الخميس , 19 يناير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » بيان القرآن لانحرافات النصارى، وطرق الرد عليهم
بيان القرآن لانحرافات النصارى، وطرق الرد عليهم
بيان القرآن لانحرافات النصارى، وطرق الرد عليهم

بيان القرآن لانحرافات النصارى، وطرق الرد عليهم

الاستاذ الدكتور
عبد الستار فتح الله سعيد
أستاذ التفسير وعلوم القرآن
بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقا)

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين،
أما بعد:
1- تعريف النصارى، وورود اللفظ في القرآن الكريم: ( )
أولاً: تعريف النصارى:
في الأصل النصارى اسم لطائفة من اليهود آمنوا بعيسى ابن مريم -عليه السلام- وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وصار هذا الاسم تمييزًا لهم عن بقية اليهود الذين كفروا بعيسى -عليه السلام- ثم توسع في الاسم فأطلق على كل من انتسب إلى دين عيسى ابن مريم ولو من غير بني إسرائيل؛ ولذلك قال الراغب -رحمه الله: “وقيل سموا بذلك لقوله تعالى: ]قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله[ (الصف:14) وقيل: سموا بذلك انتسابًا إلى قرية يقال لها: نصرانة، فيقال: نصرانيّ، وجمعه نصارى”.
وقال صاحب (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ) الشيخ أحمد بن يوسف الشهير بالسمين الحلبي قال: “قيل: هم جمع نصران نحو: ندمان وندامى، المؤنثة نصرانة، وهم منسوبون إلى ناصرة، قيل: هي قرية، وقيل: هم منسوبون إلى قرية يقال لها: نصران، وهذا أقيس في النسب من كونها ناصرة”.
ثانيًا: ورود اللفظ في القرآن الكريم
وقد أورد القرآن الكريم هذا اللفظ -النصارى- مُعَرّفًا ومُنَكّرًا خمس عشرة مرة كلها في سورة البقرة والمائدة إلا واحدة في سورة آل عمران، وواحدة في سورة التوبة، وأُخرى في سورة الحج، ومعظم هذه الآيات أو كلها يُقرن فيها اليهود مع النصارى على سبيل الخبر أو الذم أو المدح الذي جاء في آية واحدة لبعض النصارى فقط، قال تعالى: ]مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرَانِيًّا ولَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا[ (آل عمران:67) يلاحظ اقتران اليهود والنصارى، وقال تعالى: ]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[، (البقرة:20) وقال -عز وجل: ]وَقَالَتِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ[ (المائدة:18) وقال سبحانه: ]وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله[ (التوبة:30).
أما الآية التي مدحت بعض النصارى الذين عرفوا الحق وشهدوا به، فهي قوله تعالى في سورة المائدة: ]لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْبَانًا وأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ[ (المائدة:82).
ولقد تحدث القرآن الكريم في العهدين المكي والمدني طويلًا عن النصارى بغير هذا اللفظ تحت عنوان أهل الكتاب، أو حين تحدث في القصص عن عيسى -عليه السلام- وأمه الصديقة، أو في ردود القرآن الكريم لبيان ضلالهم وشركهم حين اتخذوا عيسى وأمه إلهين من دون الله، وغير ذلك مما سنبينه فيما يأتي -إن شاء الله تعالى.
2- الإسلام دين الله على ألسنة كل الرسل ثم تحريف أهل الكتاب( )
ثالثًا: دين أهل الكتاب هو الإسلام:
وقد نشأ اليهود على دين الإسلام الذي جاءهم به موسى وهارون وسائر أنبيائهم -عليهم السلام- وكذلك النصارى جاءهم عيسى -عليه السلام- بالإسلام والتوحيد، والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد وقع التحريف والانحراف من الطائفتين في دين الله، وقع ذلك بعد أنبيائهم -عليهم السلام- الذين كانوا على الإسلام الصريح دعوة وتطبيقًا، قال تعالى على سبيل الإجمال الكلي الشامل: ]إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ[ (آل عمران:19) والمعنى: أن الدين المرضي المقبول عند الله هو الإسلام، وما عليه أهل الكتاب هو ضلالٌ خالفوا به العلم الصحيح الذي أخذوه عن أنبيائهم؛ ولذلك فهو مردودٌ عليهم كما قال تعالى: ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[ (آل عمران:85).
أما على سبيل التفصيل المقترن باسم الله تعالى وأسماء رسله في كل العصور: فقد استفاض القرآن الكريم بالتصريح بأن دين الله هو الإسلام باسمه هذا على لسان كل رسول، ويكفي ما ورد على ألسنة أعلام الرسل مثل: إبراهيم -عليه السلام- وهو الجد الأعلى لبني إسرائيل والعرب معًا، قوله تعالى: ]إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[ (البقرة: 131).
أيضًا قوله تعالى عن إسحاق وعن إسماعيل ابني إبراهيم -عليه السلام- قال تعالى: ]وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ (البقرة: 132).
أيضًا يعقوب هو جد بني إسرائيل يقول تعالى عنه: ]أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَقَ إِلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[ (البقرة: 133).
وموسى -عليه السلام- جاء على لسانه هذا، قال تعالى: ]وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ[ (يونس: 84).
وأيضًا في سليمان جاء هذا، فقد تكرر ذكر الإسلام في قصته مع ملكه سبأ أربع مرات، منها دعوة صريحة لها ولقومها: ]إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ $ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ[ (النمل: 30، 31) وهذا كثيرٌ في القرآن؛ ولذلك يتضح لنا من هذا أنه لا يوجد دين يسمى اليهودية أو النصرانية، إنما هما اسمان أو لقبان لأتباع موسى وعيسى -عليهما السلام- وأن دين الطائفتين أصلًا هو الإسلام؛ ولذلك استنكر الله تعالى على أهل الكتاب جعل هذين اللقبين دينًا يُدعى إليه، قال تعالى: ]وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ومَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[ (البقرة: 135) وقال تعالى: ]مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرَانِيًّا ولَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ومَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[ (آل عمران: 67) فالآية الكريمة على وجازتها تثبت دينًا واحدًا هو الإسلام، وتنفي عن معنى الديانة هذين اللقبين الطائفيين، وتنفي دين الكفر القائم على الشرك سواء عند اليهود أو النصارى أو العرب الذين خاطبهم القرآن الكريم، أو في أي أمة قديمًا وحديثًا.
3- بعثة عيسى -عليه السلام- وموقف اليهود ثم النصارى منه( )
رابعًا: بعثه عيسى -عليه السلام- وموقف اليهود ثم والنصارى منه:
لقد جاهد الرسل -عليهم السلام- جهادًا طويلًا مريرًا طوال التاريخ كله ليعبّدوا الناس لربهم -جل وعلا- وليثبتوا قواعد التوحيد وعبادة الله في الأرض، وقد كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، وجاهد رسلهم جهادًا عظيمًا حتى أقاموا الدين بين الناس، ولكن بني إسرائيل طوال تاريخهم كانوا أمثولة الدهر في العصيان والطغيان، ومشاقة المرسلين حتى عبدوا العجل، وقالوا عزيرٌ ابن الله، وواجهوا رسلهم بأقبح خطابٍ في التاريخ كله حين قالوا لهم: ]سَمِعْنَا وعَصَيْنَا[ (النساء:46) فلما بُعِثَ آخر أنبيائهم عيسى -عليه السلام- وكان رسولًا كريمًا من أولي العزم، وأنزل الله عليه كتابه الكريم الإنجيل، لما نزل عليه الإنجيل وبُعِثَ عيسى كذبه اليهود، وقالوا فيه وفي أمه قولًا خطيرًا، وبهتانًا عظيمًا، وحاولوا قتله كعادتهم مع كل رسول، كما قال تعالى: ]لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ[ (المائدة: 70) ولقد جاء عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة، ومحاولاً إصلاح فساد اليهود ومنع إفسادهم، فاتبعه فريق من المؤمنين وثبتوا معه مخلصين حتى رفعه الله، وتسلل اليهود وهم أئمة التحريف والتزييف فأفسدوا دين الحق الذي جاء به عيسى -عليه السلام- وصار الناس في ذلك فريقين يصطرعان:
أولاً: فريق غلا في بغض عيسى -عليه السلام- فقالوا فيه كل إفك، ورموه بكل نقيصة، وسعوا في تدمير دعوته وآثاره.
ثانيًا: فريق غلا في حب عيسى -عليه السلام- حتى رفعوه فوق البشر، وزعم بعضهم أنه هو الله، وزعم آخرون أنه ابن الله، وزعم غيرهم أنه ثالث ثلاثة، واشتد في ذلك الجدل، وضاعت الحقيقة البينة التي جاء بها عيسى -عليه السلام- وحُرِّفَتْ الأناجيل لتجعل التوحيد شركًا، ولتجعل الرسول ربًّا، ولتجعل النهاية قتلًا وصلبًا، والصليب وثنًا معبودًا مع الله تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
وكانت هذه أعظم كذبة في تاريخ النبوات جميعًا، وازداد هذا الإفك بمرور الوقت ولدادة الجدل، وعماية القلوب تأصيلًا وانتشارًا، خاصة بعد أن دخل الرومان وغيرهم في هذا الضلال المنسوب إلى المسيح -عليه السلام- كذبًا وزورًا واتباعًا للأهواء والجهالات.
وقد أصاب القرآن الكريم غاية الإيجاز والإعجاز حين سمى أصحاب هذا الإفك بالضالين، وقال لهم: ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ[ (المائدة: 77) فلما بُعِثَ محمدٌ ^ بعد عيسى -عليه السلام- بستة قرون كان الباطل قد تأسس، والإفك قد تأصل، والحق قد اندثر، والنصارى قد صاروا كثرة كاثرة في الأرض، يعتزون غاية الاعتزاز بالانتساب إلى المسيح عيسى -عليه السلام- باعتباره ربًّا وإلهًا معبودًا، فزادوا أعداد المشركين في الأرض، وصاروا فتنة للناس وللمشركين خاصة باعتبارهم الملة الآخرة، والتي لها كتابٌ مقدسٌ أنزل من عند الله، ولها رسول مبعوث من الله مؤيد بالمعجزات، كما جاء على ألسنة المشركين في مكة لما حاجوا النبي ^ حين جاءهم بالتوحيد الخالص، فأنكروا عليه ذلك بأشد الإنكار، وقالوا: ]مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ[ (ص:7) يعني: النصرانية.
4- موقف القرآن المكي من النصارى وانحرافاتهم: ( )
خامسًا: موقف القرآن المكي من النصارى وانحرافاتهم:
معلومٌ أن هذا الباطل النصراني كان يحيط بالعرب باعتباره دين الدولة الرومانية الشرقية التي تحتل الشام، وتؤثر في كثيرٍ من العرب الغساسنة، وغيرهم ممن اعتنق النصرانية في شمال الجزيرة، وكذلك كان نصارى نجران في الجنوب يشكلون قوة وعددًا، عدا ما تسرب إلى كثيرٍ من الأفراد بحكم تأثير نصارى الشام، وبعض التجار والصناع في الحجاز؛ لذلك أكثر القرآن المكي من الحديث عن المسيح وأمه، ورسالته الصحيحة وما دخل عليها من ألوان الشرك والوثنية والانحراف والتزييف الذي أبعدها عن دين الله تعالى، وعن رسالات الرسل جميعًا، وعن ملة إبراهيم الحنيف المسلم عليهم الصلاة والسلام جميعًا.
ولم يكن هناك احتكاك كثيرٌ أو تعامل واسع بين المسلمين الأوائل وبين النصارى، ولكن القرآن الكريم أخذ زمام المبادأة لبيان الحقائق، ولتصحيح الدين وإحقاق الحق، ولدحض الباطل تقريرًا للتوحيد الخالص، وتعليمًا للناس، وإزهاقًا للباطل الذي غشي الأرض وأضل العباد والبلاد، ويتلخص ذلك الموقف القرآني في الأمور الآتية:
أولا: بيان الحق في شأن عيسى وأمه -عليهما السلام- وأشهر مثالٍ لذلك هو سورة مريم التي نزلت في وقتٍ مبكرٍ من البعثة النبوية، وفي أوائل العهد المكي، وقد قرأها جعفر بن أبي طالب على النجاشي ملك الحبشة بعد الهجرة الأولى التي كانت في السنة الخامسة من البعثة الشريفة، والسورة الكريمة تقرر في مطلعها قدرة الله تعالى الشاملة في الأشياء والأحياء، وأنه تعالى بشّر زكريا -عليه السلام- بغلامٍ اسمه يحيى عقب تضرعه لله لطلب الولد مع كبر سنه وعقم زوجته، ولما تعجب زكريا من ذلك قال الله تعالى له: ]قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا[ (مريم:9) وكذلك كان، وحدثت هذه الآية البالغة، ولم يدّع أحدٌ أن يحيى –عليه السلام- الذي وُلِد بهذه الآية البينة هو إله أو شبه إله، بل هو رسولٌ كريمٌ بإجماع البشر في عهده وبعده.
ثم قصت السورة الكريمة ما حدث لمريم أم عيسى من خارقة مماثلة لما حدث لأختها أم يحيى أو خالتها على ما قيل في ذلك، قال تعالى: ]وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا $ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا $ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا $ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا[ (مريم:16 – 19) وقد تعجبت مريم من ذلك كما فعل زكريا، وكان جوابها شبيهًا بما قيل له كما قال تعالى: ]قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أَكُنْ بَغِيًّا $ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ورَحْمَةً مِنَّا وكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا $ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا[ (مريم: 20- 22) أي نفخ جبريل -عليه السلام- في جيب درعها فحملته، ثم وضعته كسائر البشر، ثم أتت به قومها تحمله وهي في كربٍ عظيمٍ من اتهامات الناس لها، فأُمرت أن تصوم ولا تتكلم، ولما سألها قومها عن هذه الجناية في نظرهم، فكان ما قال الله تعالى: ]فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا $ قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِي الْكِتَابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا $ وجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا $ وبَرًّا بِوَالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا $ والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ ولِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا[ (مريم: 2933 -).
كل هذا في سورة مريم، وهذه آية أُخرى أن يتكلم هذا الرضيع بهذا الكلام الجليل الذي يؤكد فيه على أنه عبد الله وليس هو ابن الله أو هو الله، وأنه نبيٌّ يوحى إليه، وأنه أُمر بتكاليف الشريعة من صلاة لله، وزكاة لوجهه وحده، وبرٍّ بوالدته الطاهرة، وتواضع للناس، وأنه يكون كسائر البشر يموت ويُبعث حيًا، وتختم القصة بهذه الكلمات الحاسمة: ]ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ $ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ ولَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ $ وَإِنَّ الله رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ[ (مريم:34 – 36) والمعنى: هذه هي الحقيقة المؤكدة في شأن عيسى وأمه التي وقع فيها الخلاف الشديد والمراء والافتراء؛ حتى زُعِمَ أنه إله، أو أنه ابن الإله، أو غير ذلك من الأكاذيب.
ثانيًا: بيان الحقيقة في شأن الإله الحق واستحالة الولد له: وهذه قضية أساسية من قضايا الوحي الإلهي في كل العصور، وقد أكدها الله تعالى في القرآن تأكيدًا جازمًا حاسمًا بشتى الصيغ والأساليب، ومن ذلك:
أولاً: سورة الإخلاص: ]قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ $ الله الصَّمَدُ $ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ $ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[ فالسورة الكريمة تثبت لله -عز وجل- الأحدية، ولفظ أحد إذا استُعمل مطلقًا وصفًا لا يكون إلا في وصف الله -عز وجل- ولذلك فهو أوفى وأكمل من لفظ الواحد، وقال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد في صفاته تعالى: أن الأحد بني لنفي ما يُذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد، تقول ما آتاني من أحد، وجاءني منهم واحد، والأحد بُني على انقطاع النظير وعدم المثل، أي أن وصف الله تعالى بالأحدية يقطع بأنه تعالى لا يقع التعدد في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكل عددٍ يضاف إلى أحديته فهو معدومٌ وباطلٌ أيًّا كان ذات هذا المضاف أو صفاته، أما الواحد فهو يفيد الوحدة لعدم وجود النظير والمثل فقط، وقوله تعالى: ]لَمْ يَلِدْ[ أي لم يولد له ولد؛ لأن ذلك يقتضي أن تكون له زوجة وصاحبة من جنسه، وهذا مناقضٌ للأحدية، ومناقضٌ للصمدانية؛ لأن الصمد هو الذي يحتاج إليه غيره ولا يحتاج هو إلى شيء، وهو هنا محتاجٌ للزوجة لتلد له؛ ولذلك أبطل الله -تبارك وتعالى- ذلك صراحة؛ فقال تعالى: ]أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ[ (الأنعام:101) وأيضًا لو كان له ولدٌ، لكان من جنسه ويحمل صفاته، وهذا أيضًا مناقضٌ للأمرين جميعًا.
ومن المهم هنا ملاحظة إيقاع النفي على لفظ الولد وليس الابن، إذ بذلك يُسقط القرآن دعاوى المشركين جميعًا من العرب الذين كانوا ينسبون إلى الله تعالى البنات وزعموا أن الملائكة بنات الله، كما قال تعالى ردًا عليهم في آيات كثيرة: ]أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وهُمْ شَاهِدُونَ $ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ $ ولَدَ الله وإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ $ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ[ (الصافات: 153-150).
وأيضًا أسقط بلفظ (الولد المنفي) دعاوى اليهود والنصارى وغيرهم ممن زعموا أن لله ولدًا من البنين كالعزير والمسيح أو غيرهما؛ لأن الولد في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو بمعنى المولود، وهو فَعَلٌ بمعنى مفعول، ويُطلق على الذكر والأنثى والواحد وغيره، كما جاء في كتاب (معجم ألفاظ القرآن) وغيره من الكتب التي بحثت في هذا.
ثانيا: قد استفاض القرآن الكريم في نفي الولد بكل معانية تأكيدًا لتفرده -سبحانه وتعالى- ولتنزه عن الصاحبة والولد الذي يلزم من وجودهما تعدد الآلهة، قال تعالى: ]مَا اتَّخَذَ الله مِنْ ولَدٍ ومَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ[ (المؤمنون:91) وقال تعالى: ]لَوْ أَرَادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[ (الزمر: 4) وقال: ]وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ $ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ $ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ومَا خَلْفَهُمْ ولا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ $ ومَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ[ (الأنبياء:26-29).
وفي صدر سورة الكهف يوجه الله تعالى لهؤلاء المفترين انذارًا بالغًا، قال تعالى: ]وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ الله ولَدًا $ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ولا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا[ (الكهف: 4، 5).
ومن المفيد هنا التنبيه على ما يأتي:
أ- أن الآيات الكريمة السابقة تبطل نسبة الولد بنوعيه إلى الله تعالى وكذلك الصاحبة.
ب- أن الآيات الكريمة تبطل تعدد الآلهة مع الله تعالى، بكل معانيها أيضًا سواء كانت ولدًا ذكرًا و كما فعل اليهود والنصارى مقلدين الكفار قبلهم، كما قال تعالى في سورة التوبة المدنية بعد ذلك قال: ]وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ[ (التوبة:30).
وسواء كانت ولدًا أنثى كما كانت تزعم العرب بالنسبة للملائكة.
أو كانت الآلهة التي أبطلها الله غير ذلك من الأحجار والأبقار والأشجار والأقمار.
جـ- أن سورة مريم كانت حجة قاطعة في إبطال مزاعم النصارى إبطالًا شاملًا، باعتبار أن مريم هي امرأة معلومة من بني إسرائيل، وولدت غلامًا بشرًا سويًا يأكل ويشرب وينام وغير ذلك من الأعراض البشرية المحضة، وهو نفسه حين تكلم في المهد صرح بأنه عبد الله، وأنه رسوله، وأن أمه امرأة من البشر تحتاج إلى برِّ الابن بها مثل كافة البشر.
مصدر الفتنة بالولادة العجيبة:
ولقد كان مصدر الفتنة في أمر عيسى -عليه الصلاة والسلام- أنه وُلِدَ من غير أب على هذه الهيئة الخارقة للعادة، فغلا اليهود في الكفر به، والطعن فيه وفي أمه ورميها بالزنى، ورميه بالكذب والسحر إلى آخر ما قالوا في هذا الضلال، وغلا فيه النصارى فرفعوه فوق مرتبة الرسالة والنبوة وزعموه إلهًا أو ابن الإله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا؛ ولذلك دأب القرآن مرارًا في العهد المكي ذاته على بيان هذه القضية، وأنها ترجع إلى قدرة الله الشاملة المتكررة في تاريخ بني إسرائيل وآبائهم، ومن ذلك:
1- ما قصه الله تعالى في صدر سورة مريم عن زكريا الشيخ الكبير وامرأته العاقر، وكيف وهبهما الله غلامًا زكيًّا هو يحيى بن زكريا، وهو ابن خالة عيسى ومعاصرٌ له -عليهم السلام جميعًا.
2- في سورة الأنبياء المكية يتكرر هذا فيعرض القرآن قصة زكريا وزوجه باختصار، ويعقبه بذكر مريم وابنها -عليهم السلام أجمعين- ويقول تعالى: ]رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ $ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ووَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ[ (الأنبياء: من الآيتين: 89، 90) ثم يقول تعالى: ]وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وجَعَلْنَاهَا وابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ[ (الأنبياء: 91).
3- بل قص الله تعالى في القرآن المكي قصة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وزوجه العجوز العقيم، وكيف حملت على الكبر، وكان منها إسحاق ثم منه يعقوب -عليهما السلام- وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه، وكانت هذه القصة معلومة متواترة في بني إسرائيل إلى عهد زكريا ويحيى ومريم وعيسى -عليهم السلام- قال تعالى عن قصة الملائكة الذين جاءوا إبراهيم بالبشرى، فقدم لهم طعامًا وهو لا يعرفهم، قال تعالى: ]فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ $ وامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ ومِنْ ورَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ $ قَالَتْ يَا ويْلَتَا أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ[ (هود: 70- 72).
ويعود القرآن فيؤكد ذلك في سورة الذاريات، وهي من أواخر العهد المكي نزولًا إيذانًا بأن الله تعالى يريد التذكير الدائم بهذه الحجة تدليلًا على قدرته الشاملة، وردًّا وردعًا لمن زعموا ألوهية المسيح ابن مريم محتجين كذبًا بأن حمله وولادته العجيبة هي دليل ذلك، قال تعالى: ]فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ $ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَهَا وقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ $ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ[ (الذاريات: 28- 30).
4- إذا أضيف إلى ذلك حديث القرآن المتكرر في العهد المكي عن تفصيل خلق آدم وحواء خلقًا ابتدائيًّا، وهي حقائق معلومة عند أهل الكتاب، ومذكورة في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم، ومع ذلك لم يدّع أحد أن أيًّا من هذه المخلوقات العجيبة هو إله من دون الله أو معه -سبحانه وتعالى- لأن أيًّا منهم ليس له صفات الإله الواحد المنزّه عن الولادة ]لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ[، والمنزّه عن الحاجة إلى الغير، والقادر على الخلق والإيجاد بقدرته الذاتية المطلقة، والمتصف بالحياة الدائمة، وكل هؤلاء الذين يتعجب من خلقهم ومن ولادتهم، بمعزلٍ عن هذا كله في شأن الألوهية.
أبلغ الاستنكار على نسبة الولد للرحمن:
لذلك عقب الله تعالى قصة خلق عيسى -عليه السلام- بأبلغ استنكار على من ادّعى أنه ابن الله، أو زعم أن الله تعالى يجوز أن يتخذ ولدًا من حيث المبدأ، قال تعالى: ]ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ $ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ ولَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ (مريم: 34، 35) وقد ختم الله تعالى السورة الكريمة بأشد تنديد، وأحدّ استنكار في أساليب القرآن المكي كله كما قال تعالى: ]وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا $ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا[ يعني: شيئًا ثقيلًا باطلًا ]لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا $ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا $ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا $ ومَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا $ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا $ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا $ وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا[ (مريم: 88- 95).
والآيات الكريمة استنكارٌ بالغٌ على من زعم أن لله تعالى ولدًا من اليهود والنصارى، ومشركي العرب ومن قبلهم من الأمم، وتقريرٌ بأن هذا الزعم أمرٌ خطيرٌ منكرٌ بالغٌ أقصى درجة الشناعة والفظاعة؛ لأن (الإدّ) هو الداهية والأمر الفظيع، أو كما قال الراغب -رحمه الله تعالى: ]إِدًّا[ أي: أمرًا منكرًا يقع فيه جَلَبه، من قولهم: أدّت الناقة تئدُّ أي: رجعت حنينها ترجيعًا شديدًا، وهذه كلمة قرآنية فريدة لم تأت في القرآن كله إلا في هذا المقام؛ لأنها أنسب وصف لهذا الادّعاء الفاجر الذي يكاد الكون كله يتشقق ويتصدع منه، بل تكاد الجبال الصخرية الهائلة أن تسقط وتتهدم منه، ولها دوي هائل حين تنفصم أجزاؤها الصلبة بعضها عن بعض إجلالًا للواحد الأحد، وتعظيمًا له -سبحانه وتعالى- وتغيظًا من افتراء المشركين؛ لأنها مخلوقاتٌ مؤسساتٌ على توحيده -سبحانه وتعالى- وأنه لا شريك له ولا ولد ولا صاحبة، ولم يكن له كفوًا أحد من خلقه وعبيده -جل شأنه سبحانه وتعالى.
ويروي المفسرون هنا أثرًا عجيبًا خلاصته كما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن كثير: أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة الفظيعة أي قولهم: ]اتَّخَذَ الله ولَدًا[ فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض، وشاك الشجر يعني: أخرج شوكًا.
5- موقف القرآن المدني من النصارى وعقائدهم المنحرفة: ( )
سادسًا: موقف القرآن المدني من النصارى، وعقائدهم المنحرفة:
لقد كان القرآن الكريم يتنزل ليقرر ابتداءً المبادئ والقواعد والأصول، وليبين للناس الحق من ربهم، وليدحض الباطل الذي ادّعاه المشركون عامة وأهل الكتاب منهم خاصة، وكان هذا القرآن الكريم يُتلى على الناس ويسمعه بعض نصارى العرب أو الروم المخالطين لهم، ولم يكن موجهًا في المقام الأول لمحاورتهم، أو لإقامة الحجة عليهم من حيث هم فرقٌ تواجهه، أو طوائف ومذاهب تجادله، ولما هاجر النبي ^ وأقام دولة الإسلام في المدينة، وأصبح المسلمون يمثلون قوة جعلت الأبصار والأسماع تتجه إليهم من كل جانب خوفًا على أديناهم ومذاهبهم أحيانًا، أو خوفًا على مصالحهم المادية أو القبلية ونحوهما من جانب آخر، في هذه المرحلة احتدم الجدل الديني والاعتقادي بين المسلمين وغيرهم من الطوائف خاصة اليهود في المدينة وخيبر، والنصارى في جنوب الجزيرة العربية وشمالها المتأثرين بالروم ودولتهم الكبرى ذات النفوذ السياسي والاقتصادي، وذات المذهب النصراني بفرقه المتعددة، ومن هنا تنزل القرآن الكريم ليواجه واقعًا جديدًا، وليحاور أو يجادل طوائف بذاتها، أو وفودًا بعينها تجادل عن دينها، وتثير الشكوك والشبهات حول ما جاء به القرآن والرسول ^.
ومن هنا كان القرآن الكريم أكثر تفصيلًا وتحديدًا وبيانًا للأحكام، وردًا للشبهات والأكاذيب، وإقامةً للأدلة الحاسمة على أهل الكتاب، وإلزامًا لهم بما في كتبهم، وبما جاء عن رسلهم في شأن محمد ^ وصدق رسالته ووجوب اتّباعه، وفي هذه المرحلة التي تستوجب التخصيص بعد التعميم، والتفصيل بعد الإجمال كان القرآن يتحدث عن النصارى تحت عنوان: أهل الكتاب أحيانًا وبلفظ النصارى بذاته، أو يتحدث عن عيسى أو المسيح باعتباره عبدًا صالحًا ورسولًا كريمًا يدعو للتوحيد ويحذر من الشرك، أو يتنزل القرآن مخاطبًا فرقهم فيرد عليهم عقائدهم الباطلة.
وقد لاحظت أن لفظ (النصارى) معرّفًا ومنكّرًا قد ورد في القرآن الكريم (خمس عشرة) مرة كلها في السور المدنية، وهي بالتحديد سور (البقرة، وآل عمران، والمائدة، والتوبة، والحج) على القول بأنها مدنية كما رجحه الجمهور، وقد ورد فيها هذا اللفظ مرة واحدة، ولاحظت أن اسم عيسى -عليه السلام- قد ورد في القرآن (خمسًا وعشرين) مرة كلها مدنية إلا أربع مرات فقط في أربع سور مكية هي: الأنعام، ومريم، والشورى، والزخرف، وأن اسم مريم مقترن بعيسى أو غير مقترن ورد في القرآن الكريم أربعًا وثلاثين مرة كلها مدنية إلا خمس مرات مكية منها ثلاثة في سورة مريم، ومرة واحدة في سورة المؤمنون، ومرة في سورة الزخرف، أما وصف ولقب المسيح فقد ورد في القرآن إحدى وعشرين مرة كلها مدنية بلا استثناء، وهذه شواهد وقرائن واضحة تدل أن القرآن المدني قد استفاض في هذا الجانب أضعافًا مضاعفة عمّا نزل من القرآن الكريم قبل ذلك في مكة المكرمة.
سابعًا: تفصيلات ومواقف:
أولاً: وفد نجران النصراني وجدالهم بالباطل، ونزول القرآن فيهم، وهم وفدٌ كبيرٌ ربما كانوا ستين راكبًا أو نحو ذلك قدموا على النبي ^ في المدينة، وكان على رأسهم أميرهم العاقب، وأسقفهم أبو حارثة بن علقمة، وكان رجلًا من العرب قد تنصّر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمون من صلابته في دينهم، وكانت دعوة عيسى -عليه الصلاة والسلام- قد حُرفت تحريفًا هائلًا بعد رفع عيسى -عليه السلام- واستطاع اليهود أن يردوها وثنية طامسة، ثم دخل الروم في النصرانية المحرفة فزادوها ضلالًا وخبالًا وخلافًا، وعُقدت لذلك مجامع لتحسم الخلافات فأسفرت عن تأصيل الكفر والوثنية، وكان أولها مجمع نقيا 325 ميلادية، وقد قرر هذا المجمع ألوهية المسيح، ولعن وأدان من يقول بغير ذلك، ثم عُقد مجمع القسطنطينية الأول سنة 381 ميلادية، وقد قرر هذا المجمع بعد الجدال الطويل والخلاف المشتعل بين الفرق النصرانية قرر أن روح القدس إله، ثم احتدم الجدال والشقاق مرة أخرى فعقد مجمع أفسس الأول سنة 431 ميلادية، وقرر أن مريم ولدت إلها له طبيعتان إلهية وإنسانية، وبعده مباشرة عقد مجمع أفسس الثاني ليحسم الخلاف فزاد الخلاف خلافًا، وقرر أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت، وهكذا توالت المجامع المقدسة بزعمهم تأصل الدين المسيحي فيما يقولون، وتغرق نفسها والناس معها في متاهات فلسفية لا شواطئ لها، ولا زمام ولا خطام لها، وصدق الله العظيم حين قال لهم: ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ[ (المائدة: 77).
وهذا ما حدث تمامًا لدولة الروم، إذْ اندلعت الفرق المتضاربة المتناقضة، وصارت كل فرقة تجادل عن ضلالها جدالًا طويلًا عقيمًا، وقد صدّرت المجامع المقدسة بزعمهم هذه الأضاليل إلى سائر النصارى في أرجاء الإمبراطورية المترامية الأطراف، وكان من هؤلاء وفد نجران الذي جاء يجادل الرسول ^ بما تعلموه من هذه الضلالات المتناقضة، يقول ابن إسحاق في سيرته ما خلاصته: “فكلم رسول الله ^ أبو حارثة بن علقمة أسقفهم، وعبد المسيح أميرهم، والسيد الأيهم عالمهم، وكانوا على دين ملك الروم مع اختلاف أمرهم، يقولون عن عيسى تارة هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله: “أسلما” قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: “كذبتما، يمنعكم من الإسلام ادّعائكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير” قالا: يا محمد، فمن أبوه -مَنْ أبو عيسى-؟ فأنزل الله في ذلك عن قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضعٍ وثمانين آية منها” انتهى كلام ابن إسحاق.
وقد استفاضت الروايات في نقل جدالهم حول طبيعة المسيح -عليه السلام- وهو جدال حارت فيه المجامع، وتخبط فيه أساقفتهم؛ لأنه نفثات الشيطان ووساوس إبليسية لا ترقى إلى أن تكون تفكيرًا عقليًّا مستقيمًا، وقد اجتهد النبي ^ غاية الاجتهاد لإنقاذهم من هذا الضلال، حين رأى أقوامًا ألغوا عقولهم وتجمدوا على باطلهم، فكان مما قال لهم ^: “ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء؟، وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث -يعني: إخراج البول والبراز، وما إلى ذلك-؟ قالوا: بلى يا محمد، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع ولدها، ثم غُذي كما يغذى الصبي، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون كما زعمتم” يعني: إلهًا، وقد احتدم الجدال إلى أن قال أحدهم في لجاجة صبيانية: إذا لم نعبد المسيح يا محمد فهل تريد منّا أن نعبدك أنت، وإلى هذا تدعونا؟ فقال لهم النبي ^: “معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غير الله، وما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني”.
وقد أنزل الله في كتابه الكريم الرد على هذه الجهالات، وبين الحقائق المبينة في هذه الشبهات، وأقام لهم الأدلة والبراهين على فساد ما هم عليه من ضلالات وافتراءات، وقد بيّن ذلك في سورة آل عمران خاصة، وفي غيرها من سور القرآن الكريم كسورة البقرة، والنساء، والمائدة، ومن ذلك قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ]الم $ الله لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ $ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ $ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ $ إِنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّمَاءِ $ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ (آل عمران: 1- 6).
والآيات الكريمة تقرر وتؤكد وحدانية الله تعالى بلا شريك وبلا منازع، وأن القرآن الذي أُنزل على محمد هو الفارق بين الحق والباطل، وهو لا يُصادم التوراة والإنجيل، بل جاء مصدقًا لهما؛ لأنهما كتابان أُنزلا لهداية الناس لا لإضلالهم كما فعل الأحبار والرهبان ورؤساء اليهود والنصارى الذين كفروا بآيات الله، والذين سينالون العذاب الشديد من الله العزيز المنتقم ممن أضل العباد، وحرّف الدّين الإلهي الصحيح، ثم قرر سبحانه أنه هو الذي يخلقهم في الأرحام على الوجه الذي يشاؤه هو؛ لأنه هو المتفرد بالخلق والمستحق وحده للألوهية، وأن عيسى أو غيره هو مخلوق مربوب لله رب العالمين، وأنه عبد لله مثل سائر المخلوقات، وأن الله تعالى صوره في رحم أمه مريم على ما يشاء، فكيف يكون إلهًا كما تزعم النصارى؟ وكيف يكون المخلوق مطلقًا إلهًا كما زعمت سائر الفرق الضالة من اليهود والمجوس وأمثالهم؟!!
وقال تعالى: ]شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ $ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ومَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ[ (آل عمران: 18، 19) والآية الأولى تقريرٌ عظيمٌ وشهادةٌ جليلةٌ من رب العزة والجلال أنه واحد لا شريك له، والملائكة يشهدون بذلك، وكل من عنده علم صحيح يشهد بذلك.
والآية الثانية تقرير قطعي بحصر الدين المرْضيّ من الله تعالى في الإسلام الذي جاء به محمد ^ مصدقًا ومتابعًا لدين الأنبياء والمرسلين من قبله، والذي يقوم على التوحيد المطلق لله رب العالمين، وأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لم يختلفوا في ذلك إلا من بعد ما جاءتهم الرسل بالعلم الصحيح الوحيد، وسبب ذلك هو الحسد والبغي وطلب الرياسات، والمنافسة على الحطام الفاني، وليس بسبب نقص العلم أو عدم الدليل والبرهان، ويقول تعالى في آيات متتابعة: ]إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إِبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ[ (آل عمران: 33) أي أنه يختار من يشاء من عباده لحمل رسالته، والقيام بدعوته، وغير ذلك من أول آدم إلى آخر الأنبياء والمرسلين، إلى أن قص الله تعالى في كتابه الكريم الآيات الحاسمة التي تدحض كل دعاوى النصارى وشبهاتهم وضلالتهم، فيقول: ]إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ (آل عمران: 59) والمعنى أن صفة عيسى في قدرة الله كصفة آدم، حيث خلقه الله تعالى من غير أب ولا أم، فخلق آدم أعجب وأغرب، ومع ذلك لم يقل أحدٌ بأنه إله أو ابن الإله، ومن زعم ذلك فقوله باطلٌ باتفاق الأولين والآخرين، وبطلان هذا القول بالنسبة لعيسى أحرى وأولى وأشد، وهذا دليلٌ ملزمٌ غاية الإلزام عند كل من يعقل ويفكر، وظهر أن قول النصارى: فمن أبوه؟ هو ضربٌ من المكابرة المحضة والتعنت الذي يدل على غاية الضلالة والعمى ومناقضة البديهي من الأمور.
ثم تابع القرآن الكريم ببيان الحقائق والرد على ضلالات النصارى حين ادّعوا أن النبي ينهاهم عن عبادة عيسى ليعبدوه هو؛ فقال تعالى: ]مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ الله ولَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ $ ولا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ (آل عمران:79-80).
وهكذا استمر القرآن يتنزل، وختم الله تعالى هذا البيان الإلهي الجليل ببيانٍ صارمٍ للذين يراوغون في الحق؛ فقال تعالى: ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[ (آل عمران: 85).
6- أحكام قرآنية صريحة على النصارى الذين حرفوا دين الله: ( )
ثانيًا: أحكام قرآنية صريحة على النصارى الذين حرفوا دين الله:
هذا الكلام الذي مضى كان عن المجادلة والرد بالأدلة، وهناك جانبٌ آخر يصدر القرآن فيه أحكامًا على قائلي هذا، وهي أحكام قرآنية صريحة على النصارى الذين حرفوا دين الله، لقد نزل القرآن بعد أن انحرفت النصارى عن دين الله انحرافًا كليًّا في أصل الأصول وهو التوحيد، وكانت مجاميعهم المقدسة بزعمهم إلى قبل قرن واحد من نزول القرآن، قد انتهت إلى تأصيل الشرك وتأسيس الكفر، ومناقضة كل ما جاء به الوحي الإلهي في التوراة والزبور والإنجيل؛ لذلك جاء القرآن الكريم صارم العبارات، صريح الحكم عليهم بأحكام قاسية، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين، ومن ذلك:
أولاً: الحكم بالكفر الاعتقادي المخرج من أصل الدين الإلهي، على من زعم في عيسى أنه بذاته هو الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ثانيًا: الحكم بالشرك الصريح على من اعتقد أن عيسى ابن الله، أو ثالث ثلاثة مع الله، وعبادته على هذا النمط.
ثالثًا: الحكم عليهم بالضلال المطلق وخاصة في جانب الاعتقاد. قال تعالى في كفرهم الاعتقادي متتبعًا فرقهم المتعددة المتناقضة، قال تعالى: ]لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ[ (المائدة:17) هذه الفرقة التي تُدعي (اليعقوبية) تدّعي أن عيسى هو الله ذاته، يقولون بحلول الله بذاته في عيسى -عليه السلام- فالله حل في عيسى، وهو الذي حملته مريم في بطنها وولدته، وتكلم في المهد إلى أن صُلِبَ على الصليب، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذا لغو فارغ لا يقوله إلا السفهاء والمجانين؛ ولذلك رد الله تعالى ردًّا حاسمًا: ]قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ[ الذي تزعمون أنه هو الله: ]إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ (المائدة:17).
يقول المفسرون: احتج الله تعالى بذلك على فساد أقوالهم، وتقرير ذلك أن المسيح مخلوق مقهور قابل للفناء كسائر المخلوقات، ومَنْ كان كذلك كان بمعزلٍ عن الألوهية، وكيف يكون إله مَنْ لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه ولا عن غيره ولو كانت أمه أقرب الناس إليه؟! فله تعالى وحده ملك كل شيء يتصرف فيه كيف يشاء، يهلك من يشاء، ويخلق من يشاء على الكيفية التي يريدها؛ لذلك فهو وحده المختص بالألوهية لا شريك له من خلقه في السماوات أو الأرض.
ويقول تعالى عن هذه الفرقة أيضًا: ]لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي ورَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ومَأْوَاهُ النَّارُ ومَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ[ (المائدة: 72) ويقول تعالى: ]لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ومَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ واحِدٌ وإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[ (المائدة: 73) وهذا حكمٌ صريحٌ بكفر من قال بتثليث الآلهة، وهي الفرقة (الملكانية) التي أراد ملوك الروم وأساقفة الضلال أن يجمعوا بها المذاهب والفرق، فما زادوا إلا أن أحدثوا فرقة جديدة أشعلت الجدال والخلاف، وانحرفوا إلى قاع الضلال والكفر؛ لأن الإله الحق هو واحدٌ لا شريك له.
ويقول تعالى: ]مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[ (المائدة: 75) والمعنى: أن المسيح مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى أي صفة من صفات الألوهية، وهو كالرسل من قبله تمامًا، وقد خصه الله تعالى بآياته كما خصهم، والشبه التي يتعلق بها النصارى باطلة، فإن غرهم أنه كان يحيي الموتى بإذن الله فقد أحي الله العصا الميتة لموسى وجعلها حية تسعى، وهذا أعجب، وإن غرهم أنه خُلق من غير أب فقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم، وهذا أغرب من خلق عيسى، أما مريم أمه فهي صديقة صالحة لا ترقى إلى النبوة فضلًا عن الألوهية، وعيسى وأمه مخلوقان يفتقران إلى الطعام مثل سائر المخلوقات، ويلزم من ذلك إخراج الفضلات، وهذا دليل ملزم بأنهما بمعزلٍ تام عن الألوهية وصفاتها.
بقيت فرقة منهم وهم (النسطورية)، الذين قالوا: المسيح ابن الله، قال تعالى: ]وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ[ (التوبة: 30) وكان المأمول ألا يردد أهل الكتاب هذه المزاعم بعد أن جاءتهم الرسل ونزلت عليهم الكتب، ولكنهم ضلوا حين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله يشرعون لهم الكفر، فيطيعونهم ويقدسونهم حتى نسبوا هذه الشناعات للمسيح -عليه السلام- وهو بريء من ذلك براءة تامة؛ لأنه ما دعا إلا إلى التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*