السبت , 19 أغسطس 2017
جديد الموقع
جيل جديد
جيل جديد

جيل جديد

د / ياسر حمدى
أن مهمة المسلمين الأولى في هذا العصر هى تكوين جيل جديد، تتم تربيته على أسس إسلامية سليمة وقواعد إيمانية متينة، فيكون على يديه الفتح المبين بإذن الله. إنه جيل التمكين والاستخلاف الذى تحدث عنه القرآن الكريم في قول رب العزة جل شأنه وعزَّ سلطانه :{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }( ).
من هنا أخى الكريم كن حريصا على إشعار مستمعيك وجمهورك بأهمية هذه القضية، وأشْرِكْهُم معك في الإحساس بأنها طوق النجاة وسفينة الإنقاذ للأمة المسلمة في رحلتها الراهنة وسط المحيط العالمى المتلاطم الأمواج، وقدِّم لهم مواقف ومشاهد من حياة النبى  تبرز اهتمامه بهذا الأمر . والسطور التالية تضىء لك الطريق في هذه الناحية إن شاء الله .
(أ) غَرْس العقيدة في قلوب وعقول الصغار :
كان لابد من البدء بالجوانب العقائدية، فهى رأس الأمر وذِرْوَةُ سِنَامِهِ، فإذا كانت العقيدة صحيحة وكان الإيمان سليما قويا فقد توافرت للفرد المسلم وبالتالى المجتمع المسلم كافة مقوِّمات العزَّة وجميع أسباب النصر والتمكين .. وإنك إذا بحثتَ أخى الكريم عن أسباب تخلف وضعف الأمة المسلمة، وعن أسباب الانحرافات الحاصلة في المجتمعات الإسلامية، وأخذتَ تُسلسل الأسباب وتعود بها إلى جذورها الأصلية ومنابعها الحقيقية، وجَدْتَ أنها ترجع في نهاية المطاف إلى خللٍ في العقيدة وضَعْفٍ في الإيمان .
فعلى سبيل المثال : إذا سألتَ إنسانا مرتشيا أو مختلسا، أو إنسانا لا يتقن صناعته وحرفته … إلخ .. إذا سألتهم عن الأسباب التى أَوْدَتْ بهم بهم إلى طريق الانحراف تعلَّلُوا لك بمصاعب الحياة وظروف العيش. ولكنك إذا أنعمت النظر وأعْمَلْتَ العقل والفكر وجدت أن السبب الحقيقى ضعف إيمانى وخلل عقائدى، متمثل في الخوف من فوات الرزق، وعدم الثقة في قضية أن الرزق والعطاء بيد الله وحده .
وأيضاً : إذا سألت إنسانا : لِمَ لَمْ تَقُلْ كلمة الحق ؟ ولم لم تدفع الظلم عن المظلوم ؟ ولماذا لا تعلن رأيك ومبادءك وتتمسك بهما ؟ … ولماذا ؟ … ولماذا ؟! .. تجد الإجابة المعروفة المتعللة بأن الإنسان لن يعيش مرتين، وأنه يخشى على حياته من عواقب الجهر بالحق والدفاع عن المظلوم .. وهذا كما ترى أخى الخطيب والواعظ مرجعه إلى خلل عقائدى وضعف إيمانى، متمثل في عدم الثقة بحقيقة أن الأجل بيد الله تعالى وحده، وأنه لا يجرى في كون الله إلا ما يريده الله تعالى ويقدِّره، وأنه لا نافع ولا ضارَّ إلا الله 
ولعله  كان يرمى إلى تنشئة الأطفال في بيته على مقاومة الهواجس المتعلقة بقضيتى الرزق والأجل،وذلك في الحديث المشهور الذى يؤكد لنا حرصه  على التربية الإيمانية السليمة للأطفال. فكلنا يحفظ حديث رسول الله  الذى يلقِّنُ فيه ابن عمه عبدالله بن عباس رضى الله عنهما مبادئ العقيدة الصحيحة قائلا :” يا غلام، إنى أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشىء قد كتبه الله عليك. رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصحفُ “. وفى الرواية الأخرى :” واعلم أن ما أصاب لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن الفرج مع الكرب، وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرا “( ).
ياللروعة !! ويا للعظمة !! .. تأمَّل معى أخى الخطيب والواعظ ما في هذا الحديث الشريف من دُرَرٍ ثمينة وكنوز عظيمة، جعَلتْ كثيرا من إخوانك الدعاة يخصصون لشَرْح معاينه وتحليل ألفاظه خُطَباً عديدة جلسات مديدة. ولكننا أخى الكريم في غمرة الانبهار بما في الحديث من معان ومبادئ ، تناسَيْنا شيئا على قدر كبير من الأهمية، يزيدنا انبهاراً بهذه المبادئ وتلك المعانى .. انظر أخى الكريم إلى الكلمة الأولى في الحديث :” يا غلام ” وتأمَّلْها جيدا تُدْرِكْ ما أريد وتَصِلْ إلى ما أَعْنى. هذه المبادئ العظيمة وتلك المعانى الجليلة يُخَاطَبُ بها ” غلام “، أى: صبىٌّ صغيرُ السِّنِّ( )، ومِن خلاله تُخاطَبُ الأمة كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين .
وما دلالة هذا ؟! .. الدلالة واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار ؛ فالرسول  يضرب لنا المثل الأعلى والأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في الاهتمام بتربية الأطفال على مبادئ العقيدة الصحيحة والإيمان السليم، ليكونوا فيما بعدُ الرجال الصالحين { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله…}( ). والذين قال عنهم ذو الجلال والإكرام :{… فسوف يأتى اللهُ بقوم يحبِّهم ويحبُّونه أَذِلَّةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم …}( ).
أمر آخر أحبُّ أت تلفت انتباه مستمعيك إليه أخى الخطيب في هذا الحديث، وهو متعلق بالأسوة الحسنة بالنبى  في طريقته ومنهجه في التربية الإيمانية للأطفال. ذلكم أنه  قد اختار التوقيت المناسب لتلقين الطفل هذا الدرس الإيمانى، فعبد الله بن عباس رضى الله عنهما يذكر أنه كان رِدْفَ أو رَدِيفَ النبى  ، أى كان يركب خلفه على الدابة ( ). وكلنا يعلم كم تبلغ سعادة الطفل الصغير حينما يصطحبه أبوه في نزهة أو رحلة أو زيارة، وكم تكون سعادته أعظم حينما يكون مع أبيه على متن وسيلة انتقال أيًّا كان نوعها دابة أو دراجة أو سيارة ويكون ذهنه وسط هذه الفرحة مهيئاً لتلقِّى المعلومات بطريق مباشر أو غير مباشر .
فوجِّه أنظار مستمعيك أخى الخطيب والواعظ إلى الاقتداء بهذا المنهج النبوى الرشيد، بأن يوجدوا الفرصة المناسبة ويحسنوا اختيار الظرف الملائم، بحيث تترسخ الأصول العقائدية الصحيحة والمبادئ الإيمانية السليمة في عقول وقلوب أطفالهم ؛ فالمعلومة التى يتلقاها الطفل في صغره خاصة في مثل الظروف المذكورة آنفا تبقى محفورة في عقله، راسخة في ذهنه، وقديما قالوا : التعليم في الصِّغر كالنقش على الحجر

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*