السبت , 19 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » بيان القرآن لانحرافات المنافقين، وطرق الرّدّ عليهم
بيان القرآن لانحرافات المنافقين، وطرق الرّدّ عليهم
بيان القرآن لانحرافات المنافقين، وطرق الرّدّ عليهم

بيان القرآن لانحرافات المنافقين، وطرق الرّدّ عليهم

(القسم الثاني)
الاستاذ الدكتور
عبد الستار فتح الله سعيد
أستاذ التفسير وعلوم القرآن
بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقا)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ^ وعله آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. .
أولا: المجموعات القرآنية في شأن المنافقين: ( )
ونعني بهذا: طريقة القرآن الكريم في تناول المنافقين والمنافقات في آيات مجموعة متتابعة، تبلغ عشر آيات فصاعدًا في السياق الواحد من سورة بعينها، وقد تتعدد المجموعات في السورة الواحدة لإفادة معلومات جديدة في الموضوع، ولتغطية ما أراد الله تعالى من جوانبه المتعددة، ومن أغراضه المتنوعة.
وقد قدمنا الاستشهاد بالآية المفردة أو الآيتين، ونحوهما مما نزل في شأن المنافقين؛ ولكن النظر في الآيات المجموعة والتأمل في سياقها القرآني المعجز يعطي فيضًا من المعاني والدلالات القرآنية، يضاف إلى ما يعطيه النظر في الآيات المفردة، أي: أنه إعجاز فوق الإعجاز، أو بيان مضاعف الفوائد والإشارات؛ ليجلّي الموضوع الذي يتناوله من جميع أبعاده وزواياه؛ ليكون فرقانًا بين الحق والباطل، أو كما وصفه الله تعالى: ]هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[ خاصة في هذه القضية الخطيرة التي تتعلق بمصالح الناس ومصائرهم في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: كثرة هذه المجموعات في القرآن الكريم:
ولهذا ذكر الله تعالى هذه المجموعات كثيرًا في كتابه الكريم، وبثها في العديد من السور الكريمة: كسورة البقرة والنساء والتوبة والنور والأحزاب، بل أفردها في سورة مستقلة، وهي: سورة المنافقون. أما المجموعات التي دون العشر آيات فهي أكثر من ذلك عددًا. ونجد أمثلتها في سورة: البقرة أيضًا، وآل عمران، والمائدة، والتوبة أيضًا، والحديد. . . وغير ذلك من السور.
وستأتي أمثلة ذلك -إن شاء الله تعالى- مفصلةً في العناصر التالية.
ثالثًا: نماذج قرآنية لهذه المجموعات: ( )
وهي نماذج متعددة السور، متنوعة المعالجة والتناول للموضوع، شاملة للعهد المدني من أوله إلى آخره، وقد اخترناها من أربع سور حسب ترتيب النزول، ابتداء من سورة البقرة -وهي أول سورة نزلت بالمدينة المنورة بعد الهجرة- ثم سورة النساء -وهي سادس سورة نزلت بالمدينة على الراجح- ثم سورة المنافقون -وقد نزلت في أواسط العهد المدني، في أواخر السنة الخامسة من الهجرة- ثم انتهاء بسورة التوبة التي نزلت معظم آياتها المتعلقة بالمنافقين في السنة التاسعة من الهجرة، بمناسبة غزوة تبوك التي كانت في شهر رجب من هذا العام.
النموذج الأول:
قال الله -تبارك وتعالى: ]وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ $ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ $ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ $ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ $ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ $ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ $ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ $ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ $ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ $ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ $ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ $ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ $ يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ (البقرة:8-20) فهذه ثلاث عشرة آية نزلت في المنافقين، وقد نفت عنهم الإيمان صراحة رغم نطقهم به؛ لأنه خداع منهم وكذب، ولا يكون الإيمان أبدًا ممن في قلوبهم مرض الشك والتحير، والإنكار والاستكبار، بل ذلك يزيدهم مرضًا، ويدَّعون أنهم مصلحون، ويشهد الله أنهم مفسدون في كل شيء.
وينصحهم المؤمنون ليؤمنوا الإيمان الصحيح فيردوا بما جاء به القرآن على الوجه الذي قاله الله تعالى وفصله. وهم يكفرون بالله وباليوم الآخر معًا، وبالبعث والجزاء… وغير ذلك من أصول الإيمان بالله ورسوله، وبالقرآن والملائكة، وهذا هو الإيمان الذي دخل فيه سائر المسلمين والمؤمنين إيمانًا صحيحًا، حينئذ لما نصحهم المؤمنون بذلك رد المنافقون في استهتار عقيم واستكبار لئيم، مستنكرين أن يؤمنوا مثل عامة الناس؛ لأنهم في زعمهم سفهاء قليلوا العقل والفهم. وقد رد الله تعالى عليهم فقال: ]أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ[ أي: أنهم هم أهل الطيش وخفة العقل، وقلة الفهم ثم هم جهال يجادلون بالباطل، ولا يعلمون سوء حالهم، وهذا أفدح من مرضهم وأشنع من علتهم.
ثم كشف الله تعالى تلونهم بين الطوائف فقال: ]وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ[ فهم يدعون الإيمان كذبًا إذا لقوا النبي ^ أو المؤمنين، ثم إذا انفردوا بزعمائهم أو انفرد زعماؤهم بأساتذتهم من اليهود أظهروا حقيقة صدورهم بأنهم مع الكفر وأهله، وبأنهم يقولون ذلك للمؤمنين استهزاءً بهم فقط، وسخرية من سذاجتهم في تصور المنافقين الفاسد.
ومن الملاحظ: وصف القرآن لزعماء المنافقين ولزعماء اليهود بأنهم شياطين، والشيطان المتمرد من الإنس والجن، وهو مأخوذ من شطن: إذا بعد عن الحق والصواب، أو من شاط إذا احترق وهلك، وزعماؤهم جميعًا أخلق الناس بهذا الوصف بمعنييه؛ لبعدهم عن الحق والخير تمامًا؛ ولأنهم أولى الناس بالاحتراق والهلاك.
والآية الكريمة تفيد أن المنافقين يمثلون حركة كفر وخيانة معًا، وأن جمهورهم من الدهماء سفهاء ذوو خفة وطيش، وأن زعماءهم شياطين يتحالفون مع مثلهم من اليهود؛ لخداع المؤمنين ولطعن الإسلام وأهله في مقاتلهم، وهؤلاء وزعماؤهم شر من الكفار الذين ظلوا على كفرهم؛ لأن المنافقين واليهود عرفوا الحق وتبين لهم الهدى؛ فتركوا ذلك وأخذوا الضلالة؛ فخسروا وضلوا الطريق، كما قال تعالى: ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
ثم ضرب الله تعالى لهم مثلين: مثلًا ناريًّا، ومثلًا مائيًّا:
ضرب لهم مثلًا برجل استوقد نارًا عظيمة في ظلمات بهيمة، فأضاءت النار ما حولها، وانتفع بها الناس، إلا فريقًا سقط في قاع الظلمات، وتعطلت حواسهم فهم (صم بكم عمي فهم لا يرجعون)، وهم المنافقون واليهود.
ثم ضرب لهم مثلًا بمطر عظيم ينزل على أرض قاحلة، ويصاحبه ظلمات الجو ورعد وبرق، ومن خلال هذا ينتفع الناس بآثار المطر، إلا الذين عطلوا قلوبهم وعقولهم، وهم المنافقون وحلفاؤهم من اليهود.
فالإسلام نور يضيء الظلمات، وصيب نافع يحي الموات، وهم أعرضوا عن ذلك وكفروا به. فانتفع الناس وحرم هؤلاء أنفسهم من رحمة الله -عز وجل- ولنتدبر كم من وصف شنيع وصفهم الله به في هذه الآيات المعدودات، وكم من حكم صارم دمغهم به، وكم من تنديد ووعيد وتهديد لهم، وأي قدر من الحرمان والخسران جلبوه على أنفسهم بشؤم معصيتهم وكفرهم. نسأل الله -تبارك وتعالى- العافية ونعوذ به من الخذلان.
النموذج الثاني : من سورة النساء الآيات من 137 إلى 147
قال تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً $ بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً $ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً $ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً $ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً $ إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً $ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً $ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً $ إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً $ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً $ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً[، فهذه الآيات الكريمة من أجمع الآيات لبيان أحوال المنافقين، وتحديد الحكم عليهم عقيدةً ومآلًا، وتحذير المؤمنين من خطرهم الداهم، وتحذير المنافقين أنفسهم من التمادي في كفرهم، أو في موالاة الكفار. ثم تختم بفتح باب الأمل في رحمة الله -عز وجل- بشروط: إن تابوا وأصلحوا لينالوا رضوان الله تعالى، وليكونوا في معية المؤمنين في الدنيا والآخرة.
تبدأ الآيات الكريمة مصرحة بحكم المنافقين، وأنهم كفار، ارتكبوا كفرًا يخرج من ملة الإسلام، التي نطقوا كلمتها بألسنتهم، وأبت قلوبهم، والتي قالوها خداعًا وكذبًا كما مر في النموذج الأول، والمنافقون أصناف وأنواع متفاوتة، فمنهم الكافر الراسخ في كفره، مثل رؤسائهم أو شياطينهم من العرب واليهود، وهم أسلموا ظاهرًا ليعصموا أموالهم ودماءهم؛ وليستطيعوا الكيد للإسلام من داخل صفوف المسلمين مع استقرارهم على دين الجاهلية في قلوبهم، وإصرارهم عليه من أول الطريق إلى نهايته. وهؤلاء هم الذين حكم الله عليهم بالكفر الثابت المستقر كما قال تعالى: ]ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ[ (المنافقون:3)، ومثلهم أتباعهم المقربون الذين أطاعوهم طاعة عمياء، واستحبوا العمى على الهدى عن قصد واختيار.
أما جمهور المنافقين من الدهماء والغوغاء الذين لا مطمع لهم في الرياسات، فكان وصف الواحد منهم كما جاء في الأثر: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، ويصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره. ويتكفأ تكفؤ السفينة كلما هبت ريح هبت معها. هذا الأثر رواه ابن كثير في تفسير الآية رقم 9 من سورة البقرة. وإلى مثل هؤلاء تشير الآية الكريمة في سورة النساء، وتصف تقلبهم بين الإيمان والكفر، فإما أن يتداركهم الله تعالى برحمته فيتوبوا، أو يصروا على كفرهم كما قال تعالى: ]ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا[ فيكونوا مع الهالكين من عتاتهم؛ ولذلك جاءت الآية التالية ساخرة منهم جميعًا حين يقول الله تعالى: ]بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[ ثم استنكر الله -تبارك وتعالى- عليهم خصلة لازمة من لوازم نفاقهم الاعتقادي أو العملي، حين يتخذون أولياء من اليهود والمشركين؛ ليتقووا بهم على المؤمنين، وليتعززوا بهم في النوازل، ويقرر لهم أصلًا اعتقاديًّا من بدهيات الإيمان الصحيح، هو أن العزة لله جميعًا؛ لأنه الخالق المالك المدبر القوي الذي بيديه ملكوت كل شيء. وهم بمعزل عن هذه الحقائق الإيمانية العليا بنفاقهم؛ لذلك يبتغون العزة من غير مصدرها، وهم وأولياؤهم مخلوقات عاجزة مربوبة لله الواحد القهار.
وتؤكد الآيات التالية على المؤمنين ألا يتهاونوا في مخالطة المنافقين، بحكم القرابة أو لإسلامهم الظاهري، وقد نزل عليكم قاعدة ذلك في المشركين في مكة حين قال تعالى في سورة الأنعام: ]وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (الأنعام:68 ). وكذلك الحال في المدينة، حيث حلّ المنافقون واليهود محل المشركين في مكة، وهم أكثر خداعًا من المشركين الظاهرين؛ لذلك كان النهي حازمًا جازمًا حين قال تعالى في هذه المجموعة التي نفسرها: ]وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا. وهذه قاعدة تربوية عميقة المعاني والتأثير ليكون المسلم إيجابيًّا عمليًّا؛ لأن المسلم الصادق يترفع عن مجالس الإفك في الدنيا، ولا يحب أبدًا أن يكون مثل المنافقين واليهود في الدنيا ولا في الآخرة، حيث سيجمع الله تعالى المنافقين وأضرابهم من الكفار في عذاب جهنم -والعياذ بالله تعالى.
ثم حثت الآية التالية المؤمنين على الحذر الدائم من المنافقين حينما حذّرتهم من خصلة المنافقين الثابتة، وهي التربص بالمؤمنين وانتظار وقوع هزيمة لهم، أو التزلف النفعي للمؤمنين إن نصرهم الله تعالى، يقول الله تعالى: ]الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ الله قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ[ وهذا القول الأخير كَشْفٌ من الله تعالى لدخائل المنافقين الذين يعينون الكافرين من اليهود وغيرهم على المؤمنين.
وبعد بيان هذا التربص النفعي المجرد من الدين والأخلاق عددت الآيات الكريمة بعض صفاتهم الثابتة، ومنها:
أولاً: مخادعة الله تعالى في زعمهم.
ثانيًا: القيام إلى الصلاة للرياء والسمعة، أو في فتور وانقباض لعدم إيمانهم بالله وعبادته.
ثالثًا: قلة ذكر الله تعالى لأن قلوبهم وألسنتهم وعواطفهم معلقة بالماديات الفانية، والنفعيات الدنيوية العاجلة.
رابعًا: الذبذبة والتحير بين الفريقين المؤمنين والكافرين؛ لشدة شراهتهم في الانتفاع من أحد الفريقين؛ ولغلبة التردد والشك عليهم، قال تعالى: ]إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلًا $ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
ثم تتجه الآية الكريمة إلى المؤمنين الصادقين مرة أخرى؛ لتقرر لهم القاعدة الشرعية في تحريم اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين؛ لأن من يفعل ذلك فقد جعل لله تعالى الحجة المبينة؛ لتعذيبه وإهلاكه. وهذا شيء لا يفعله المؤمنون الصادقون لكن المراد تقرير القاعدة الشرعية ابتداء، ثم إلزام المنافقين بها؛ لأنهم ادعوا الإيمان وقالوا كلمة الإسلام، وإلا كانت لله الحجة البالغة في تعذيبهم، وياله من عذاب مر مدمر حين يوضعون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم ضلوا بعد علم، وكفروا بعد إسلامهم.
قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا $ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا[ وهذه أشد آيات في كتاب الله تعالى من حيث الجزاء المنتظر لفرق المشركين جميعًا، والجنة عالية عالية، وهي درجات بعضها فوق بعض في الإحسان -جعلنا الله تعالى من أهلها- ثم في الناحية الأخرى النار هاوية مظلمة وهي دركات لا درجات. وهي دركات بعضها تحت بعض في الذل والهوان -أعاذنا الله تعالى جميعًا منها- والمنافقون في الدرك الأسفل منها حيث لا نصير لهم ولا شفيع. قال تعالى: ]يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ[ (الانفطار:19) وهذا حكم إلهي صارم يخلع القلوب ويصدع الجبال؛ لذلك عقب الله تعالى على هذا بدعوة المنافقين إلى التوبة النصوح عن النفاق، وإلى إصلاح قلوبهم وواقع حياتهم، وإلى الاعتصام بالله والاستمساك به وحده؛ ليحفظهم وليعينهم على التوبة والإصلاح؛ فإنه لا يقدر على هذا إلا الله. ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
وكذلك دعاهم الله تعالى إلى إخلاص الدين والطاعة له وحده لا شريك له قال تعالى: ]إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِالله وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا $ مَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ الله شَاكِرًا عَلِيمًا[ إنهم إن فعلوا هذه الأربعة: التوبة والإصلاح والاعتصام بالله وإخلاص الدين لله؛ فإن الله تعالى يجازيهم بأن يكونوا مع المؤمنين، وهذه المعية منزلة عليا لا يفقهها المنافقون؛ لأنهم يستكبرون عن معية المؤمنين في الدنيا، بل يحتقرون المؤمنين إذا دعوا إلى هذه المعية، ويبتغون العزة والنصرة والصحبة من موالاة أعداء الله. ولا سبيل إلى معية المؤمنين الشاملة إلا إذا فعلوا هذه الأربعة، وبذلك يدخلون في معية المؤمنين: إيمانًا وأخلاقًا وجهادًا وولاءً خالصًا لله وللرسول في هذه الدنيا، وإلا سيمتد حرمانهم من معية المؤمنين في موقف الحشر والحساب ثم في دار الجزاء: الجنة.
المنافقون في مشهد أخروي:
ومن أجل ذلك قص الله تعالى على المؤمنين والمنافقين مشهدًا رهيبًا من مشاهد القيامة، يفصل فيه المنافقون عن المؤمنين، ويتركون يتخبطون في ظلماتهم بينما ينعم المؤمنون بنورهم ويبشرون بالخلود في جنات النعيم، وبالفوز العظيم، قال تعالى في سورة الحديد من الآية 12 إلى الآية 15: ]يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ $ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ $ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ $ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
فهذه الآية الكريمة عميقة الدلالة والصلة بما دعا الله تعالى إليه المنافقين من التوبة والإصلاح، واللجوء إلى الله وإخلاص الدين له وحده لا شريك له؛ ليتطهروا في الدنيا من فتنة النفاق؛ وليكونوا أهلًا للجزاء العظيم الذي وعد به إجمالًا في قوله: ]فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا[ ويا له من وعد جليل كريم، فلما استكبروا عن التوبة في الدنيا ورفضوا المعية الصادقة مع الرسول والمؤمنين في عهده ^ والتمسوا معية اليهود والمشركين من دون المؤمنين، وابتغوا العزة من غير الله المتفرد بالعزة، كان هذا المشهد في الآخرة حينما يسعى نور المؤمنين بين أيديهم، وبأيمانهم، وتبشرهم الملائكة بالجنة، ويتفردون عن المنافقين والمنافقات بهذا النور العظيم.
فيقول أهل النفاق للمؤمنين في موقف الحشر: ]انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ[ أي: انظروا إلينا بوجهكم لنستضيء بالنور الذي بين أيديكم، وفي هذا دعوة أيضًا إلى التمهل، من: الإنظار، وهي قراءة حمزة: “أَنْظِرُونَا” لأن المؤمنين يُمْضى بهم إلى الجنة مسرعين، والمنافقون يتخبطون في ظلامهم. ويقال لهم: ارجعوا وراءكم إلى الموقف فاطلبوا نورًا لأنفسكم؛ فيرجعون إلى الموقف، ويتميزون عن المؤمنين، فيضرب بين الفريقين بسور هائل باطنه فيه الرحمة؛ لأنه جهة الجنة، وظاهره من جهته العذاب؛ لأنه يلي النار؛ فيصرخ المنافقون والمنافقات وينادون المؤمنين: ألم نكن معكم في الدنيا حيث أظهرنا الإسلام، وصلينا، وغير ذلك من الأمور الظاهرة؟ فيقول المؤمنون: بلي، كنتم معنا في الظاهر، وكنتم علينا من حيث الباطن والحقيقة، ولم تستجيبوا لدعوة الله، ولا نصح الرسول. ولا مناشدات المؤمنين. وقد جمعت كلمات القرآن هذا كله فبينت خبائث المنافقين التي فعلوها في الدنيا، ويحصدون ثمارها وحنظلها في الآخرة.
يقول لهم المؤمنون: ولكنكم فتنتم أنفسكم، أي: أهلكتم أنفسكم بالكفر بعد الإيمان، وبالشك المريب، والحيرة والتردد والمخالفة للدين وإتباع الشهوات، وتربصتم -أي: أخرتم التوبة التي دعيتم إليها، أو تربصتم بالحق وأهله- وانتظرتم أن تدور الدائرة على المؤمنين، وانتظرتم موت النبي ^ فينفض المسلمون، وينتهي الإسلام من الأرض -هذا كان ظن المنافقين في الدنيا.
ثم قال لهم الله –تعالى-: ]وَارْتَبْتُمْ[ الريب: الشك المهلك، والمعنى: شككتم في صدق الرسول والدين كله، أو شككتم في البعث ودار الجزاء.
]وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ[ أي: خدعتكم الأوهام والأكاذيب التي اخترعتموها، كالطمع في هزيمة الإسلام والقضاء النهائي عليه وعلى أهله، وكالأمل الكاذب في النصرة بأعداء الله على المؤمنين من اليهود والمشركين والروم والفرس وغيرهم، وكالتخيلات الفارغة في تحقيق فرقة داخلية تهدم صفوف المسلمين بأيديهم هم، وتقوض المجتمع الإسلامي من داخله، وظللتم على هذه الأوهام حتى جاء أمر الله بالموت، ففاتكم أوان التوبة، أو جاء أمر الله بالنصر الشامل؛ فطاشت آمالكم. ومع ذلك بقيتم على نفاقكم وضلالكم.
]وَغَرَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ[ أي: زين لكم الشيطان أن الله لا يعذبكم؛ لأنه غفور رحيم، والله تعالى كذلك وزيادة؛ ولكنه يعذب الفاسقين والكافرين إذا ماتوا على غير التوبة، ولذلك قال قتادة: مازالوا على خدعة الشيطان حتى قذفهم الله في النار. وقال الراغب: الغرور: كل ما يغر الإنسان من: مال وجاه وشهوة وشيطان. وقد فسر بالشيطان إذ هو أخبث الغاوين. وفسر بالدنيا: لما قيل: الدنيا تغر وتضر وتمر.
ويختم الله تعالى هذا المشهد المرعب بقوله الحاسم:
]فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[ أي: لا ينجيكم من عذاب الله شيء ولو كان ملء الأرض ذهبًا فلا يقبل منكم مثل الكفار تمامًا؛ لأن المنافقين كفروا في الباطن، وكادوا للمسلمين من داخلهم، فكانوا أشد أذى من الكفار،لذلك يجمع الله الصنفين في النار كما قال تعالى: ]إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[ بل حكم الله أن النار مرجعهم جميعًا وهي أولى بهم من غيرها من الأماكن؛ لأنها أعدت لهم، بل سيكون المنافقون في الدرك الأسفل منها.
ومن أعجب العجب أن يسمع المنافقون هذا الحق يتلى عليهم في الصلوات وفي خطب الجمعة، وفي مواعظ النبي ^ والمؤمنين ثم يصرون مستكبرين؛ كأنهم لم يسمعوا ولم يفهموا، ومع أن القرآن الكريم كرر لهم هذه المعاني مرارًا بشتى الأساليب. كما سنرى في النماذج التالية -إن شاء الله- ومع أن القصد من زجرهم وتأنيبهم والتنديد بهم وقص مشاهد القيامة عليهم أن يتوبوا، ويعودوا إلى الحق وينقذوا أنفسهم من عذاب الدنيا والآخرة؛ لأن هذا أحب إلى الله الرحمن الرحيم وأرضى له -سبحانه وتعالى- وما أجل الله وما أعظم كلماته حين يقول لهم: ]مَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ الله شَاكِرًا عَلِيمًا. أي: يقابل شكركم له بشكره لكم، بأن يقبل منكم العمل اليسير وبأن يثيبكم عليه جزاء دائمًا لا ينفد ولا ينقطع، فما أعظم شكره لعباده، وهو الغني عنهم، وما أقل شكر الناس له سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يكافئ نعمة واحدة من نعم الله علينا، ونحن الفقراء إليه في كل حين.
النموذج الثالث من الآيات المجموعة: سورة المنافقون
وكلها، من الآية 1 إلى الآية 11 تقريبًا، في هؤلاء المنافقين أو تتعلق بهم قال تعالى: ]إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ $ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ $ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ[ والسورة الكريمة تتميز بخصوصية الاسم، وهي مجموعة جامعة تتناول المنافقين من جهات شتى؛ فتكشف أسرارهم المظلمة وبواطنهم الضالة، وتصفهم بأغلظ الصفات في عقائدهم وأخلاقهم، وسائر مواقفهم وأعمالهم، فإذا نطقوا كذبوا في قولهم، وإذا حلفوا حنثوا في أيمانهم وكفروا بعد إيمانهم، وبلغت بهم الصفاقة حد الخداع المزعج مع الرسول ^ ذاته حين يقسمون له أنهم يشهدون له بالرسالة، والله يشهد إنهم لكاذبون في هذه الشهادة من حيث الباطن والاعتقاد، لا من حيث الواقع الذي تؤيده المعجزات، وكفى بالقرآن الذي يتلى عليهم ويفضح أسرارهم، وهم يحترفون الأيمان الكاذبة؛ ليصدوا عن دين الله تعالى وعن هديه بسبب كفرهم الذي جلب عليهم موت القلوب، وطبعها بطابع النفاق والشقاق وسوء الأخلاق، فلم تعد قابلة للفهم الصحيح ونعوذ بالله من الضلال والخذلان.
وتعرض السورة الكريمة ألوانًا من تناقضهم من حيث: جمال الظاهر وبراعة المنطق، ثم انطماس الفهم عن الله ورسوله، حتى كأنهم أجسام خشبية مسنودة بدعامات حتى لا تسقط على جنوبها، ثم هم من الشك والريبة في أنفسهم يخافون من كل حركة حولهم، ويحسبون كل صيحة تصدر من غيرهم هي تحذير منهم، أو فضح لسرائرهم، ثم يحكم الله تعالى عليهم حكمًا قاصمًا حينما وصفهم بأنهم هم العدو. أي: أنهم أعداء بالغو العداوة، وقد تهون أمام عداوتهم أحقاد الكفار الظاهرين، ولذلك أمر الله -سبحانه وتعالى- رسوله ^ بالحذر منهم فقال: ]فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّه[ مع أنهم مسلمون في الظاهر.
ويحلفون بالله على إيمانهم برسالته ^ وهذا الستار الظاهري الذي يخادعون به هو عين البلاء؛ لأن من خلاله يتسللون إلى كل منكر كالثعبان الناعم الملمس، من انخدع به ذاق الآلام والحتوف في لدغه، والسورة طويلة وتحمل معاني جمة كثيرة لا يتسع الوقت لعرضها جميعًا فمن أراد أن يتتبعها فليرجع إلى التفاسير المعتمدة فقد بين العلماء كل ذلك بوضوح وجلاء.
النموذج الرابع من الآيات المجموعة:
وهو أطول وأشمل النماذج جميعًا وهو في سورة التوبة، ويمثل نحو من ثمانين آية من هذه السورة شملت كل أحوال المنافقين في أواخر العهد المدني، وخاصة موقفهم من غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، ومعظم هذه الآيات في سورة التوبة تمثل مجموعات طويلة، وهي تبدأ من الآية الحادية والأربعين من السورة، إلى آخرها -وهي الآية 129- لا يتخلل ذلك إلا بضع آيات في غير المنافقين مثل آية الصدقات، وبعض صفات المؤمنين، ومواقفهم النبيلة من الجهاد في سبيل الله، وهي في معظمها -يعني: سورة التوبة- ذات صلة وثيقة بحث المنافقين على التوبة والجهاد، وتقديم النموذج الإيماني لهم دعوة أو زجرًا وتبكيتًا للمنافقين والمنافقات؛ وسيأتي أمثلة كثيرة من هذه السورة في المحاضرة التالية إن شاء الله تعالى:
رابعًا: رفض المنافقين التحاكم إلى شريعة الله وردود القرآن عليهم: ( )
لقد رفض المنافقون التحاكم إلى شريعة الله، وهذه قضية من أخطر وأعظم القضايا التي استفاض فيها القرآن الكريم، وقد تمرد عليها المنافقون اعتقادًا وتطبيقًا، وتولى الله -تبارك وتعالى- الرد عليهم في كتابه الكريم تأصيلًا وتفصيلًا؛ ليكون ذلك تأسيسًا لحكمه تعالى في هذه القضية، حكمًا له صفة الدوام وله صفة الامتداد، تعليمًا للمسلمين إلى يوم القيامة، وردًّا على أمثال المنافقين فيما يستقبل من الزمان، لما علمه تعالى من منازعات الناس حولها في كل العصور. ولذلك ينبغي ابتداء الانتباه إلى أن ردود القرآن على المنافقين القدماء ليست ذات طبيعة مرحلية خاصة، وإنما هي ردود اعتقاد وامتداد تقتضي استمرار الحكم وعمومه وشموله، والعبرة كما قال العلماء: بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ونعني بشريعة الله: معناها العام الشامل. أي: كل حكم أنزله الله تعالى على رسوله تكليفًا للعباد. ابتداء من الإيمان والعقائد العليا، ثم الأخلاق والفضائل، وانتهاء بالعبادات، والمعاملات، وما يلحق بها من أحكام الحدود والقصاص ونحو ذلك، قال تعالى: ]ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا[ (الجاثية:18)، وهذه آية مكية تسمي ما نزل من الدين يومئذ باسم الشريعة وقال تعالى: ]لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً[ (المائدة:48)، وهي آية مدنية بعد نزول الأحكام التفصيلية في العبادات والمعاملات.
وقد جعل الله التشريع حقًّا مطلقًا له سبحانه، وصفة يختص بها وحده، وألزم كل من يؤمن بالله أن يسلم وجهه لله الواحد القهار، وأن يقبل حكمه وشرعه، وهذا معنى تسمية الدين باسم: الإسلام، فمن دخل الإسلام وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ وجب عليه بعقد الإيمان أن يلتزم بأحكام الله تعالى، وهذا أمر بدهي ملزم لكل مسلم بمقتضى عقد الإيمان، ونصوص القرآن.
ولما دخل المنافقون الإسلام ظاهرًا كان ذلك لمنافع أرادوها لا بسبب إيمانهم بالله تعالى، أو بسبب تسليمهم بهذه البديهية الإيمانية؛ لذلك كانت قضية الحكم بشرعة الله والتحاكم إليها معضلة ثقيلة على المنافقين والمنافقات؛ لأنهم كفار في الحقيقة، ولا يؤمنون بالله إيمانًا صحيحًا، ولا بالرسول ^ ولا بالقرآن الذي نزل بهذه التقريرات، فكيف يلتزمون بالشريعة؟ والأصل لديهم معدوم أو مهدوم أو فيه خلل خطير عندهم.
وقد كانت هذه القضية من أسباب شقاقهم وخلافهم؛ لأن فيها أحكامًا كثيرة ظاهرة تقتضي التطبيق؛ ولأن فيها أحكامًا كثيرة وقتية أو يومية أو أسبوعية مثل: صلاة الجمعة مثلًا، ونحو ذلك تقتضي الالتزام. ولما كان عقدهم الإيماني مهدومًا منقوضًا ثقلت عليهم التكاليف، وكثرت منهم المخالفات، واندلعت بينهم وبين المؤمنين الخلافات، وكان ذلك من أبرز العلامات التي تكشف نفاقهم، وتباعد بينهم وبين المجتمع الذي يعيشون فيه بأجسادهم بينما بواطنهم وأرواحهم تهيم في الظلمات.
ومن هنا استفاض القرآن في متابعة هذه القضية الكبرى، من جهة الأصول التي تقوم عليها وهي الجوانب الإيمانية الاعتقادية، أو من جهة التفصيلات التي خالفوها، أو الأحكام المخصوصة التي رفضوا تحكيم الشريعة فيها؛ لأنها تقوم على الحق والعدل، وهم لا يريدون ذلك بسبب علتهم الخفية: النفاق ومرض القلوب، أو بسبب النفعية الأنانية البغيضة، التي يقدمونها على حكم الله. وإن يكن لهم الحق أذعنوا للشريعة بسبب مصلحتهم، لا بسبب عقيدتهم.
ولقد كان اليهود هم أسوأ مثل في التاريخ الديني كله -نقول عن اليهود ليس عن المنافقين؛ لأن اليهود هم أساتذة المنافقين- وقد كان اليهود هم أسوأ مثل في التاريخ الديني كله، حيث قالوا لأنبيائهم كلمتهم النكراء: (سمعنا وعصينا). كما قال الله في كتابه مرات. والمنافقون حلفاء اليهود أئمة النفاق من قديم؛ لذلك كانوا مثلهم تمامًا في هذا الجانب كما سنرى في النصوص القرآنية الجليلة.
قال تعالى آمرًا وشارعًا ومنظمًا حياة المسلمين على أساس العدل والرد إلى شريعته سبحانه عند التنازع، قال تعالى: ]إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ[ (النساء:58)، ثم يقول سبحانه عقب ذلك: ]فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ[ ولما كان المنافقون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إيمانًا صحيحًا -كما قال الله في كتابه مرات عديدة- كان المتوقع أن يخالفوا هذا، ويتمردوا على كل ما يخالف أهواءهم من حيث المبدأ، ومن حيث العموم، حتى ولو كانت الآيات قد نزلت بسبب خاص، ردًّا على تصرف منافق بعينه، أو جماعة محدودة من المنافقين.
ولذلك نجد الآيات الكريمة تأتي بصيغة الجمع العام، وتندد بكافة المنافقين في قوة بالغة وحسم شديد. قال الله -عز وجل- في كتابه الكريم في سورة النساء: ]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا[ (النساء:60)، والاستفهام هنا للإنكار، والزعم بمعنى: الكذب، وهذا تكذيب للمنافقين في دعواهم الإيمان. وبيان للسبب الأصلي في تخبطهم وعقدهم العزم في التحاكم إلى الطاغوت، وهو: كل متجاوز الحد في الطغيان حيث يتصدى للحكم بين الناس بهواه أو بأعراف الجاهلية، وبترك حكم الله المنزل في واقعة ما، وهذا لا يحل للمؤمنين أن يتحاكموا إليه ابتداء بموجب إيمانهم، فكيف وقد أمروا أن يكفروا به؟ وهذا تكليف إضافي يوجب عليهم ألا يتحاكموا إليه.
ولكن المنافقين يخالفون هذا كله؛ لعدم إيمانهم ابتداء، ولغرامهم بمخالفة شرائع الله انتهاء، ثم لهيمنة الشيطان عليهم، أضلهم إضلالًا لا حدود له، ولا نهاية ينتهي إليها -كما صرحت بذلك الآية التالية مباشرة: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا[ (النساء:61)، أي: يعرضون عنك إعراضًا متعمدًا مؤكدًا، ويقاومون كل دعوة تدعوهم إلى التحاكم إلى ما أنزل الله -عز وجل- على رسوله الأمين ^.
ثم تشير الآيات إلى عادة المنافقين الراسخة في اتخاذ الأيمان الباطلة وسيلة للاعتذار، ولتبرير مواقفهم الفاسدة، قال تعالى: ]فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِالله إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا[ (النساء:62)، أي: أنهم يحلفون كذبًا ما أردنا بترك التحاكم إلى الشريعة إلا الإحسان والتوفيق بين اليهود والمسلمين، وهذا غاية في قلب الحقائق، واعتذار عن السيئات بأسوأ منها، وهو كما قيل: عذر أقبح من ذنب. فإن رفض التحاكم إلى الشريعة ذنب عظيم، وكفر مبين؛ ولكن الاعتذار عنه يمثل سلسلة من الكبائر، فهم كاذبون في الاعتذار، ويحلفون على الكذب أيمانًا باطلة، ثم هم يسمون الشر بغير اسمه خداعًا ثم يخادعون بذلك الرسول ^ وهم يعلمون أن الله تعالى سيكشف له كذبهم وبهتانهم، فأي جرأة على الباطل يمثلها هؤلاء الضالون؟.
ولذلك عقب الله تعالى على قولهم هذا بقوله: ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا[ أي: أن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم من الكفر والاستهزاء بحكم الله ورسوله، ويقول لرسوله: فلا تشغل نفسك بلغوهم، وانصحهم أن يتوبوا، وقل لهم قولًا بليغًا حاسمًا عن أنفسهم، وعن حقيقة أمرهم، وأنك تعرف تمامًا أباطيلهم، وأنك لا تنخدع بهم بعد ما علمك الله تعالى أسرارهم؛ فعسى أن تؤثر فيهم هذه المكاشفة الحادة؛ ليصلحوا أنفسهم قبل فوات الأوان.
ثم بين الله تعالى لهم وللناس جميعًا أصلًا من أصول دينه في كل العصور، وهو أن كل رسول يجب أن يطاع بإذن الله، وأن اعتذارات المنافقين الفارغة لا تغني شيئًا إلا بشرطين:
الأول: أن يأتي المنافقون إلى الرسول ^ مستغفرين الله من ذنوبهم مستشفعين باستغفار الرسول لهم، وليس كما يفعلون من الكذب، والحلف الباطل، وقلب الحقائق.
الثاني: أن تحكيم الرسول فيما يقع بينهم من خلاف ليحكم فيه بشرع الله هو شرط للإيمان، ولا يكفي هذا التحاكم الظاهر، بل لا بد أن يكون القلب والنية متواطئين عليه، وأن يسلم له المتحاكمون تسليمًا تامًّا كما هو شأن الإيمان الصحيح قال تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً $ فَلا وَرَبِّكَ[ هذا هو القسم المخيف ]فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء:64- 65).
يقول ابن كثير -رحمه الله- عند تفسير الآية الكريمة: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول ^ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد إليه ظاهرًا وباطنًا، ويجب التسليم له تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. انتهي كلام ابن كثير.
وهذا حكم ينطبق على كل مسلم وليس مخصوصًا بالمنافقين، فإن المسلم المخلص قد تعرض له مصلحة شخصية، فيقدم هواه على حكم الشريعة والرسول الله ^ فيدخل حينئذ في حكم القسم الإلهي الجليل، ويقع في عداد مَنْ نفي عنهم الإيمان حتى يفيء إلى أمر الله -عز وجل- وإلى حكم رسوله.
وفي روايات عديدة ثبت أن الآية الكريمة: ]فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ[ نزلت في مسلم صالح من الأنصار اختلف مع الزبير بن العوام في شراج الحرة، حول سقيا زرع كلّ منهما. والكلام مفصل في التفاسير، نقلا عن رواية البخاري وغيره، فالآية الكريمة عامة في إلزام كل مسلم بهذا الحكم القطعي، تذكيرًا للمؤمنين، وإنذارًا وتحذيرًا للمنافقين الذين ادعوا الإسلام؛ لأن قبول الشريعة وحكم الرسول ^ من موجبات الإيمان، ومن بدهيات الإسلام.
وقد أكد القرآن الكريم هذا الحكم وما يتعلق به في سور شتى، وبأساليب متنوعة، منها قوله تعالى، في سورة النور من الآية 47 إلى54: ]وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِالله وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ[ نفي الإيمان عنهم ]وَإِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ $ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ $ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ $ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ[ والآيات الكريمة تتحدث عن قضية جماعية وليست فردية، حيث شاع في المنافقين عند الخصومات أن يرفضوا التحاكم إلى الله ورسوله إذا كانت دعواهم باطلة، وأن يسارعوا إلى ذلك إذا كانت دعواهم صحيحة.
وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدُعِي إلي النبي ^ وهو محق، أذعن؛ لعلمه أن النبي ^ يقضي له بالحق. وإذا أراد أن يظلم فدُعِي إلى النبي ^، أعرض، وقال: انطلق بنا إلى فلان، يعني من اليهود أو من الكهان حكام الجاهلية أو من غيرهم. وقد نفي الله تعالى الإيمان عن فاعل هذا وأمثاله فقال: ]وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
خامسًا: اليهود أصل النفاق والتمرد على شريعة الله: ( )
وقد تناول القرآن الكريم قضية تحكيم الشريعة الإلهية، بتفصيل أوسع مدى من المنافقين، وبين أن اليهود هم أئمة النفاق والتمرد على شريعة الله تعالى من قديم؛ حتى صاروا مَثَلَ السوء في التاريخ كله، وقالوا كلمتهم النكراء التي لم تقلها أمة بمثل هذا القدر من السفاهة: إذ قالوا لأنبيائهم: (سمعنا وعصينا)، رغم الميثاق الذي أخذه الله عليهم، ورغم جبل الطور الذي رفعه فوق رءوسهم تهديدًا ووعيدًا، قال تعالى: ]وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (البقرة:93).
هذه الأخلاق الفاجرة توارثتها أجيال اليهود؛ حتى كان يهود المدينة على هذه الشاكلة قولًا وفعلًا وكفرًا وعصيانًا؛ لتماثل النفسيات وتشابه القلوب الصماء، كما قال تعالى: ]وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا الله أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ[ (البقرة:118)، ولذلك كان القرآن الكريم يخاطب هؤلاء الأخلاف وهم يهود المدينة، بذنوب الأسلاف الذين قالوها قبلهم منذ أكثر من ألف سنة كأنهم هم فعلتها وجناتها، رغم تباعد الزمان والمكان بين الأحفاد والأجداد.
وهذه الأخلاق الفاجرة بعينها هي التي تشربها المنافقون في المدينة من أصدقائهم وحلفائهم اليهود، وكان هؤلاء اليهود في المدينة وما حولها إلى خيبر، وكان بين زعماء الطائفتين صلات وثيقة من المودة والصداقة والولاء، والتعاون على الإثم والعدوان حتى سمى الله أساتذتهم من اليهود بالشياطين، في قوله تعالى: ]وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ[ (البقرة:14)، وبين -سبحانه وتعالى- ما بين الطائفتين من أخوة في الضلال فقال تعالى: ]أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (الحشر:11).
والخلاصة: أن المنافقين تشبهوا باليهود في مساوئهم، من الإصرار على الكذب والخداع والحلف الكاذب بأغلظ الأيمان الباطلة، والجرأة على الله تعالى وكتابه ورسوله، وإبطان الكفر وإظهار الإيمان خداعًا واستهزاء، وقد كان من اليهود من يفعل ذلك كما قال تعالى عنهم: ]وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَالله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ[ (المائدة:61)، قال ابن كثير: وهذه صفة المنافقين منهم -يعني: من اليهود- أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية علي الكفر.
ولهذا قال تعالى: ]وَقَدْ دَخَلُوا[ أي: عندك يا محمد ]بِالْكُفْرِ[ أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما سمعوا منك من العلم، ولما كانت اليهود أكثر الناس مخالفة لشرائع الله وتمردًا عليها، كان المنافقون على شاكلتهم حذو النعل بالنعل. ولذلك ندد الله بالمنافقين واليهود جميعًا، حين تناول قضية التشريع، والحكم بما أنزل الله والتحاكم إليه فقال تعالى في الآيات المتتابعة من سورة المائدة: ]يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ (المائدة:41).
يقول ابن كثير -رحمه الله: نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله -عز وجل: ]مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ[ وهؤلاء هم المنافقون ]وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا[ أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم ]سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ[ أي: مستجيبون له منفعلون به، ]سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ[ أي: يستجيبون لقوم آخرين لم يأتوا مجلسك يا محمد، ولعل المقصود بهم زعماء اليهود والمنافقين الذين يتآمرون بالسوء على الإسلام، والذين وصفهم الله تعالى بالشياطين في قوله الكريم: ]وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ.
وقد بين الله تعالى في هذه الآيات الكريمات أنه أنزل كتبه وشرائعه هدى ونورًا ليحكم بها الناس، وليتحاكموا إليها، وأن التلاعب بهذا الحق الإلهي يوقع أصحابه في واحدة من ظلمات ثلاث:
أولاً: إما الكفر: قال تعالى: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ
ثانيًا: أو الظلم: قال تعالى: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ
الثالثة: الفسق: قال تعالى: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ
فهذه الآيات 44 و45 و47 من سورة المائدة هي حكم من الله صريح على ذلك.
ثم يقول ربنا بالنسبة لمحمد ^: ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (المائدة:48)، ثم عاد في الآية التي بعدها وأكد هذا الأمر وهذا النهي محذرًا رسوله من المنافقين فقال: ]وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ[ ثم استنكر الله -عز وجل- كل حكم أو تحاكم إلى غير شريعته في كل أمة من العرب والعجم، وأهل الكتاب وغيرهم، وسماه -تحقيرًا أو تنفيرًا: حكم الجاهلية، فقال تعالى، في الآية الخمسين من سورة المائدة: ]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
وعقَّب على ذلك بالنهي الجازم عن موالاة اليهود والنصارى فقال تعالى: ]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ $ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[ لأن الميل إليهم يجر صاحبه إلى تقليدهم في عقائدهم الباطلة، وأهوائهم الفاسدة، وتمردهم على شرع الله تعالى. وهذا واقع مجرب تصدّقه الحوادث والوقائع، لذلك ندد الله ببعض المنافقين المخالفين فقال تعالى، بعد هذه الآية مباشرة: ]فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم.. نسأل الله تعالى العفو والعافية.
والسلام عليكم ورحمة الله.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*