السبت , 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » تأملات فى الهجرة
تأملات فى الهجرة
تأملات فى الهجرة

تأملات فى الهجرة

الشيخ / خالد مصطفى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد
الهجرة هجرتان :
الهجرة الأولى :
هجرة بالجسم من بلد إلى بلد , وهذه أحكامها معلومة.
والهجرة الثانية ، كما قال ابن القيم – رحمه الله : فله فى كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإِنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاءِ والإِقبال عليه وصدق اللجإ والافتقار فى كل نفس إِليه، وهجرة إِلى رسوله فى حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقة لشرعه الذى هو تفصيل محابّ الله ومرضاته، ولا يقبل الله من أَحد ديناً سواه، وكل عمل سواه فعيش النفس وحظها لا زاد المعاد، وقال شيخ الطريقة وإِمام الطائفة الجنيد بن محمد قدّس الله روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبى صلى الله عليه وسلم، فإِن الله عَزَّ وجَلَّ يقول: “وَعِزَّتِى وَجَلالِى لَوْ أَتُونِى مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَاسْتَفْتَحُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ، لَمَا فَتَحتُ لَهُمْ حَتَّى يَدخُلُوا خَلْفَكَ“. وقال بعض العارفين: كل عمل بلا متابعة فهو عيش النفس.
قال تعالى :{إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ( العنكبوت : 26) ونقف أمام قولة لوط: «إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي» .. لنرى فيم هاجر. إنه لم يهاجر للنجاة. ولم يهاجر إلى أرض أو كسب أو تجارة. إنما هاجر إلى ربه. هاجر متقربا له ملتجئا إلى حماه. هاجر إليه بقلبه وعقيدته قبل أن يهاجر بلحمه ودمه. هاجر إليه ليخلص له عبادته ويخلص له قلبه ويخلص له كيانه كله في مهجره، بعيدا عن موطن الكفر والضلال. بعد أن لم يبق رجاء في أن يفيء القوم إلى الهدى والإيمان بحال.
وعوض الله إبراهيم عن وطنه وعن قومه وعن أهله- عوضه عن هذا كله ذرية تمضي فيها رسالة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فكل الأنبياء وكل الدعوات بعده كانت في ذريته. وهو عوض ضخم في الدنيا وفي الآخرة ( في ظلال القرآن )

وهناك بعض هذه المعاني الباقية الدائمة :
1- الجهاد في سبيل الله بنية خالصة :
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» البخاري .
قال النووي في شرح مسلم : ( قوله – صلى الله عليه وسلم : (ولكن جهاد ونية ) ، معناه : أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة ، ولكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة )
عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» أخرجه البخاري .
قال تعالى : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ( التوبة : 41) ، وقال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ( الحجرات : 15).
2- التوبة النصوح الصادقة وهجر الخطايا والسيئات قبل طلوع الشمس من مغربها :
عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» سنن أبي داود . «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» صحيح ابن حبان . عن عبد الله بن عمرو، قال: جاء أعرابي علوي جريء جاف فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن الهجرة، أهي إليك حيث كنت؟ أم إلى أرض معروفة؟ أم لقوم خاصة؟ أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «أين السائل؟» قال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: «الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ثم أنت مهاجر وإن مت في الحضر» مسند ابي داود , وقال تعالى : {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }( المدثر : 5 ) عَنْ يُونُسَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَنَسٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: جَعَلَكَ اللهُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ وَأَنَا مَعَكَ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا صَالِحًا أَعْمَلُهُ، فَقَالَ: «أَقِيمِي الصَّلَاةَ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ، وَاهْجُرِي الْمَعَاصِي، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ، وَاذْكُرِي اللهَ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَنْ تَلْقِينَهُ بِهِ» المعجم الكبير للطبراني .
3- العبادة في الهرج :
كما في الحديث الذي أخرجه مسلم عن معقل بن يسار، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي».
المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد أو في أيام الفتن وظهور العناد بين العباد. قال السندي: “في الهَرْج” بفتح فسكون، أي: القتل، والمراد: الاشتغال بالأعمال الصالحة في أيام ظهور القتل والفساد بين العباد، كالهجرة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن مرجعهما هو الرجوع إلى الله تعالى عند الكفر والمعاصي بين العباد، والله تعالى أعلم.
4- إنفاق المال في سبيل الله :
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، فقال: «ويحك، إن شأنها شديد، فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟» قال: نعم، قال: «فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا» أخرجه البخاري . قال الحافظ ابن حجر : ( في حديث أبي سعيد : فضل أداء زكاة الإبل ، ومعادلة إخراج حق الله فيها لفضل الهجرة ، فإن في الحديث إشارة إلى أن استقراره بوطنه إذا أدى زكاة إبله يقوم له مقام ثواب هجرته وإقامته بالمدينة . قال تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ( الأنفال : 74)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*