السبت , 19 أغسطس 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » التاريخ الإسلامي » سليمان القانونى .. عصر القيادة والريادة
سليمان القانونى .. عصر القيادة والريادة
سليمان القانونى .. عصر القيادة والريادة

سليمان القانونى .. عصر القيادة والريادة

 

 

بلغت الدولة العثمانية قمة درجات القوة والمجد في عهد السلطان سليمان القانوني؛ حيث اتسعت أرجاؤها على نحو لم تشهده من قبل، وبسطت سلطانها على كثير من دول العالم في قاراته الثلاث، وامتدت هيبتها فشملت العالم كله، وصارت سيدة العالم يخطب ودها الدول والممالك، وارتقت فيها النظم والقوانين التي تسيّر الحياة في دقة ونظام، دون أن تخالف الشريعة الإسلامية التي حرص آل عثمان على احترامها والالتزام بها في كل أرجاء دولتهم.
.نبذة عن حياته :
سليمان القانوني أحد أشهر السلاطين العثمانيين، عاش بين عامي 1495 و 1566، وحكم لفترة 46 عاما منذ عام 1520، وبذلك يكون صاحب أطول فترة حكم بين السلاطين العثمانيين. زادت مساحة الدولة العثمانية بأكثر من الضعف خلال فترة حكمه ، تولى السلطان سليمان القانوني بعد موت والده السلطان سليم الأول في (9 من شوال سنة 926 هـ= 22 من سبتمبر 1520م)، وبدأ في مباشرة أمور الدولة، وتوجيه سياستها
في الفترة الأولى من حكمه نجح في بسط هيبة الدولة والضرب على أيدي الخارجين عليها من الولاة الطامحين إلى الاستقلال، معتقدين أن صغر سن السلطان الذي كان في السادسة والعشرين من عمره فرصة سانحة لتحقيق أحلامهم، لكن فاجأتهم عزيمة السلطان القوية التي لا تلين، فقضى على تمرد \”جان بردي الغزالي\” في الشام، و\”أحمد باشا\” في مصر، و\”قلندر جلبي\” في منطقتي قونيه ومرعش، وكان شيعيًا جمع حوله نحو ثلاثين ألفًا من الأتباع للثورة على الدولة.
ميادين الجهاد
تعددت ميادين الجهاد التي تحركت فيها الفتوحات الإسلامية في عهد سليمان فشملت أوروبا وآسيا وأفريقيا، فاستولى على بلجراد سنة (927 هـ= 1521م)، وحاصر فيينا سنة (935 هـ= 1529م) ولم تفتح ، وضم إلى دولته أجزاء من المجر بما فيها عاصمتها \”بودا\”، وجعلها ولاية عثمانية.وفي آسيا قام السلطان سليمان بثلاث حملات كبرى ضد الدولة الصفوية، ضم العراق إلى كنف الدولة العثمانية.وكذلك تبريز\”، وقلعتا: وان وأريوان. وشرق الأناضول .
وواجه العثمانيون نفوذ البرتغاليين في المحيط الهندي والخليج العربي، ودخلت عُمان وقطر والبحر في طاعة الدولة العثمانية، وأدت هذه السياسة إلى الحد من نفوذ البرتغاليين في المياه الإسلامية.
وفي إفريقيا، دخلت ليبيا والقسم الأعظم من تونس، وإريتريا، وجيبوتي والصومال، ضمن نفوذ الدولة العثمانية.
البحرية العثمانية
في عهد سليمان ازدادت قوة البحرية على نحو لم تشهده من قبل بانضمام مجاهدي البحارأمثال \”خير الدين برباروسا\”، وكان يقود أسطولاً قويًا يهاجم به سواحل إسبانيا والسفن الصليبية في البحر المتوسط، وبعد انضمامه إلى الدولة منحه السلطان لقب \”قبودان\”.\” وزير بحرية \”
وقد قام خير الدين -بفضل المساعدات التي كان يتلقاها من السلطان سليمان القانوني- بضرب السواحل الإسبانية، وإنقاذ آلاف من المسلمين في إسبانيا، فقام في سنة (935 هـ= 1529م) بسبع رحلات إلى السواحل الإسبانية لنقل سبعين ألف مسلم من قبضة الحكومة الإسبانية.
وحاولت إسبانيا أن تقضي على أسطوله، لكنها تخفق في كل مرة وتتكبد خسائر فادحة، ولعل أقسى هزائمها كانت معركة بروزة سنة (945 هـ= 1538م).كما اتسع نطاق عمل الأسطول العثماني فشمل البحر الأحمر، حيث استولى العثمانيون على سواكن ومصوع، وأخرج البرتغاليين من مياه البحر الأحمر، واستولى العثمانيون على سواحل الحبشة؛ مما أدى إلى انتعاش حركة التجارة بين آسيا والغرب عن طريق البلاد الإسلامية.
تعديل القوانين
كان عهد القانوني العهد الذي تمت فيه إدارة أعظم دولة بأرقى نظام إداري وساعد وجود أبو السعود أفندي صاحب التفسير المعروف باسم \”إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم\” السلطان في وضعه للقوانين التي تنظم الحياة في دولته الكبيرة.. ، وراعى فيها الظروف الخاصة لأقطار دولته، وحرص على أن تتفق مع الشريعة الإسلامية والقواعد العرفية،ولم يستورد قوانين أجنبية ويفرضها على شعبه وقد ظلت هذه القوانين التي عرفت باسم \”قانون نامه سلطان سليمان\” أي دستور السلطان سليمان تطبق حتى مطلع القرن الثالث عشر الهجري- التاسع عشر الميلادي.
ولم يطلق الشعب على السلطان سليمان لقب القانوني لوضعه القوانين، وإنما لتطبيقه هذه القوانين بعدالة، ولهذا يعد العثمانيون الألقاب التي أطلقها الأوروبيون على سليمان في عصره مثل: الكبير، والعظيم قليلة الأهمية والأثر إذا ما قورنت بلقب \”القانوني\” الذي يمثّل العدالة.
نماذج من هذه التعديلات القانونية :
قانون نامه مصر: وهو القانون الذي فرضه على مصر السلطان العثماني سليمان القانوني سنة (931هـ) (1525م) ليكون بديلا عن قانون السلطان قايتباي الذي كان متبعا حتى ذلك التاريخ. ويتضمن قانون نامه (24) بابا ومن هذه القوانين، ما يتعلق بأحوال أمير الأمراء وواجبه والذي يتمثل في إقامة قواعد الشرع وعدم السكوت على المنكرات وإن كانت مما يدر دخلا للأمة كالحانات والخمور وبدع الأفراح وتكشف العروس ليلة زفافها وقرر عقوبات رادعة للمخالفين – إلغاء الضرائب المفروضة على الناس كرسوم على تصريح الدفن للموتى – ضبط التعاملات التجارية وتحصيل الرسوم عليها ممن يستخدمون طرق البلاد برا وبحرا والتأكد التام من عدم ثبوت تهمة التجسس في حقهم – حركة تأميم واسعة لقصور الأمراء السابقين غير المسكونة – وفي الباب المتعلق بصرف الذهب منع استغلال التجار للناس عند تغيير العملة ورفع الضرر عن الناس وأنقذهم من جشع تجار الذهب – وفي الباب المتعلق ببيع السكر قرر رفع الظلم عن الناس حيث كانوا يلزمون بشراء أنواع رديئة من السكر الفائض بعد حصة الباب العالي ، وانظر قانون صناعة البنادق وحيازتها في مصر عام 931هـ 1525م.
التسامح والعدل:
ومن الصور المشرفة في التعامل مع الأقليات غير المسلمة في المجتمع المسلم قصة السلطان مع رجل يهودي رفض أن يبيع كوخا له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ومع إصرار اليهودي ذهب إليه السلطان في كوخه يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!
فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام فماذا صنع اليهود والنصارى بالأقليات المسلمة عبر العصور ؟!
. ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن أحياناً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب لها أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين ..
السلطان وبيت المقدس:
قام السلطان سليمان القانوني بالعديد من أعمال التشييد، ففي عصره بني جامع السليمانية الذي بناه المعماري سنان، كما قام بحملة معمارية في القدس من ضمنها ترميم سور القدس الحالي ولإنجاز هذا المشروع الكبير تم رصد خراج مصر سبع سنوات لهذا الصدد، كانت تحمل الأموال خلالها إلى بيت المقدس، حتى تم البناء.. وبهذا فإن السلطان العثماني سليمان القانوني يعد وبحق المجدد الإسلامي لهذه المدينة التي تعد مركزا دينيا عالميا.
وتجدر الإشارة هنا إلى ما حدث من سليمان القانوني بالنسبة للحائط الغربي للحرم الشريف، وقد أثبتت مصادر شرقية وغربية أن اليهود لم يظهروا في الماضي أي اهتمام بذلك الجزء من الحائط، وأن اليهود كانوا يتجمعون للصلاة على جبل الزيتون وعند بوابات الحرم، وأنهم عندما منعوا من دخول المدينة أثناء الفترة الصليبية كانوا يصلون عند الحائط الشرقي للحرم. وتضيف مؤلفة أمريكية أن سليمان القانوني هو الذي أصدر فرمانا يسمح بمكان لليهود للصلاة عند الحائط الغربي وذلك من قبيل التسامح الديني فاجتذب الحائط الغربي أساطير كثيرة، فقد تم ربط الحائط بأقاويل من التلمود تخص الحائط الغربي للهيكل، وهكذا أصبح الحائط رمزاً لليهود في سنة 1520 وما بعدها وما هو إلا صورة من صور العفو عند المقدرة تنكر اليهود بعهدها للجميل وليتعلم المسلمون أن التعامل بحسن النية مع اليهود من أخطر ما يكون!.
مآخذ على السلطان:لسنا نؤرخ لملائكة وإنما لبشر يصيبون ويخطئون ومن المآخذ:
(أ)الامتيازات الأجنبية:
مع كثير من العطف وحسن النية وبإلحاح من فرانسوا الأول ملك فرنسا ( الذي أسره السلطان في معركة بافيا وأطلق سراحه عام 1525م) قبل السلطان أن يعقد معاهدة مع فرنسا ليعينها على خصومها وكانت معاهدة ( الامتيازات العثمانية الفرنسية ) 1926م والتي كانت أول إسفين في نعش الخلافة وظهر أثرها فيما بعد وأعطتهم امتيازات كثيرة استفادوا منها لأنهم كانوا ضعفاء ولم يستفد منها العثمانيون الأقوياء وعندما حدث العكس وضعف المسلمون تنكروا للعهود واستخدموا بنودها التي في صالحهم سيفا مصلتا على رقاب المسلمين وعلى إثر هذه المعاهدة دخلت النظم الغربية شيئاً فشيئاً، وكان أول ما أدخل قانون القناصل ومحاكم القناصل، فقد كانت لـأوروبا قناصل في العالم الإسلامي، وكان القناصل يحكمون بين رعاياهم فقط، ولكن أحكامهم وقوانينهم توسعت حتى أصبحت تحكم بين الْمُسْلِمِينَ، ثم تمكنوا من زرع الجواسيس في جسد الأمة والوصول بهم إلى مراكز القرار لم يستطع ملك فرنسا أن يلتزم بالعهود بسبب الرأي العام النصراني مما أثبت الحقيقة التاريخية التي تقول بأن الأعداء لا يتخلى بعضهم عن بعض وأنهم لا يهرعون إلى مفاوضة ومعاهدة مع المسلمين إلا إذا كانت في صالحهم .
(ب) دور النساء التخريبي:
ومما يؤخذ على السلطان أنه وقع تحت تأثير الزوجة اليهودي الروسية روكسلانا التي تدخلت للتآمر ضد الأمير والقائد العظيم مصطفي بن السلطان سليمان وولي العهد الشرعي المحبوب لدى الجنود وكذلك ابنه الرضيع لتؤمن تولية ابنها سليم الثاني حكم البلاد وكذلك جدث لابنه الآخر بايزيد الثاني والدرس المستفاد أن سطوة النساء وسيطرتها على مقاليد الأمور عند ضعف حاكم البلاد وشيخوخته يضع الأمة تحت رحمة امرأة الله أعلم بتوجهاتها وأغراضها ولابد أن تدفع الأمة الثمن !!
وفاته: توفي رحمه الله وهو يحاصر مدينة سيكتوار البحرية في (20 من صفر 974 هـ= 5 من سبتمبر 1566م) عن عمر يناهز الواحدة والسبعين.

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*