الأحد , 30 أبريل 2017
جديد الموقع
سمة الصبر 1

سمة الصبر 1

 

الصبر خصلة فطرية ومكتسبة، فأصل الصبر موجود عند كل إنسان على تفاوت فيه، وهو قابل للتحصيل والتنمية والزيادة،

 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :

” إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ : [مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْر] متفق عليه،

ولما كان الصبر نصف الإيمان، وخلقاً فاضلاً من أخلاق النفس، وقائداً للنفس إلىطاعة الله، صارفاً لها عن معصيته، كان ضرورياً أن نبين فضله وأنواعه وآثاره ودلالاته، في وقت صارت حاجةالناس إلى الصبر لا تقل عن حاجتهم إلى الطعام والشراب.

تعريف الصبر:

لغة:

الحبس والكف والمنع، ومنه قيل: فلان صبراً إذا أمسك وحبس. ومنه قوله تعالى: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ”  سورة الكهف28، أي احبس نفسك معهم.
اصطلاحاً:

–      حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش.

–      حبس النفس على ما تكره ابتغاء مرضاة الله.

–      حبس النفس وحملها على ما تكره (من فعل الطاعة، وترك المعصية).

–      حبس النفس على فعل شيء أو تركه ابتغاء وجه الله،  قال تعالى: “والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم” سورة الرعد 22.

قال ابن العربي: (قال القاضي: الصبر مقام عظيم من مقامات الدين، وهو حبس النفس عما تكرهه من تسريح الخواطر وإرسال اللسان وانبساط الجوارح على ما يخالف حال الصبر…).

الصبر “

هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن لطم الخدود وشقالجيوب ونحوهما. وهو خُلق فاضل من أخلاق النفس، يُمتنع به من فعل ما لا يُحسن ولايَجْمُل. وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها. وقيل: (هو المقامعلى البلاء بحسن الصحة كالمقام مع العافية). ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية فيعافيته وفي بلائه، فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر، وصحبة البلاء بالصبر.

وسئل عنه الجنيد فقال: (هو تجرع المرارة من غير تعبس). وقال ذو النون: (هوالتباعد عن المخلفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقربساحات المعيشة(.

والصبر للنفس بمنزلة الخطام والزمام، فهو الذي يقودها في سيرها إلى الجنة أوالنار، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب. وحُفظ عن بعض السلف قوله: (اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء) أي: كُفُوها عما تتطلع إليه منالشهوات. فرحم الله امرأً جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله،وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر علىعذابه.

فحقيقة الصبر إذن أن يجعل العبد قوة إقدامه مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة إحجامهإمساكاً عما يضره.

والناس مع الصبر منهم من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به أقوى منصبره عمَّا يضره، فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن دواعي هواه إلى ارتكاب ما نُهيعنه. ومنهم من تكون قوة صبره عن المخلفات والمعاصي أقوى من صبره على مشقة الطاعات. ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على ذاك. فكثير من الناس يصبر على مشقة الصيام فيالحر وعلى مشقة قيام الليل في البرد، ولا يصبر عن نظرة محرمة. وكثير منهم يصبر عنالنظر إلى المحرمات وعن الالتفات إلى الصور العارية، ولا صبر له على الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعف شيء عن هذا. وأكثرهم لا صبرله على واحد من الأمرين، وأقلهم أصبرهم في الموضعين، ولهذا قيل: (الصبر ثبات باعثالعقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة).

أهميه الصبر: 
إنّ الصبر من أبرز الأخلاق الوارد ذكرها في القرآن حتى لقد زادت مواضع ذكره فيه عن مائة موضع، وما ذلك إلا لدوران كل الأخلاق عليه، وصدورها منه، فكلما قلبت خلقاً أو فضيلة وجدت أساسها وركيزتها الصبر، فالعفة: صبر عن شهوة الفرج والعين المحرمة، وشرف النفس: صبر عن شهوة البطن، وكتمان السر: صبر عن إظهار مالا يحسن إظهاره من الكلام، والزهد: صبر عن فضول العيش، والقناعة: صبر على القَدْر الكافي من الدنيا، والحلم: صبر عن إجابة داعي الغضب، والوقار: صبر عن إجابة داعي العجلة والطيش، والشجاعة: صبر عن داعي الفرار والهرب، والعفو: صبر عن إجابة داعي الانتقام، والجود: صبر عن إجابة داعي البخل، والكيس: صبر عن إجابة داعي العجز والكسل وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر، لكن اختلفت الأسماء واتحد المعنى، والذكي من ينظر إلى المعاني والحقائق أولاً ثم يحيل بصره إلى الأسامي فإن المعاني هي الأصول والألفاظ توابع، ومن طلب الأصول من التوابع زل. ومن هنا ندرك كيف علق القرآن الفلاح على الصبر وحده “وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً” سورة الإنسان 12،”أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، ويلقون فيها تحية وسلاماً” سورة الفرقان 75، “سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار” سورة الرعد24.

وترجع عناية القرآن البالغة بالصبر إلى ماله من قيمة كبيرة في الحياتين الدنيا والأخرى، فليس هو من الفضائل الثانوية، بل من الضرورات اللازمة التي لا انفكاك للإنسان عنها، فلا نجاح في الدنيا ولا نصر ولا تمكين إلا بالصبر، ولا فلاح في الآخرة ولا فوز ولا نجاة إلا بالصبر، فلولا صبر الزارع والدارس والمقاتل وغيرهم ماظفروا بمقاصدهم: 
وقلّ من جدّ في أمر يحاوله *** واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر 
وقال آخر: 
لا تيأسن وإن طالت مطالبة          ***    إذا استعنت بصبر أو ترى فرجا 
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ***    ومدمن القرع للأبواب أن يلجا 

ولئن كان الأمر كذلك في الدنيا، فهو في الآخرة أشد وأوكد، وإذا كان هذا شأن الصبر مع كل الناس، فأهل الإيمان أشد الناس حاجة إليه لأنهم يتعرضون للبلاء والأذى والفتن “ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين” سورة العنكبوت 1-3.

ورسل الله أشد أهل الإيمان حاجة إلى الصبر لأنهم الذين يقومون أساساً بالدعوة ويجابهون الأمم بالتغيير وهم حين يقومون بذلك يكون الواحد منهم فرداً في مواجهة أمة تعانده وتكذبه وتعاديه. 

وتتمثل أهمية الصبر في:

الأول: أن الله ذكره في أكثر من مائة موضعاً في القرآن.
الثاني: أن الله قرنه بالصلاة.
الثالث: أن مقامات الدين كلها مرتبطة به، فالدين فعل طاعة وترك معصية، وقوام ذلك على الصبر.

الرابع: أن الله تعالى لما أقسم بالعصر على خسران الإنسان استثنى فقال: “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوابالحق وتواصوا بالصبر” العصر 3. أي: أوصى بعضهم بعضاً بذلك.

حكمة الصبر:
الصبر من حيث الجملة واجب، ويدل على ذلك:

أ –  أمر الله به في غير ما آية قال تعالى: “استعينوا بالصبر والصلاة” البقرة 45، “اصبروا وصابروا” آل عمران 200.
ب – نهيه عن ضده كما في قوله “فلا تولوهم الأدبار” الأنفال 15، وقوله “ولا تبطلوا أعمالكم” محمد 33، “ولا تهنوا ولا تحزنوا” آل

      عمران 139،  “فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم” الأحقاف 35.
ج – أن الله رتب عليه خيري الدنيا والآخرة وما كان كذلك كان تحصيله واجباً.

وقد أمر الله المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة فقال: “ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون” آل عمران 200، وصيغة المصابرة تفيد المفاعلة من الجانبين، والمعنى هنا: مغالبة الأعداء في الصبر، فإذا كنا نصبر على حقنا، فإن المشركين يصبرون على باطلهم؛ فلا بد أن نغلبهم بمصابرتنا. 

أنواع الصبر:

أنواع الصبر ثلاثة كما قال أهل العلم وهي: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيةالله، وصبر على أقدار الله.

ومرجع هذا أن العبد في هذه الدنيا بين ثلاثة أحوال: بينأمر يجب عليه امتثاله، وبين نهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وبين قضاء وقدر يجب عليهالصبر فيهما، وهو لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً، وهو محتاج إلى الصبر في كلواحد منها. وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان ابنه في قوله: “يَابُنَيأقِمِ الصَلآةَ وَأمُر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصبِر عَلَىمَآأصَابَكَ”لقمان:17. بالإضافة إلى أن الصبر في اللغة هو الحبس والمنع، فيكون معناه حبسالنفس على طاعة الله، وحبس النفس ومنعها عن معصية الله، وحبس النفس إذا أصيبت بمصيبة عن التسخط وعن الجزع ومظاهره من شق الجيوب ولطم الخدود والدعاء بدعوىالجاهلية.

أما الصبر على الطاعات فهو صبر على الشدائد، لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير منالعبادات، فهي تكره الصلاة بسبب الكسل وإيثار الراحة، وتكره الزكاة بسبب الشحوالبخل، وتكره الحج والجهاد للأمرين معاً، وتكره الصوم بسبب محبة الفطر وعدم الجوع،وعلى هذا فقس. فالصبر على الطاعات صبر على الشدائد.

والعبد يحتاج إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال:

الأولى:قبل الشروع في الطاعة بتصحيح النية والإخلاص وعقد العزم علىالوفاء بالمأمور به نحوها، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، ولهذا قدم الله تعالى الصبرعلى العمل فقال: “إلا الّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُواالصالِحاتِ”هود:11.

الثانية:الصبر حال العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله، ولا يتكاسلعن تحقيق آدابه وسننه وأركانه، فيلازم الصبر عند دواعي التقصير فيه والتفريط، وعلىاستصحاب ذكر النية وحضور القلب بين يدي المعبود.

الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل، إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للرياء والسمعة، والصبر عن النظر إلى العمل بعين العجب، والصبر عنالإتيان بما يبطل عمله ويحبط أثره كما قال تعالى: “لاَ تُبطِلُواصَدَقَاتِكُم بِالمَنِ وَالأذَى”البقرة:264، فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقدأبطل عمله.

فالطاعة إذن تحتاج إلى مجاهدة وصبر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:[حفت الجنة بالمكاره..]  رواه مسلم، أي بالأمور التي تشق على النفوس.

وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر، ويكون بحبس النفس عن متابعة الشهوات، وعن الوقوع فيما حرم الله. وأعظم ما يعين عليه ترك المألوف، ومفارقة كل ما يساعد علىالمعاصي، وقطع العادات، فإن العادة طبيعة خاصة، فإذا إنضمت العادة إلى الشهوة تظاهرجندان من جند الشيطان على جند الله، فلا يقوى باعث الدين على قهرهما. ولهذا قالالنبي صلى الله عليه وسلم: [وحفت النار بالشهوات.. ] وذلك لأن النفوس تشتهيها وتريد أن تقتحم فيها، فإذا حبس الإنسان نفسه عنها وصبر على ذلك كان ذلك خيراً له.

وأما الصبر على البلاء فقد قال الله تعالى: “وَلَنَبلُوَنّكُم بِشَىءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثّمَراتِ وَبَشِرِ الصّابِرينَ”البقرة:155. ويكون هذا الصبر بحبس اللسان عن الشكوى إلىغير الله تعالى، والقلب عن التسخط والجزع، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوبونحوها.

فالصبر من العبد عند وقوع البلاء به هو اعتراف منه لله بما أصاب منه واحتسابهعنده ورجاء ثوابه، فعن أم سلمة قالت: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: [إذاأصاب أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرنيفيها، وأبدل لي بها خيراً منها]رواه أبو داود.

فلما احتضر أبو سلمة قال: (الهم اخلفني في أهلي خيراً مني). فلما قبض قالت أمسلمة: (إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب مصيبتي). فانظر عاقبة الصبروالاسترجاع ومتابعة الرسول والرضا عن الله إلى ما آلت إليه. ونالت أم سلمه نكاحأكرم الخلق على الله محمد صلى الله عليه وسلم.

أنواع الصبر:

الصبر نوعان، بدني ونفسي وكل منهما قسمان: اختياري واضطراري، فصارت أربعة:

أ – بدني اختياري، كتعاطي الأعمال الشاقة.
ب – بدني اضطراري كالصبر على ألم الضرب.
ج – نفسي اختياري كصبر النفس عن فعل مالا يحسن فعله شرعاً ولا عقلاً.
د – نفسي اضطراري كصبر النفس عن فقدان محبوبها الذي حيل بينها وبينه.

والبهائم تشارك الإنسان في النوعين الاضطراريين لكنه يتميز عليها بالنوعين الاختياريين، والصبر الاختياري أكمل من الاضطراري، فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري، ولذلك كان صبر يوسف على مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله من السجن أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبويه، وباعوه بيع العبد، ومن الصبر الاختياري صبره على العز والتمكين الذي أورثه الله إياه فجعله مسخراً لطاعة الله ولم ينقله ذلك إلى الكبر والبطر، وكذلك كان صبر نوح والخليل وموسى الكليم والمسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم فإن صبرهم كان على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سموا أولي العزم، وأمر الله رسوله أن يصبر كصبرهم “فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل” الأحقاف 35. 

واعلم أن الصبر المتعلق بالتكليف وهو صبر إما على الطاعة أو عن المعصية أفضل من الصبر على مر القدر فإن هذا الأخير يأتي به البر والفاجر والمؤمن والكافر فلابد لكل أحد من الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً، أما الصبر على الأوامر وعن النواهي فهو صبر أتباع الرسل، والصبر على الأوامر أفضل من الصبر عن النواهي لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى.

مراتب الصبر:

وهي ثلاثة كما ذكر ابن القيم رحمه الله:

الأولى: الصبر بالله،ومعناها الاستعانة به، ورؤيته أنه هو المُصيّر، وأنصبر العبد بربه لا بنفسه، كما قال تعالى:“وَاصبِر وَمَا صَبرُكَ إلا بِاللّهِ“النحل:127، يعني: إن لم يُصبرك الله لم تصبر.

الثانية: الصبر لله،وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله تعالى،وإرادة وجهه والتقرب إليه، لا لإظهار قوة نفسه أو طلب الحمد من الخلق، أو غير ذلكمن الأغراض.

الثالثة: الصبر مع الله،وهو دوران العبد مع مراد الله منه ومع أحكامه،صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها، مقيماً بإقامتها، يتوجه معها أينما توجهت، وينزلمعها أينما نزلت، جعل نفسه وقفاً على أوامر الله ومحابه، وهذا أشد أنواع الصبروأصعبها، وهو صبر الصديقين.

قال الجنيد:

 (المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهجران الخلق فيجنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله أشد 

الصبر مادة كيميائية:

في السنوات الأخيرة تم اكتشاف مادة كيميائية تفرزها خلايا المخ خاصة القشرة العليا من فصي المخ وأطلق العلماء على هذه المادة (أندورفين) ووجدوا أن هذه المادة الكيميائية:

1-تزداد في دم الإنسان كلما زاد صبره على الآلام المختلفة كلما زادت إرادته في إنجاز عمل خاص.

2-تعين الإنسان على وقف الألم وعلى زيادة التحمل وعلى استقرار طاقات الإنسان وهو يواجه الصعوبات والمخاطر، ولذا أطلقوا عليها وصف (أفيونات المخ).

3-تفرز هذه المادة مجاناً بدون مقابل إلاّ مقابل الصبر، وتأكيد الإرادة والاستعانة بالقدرة على التحمّل.

4-وكلما زاد الصبر وجد أطباء التحليل زيادة مادة (الأندورفين) في الدم وهذا إعجاز للخالق سبحانه وتعالى الذي وعد الصابرين بدرجات من النعيم وتتعدد طاقاتهم نتيجة زيادة إمدادهم بهذه المواد الكيميائية قدر صبرهم والتوكل الحقّ على القوي القادر ولننظر إلى جمال الآية وهم يقولون للخالق “ربّنا أفرغ علينا صبراً” وهذا دليل على أن الصبر مادة كيميائية وهي تأتي من أعلى طاقات الإنسان العصبية وتفرغ عليه عوناً من عند الله ، ويكون الناتج ثبات الإنسان المؤمن: “وثبّت أقدامنا” وتكون الجائزة: “وانصرنا على القوم الكافرين”

فضل الصبر:

للصبر فضائل كثيرة منها:

 أن الله يضاعف أجر الصابرين على غيرهم، ويوفيهم أجرهمبغير حساب، فكل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى: “إنَمَا يُوَفَىالصَابِرُونَ أجّرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ”الزمر:10. وأن الصابرين في معية الله، فهومعهم بهدايتهونصره وفتحه، قال تعالى: “إنّ الله مَعَ الصّابِرينَ“البقرة:153. قال أبو على الدقاق: (فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معية .(

وأخبر سبحانه عن محبته لأهله فقال: “وَاللّهُ يُحِبُ الصّابِرِينَ”آلعمران:146، وفي هذا أعظم ترغيب للراغبين. وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً ذلكباليمين فقال سبحانه: “وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌلِلصَابِريِنَ“النحل:126. وجمع الله للصابرين أموراً ثلاثة لم يجمعهالغيرهم وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: “وَبَشّرِ الصّابِرينَ (155) الّذِينَ إذَآ أصَا بَتتهُم مُصِيَبَةٌ قَالُوا إنّاللهِ وَإنّآ إلَيهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌُ مِن رّبِهِموَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ“البقرة:155-157.

وقال بعض السلف وقد عُزِي على مصيبة وقعت به: (مالي لا أصبر وقد وعدني الله علىالصبر ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها).

ومنها أيضاً أن الله علق الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال: “يآأيُهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلَكُم تُفلِحُونَ“آل عمران:200، فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور.

الصبر في القرآن الكريم:

ذكر ابن القيم رحمه الله كثيراً من المواضع التي ورد بها الصبر في القرآنالكريم، ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله قوله: (ذكر الله سبحانه الصبر في القرآنالكريم في نحو تسعين موضعاً) ومنها:

1-الأمر به كقوله تعالى: “وَاصبِر وَمَا صَبُركَ إلا بِاللّهِ”النحل:127، وقوله: “وَاصبِر لِحُكِمِ رَبِكَ“الطور:48.

2-النهي عن ضده وهو الاستعجال كقوله تعالى:”فَاصبِر كَمَاصَبَرَ أُولُوا العَزمِ مِنَ الرُسُلِ وَلاَتَستَعجِل لَهُم”الأحقاف:35. وقوله: “وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحُوُتِ”القلم:48.

3-الثناء على أهله، كقوله تعالى: “وَالصّابِرِينَ فِي البأسآءوَالضّرآء وَحِينَ البأسِ أُولَئِكَ الّّذَينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُالمُتَقُون” البقرة:177.

4-تعليق النصر والمدد عليه وعلى التقوى، كقوله تعالى: “بَلَى إن تَصبِرُواوَتَتَقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هَذَا يُمدِدكُم بِخَمسَةٍ ءَالَفٍ مِنَالمَلائِكَةِ مُسَوِمِينَ“آل عمران:125]، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:  [واعلم أن النصر مع الصبر].

5-الإخبار بأن الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من المكروه المرهوب، ودخول الجنة وسلام الملائكة عليهم، إنما نالوه بالصبر، كما قال: “وَالملائكةُيَدخُلُونَ عَلَيِهِم مِن كُلِ بَابٍ (23) سَلاَمٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ“الرعد:24،23.

6-الإخبار أنه إنما ينتفع بآيات الله ويتعظ بها أهل الصبر، كقوله تعالى: “وَلَقَد أرسَلنَا مُوسَى بِئآياتِنآ أن أخرِج قَومَكَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النورِوَذَكِرهُم بِأيامِ اللّهِ إنَ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِ صَبّارٍ شَكُورٍ“إبراهيم:5.

7-الإخبار أن خصال الخير والحظوظ العظيمة لا يلقاها إلا أهل الصبر كقوله تعالى: “وَيلَكُم ثوآبُ اللّهِ خَيرٌ لِمَن ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً وَلاَيُلَقاهآ إلا الصَابِرُونَ”القصص:80، وقوله: “وَمَا يُلَقاهآ إلا الذّينَ صَبَرُواوَمَا يُلَقَهآ إلا ذُو حّظٍ عَظِيمٍ” فصلت:35.

8-تعليق الإمامة في الدين بالصبر واليقين، كقوله تعالى: “وَجَعَلنا مِنهُم أئِمّةً يَهدُون بِأمرِنا لَمَا صَبَرُوا وَكَانُوا بِئَاياتِنا يُوقِنُون” السجدة:24. فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

9-أن الله أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال: “إنّاوَجَدنَاهُ صَابِراً نِعمَ العَبدُ إنَهُ أوابٌ“ص:44، فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجدهصابراً وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلي فإنه بئس العبد.

10- أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان، فقرنه بالصلاة فيقوله: “وَاستَعِينُوا بِالصّبرِ وَالصّلاةِ” البقرة:45، وبالتقوى في قوله: “إنّهُ مَن يَتَقِ وَيَصبِر“يوسف:90، وبالشكر في قوله: “إن فِي ذَلِكَ لأياتٍ لِكُلِ صَبَارٍ شَكُور” لقمان:31، وبالرحمة في قوله: “وَتَوَاصَوابِالصّبرِ وَتَوَاصَوا بِالمرحَمَةِ”البلد:17، وبالصدق في قوله: “وَالصّادِقينَوَالصَادِقَات وَالصَابِرين وَالصّابِراتِ”الأحزاب:35.

11- علق الله الفلاح به في قوله: “ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون” آل عمران 200.

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*