الأربعاء , 13 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » السيرة النبوية » الهجرة فكرة لا رحلة
الهجرة فكرة لا رحلة
الهجرة فكرة لا رحلة

الهجرة فكرة لا رحلة

فضيلة الشيخ / محمد الغزالى
إن الشيء الواحد قد يكون عملاً مضنيًا أو لعبًا مريحًا مسليًا،
فالمظهر والشكل لا يتغير، لكن الذي يتغير هو البواعث والجوهر والملابسات.
فصيد السمك رياضة مرحة يلهو بها بعض المترفين الناعمين،
بينما هو عند أناس آخرين حرفةٌ يرتزقون منها مع الكدح والمكابدة،
والرحلة من قُطر إلى قُطر قد تكون للتنعُّم والاسترواح،
وقد تكون مشيًا في مناكب الأرض لتحصيل علم،
أو جمع رزق، أو فرارًا من شر محظور إلى خير منظور.
وهكذا كانت الهجرة..
خطواتٌ يتحرك بها القلب المؤمن في الحياة؛
فتتحرك في ركابها الثقة الغالية والتضحية النبيلة،
إنها طريق الأبطال تزدحم بالفدائيين من حملة العقائد،
يتركون البلد الذي اضطُّهد دينُهم فيه ليلتمسوا في مهجرهم مأمنًا لعقيدتهم
ومتنفسًا لدينهم، ويقيموا فيه مجتمعًا يحتضن الشعائر والشرائع.
وفي الهجرة نفسها خرج رجل إلى المدينة من أجل عشيقة يهواها،
وشتَّان بين المهاجرين لعقيدتهم ودينهم وبين من يخطو خطوات الشهوة الصغيرة، تتحرك بصاحبها؛ فلا تفرق بينها وبين خطوات الدابة التي حملته،
ورُبَّ قاعد في بلده أشرف نفسًا من هذا المهاجر التافه.
ليست تخلُّصًا من فتنة بل لإقامة مجتمع آمن
والهجرة ليست تخلصًا من فتنة أو فرارًا من أذًى،
وإلا لم يكن هنالك مبرر للمكث ثلاثة عشر عامًا في هذا الجو الملبد بسحب الكفر والاضطهاد، إن الذي يبرر هذه المدة هو تمهيد المؤمنين بقيادة النبي- صلى الله عليه وسلم- لإقامة مجتمع جديد في بلد آمن ذهب إليه مصعب بن عمير ليستتبع الناس ويستقطبهم للإسلام.
ذلك أن إقامة الدين في مجتمع مكة أضحى دونه خرط القتاد؛ لما اتصف به من عناد وجبروت، فلم يكُ يصلح لهذا الفكر والدعوة ما زالت وليدةً غضةً طريةً، والمسلمون قلة مستضعفة، فلم يكن هنالك بدٌّ من التهيئة للدين في مكان آمن، عندئذ يقوَى المسلمون وتشب الدعوة.
الهجرة تطبيق لقانون السببية “
الأخذ بالأسباب في فكر الشيخ الغزالي دين،وهو معنًى يكرره الشيخ كثيرًا كلما عرض للحديث عن الهجرة أو للكلام عن تخلف المسلمين وتقدم غيرهم، لم يقل النبي- صلى الله عليه وسلم-: إننا أوذينا وأُخرِجنا من ديارنا؛ فعناية الله ينبغي أن تلاحقنا،وحماية الله يجب أن تحوطنا، ولا حرج في بعض التقصير فإن الله سيجبر الكسر ويسد النقص.. إلى آخر هذا الكلام، لم يقل النبي هذا،إنما استنفد كل وسيلة بشرية يمكن أن تؤخذ، فلم يترك ثغرةً، ولا أبقى في خطته مكانًا يكمله الذكاء والفطنة.
“ولا شك أن نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة هو أخطر كسبٍ حصل عليه منذ بدأت الدعوة، وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يُسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأن يبذل جهده في تحصينه ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة- بعد الهجرة إليها- نكوصًا عن تكاليف الحق، وعن نصرة الله ورسوله؛ فالحياة بها دين؛ لأن قيام الدين يعتمد على إعزازها”.
إن منطق الإسلام هو احترام قانون السببية؛
لأن الله تعالى لا ينصر المفرِّطين ولو كانوا مؤمنين، بل ينتقم من المقصرين المفرِّطين كما ينتقم من الظالمين المعتدين،
“وإذا تكاسلت عن أداء ما عليك وأنت قادر،فكيف ترجو من الله أن يساعدك وأنت لم تساعد نفسك”
كيف ينتظر المرء من الله أن يقدم له كل شيء وهو لم يقدم له شيئًا؟!

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*