الأربعاء , 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » أصول الفقه » تمييز القواعد الفقهية عن العلوم المشابهة
تمييز القواعد الفقهية عن العلوم المشابهة
القواعد الفقهية

تمييز القواعد الفقهية عن العلوم المشابهة

د / عبد التواب مصطفى
مستشار شرعى
القواعد الفقهية، كسائر العلوم، علم يؤثر تارة في بعض العلوم المشابهة له، وتارة أخرى يتأثر هو من هذه العلوم، ومع وجود علاقة التأثير والتأثر، توجد فروق دقيقة تميز هذا العلم عن سائر هذه العلوم المشابهة. وهي: القواعد الأصولية، والضوابط الفقهية، والقواعد المقاصدية، ، والنظريات الفقهية( ).
1 ) القواعد الفقهية والقواعد الأصولية :
ذكرنا سابقا معنى القواعد، أما معنى الأصولية، فهي نسبة إلى علم الأصول، والمراد به: «العلم بالقواعد والأدلة الإجمالية التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه»( ). أو هو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية( ).
ومثال ذلك:
قاعدة: «الأمر يفيد الوجوب، إلا إذا صرفته قرينة عن ذلك»، فهذه القاعدة ينطبق حكمها على جميع النصوص الجزئية التي تندرج تحت هذه القاعدة، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة: 1)، وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (النور: 56)، فجميع صيغ الأمر المجردة تندرج تحت هذه القاعدة، ويعرف بذلك وجوب ما تعلقت به صيغة الأمر: كوجوب الوفاء بالعقود، ووجوب الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول.( )
وأما الأدلة الإجمالية: فهي مصادر الأحكام الشرعية، كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، والعلم بها يكون من حيث العلم بحجيتها ومنزلتها في الاستدلال بها ،ووجوه دلالة النص حسب اختلاف أحوال هذه الدلالة، ومعنى الإجماع وشروطه، وأنواع القياس وعلته، وطرق التعرف على هذه العلة، وغير ذلك من الأبحاث المتعلقة بالقياس وبسائر الأدلة الإجمالية.( )
ومن خلال تعريف القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية يتضح مما سبق ذكره أنهما يجتمعان في أمور، ويفترقان في أمور أخرى.
– ما تجتمع فيه القاعدة الفقهية مع القاعدة الأصولية:
أ- أن كلا منهما قضايا كلية وأصولية عامة يندرج تحتها فروع وجزئيات متعددة، فهما يقومات بتأصيل الفروع والجزئيات التي لا تتناهى( ).
ولأجل هذا الاجتماع والتشابه؛ نجد أن الإمام القرافي اعتبرهما من أصول الشريعة، حيث يقول: فإن الشريعة المعظمة المحمدية، زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوا، اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما: المسمى بأصول الفقه، والقسم الثاني: قواعد كلية جليلة كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى.( )
ب- أنهما يبحثان عن الحكم الشرعي لأفعال المكلفين، فالغاية واحدة، وإن اختلفت الوسائل في كل.
فمثلا: قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ (النساء: 29)، القاعدة الأصولية تقول: «النهي يفيد التحريم إلا إذا وجدت قرينة تصرفه عن التحريم»، وهنا جاءت الصيغة في الآية القرآنية بالنهي عن أكل أموال الناس بالباطل، فيكون الحكم الحرمة.
والقاعدة الفقهية تقول: «ما حرم أخذه، حرم إعطاؤه»، فترتب على ذلك حرمة أخذ الأموال بالباطل، كما يحرم إعطاء الأموال بالباطل، وبهذا يتضح أن غاية القاعدتين واحدة، وإن اختلفت وسائل الوصول إلى التحليل أو التحريم أو الإباحة.
– ما تفترق فيه القواعد الأصولية عن القواعد الفقهية :
تختلف القاعدتان عن بعضهما في عدة وجوه هي:
1- أن القواعد الأصولية قواعد كلية تنطبق على جميع جزئياتها وموضوعاتها، أما القواعد الفقهية فإنها أكثرية لها مستثنيات، تقل في بعضها وتكثر في بعضها( ).
2- أن القواعد الأصولية نشأت معظمها عن الألفاظ العربية وما يطرأ عليها من نسخ وترجيح وعموم وخصوص وأمر ونهي، وغير ذلك، أما القواعد الفقهية فقد نشأت من الاستقراء، وذلك بتتبع الأحكام الواقعة على أفعال المكلفين في الفقه، وبذلك اجتمعت الأشباه مع أشباهها، والنظائر مع نظائرها في قاعدة واحدة( ).
3- القواعد الأصولية لها من الحجية والقوة بحيث يمكن الاستناد إليها في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، أما القواعد الفقهية فلا يصح الاعتماد عليها وحدها لبيان الحكم الشرعي إلا إذا كانت تستند إلى دليل شرعي يعضدها، مثل «لا ضرر ولا ضرار» و «الخراج بالضمان» و «الأمور بمقاصدها» فإنها حجة؛ لأنها تستند إلى نصوص شرعية.( )
بل ويرى بعض العلماء عدم حجية القواعد الفقهية؛ لأنها أغلبية ترد عليها الاستثناءات، أو أن بعضها مما اختلف فيه الفقهاء؛ لأنها تستند إلى دليل ظني.( )، وسوف نوضح هذه المسألة عند الحديث عن حجية القواعد الفقهية.
4- أن قواعد الفقه الإسلامي مبنية على قواعد الأصول، وذلك لأن الأصولي يستنبط الأحكام من أدلتها التفصيلية وفق قواعد يقينية لا يختلف عليها اثنان، ثم يقوم الفقيه بتحصيل المسائل الفقهية في هذه القواعد الأصولية، ويقسمها إلى أبواب وفصول، ثم يجعل لكل باب ضوابط تجمع شتات مسائله ؛لاشتراكها جميعا في العلة، ويضع القواعد للأبواب المختلفة لكي يستعين بها الدارسون لإعطاء كل مسألة من المسائل الشرعية حكمها اللائق بها.( )
أما القواعد الفقهية، فمنها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، ولذلك لا تطبق عليه قواعد الفقه الإسلامي؛ لأنها ليست محل اتفاق، كما أن القواعد الفقهية تعبر عن حكم شرعي كلي، مثل: «الأمور بمقاصدها»، فهي تضمن حكما شرعيا كليا يندرج تحته الكثير من الجزئيات التي يتحقق فيها موضوع الكلي العام أو مناطه، ولذلك يرجع إليها الفقيه لاستحضار الأحكام الفقهية بخلاف القواعد الأصولية التي تعتبر قواعد استدلالية يلتزم بها الفقيه في الاستنباط؛ ليعصم نفسه عن الخطأ( ).
5- القواعد الأصولية لا يفهم منها حكمة الشرع ولا أسراره، بينما القواعد الفقهية يفهم منها ذلك( )، وعلة ذلك أن القواعد الأصولية ترتكز على جانب الاستنباط وتلاحظ جوانب التعارض والترجيح وما شابه ذلك من القواعد ليس فيها شيء من ملاحظة مقاصد الشارع. أما القواعد الفقهية فهي مشتقة من الفروع والجزئيات المتعددة بمعرفة الرابط بينها ومعرفة المقاصد الشرعية التي دعت إليها( ).
6- القواعد الأصولية سابقة للجزئيات والفروع الفقهية من حيث وجودها الذهني والواقعي؛ لأن المجتهد ينطلق في استنباط الأحكام من تلك القواعد الأصولية فيعرف طريق الاستنباط وقوة الأدلة الفقهية. . . أما القواعد الفقهية، فهي متأخرة عن الجزئيات والفروع الفقهية؛ لأنها مجموعة الضوابط التي تجمع الأحكام المتشابهة والروابط التي تربط بين المسائل الجزئية فهي متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الجزئيات( ).
7- القواعد الأصولية مرجع أساسي لكل فقيه؛ لأنها أدوات لاستنباط الأحكام، فلا يستغني عنها بحال في أي باب أو مسألة من مسائل الفقه، بينما القواعد الفقهية تعد مرجعا ثانويا في استنباط الأحكام، ويمكن الاستغناء عنها اكتفاءً بالقاعدة الأصولية.
8- القواعد الأصولية موضوعها الأدلة السمعية، أو أغراض الأدلة، كصيغة الأمر تقتضي الوجوب إذا لم يصرفها عنه صارف ، أو العام المخصوص حجة ظنية وغير ذلك، أما القواعد الفقهية فموضوعها فعل المكلف سواء كان فعلاً أو قولاً كعقد المكلف ونيته.( )
لكن أحيانا تتداخل القواعد الأصولية مع القواعد الفقهية، بمعنى أنه يتنازعها أصلان، أصل يتعلق بالاستنباط والدليل، وأصل يتعلق بأفعال المكلفين، فإن نظرنا إلى القاعدة من حيث إنها دليل شرعي كانت قاعدة أصولية. وإن نظرنا إليها من حيث كونها فعلاً من أفعال المكلفين؛ كانت قاعدة فقهية( ) .
فمثلا: العرف وسد الذرائع، فإذا نظرنا إلى العرف على أنه فعل صادر من المكلف، كانت قاعدة فقهية؛ وإذا نظر إليه على أنه إجماع عملي؛ كانت قاعدة أصولية، وإذا نظر إلى سد الذرائع على أنه فعل مباح أدى إلى محرم؛ كان قاعدة فقهية، وإذا نظر إليه على أنه دليل على تحريم ما أدى إليه؛ كان قاعدة أصولية( ).
ومثل «المشقة تجلب التيسير»، فمن حيث إنها دليل على رفع الحرج الذي ثبت بالأدلة القطعية؛ تعتبر قاعدة أصولية، ومن حيث إنها تراعي عند تقرير الأحكام التي يراعى فيها التيسير ودفع المشقة؛ تعتبر قاعدة فقهي.( ).
9- إن القاعدة الأصولية لا يتوقف استنتاجها والتعرف عليها على قاعدة فقهية، بخلاف العكس؛ لأن القواعد الفقهية جميعا إنما هي وليدة قياس لا تكون كبراه إلا قاعدة أصولية( ).
10- أن القاعدة الأصولية لا تتصل بعمل العامي مباشرة، ولا يهمه معرفتها؛ لأن إعمالها ليس من وظائفه، وإنما هو من وظائف مجتهده، ولذلك لا نجد أي معنى لإلقائها إليه في مجالات الفتوى، بخلاف القاعدة الفقهية، فإنها هي التي تتصل به اتصالاً مباشرًا، وهي التي تشخص له وظيفته، فهو ملزم بالتعرف عليها لاستنباط حكمه منها بعد أخذها من مجتهده.( )

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*