت إلا عن طريق الشرع وليس فيها طلب ولا تخيير.
كما أن الحكم يتنوع إلى نوعين:
1- خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
2- خطاب الشارع المتعلق بجعل الشئ سببا لشئ أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا.
وعلى هذا فخطاب الشرع إما أن يكون متعلقا بالاقتضاء أو التخيير أو لا يكون، فإن كان متعلقا بأحدهما فهو الحكم التكليفي، وإن لم يكن متعلقا بواحد منهما، فهو الحكم الوضعي. أقسام الحكم الشرعي الأصلية:
من خلال النظر في تعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الاصوليين يتبين أنه ليس قسما واحا؛ وذلك لأن خطاب الشرع إما أن يتعلق بفعل المكلف على جهة الاقتضاء أو التخيير أو على جهة الوضع.
وقد اصطلح علماء الأصول على تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الاقتضاء أو التخيير بالحكم التكليفي وعلى تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الوضع بالحكم الوضعى.
وعلى ذلك فالحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين:
الأول: الحكم التكليفي، وهو: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
والثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشئ سببا لشئ آخر أو شرطا له أو مانعا منه أو صحيحا أو فاسدا.
ولما كانت معرفة الحكم الشرعي هي الغاية من علم الفقه وأصوله، ولكن علم الأصول ينظر إلى الحكم من جهة وضع القواعد والمناهج الموصلة إليه، وعلم الفقه ينظر إليه باعتبار استنباطه واستخراجه فعلا، وذلك بتطبيق ما وضعه علم الأصول.
إذا علمنا هذا فسيكون من المناسب أن أتعرض لأقسام الحكم الشرعي بشئ من التفصيل.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*