الأحد , 24 سبتمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » دخلت الأشهر الحرم
دخلت الأشهر الحرم
دخلت الأشهر الحرم

دخلت الأشهر الحرم

الشيخ. علي بن مختار بن محمد بن محفوظ

كل عام يشهد المسلمون دخول الأشهر الحرم، ولا يهتموا، ولا ينتبهوا وقد يكون ذلك لتأثرهم بالغزو الفكري، أو بأساليب التغريب التي استبدلت أو اعتمدت الأشهر الميلادية بدلاً عن العمل بالتقويم أو اعتماد التواريخ بالأشهر الهجرية، والتي ينبغي أن نعتز بها، ونفتخر أن المسلمين قد كانت لهم شخصية مستقلة، وبصمة مميزة، كما أن العبادات والفرائض متعلقة بالأشهر العربية القمرية، أو بالتاريخ الهجري ففريضة الصيام تتعلق برؤية الهلال، ودخول رمضان والخروج منه يتعلق بالأشهر القمرية، وكذلك أشهر الحج شوال وشهري ذي القعدة وذي الحجة وشهر الله المحرم، وأيضاً الأشهر الحرم التي يحرم فيها الظلم والقتال، وقد تميزت حضارة المسلمين بالعقائد الصحيحة، والجمع بين العبادات والاهتمام بالأخلاق وحسن التعامل، إضافة إلى إثراء الحضارة الإنسانية بالإضافة إليها وتقديم نماذج فردية من التقدم والنهضة فهذا التاريخ الهجري اعتمده المسلمون ونظموه وصارت لهم دواوين وتواريخ وتسجيل للأحداث، وقد تقدَّم المسلمون قديماً، وتفوقوا على أكبر الدول دولتي الفرس والروم لما تمسكوا بكتاب الله تعالى، وعملوا وطبقوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما اعتزوا بتاريخهم، وتميزوا بلغتهم، وفي كتاب الله تعالى الدعوة الواضحة الصريحة لتعظيم حرمات الله تعالى، وكذلك في السنة النبوية المطهرة.

 

فإذا دخلت الأشهر الحرم فعلينا أن نعظمها، وهي التي اختصها الله سبحانه وتعالى دون بقية شهور العام، فأمر بتعظيم حرمتها، ونهى عن الظلم فيها، وحدَّدها في كتابه الكريم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) التوبة:  الآية36.

 

وهذه الاَية تدلّ على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها على الشهور والسنين التي تعرفها العرب أي السنة الهجرية, دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقِبط، فلا يليق بالمسلمين أن يقدِّموا الشهور العجمية والرومية والقبطية على الشهور العربية.

 

وقد جاء في تفسير ابن كثير: عن معنى هذه الآية ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (التوبة: من الآية 36) أي في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تُضاعَف لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(الحج: من الآية 25) وكذلك الشهر الحرام تُغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب طائفة كبيرة من العلماء.

 

قال ابن عباس: فجعلهن حرامًا (أي الأشهر الحرم) وعظَّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.  وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووزْرًا من الظلم فيما سواهن- وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا- ولكن الله يعظِّم أمره ما شاء.

 

ونص على هذه الأشهر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في خطبة حجة الوداع حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبانمتفق عليه.

 

وقد قال تعالى: (وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ) الحج:30.  ومعنى تعظيم حرمات الله تعالى، أي اجتناب ما حرمه الله تعالى تعظيماً لحدود الله، ومن موجبات تعظيم الله تعالى: تعظيم حرماته، وهي كل ما يجب احترامه وحفظه وصيانته ورعايته، وتشتمل جميع ما أوصى الله بتعظيمه وأمر بأدائه.

 

 والتعظيم لهذه الأشهر الحرم هو من تعظيم الله تعالى وتعظيم حرمات الله، قال الله تعالى (ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ) الحج:32  فالعظمةُ من صفات الله تعالى فهو العلي العظيم، والعبد يعظمه تعالى بتبجيله وإجلاله, ويخر ساجداً لجنابه ويركع له تعظيماً لشأنه كما في الحديث الشريف: ((فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ))رواه مسلم، و العبد يقول و يردد في خشوع، وتذلل وخضوع: سبحان ربي العظيم في الركوع.

 

إن تعظيم حرمات الله تعالى واحترام أوامره وامتثالها، ومعرفة نواهيه واجتنابها لهو طريق إلى الفلاح، وسبيل للنجاح، ودليل على الإيمان، وبرهان على الإحسان، وسبب للغفران.

 

ومن تعظيم حرمات الله تعالى: تعظيم حرمة المؤمن واحترام حقوقه وعدم النيل من كرامته والتعدي عليه، قَالَ صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:(إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)رواه الإمام أحمد مطولاً، ورواه غيره من أصحاب السنن والصحاح مختصرا كالإمام مسلم، ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه يوماً بعد ما نظر إلى الكعبة: (ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمنون عند الله أعظم حرمة منك)رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.

 

ومن الغريب أن الاقتتال والقتل والظلم مازال مستمراً في سورية وفي غيرها من البلاد الإسلامية، ولم يعظم هؤلاء المعتدون الظالمون دخول الأشهر الحرم!

 

 فهل ندعو الجميع لاحترام الأشهر الحرم، ونبين لهم كيف نعظم شعائر الله، والتي فيها تعظيم لله، وفيها استشعار هيبته تعالى وخشيته، والخوف من غيرته على حرماته، فيخاف المؤمن من معصية الله تعالى وغضبه، ويخشى عذابه ويرجو رحمته، ولا يتساهل في ارتكاب المعصية، فمن يعظم الله؛ يعظم حرمات الله ويستشعر عظمة الذنب، خصوصاً الاقتتال وحرمة الاعتداء على الأنفس في الأشهر الحرم، فيجب تعظيم حرمات الله تعالى، فنعظم كتابه الكريم، و نعظم حرمة المؤمن، ونحفظ الدماء والأعراض والأموال، ونعظم المقدسات الإسلامية الزمانية كالأشهر الحرم والمكانية، كالمسجد الحرام، وكان أهل الجاهلية يعظمون هذه الأزمنة وتلك الأماكن؛ فيمتنعون عن القتال فيها، حتى لو رأى أحدهم قاتل أبيه ليثأر منه؛ فلا يفعل تعظيماً لقدسية المكان أو الزمان.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*