السبت , 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » دروس » تعريف القواعد الفقهية
تعريف القواعد الفقهية
القواعد الفقهية

تعريف القواعد الفقهية

د/ عبد التواب مصطفى
مستشار شرعى
القواعد، جمع قاعدة مأخوذة من، «قعد، يقعد، قعودا». والقَعْدة، بالفتح، المرة، والقِعدة، بالكسر، الهيئة، واسم الفاعل: قاعد، والجمع: قعود، والمرأة قاعدة، والجمع: قواعد، وقاعدات. ويتعدى بالهمزة فيقال: أقعدته، والمَقْعَد، بالفتح للميم والعين، موضع القعود، ومنه مقاعد الأسواق، وقعد عن حاجته: أي تأخر عنها، وقعد للأمر: اهتم له( ).
وأما الفقهية، فهي مأخوذة من الفعل فقه، بمعنى: فَهْم الشيء.
والفقه في الاصطلاح : «العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلته التفصيلية»( ).
وأما تعريف القواعد الفقية كمصطلح أو عَلَم أو لقب لعلم مخصوص، فقد تعددت فيها أقوال العلماء قديمًا وحديثًا نكتفي بأربعة تعاريف منها النحو الآتي:
1- عرفها الحموي بأنها: «حكم أكثري، لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعريف أحكامها منه»( ).
2- وعرفها التفتازاني بأنها: «حكم كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه»( ).
3- وعرفها الدكتور محمد عثمان شبير بأنها: «قضية شرعية عملية كلية تشتمل بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها»، فقيد «شرعية» يخرج به القواعد المنطقية والنحوية والبلاغية وغير ذلك، وقيد «عملية» يخرج به القواعد الاعتقادية واشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها: يعني كون تلك الأحكام مستعدة لأن توجد وتخرج إلى الوجود، وهي قبل وجودها غير موجودة، فإذا خرجت سميت خارجة بالفعل؛ لأن الفعل يعني كون الشيء خارجا من الاستعداد إلى الوجود.( )
وقد أشار الدكتور محمد عثمان شبير عقب هذا التعريف إلى خصيصتين تمتاز بهما القواعد الفقهية إضافة إلى ما ذكر في التعريف من خصائص، وهما:
أ – أنها تستند إلى أدلة شرعية من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو غيرها.
ب- أنها تختص بالأحكام الشرعية العملية التي تتعلق بأفعال المكلفين وتصرفاتهم، كالصلاة والبيع( ).
4- وعرفها الجرجاني بأنها: «قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها»، ونرى ان هذا التعريف أقرب التعاريف شمولا مع زيادة بعض الألفاظ، فيكون التعريف المختار لها من وجهة نظرنا ان
القواعد الفقهية: قضية كلية شرعية عملية منطقبة على معظم جزئياتها.
والمراد بالشرعية والعملية سبق بيانهما في المصطلحات السابقة، وأما قيد
” معظم” بدلا من جميع يخرج ما شذّ وندر باعتبار القواعد الفقهية مبنية على الأكثرية إذ ما من قاعدة فقهية إلا ولها مستثنيات، والله أعلم.
ثانيا: التأصيل الشرعي للقواعد الفقهية
القواعد الفقهية مشروعة بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين واجتهادات الفقهاء.
1 ) القرآن :
فقد جاءت فيه آيات كريمة أشارت بدقتها وبلاغتها إلى مباديء عامة اهتدي بها الفقهاء إلى استنباط القواعد الفقهية، ومن هذه الآيات:
1- قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: 228).
2- قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ (البقرة: 185).
3- قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ (البقرة: 220).
4- قوله تعالى: وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ (البقرة: 188).
5- قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة: 1).
6- قوله تعالى: مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ (التوبة: 91).
7- قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (الشورى: 38).
فهذه الآيات، وغيرها كثير، تعتبر منارات يهتدي بها الفقهاء في تأصيل وتقعيد القواعد الفقهية، والدليل على ذلك أن قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ (البقرة: 185)، استنبط منها الفقهاء قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى التي يبنى عليها الفقه الإسلامي.
وفي قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ (البقرة: 220)، استنبط الفقهاء منها قاعدة: «الأمور بمقاصدها»، فقد قال السيوطي، رحمه الله: «الآية. . . أصل لقاعدة الأمور بمقاصدها، فرب أمر مباح، أو مطلوب لمقصد ممنوع باعتبار مقصد آخر»( ).
2 ) السنة المطهرة :
فقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فكان يؤدي المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة غاية في الدقة والرقة، فجاءت على لسانه قواعد فقهية أخذها الفقهاء كما هي، وما زادوا عليها إلا بالمقدار الذي يزيدها إيضاحًا، أو يكشف عما فيها من اللطائف التي لا يعقلها إلا العالمون( ).
ومن الأمثلة التي تدل على جوامع الكلم للنبي صلى الله عليه وسلم، قوله :
1- «الدين النصيحة»( ).
2- «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»( ).
3- «المسلمون على شروطهم»( ).
4- «الخراج بالضمان»( ).
فهذه الأمثلة وغيرها تدل دلالة قاطعة على جوامع الكلم للنبي ومفاتيحه واختصاره، كما تدل في ذات الوقت على المعنى المراد بأوجز
3 ) آثار الصحابة والتابعين :
كان من الطبيعي أن يتأثر الصحابة والتابعون بأسلوب ومنهج النبي المربي صلى الله عليه وسلم ” في تقعيد القواعد وتأصيل الأصول، ولا سيما الخلفاء الراشدون وأصحابه المقربون، كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبيّ بن كعب، وغيرهم، فقد كانوا ينطقون بالحكمة فينقل عنهم من الكلام ما يكون قواعد فقهية يُقاس عليها أو يُستأنس بها في التصحيح والترجيح”( ).
ومن أمثلة ذلك :
1- قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه «مقاطع الحقوق عند الشروط»( ).
2- قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «ليس على صاحب العارية ضمان»( ).
3- وقول إبراهيم النخعي: «كل قرض جر نفع فهو ربا»( ).
4- وقول شريح القاضي: «لا يُقضى على غائب»( ).
5- وقول قتادة: «كل شيء لا يقاد،ـ أي لا يقتص ـ، منه فهو على العاقلة»( ).
4 ) اجتهادات الفقهاء :
إن القواعد الفقهية كانت موضع اهتمام الفقهاء منذ العصور الأولى للفقه الإسلامي، فبذلوا جهودا كبيرة في صياغتها، والتخريج عليها، والاستئناس بها في الكشف عن الأحكام الفقهية، كما بذلوا جهودا في استنباطها من الأصول الشرعية، ومباديء اللغة العربية ومسلمات المنطق، ومقتضيات العقول، فالفقيه يجمع الأحكام المتشابهة التي تنظمها قاعدة كلية جامعة، ويستقريء الأحكام والجزئيات للخروج برابط يربطها، ويضع الضوابط الفقهية لتحصين الفقه الإسلامي من العبث والزلل وانفراط عقده، وقد اتبع العلماء في تقعيد القواعد وإنشائها، طريقتين: الأولى: استنباط القواعد الفقهية من النصوص، والثانية: الاستقراء( ).

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*