الإثنين , 23 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » أصول الفقه » حجية القواعد الفقهية
حجية القواعد الفقهية
القواعد الفقهية

حجية القواعد الفقهية

د / عبد التواب مصطفى
مستشار شرعى
إذا كان للقواعد الفقهية هذه الفوائد التي ذكرناها، فهل يمكن اعتبار هذه القواعد مصدرًا من مصادر الأحكام الشرعية؟
ذهب العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
الأول: يرى عدم صحة جواز الاحتجاج بالقواعد الفقهية مطلقا
ومن أنصار هذا الرأي، ابن نجيم( ) والجويني( ) وابن دقيق العيد( ).
وحجة هؤلاء:
‌أ- أن هذه القواعد لا تستند إلى نصوص شرعية؛ وإنما هي استقراء للفروع، فلا تفيد اليقين، وإنما هي ظنية، كما أن بعضها من اجتهاد الفقهاء، والاجتهاد يحتمل الخطأ، فتعميم حكم القاعدة على جميع الفروع نوع من المجازفة( ).
‌ب- أن هذه القواعد أغلبية وليست كلية، والمستثنيات فيها كثيرة، وقد يكون الفرع المراد استنباطه من القاعدة داخلا في المستثنيات( ).
‌ج- أن هذه القواعد ما هي إلا ثمرة للفروع المختلفة ورابط لها، وليس من المعقول أن نجعل ما هو ثمرة ورابط دليلا للاستنباط( ).
الثاني: يرى صحة جواز الاحتجاج بالقواعد الفقهية ما لم تعارض بأصل مقطوع به من كتاب أو سنة أو إجماع.
ومن أنصار هذا الرأي: القرافي( ) والغزالي( ) والشاطبي( ).
وحجة هؤلاء:
1- أن حجية القاعدة إنما استفيدت من مجموع الأدلة الجزئية التي نهضت بمعنى تلك القاعدة، فإن كان كل دليل جزئي هو حجة بذاته يصح الاستدلال به، فمن باب أولى أن تتحقق هذه الحجية في القاعدة التي أرشدت إليها مجموع الأدلة، وتكون دلالتها قطعية.( )
2- أن القاعدة الفقهية كلية، أي منطبقة على جميع جزئياتها، ولا يقدح في كليتها وجود استثناءات.( )
3- أن تتبع اجتهادات الأئمة الأعلام يدل دلالة واضحة على اعتمادهم لهذه القواعد في الكشف عن الحكم الشرعي التي لم يرد فيها نص مما يدل على أن هذه القواعد كانت راسخة في أذهانهم، ودليل ذلك أن جمهور الفقهاء صرحوا أن الجماعة إذا قتلوا واحدا يقتلون به، وكان مما احتجوا به بالإضافة إلى قول الصحابي والقياس، القواعد الكلية، فقال ابن العربي: «فإن الله سبحانه وتعالى إنما قتل من قتل صيانة للأنفس عن القتل، فلو علم الأعداء أنهم بالاجتماع يسقط القصاص عنهم لقتلوا عدوهم في جماعتهم، فحكمنا بإيجاب القصاص عليهم ردعًا للأعداء، وحسمًا لهذا الداء»( ).
القول الثالث: وهو قول وسط بين القولين السابقين :
حيث يرى أن الأصل عدم صحة الاحتاج بالقواعد الفقهية، ومع ذلك يصح الاحتجاج بها إذا وجد نص صريح يؤيدها من كتاب أو سنة أو إجماع.
وقد تبنى هذا الرأي كثير من العلماء المعاصرين من أمثال: علي الندوي( ) ومحمد صدقي البورنو( ) وصالح السدلان( ) وغيرهم، كما تبنت مجلة الأحكام العدلية هذا الرأي.( )
وحجة هؤلاء:
1- أن هذه القواعد لها مدارك ومآخذ وقيود وشروط قد تغيب عن بال الكثير من المقلدين( )، وقد عبر الأتاسي في شرحه للمجلة العدلية عن ذلك بقوله: «يتنور بها المقلد ولا يتخذها مدارًا للفتوى والحكم، فلعل بعضا من حوادث الفتوى خرجت من أطوارها بقيد زائد أو لأحد الأسباب المتقدم ذكرها، وهذا يحتاج إلى نظر دقيق، وتحر عميق يجري تلك القواعد في مشتملاتها الحقيقية، ويتسثني منها ما خرج عنها بقيد، أو سبب من الأسباب المارة»( ).
الرأي الراجح :
والذي يبدو لي بعد عرض هذه الآراء وأدلتها، أن منع الاحتجاج بهذه الأدلة مطلقا بدون قيد يتنافى مع ما دعا إليه الإسلام من أن الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها أخذها، والقول بأخذ هذه القواعد على إطلاقها باعتبارها مسلمات وحقائق لا يعتريها النقص، ولا يتطرق إليها الظن، فهذا قول مرفوض جملة وتفصيلا.
ومن ثم فإنني أرجح وأؤيد ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين، وهو القول بحجية الاستناد والاستدلال بالقواعد الفقهية، كما قال أصحاب الرأي الثالث بالشروط الآتية:
1- أن تستند القاعدة الفقهية على دليل من كتاب أو سنة أو إجماع.
2- أن لا تعارض القاعدة الفقهية أصلا مقطوعا به من كتاب أو سنة أو إجماع.
وبناء على ذلك؛ فإن القواعد التي كان أصلها نصا من كتاب أو سنة نبوية، أو كانت مستندة إلى أدلة صريحة من الكتاب أو السنة أو الإجماع، تعتبر مصادر يجوز الاستناد إليها في الاستنباط؛ لأن الرجوع إليها رجوع إلى الأدلة التي استندت إليها مثل قاعدة «الأمور بمقاصدها» فإنها تستند إلى نص صريح من السنة، وهو قول النبي: «إنما الأعمال بالنيات»، وأما القواعد التي لا تستند إلى دليل صريح من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإنها لا تعتبر مصدرًا يستند إليها في الاستنباط، سواء اتفق الفقهاء على تقعيدها، أو اختلفوا فيها، ولكن عند الاتفاق يمكن الاستئناس بها في الترجيح بين الآراء وتفريع الأحكام وتخريجها، وبهذا يمكن الجمع بين الأقوال الثلاثة، فالقول الأول يمكن أن يحمل على القواعد الاجتهادية المختلف فيها بين الفقهاء، والتي لم يكن أصلها نصا من كتاب أو سنة، أو لم تكن تستند إلى أدلة صريحة من كتاب أو سنة أو إجماع، وأما القول الثاني فيحمل على القواعد التي كان لها أصل من كتاب أو سنة أو استندت إلى أدلة صريحة من القرآن أو السنة أو الإجماع( ).

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*