السبت , 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » رسالة المسجد » دور المسجد في الأمر بالمعروف والتكافل
دور المسجد في الأمر بالمعروف والتكافل
دور المسجد في الأمر بالمعروف والتكافل

دور المسجد في الأمر بالمعروف والتكافل

بقلم فضيلة الشيخ / حجازي إبراهيم

عن جرير رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ([1]) أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ([2]) وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ([3]) فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء: 1]. والآية التي في الحشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)   [الحشر: 18] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ:- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ –قَالَ:- ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ([4]) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»([5]).

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيّ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّانِيَةَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ قَالَ: «تَصَدَّقُوا»؛ فَتَصَدَّقُوا؛ فَأَعْطَاهُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «تَصَدَّقُوا»؛ فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى هَذَا أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ([6]) فَرَجَوْتُ أَنْ تَفْطِنُوا لَهُ فَتَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَلَمْ تَفْعَلُوا فَقُلْتُ: تَصَدَّقُوا فَتَصَدَّقْتُمْ فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ خُذْ ثَوْبَكَ» وَانْتَهَرَهُ([7])»([8]). وفي رواية أبي داود: «فَصَاحَ بِهِ، وَقَالَ: «خُذْ ثَوْبَكَ»([9]).

وفي رواية أحمد: «فدعاه، فأمره أن يصلي، وأنه كره ما صنع»([10]).

فانظر إلى دور المسجد في التكافل بين المسلمين، وإلى دور الإمام في تفرس المصلين خَلْفه، والوقوف على احتياجهم دون أن يُلجأهم إلى السؤال، كما تقف على أدب النبوة في التوجيه:

– في الموقف الأول: يرى قومًا كلهم من قبيلة واحدة، نزلت بهم الفاقة، واشتد فقرهُا حتى صارت في حالةٍ سيئة وهيئةٍ رثة، فكان تأثرُ الرسول صلى الله عليه وسلم على قدر الحدث «فتمعَّر وجهه» فأمر بلالاً فأذن فأقام فصلى، ثم خطب… ».

– ولأن الكلمات صدرت عن قلبٍ تأثر لحالهم فانعكس ذلك حتى بدا ذلك على وجهِ الرسول صلى الله عليه وسلم وملامحِه، فإنها وجدت صدىً ورد فعل قوي، فإذا كومان من طعام وثياب.

– وترتب على ذلك أن تبدلت حالُ الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مقامه، فإذا بالوجه الذي كان متمعرًا يتهلل كأنه مذهبة.

– في الموقف الثاني: يرى رجلاً واحدًا، فيستدعيه، ثم يأمره بأن يصلي ركعتين لعله في قيامه وركوعه أمام الصحابة تلتفت أنظارهُم إلى حالته فيتصدقون، دون توجيه مباشر من الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن تمضي الجمعة الأولى، والثانية، والثالثة، ويتكرر نفسُ الصنيع، دون أن يتحرك أحدٌ من الصحابة، ولمَّا لم يُغن التلميح، كان لا بد من التصريح، وحينئذٍ كان التوجيهُ بالعبارة: «تصدقوا».. ثم بعد ذلك يُربيهم على الفِطنة وقوة الملاحظة في أدب النبوة: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى هَذَا أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَرَجَوْتُ أَنْ تَفْطِنُوا لَهُ…».

ونرى أيضًا حِكمة النبوة في إعطائه لكل أمرٍ قدره، فحين يرى قبيلةً بأسرها تجتاب النمار، تمعر وجهُه ونادى للصلاة، وحثهم على التصدق، وهو على حالة من التأثر والغضب… وحين يرى مُسلمًا واحدًا بثيابٍ بذة يكتفي بالإشارة والتلميح دون أن يبدوا على وجهه أثر، ويكرر ذلك جمعة وجمعة….

وهذا يدعو المسلم إلى أن يُميز بين الأمر يصيب الجميع، ونفس الأمر ينزل بفرد، لكلٍ وزنه وحجمه… والداعية ميزان حساس لمشاكل وقضايا المجتمع، فلا يجعل القضايا الصغيرة تَطغى على حركته، بينما كبيرها لا مكان له في دعوته…

وأيضًا أن أدب النبوة في الموقف كان مثالاً للخلق الكامل، حيث لم يُخرجه غضبه وتأثُره لرؤية الفاقة تنزل بقبيلة عن أدب النبوة، فلم يتوجه إلى الصحابة بالتقريع والزجرِ وتوجيه اللوم، وإنما حرَّك عواطفهم وآثار مشاعرَهم بآيات من كتاب الله، ثم بعد ذلك توجَّه إليهم بالحث على الصدقة..ثم كانت الثمارُ الطيبة للكلمة الطيبة التي ملأت القلب، وبدت على الوجه قبل أن ينطلق بها اللسان، فإذا بالصحابة – رضوان الله عليهم – يتدافعون كلٌ يحمل ما يجده، وما يقدر عليه، حتى يتجمع من القليل والكثير الذي جادوا به كومان من الطعام والثياب..

ويُعلق الإمام النووي على ذلك فيقول: «وأمَّا سببُ سروره صلى الله عليه وسلم فَفرِحًا بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا من هذا القبيل أن يفرح ويُظهر سروره، ويكون فرحه لما ذكرناه.

وفي الحديث: الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في هذا الحديث؛ أنه قال في أوله: فجاء رجلٌ بصرة كادت كفُه تعجز عنها فتتابع الناسُ، وكان الفضلُ العظيمُ للبادي بهذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: «وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»([11]). وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة»([12]).

——————————————————————————–

([1])  مجتابي النمار: أي خرقوها وقوروا وسطها. النمار: بكسر النون جمع نمرة بفتحها وهي ثياب صوف فيه تنمير. والعباء: بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان. صحيح مسلم بشرح النووي، 7/102.

([2]) تمعر وجهه: أي تغير من التأثر. المرجع السابق.

([3]) الفاقة: الفقر والحاجة. المرجع السابق.

([4]) تهلل وجهه كأنه مذهبة: أي يستنير فرحا وسروراً . صحيح مسلم بشرح النووي،  7/102.

([5]) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب: الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ 2/703 (1017/69).

([6]) بذة: أي سيئة . صحيح مسلم بشرح النووي، 7/102.

([7]) انتهره: أي منعه من العود إلى مثل هذا وهو الإعطاء مع حاجة النفس مع قلة الصبر.

([8]) أخرجه النسائي في كتاب الزكاة، باب: إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه 5/63. وقال الألباني: حسن الإسناد.

([9]) أخرج أبو داود  في كتاب الزكاة، باب: الرجل يخرج من ماله 2/132 (1675). وقال الألباني: حديث حسن.

([10]) أخرجه أحمد، 3/25 (11197) .

([11])  أخرج أبو داود في كتاب السنة، باب: لزوم السنة 2/506، وأحمد في 4/126 (17608)، النسائي  في كتاب العيدين، باب: كيف الخطبة؟ 3/188. وصححه الألباني.

([12]) صحيح مسلم بشرح النووي،  7/103 -104 بتصرف .

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*