الثلاثاء , 27 يونيو 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » حاجتنا الي تدبر الذكر الحكيم
حاجتنا الي تدبر الذكر الحكيم
حاجتنا الي تدبر الذكر الحكيم

حاجتنا الي تدبر الذكر الحكيم

أ.د.خالد فهمي

كلية الآداب /جامعة المنوفية

 كان مما أخرجه الإمام الجليل أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتاب “آداب الشافعي” ومناقبه قال: سمعت محمد بن الفضل البزار، يقول: “حججت مع أحمد بن حنبل، ونزلت في مكان واحدٍ معه أو في دار (يعني مكة)، وخرج ابن حنبل باكرا، وخرجت أنا بعده، فلما صليت الصبح: درت المسجد، فجئت مجلس سفيان بن عيينة، وكنت أدور مجلسا مجلسا، طلبا لأحمد بن حنبل حتى وجدته عند شاب أعرابي، وعليه ثياب مصبوغة فزاحمته حتى قعدت عند ابن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله: تركت ابن عيينة وعنده من الزهري، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة والتابعين، وما الله به عليم؟ فقال لي: اسكت، إن فاتك حديث بعلو تجده بنزول لا يضرك في دينك، ولا في عقلك، أو في فهمك، وإن فاتك هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدا أفقه في كتاب الله، من هذا الفتى القرشي [التأكيد من عندي].

كتاب للتحرير والتنوير

وأنا أحب لك أن تتجاوز بهذه الرواية حدود ما تستشهد به عليه من شأن الإشادة بفضل الشافعي، وعلو مكانته، إلى شيء آخر جليل في هذا السياق، وهو ما عبرت عنه الرواية على لسان أحمد بن حنبل بقوله: إن فاتك حديث بعلو تجده بنزول لا يضرك في دينك، ولا في عقلك أو في فهمك، وإن فاتك أمر هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة، وبإعمال مبدأ المخالفة يمكن أن نقرر أن فوات الفقه في الكتاب، وفوات تعقله، وفوات تفهمه قائد إلى الإضرار بدين المرء، وعقله وفهمه عن الله تعالى.

وأنا أحب لك قبل أن نسترسل في هذا الحديث المخوف المشتبك، بعدد وافر من مظنات سوء الاستقبال، ولفهم كلامي علي أن أشير إلى مجموعة من الملاحظات قبلا كما يلي:

1ـ أرجو ألا يفهم مما سوف أسوقه تهوين أمر تلاوة الكتاب العزيز، فذلك الزاد الذي لا يصح أن يخلو قلب مسلم منه!

2ـ كما أرجو أن نتخطى بأمثال هذا الخطاب أن نتوقف عند حدود مرتبة التتعتع إلى مرحلة المهارة لا في مجال التلاوة، وإنما في مجال التدبر.

3ـ كما أرجو أن ننتبه إلى مسألة مهمة جدًّا، تغيب في كثير من الأوقات مع شهرتها واستفاضة هذه الشهرة، وهي أن القرآن الكريم كتاب نزل ليحكم، ونزل ليحرر الحياة، ونزل ليرقى بها، ونزل ليعمل به، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتجاوز القطار الذي يحمله -وهم المؤمنون به- محطة التلاوة، إلى محطات التدبر والمعرفة، ومن هذا الأمر قررنا أن المسلم المعاصر بحاجة ماسة إلى استثمار ذلك النص العزيز الفريد معرفيا.

توسع دائرة التحذير من هجر القرآن

ومما يثير الانتباه توقف مفسري القرآن الكريم، أمام قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُور) [سورة الفرقان: 30]، ومنهم القرطبي الذي يقرر في تفسير (2783) “قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ) يريد محمدا -صلى الله عليه وسلم- يشكوهم إلى الله تعالى: (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُور) أي قالوا فيه غير الحق”.

وهذا الذي أجمله القرطبي يحتاج إلى نوع بسط وتفصيل، بحيث يمكننا أن نقرر أن حُمَّى العناية بالتلاوة من عموم المسلمين (عوامهم وخواصهم أو نخبهم) ربما يقودنا إلى أن نقرر أن المسلمين المعاصرين داخلون في عموم من يشكوهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بسبب إهمال تدبره، والعمل به، والحركة لاستعادة تحكيمه، وإدارته للعالم الإسلامي.

وربما يزداد هذا الإقرار وجاهة في ظل توجه خصوم القرآن وأعدائه نحو اتهامه بعدد وافر من القبائح، وتوزيع ذلك الاتهام على جوانب عديدة تتعلق بالنص العزيز؛ بدءا بمصدره وانتهاء بألفاظه ومفرداته، ومرورا بتراكيبه وبلاغته وحقائقه وتشريعاته… إلخ، وعكوف المسلمين على ترداد آياته “وهو المفهوم من الاقتصار على عبادة تلاوته” مع إهمال استثماره معرفيا.

ومما يزيد من مخاطر ما ينتج عن هذا الاستنباط ما ورد في الآية الكريمة من تذييل، يقول فيه سبحانه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ) [سورة الفرقان: 31]، وهو ما قد يعني أننا بإهمال الاستثمار المعرفي للقرآن يمكن والحال هذه أن يدخل الهاجرون لتدبره، والمكتفون بتلاوته إلى صفوف الأعداء المجرمين لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو ما لا يمكن أن يتصوره مسلم في نفسه!

ومن جانب، فإن آخر هجر تدبره واستثماره معرفيا قاض إلى نوع من قطعه، وتحوله إلى نص بلا أثر، مما يمثل إضلالا للجماهير المسلمة، وهو ما مال إلى إقراره البقاعي في تفسيره (نظم الدرر 13 / 377)، حيث يرى أن هجره نوع من أنواع الضلالة والمهانة لمرتكبه.

التفسير المأثور للتلاوة

ومما يدعم الدعوة إلى توسيع دائرة الإقبال على القرآن الكريم، ووصله والبر به بصور تفوق صور قراءته وأداء حروفه وألفاظه ما أثر من تفسير الصحابة والتابعين لقوله تعالى: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ) [سورة البقرة: 121)، وقد أخرج السيوطي في تفسيره (الدر المنثور في التفسير بالمأثور 1 / 576) عددا ضخما من المرويات يدور مجملها حول العمل والتحكيم يقول:

1ـ عن ابن عباس في قوله تعالى (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ) قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه.

2ـ وعنه كذلك أن معناها “يتبعونه حق اتباعه”.

3ـ وعن عمر بن الخطاب أن معناها: إذا مر بآية فيها ذكر الجنة، سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار.

4ـ وعن ابن مسعود: ولا يتأول منه شيئا غير تأويله.

5ـ وعن عكرمة معناها يعمل بأوامره وينتهي عن نواهيه.

وهذا المجموع من الآراء المرفوعة حتما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- استقرت على مفاهيم الاتباع والعمل، وهو ما يجب مراعاته في عملية الدعوة إلى استثمار النص العزيز معرفيا، ولتكن البداية من الشهر الكريم.

وكيف تعامل معه القدماء معرفيا؟؟

وفي هذا السياق نتذكر جمعيا حديث عمر أن قرأ البقرة في عشر سنين، لا يتجاوز آية حتى يعمل بها، ويلزم بها نفسه، ومن كانت له ولاية عليهم.

ونستطيع أن نقرأ كيفية استثمار الأمة قديما للنص العزيز معرفيا، يوم كان القرآن الكريم هو الحاكم، والمهيمن على توجيه الحياة في جوانبها المختلفة، ويمكن تأمل المناطق التالية:

1ـ استطاع علم البصريات (الضوء) عند المسلمين باستلهام القرآن معرفيا، أن تحدث واحدة من كبرى الثورات العلمية التجريبية القديمة الموروثة عن اليونان.

فلقد كان الشائع أن العين تبصر الأشياء، وهو ما عدله الحسن بن الهيثم ليقرر أن العين يسقط عليها الإبصار من خارجها، بمعنى أن تقنية الرؤية تتم عن طريق سقوط شعاع الضوء على العين؛ لتتم عملية الإبصار، وقد كان ذلك بتأمل واستثمار معرفي لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَة) [الإسراء: 12].

2ـ استطاعة علم الجغرافيا عند المسلمين من أثر استلهام الأوامر القرآنية بالضرب في الأرض، وتذليلها أن يكتشفوا عددا كبيرا من المواطن، وأن يقدموا معلومات فذة فيما يتعلق برسم خريطة الأرض وقياسات أبعادها.

3ـ استطاع علم اللغة عند المسلمين بوحي من خدمة القرآن الكريم واستلهامه معرفيا أن يؤسس لتنوع خلاق في شبكة العلوم القائمة على أمر تفسيره.

هذه مناطق ثلاثة فقط، وبالإمكان أن نزيد زيادة ضخمة جدًّا فيما أثره القرآن الكريم في خريطة المعرفة الإسلامية في مناطق العلوم الشرعية، والعربية، والحكمية، والتجريبية، حتى يصح أن نقرر أن الحضارة الإسلامية التي امتدت ما يقرب من عشرة قرون، ما هي إلا تفسير عملي واقعي لمفهوم التعامل مع القرآن الكريم، وتطبيق داعٍ لمعنى قوله تعالى: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ) [البقرة :121].

المسارات المعاصرة

إننا نستطيع أن نقرر أن قطار التعامل مع النص العزيز مكون من عربات كثيرة جدًّا، لكن عربة القيادة التي تجر كل العربات هي عربة الاستلهام المعرفي، وقد أمكن قديما أن يهيمن القرآن الكريم على جنبات الحياة فيها.

والمأمول اليوم أن يعاد استلهام النص العزيز معرفيا في المناطق التالية:

أولا: العناية من قبل المسلم المعاصر باليقين في مصدر النص العزيز، وأنه نص إلهي رباني، وأن يتحصن بيقين مدعوم بالأدلة المتنوعة من النقد الخارجي، والنقد الداخلي، والبناء المفاهيمي والمعلوماتي بأن القرآن الكريم نص معجز، لا مجال لشبهة واحدة فيه.

ثانيا: العناية من قبل المسلم المعاصر بالدوران في فلكه، والانطلاق من حقائقه ومعارفه، وإخضاعها للفحص والتأمل والدرس، والتحري لا لقياس صدقها، بل لإنتاج معرفة نافعة للبشر في المجالات المختلفة.

ثالثا: العناية بصناعة نسق تربوي منبثق منه، ومحكوم بمعارفه لإعادة تكوين الوعي والوجدان لدى جماعة المسلمين، وهي الطريقة اللازمة لصناعة وحدة الأمة مع ترامي حدودها الجغرافية.

رابعا: التحيز بالمفهوم المعروف في دراسات علم اجتماع الحضارة لمجموع ما ورد فيه من حقائق تتعلق بنفسية الإنسان، ومجالات تزكيته، وقوانين الصعود الحضاري، والسقوط الحضاري في ارتباطها بحقائق التوحيد، والتشريع، والمنظومة الأخلاقية والقيمية التي أقرها الكتاب الحكيم.

خامسا: العناية بالحركة الساعية إلى إعادة تحكيمه في البلدان الإسلامية المختلفة.

سادسا: قراءة النص الحكيم لضوء حركة النبي -صلى الله عليه وسلم-  باعتبار هذه الحركة النبوية هي الإطار الفاعل الذي ترجم القرآن إلى تطبيق عملي أنتج هذه الحضارة الجبارة.

الوزن النسبي للعبادات

وفي هذا السياق علينا أن نذكر بمفهوم قار في المحيط العلمي عند فقهاء المسلمين عبرَّ عنه بأكثر من صيغة، منها الاقتصاد في العبادة، والمراد بهذا التعبير الالتفات إلى ما يسمى بالوزن النسبي المتفاوت للأشياء.

وهو ما يتجلى كثيرا فيما سماه القدماء بتقديم الأوجب عند تعارض الواجبات، فإذا كانت الصلاة واجبة، وإنقاذ إنسان يشرف على الهلاك واجبا، تقدم واجب إنقاذ الحياة.

وفي هذا السبيل نقرر أن ضرورة العصر، وفريضة الوقت تلزم المثقفين المسلمين، وعموم المتعلمين في الأمة أن يتوجهوا إلى التعامل مع القرآن بمنطق جديد يرقى بمفاهيم العمل به والتدبر له، والتطبيق لمعارفه والاحتكام -فيما نصدر عنه من أحكام وحركة ودعوة في الميادين المختلفة- إلى النص العزيز.

إن واجب الوقت أن تجتهد في صناعة نظرية تربوية قرآنية، ونظرية إعمار قرآنية ونظرية قانونية قرآنية، ونظرية لغوية قرآنية، ولن يتأتى شيء من هذا إلا بتجاوز قطار الحاملين للقرآن لمحطة التلاوة، والترديد الصوتي إلى آفاق إنتاج المعرفة.

وهنا نلمح إلى واجبات معينة يلزم تحصيلها على طريق الاستثمار المعرفي للنص:

1ـ بناء يقين معرفي في ارتباط النص بالله سبحانه عن طريق مقومات نقدية خارجية (طريقة وصوله إلينا)، ومقومات نقدية داخلية (طريقة رد الشبهات).

2ـ بناء معرفة أساسية بلغته من مستوى المعجم، والتراكيب والنص، ولا يصح التوقف فيها عند حدود ما قدمه المفسرون القدماء.

3ـ فحص النظريات العلمية المعاصرة في ضوء معارفه.

4ـ مراجعة السنة النبوية الكريمة، مراجعة تأمل واستنطاق؛ لأن السنة هي البيان العملي للنص العزيز.

5ـ مراجعة الإسهام العلمي لعلماء الأمة خلال تاريخها الطويل، مع التركيز على الخلفيات القرآنية التي ألهمت هذه الإسهامات.

إن التعامل مع النص العزيز من بوابة التدبر، ولو كاد ذلك إلى ندرة ختمة تلاوة لفظية، أو على مستوى القراءة، وليعلم الجميع أننا مأمورون بتلاوته حق التلاوة، وحق التلاوة في المفهوم المأثور، والمفهوم المعاصر الضروري يتجاوز -بمراحل واسعة- ما يفعله المسلمون المعاصرون في الاكتفاء بالتنافس مع عدد مرات قراءته!.

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*