الخميس , 23 مارس 2017
جديد الموقع
سمة المرونة

سمة المرونة

سمة المرونة 

تعتبر سمة المرونة من السمات الهامة والضرورية، ويمكن لكل منَّا إكتسابها فتمكنه من أن تتولد لديه مجموعة من الأفكار الجديدة والمتنوعة، التي تمكنه من القيام بدوره الحياتي والدعوى.

 هذه السمة سوف تغيّر نظرتك للحياة جميعها، لأنها سوف تفتح مجالات جديدة للتفكير والنظر، فهيا بنا مع تلك السمة صانعة الرجال. 

تعريف المرونة:

بشكل عام هي: القدرة على توليد أفكار متنوعة ليست من نوع الأفكار المتوقعة عادة، وتوجيه أو تحويل المسار التفكيري مع تغيّر المثير أو متطلبات الموقف، والمرونة هي عكس الجمود الذهني الذي يعني تبني أنماط ذهنية محددة سلفاً وغير قابلة للتغيّر حسب ما تستدعي الحاجة.

ومن أشكال المرونة:

  • المرونة التلقائية.
  • المرونة التكيفية.

المرونة لغةً:

قال ابن فارس(في معجم مقاييس اللغة): (“مرن” الميم والراء والنون أصل صحيح يدل على لين شيء وسهولة). وجاء في لسان العرب: (مَرَنَ يَمرُن مَرانةً ومُرُونةً: وهو لين في صلابة. ومَرَنتَ يَد فُلانٍ على العمل أي صَلبُت واستمرت والمَرَانة: اللينُ).

وهى السيولة وهى تقابل الجمود.

اصطلاحاً:

إن مفهوم المرونة كغيره من المصطلحات في العلوم الإنسانية تتعد فيه المفاهيم وتختلف، ومرد ذلك الاختلاف إلى أن البعض ينظر إلى المرونة من خلال الوسط العلمي الذي يعيش فيه، فمنهم من يرى أن المرونة هي التوسط، ومنهم من يرى المرونة هي الحل الأيسر، ومنهم من يرى المرونة في اللين واليسر، ومنهم من يرى المرونة أنها القابلية للتغيّر إلى الأحسن والأفضل، ومنهم من يرى المرونة في تحقيق خير الخيرينِ ودفع شر الشرّينِ، ومنهم من يرى المرونة في تقبل الآخرين وأفكارهم، ويشير إلى هذا المعنى الأخير الياسين بقوله: (إن على الإنسان أن لا يتخلى عن المرونة في تعامله مع نفسه ومع الآخرين، وليس المقصود بالمرونة بما دون الحق فليس ذلك من المرونة ولا من الشهامة والرجولة، التي يبنيها الدين في الإنسان، وإنما  المقصود ألا يقتصر الإنسان في فهمه وتعامله على جانب واحد من جوانب الحق، لا يتعداه إلى غيره من الجوانب، فإذا تعددت آراء العلماء الموثقين حول نقطة معينه، فلنا أن نأخذ برأي من هذه الآراء دون أن نحاول فرضه على الآخرين، ودون أن يمنعنا ذلك من اعتبار أن الآخرين قد يكونون على الحق ولو أخذوا رأياً آخر من غير أن تقوم بيننا مجادلاتٍ، أو تنشأ خلافات وخصومات)(مجلة المنار).

ويمكن أن نستخلص من هذا التعريف: أن المرونة تكون في تقبل آراء الآخرين، وأن لا يقتصر الإنسان على جانب واحد من الحق، وأن لا يفرض رأيه على الآخرين.

ويشير رزوق إلى أن المرونة تكون في القدرة على التكيف، وهي ميزة تساعد على الانفتاح بقوله: (تشير المرونة… باعتبارها خاصة تنم عن القدرة على التكيف والتلاؤم، وميزة تشير إلى الانفتاح على صعيد القدرات والقوى والاستعداد من جانب المرء لتطويعها وملاءمتها بحيث تنطوي على قابلية التطويع) (موسوعة علم النفس– ص278).

وتعرّف المرونة بأنها: (الحد الفاصل بين الثبات المطلق الذي يصل إلى درجة الجمود، والحركة المطلقة التي تخرج بالشيء عن حدوده وضوابطه، أي إن المرونة حركة لا تسلب التماسك، وثبات لا يمنع الحركة) (مفهوم الأصالة والمعاصرة وتطبيقاته في التربية الإسلامية – للصوفي – ص141). ويلاحظ أن كل هذه المعاني السابقة من التوسط والقابلية للتغيّر  والأخذ بأيسر الحلول… وغيرها، معاني تتضمنها المرونة.

ولهذا يمكن القول: أن المرونة هي الاستجابة الانفعالية والعقلية التي تمكن الإنسان من التكيف الإيجابي مع مواقف الحياة المختلفة “سواء كان هذا التكيف بالتوسط أو القابلية للتغير أو الأخذ بأيسر الحلول…”

وتعنى القدرة على تغير زوايا التفكير (من الأعلى إلى الأسفل والعكس، ومن اليمين إلى اليسار والعكس، ومن الداخل إلى الخارج والعكس ، وهكذا) من أجل توليد الأفكار، عبر التخلص من (القيود الذهنية المتوهمة) (المرونة التلقائية)، أو من خلال إعادة بناء اجزاء المشكلة (المرونة التكيفية).

ويحدث هناك تداخل عند البعض بين مفهوم المرونة والمداراة والمداهنة ويتطلب ذلك توضيح الفرق.

الفرق بين المرونة والمداراة والمداهنة:

ومن خلال المفاهيم يتضح الفرق:

مفهوم المداراة:

قال ابن بطال: (المداراة من أخلاق المؤمنين هي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة… والمداراة هي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والملاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطفِ حتى يرجعوا عما هم عليه) (شرح صحيح البخاري ج9 ص 305-306). وقال ابن حجر: (المداراة الدفع برفق) (فتح الباري ج10 ص545)، وقال المناوي: (المداراة: الملاينة و الملاطفة) (التوقيف على مهمات التعاريف – ص 645).

 (المداراة معناها التلطف بالمدعو، وإظهار البشاشة له ومراعاته دون إخفاء، أو تحسين لباطل، أو تغيّر لحقيقة) (المداراة التربوية للعليمي – ص14). ويلاحظ من خلال التعريفات السابقة أن المداراةتأتي على عدة معاني:

o       المداراة بمعنى حسن الخلق والمعاشرة مع الناس.

o       المداراة  بمعنى الدفع برفق.

o       المداراة بمعنى الملاينة والملاطفة وإظهار البشاشة.

وللمدارة أمثلة تطبيقية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:

فقد أفرد البخاري في صحيحه باباً بعنوان: (المداراة مع الناس) وأورد فيه حديثاً عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ).

مفهوم المداهنة:

قال الجرجاني (المداهنة هي أن ترى منكراً وتقدر على دفعه ولم تدفعه حفظاً لجانب مرتكبه أو جانب غيره أو لقلة مبالاةٍ في الدين) (التعريفات ص90).

من خلال مفهوم المداهنة يمكن القول: إن المرونة والمداراة التي هي صورة من صور المرونة شيء والمداهنة شيء آخر، فالمرونة والمداراة جائزة بخلاف المداهنة فإنها محرمة شرعاً.

ويشير إلى هذا المعنى ابن القيم بقوله: (وكذلك المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذم، والفرق بينهما أن “المداوي” يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه، فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق) (الروح ص208).وهذا ما يؤكده ابن بطالبقوله:  (وقد ظن من لم يمعن النظر أن المداراة هي المداهنة، وذلك غلط، لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة) (شرح صحيح البخاري ج9 ص306).

فالمرونة خاصية ثابتة من خصائص الشريعة، ولكنها تعمل في المتغيرات “الوسائل، والأساليب، والفروع، والجزئيات” فهي تتخذ من الثوابت قاعدة  ومرتكزات (فالمرونة حصيلة حركة في إطار ثابت، فهي ليست حركة مطلقة، وليست ثباتاً مطلقاً. وبذلك تكون المرونة هي الحد الفاصل بين الثبات المطلق الذي يصل إلى درجة الجمود، والحركة المطلقة التي تخرج بالشيء عن حدوده وضوابطه، أي أن المرونة حركة لا تسلب التماسك، وثبات لا يمنع الحركة) (مفهوم الأصالة والمعاصرة وتطبيقاته في التربية الإسلامية للصوفي – ص141).

تعريف الطلاقة:

   هي القدرة على توليد عدد كبير من البدائل أو المترادفات أو الأفكار أو المشكلات أو الاستعمالات عند الاستجابة لمثير معين، والسرعة والسهولة في توليدها وهي في جوهرها عملية تذكّر واستدعاء اختيارية لمعلومات أو خبرات أو مفاهيم سبق تعلمها.

هذا وقد تضمن القرآن الكريم الكثير من الشواهد التي تؤكد على خاصية المرونة وأهميتها.

شواهد المرونة في القران الكريم:

أولاً: التأكيد على مبدأ الشورى:

–        قال تعالى: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” سورة آل عمران 159، وقال تعالى: ” وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ سورة الشورى 38

–        والشورى هي (استنباط المرء رأي غيره فيما يعرض له من الأمور والمشكلات) (مرونة الذريعة إلى مكارم الشريعة للأصفهاني– ص192). وهي مبدأ إسلامي ثابت، وتتمثل المرونة هنا في أنه لم يُحدد شكل معين للشورى، ولا ما هي الصور والمسائل التي تجري فيها الشورى.

–        قررت هاتان الآيتان مبدأ الشورى، ولم تحدد المسائل التي تجرى فيها الشورى وجوباً أو جوازاً، ومن هم أهل الشورى وما هي إجراءاتها، وهل نتيجتها ملزمة أو لا) (مرونة الفقه الإسلامي ص37).

–        وتتمثل المرونة أيضا: (في عدم تحديد شكل معين للشورى، يلتزم به الناس في كل زمانٍ وكل مكانٍ فيتضرر المجتمع بهذا التقيد الأبدي.

ثانياً: التأكيد على قضية اليسر:

قال تعالى: “يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” سورة البقرة 185

وقال تعالى: “مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ” سورة المائدة 6

وتتمثل المرونة هنا في اليسر وعدم الحرج،  (وقد بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وجود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من المحرمات عند الحاجة) (خصائص الشريعة الإسلامية للأشقر – ص63). ومثال ذلك أن الشريعة حرمت أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، قال تعالى: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” سورة المائدة 3 ، ثم إباحة ذلك عند الضرورة بقدر الحاجة من باب اليسر ورفع الحرج، وهذا من المرونة قال تعالى:”فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” سورة المائدة 3

ثالثاً: اتساع دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال تعالى:”وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” سورة آل عمران 104.

وقال تعالى: “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ” سورة التوبة 71.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ثوابت هذه الشريعة الربانية.

وتتمثل المرونة في أن: (هذه النصوص لم ترسم طريقاً محددة، ولا كيفية معينة للأمر والنهى والدعوة، بل تركت ذلك لعقول الناس وضمائرهم، يقررون ما يرونه أصلح لهم فقد يُترك جزء من الأمر والنهى للأفراد يمارسونه، وذلك في الأمور التي لا تحتاج إلى تعاون الجماعة، ولا إلى نفوذ السلطة. وقد يُوكل جزء آخر إلى مؤسسات جماعية شعبية منظمة: هيئات، جمعيات…) (مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية للقرضاوي – ص175).

رابعاً: اللين والملاطفة في القول:

قال تعالى: “فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى” سورة طه 44، وقال تعالى: “وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورا” سورة الإسراء28.

وتتمثل المرونة هنا في القول اللين الميسور حتى مع من بلغ معه الاستكبار أعلى درجاته. قال ابن كثير: (هذه الآية فيها عبر عظيمة هو أن فرعون في غاية  العتو والاستكبار وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك ومع هذا أُمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين) (تفسير القرآن العظيم ج3 ص161). فالملاطفة واللين أوقع في النفوس وأدعى للقبول، الأمر الذي يتطلب أن يكون المسلم صاحب قول لين ميسور مع من حوله، حتى يكون أبلغ وأنجع في توصيل رسالته التي يريد.

خامساً: دفع شر الشرين:

قال تعالى: “أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً سورة الكهف 79-81. وتتمثل المرونة هنا في أن الخضر عليه السلام اختار أخف الشرين، فتبقى السفينة معيبة خير من أن يأخذها الملك، وقتل نفس واحدة خير من قتل نفسين. قال بكار: (قد علمنا الخضر-عليه السلام- كيف نوازن بين الإبقاء على سفينة معيبة، وبين ذهابها بالكلية؛ ولا ريب أن بقاءها معيبة أخف شراً؛ كما علمنا أن موت نفس واحدة أخف شراً من هلاك نفسين) (فصول في التفكير الموضوعي – ص57).

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن مسأَلة دفع شر الشرين، تحتاج إلى علمٍ واسعٍ، وفهمٍ دقيقٍ، وحكمةٍ بالغةٍ، ولا تكون مبذولة لكل أحد.

سادساً: الإعداد والقوة:

مما لاشك فيه أن الإعداد وحيازة القوة أمر مطلوب من الأمة الإسلامية حتى تبقى للأمة مكانتها، وقوتها بين الأمم، فلا تستباح بيضتها.

قال تعالى: “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ سورة الأنفال 60

وتتمثل المرونة هنا أن الله لم يحدد طريقة معينة من الإعداد، أو قوة محددة لا نحيد عنها، بل الإعداد بكل الطرق، وتجمع القوة بجميع أشكالها.

قال السعدي: (“مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ” أي كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية؛ وأنواع الأسلحة ونحو ذلك، مما يعين على قتالهم. فدخل في ذلك أنواع الصناعات، التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات، من المدافع، والرشاشات، والبنادق، والطائرات، والمراكب البرية والبحرية، والقلاع، والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي والسياسة، التي بها يتقدم المسلمون، ويندفع عنهم بها شر أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير) (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ج2 ص212). بل تؤكد زينب الجبيلىهذا المعنى بقولها: (بل إن من واجبنا اليوم امتلاك الذرة والنوويات وكل ما أحدثه العلم من عدة السلاح: صواريخ موجهة و قنابل ذرية وأقمار صناعية وكل علوم الحرب يجب أن نملكها ونصنعها لنصون بها عشرتنا بالله ثم بما أمرنا الله به) (نظرات في كتاب الله ج1 ص545). وما ذكر على سبيل المثال لا الحصر.

المرونة في السنة النبوية:

إذا كان القرآن الكريم أوضح لنا الإطار لشواهد المرونة، فإن السنة النبوية توضح لنا الإطار التطبيقي للمرونة التي تجلت في سيرته صلى الله عليه وسلم  (إن المتأمل  في السنة النبوية يجدها حافلة بالأمثلة والدلائل تتمثل فيها هذه الخصيصة الهامة من خصائص الإسلام… فقد كان صلى الله عليه وسلم… مرناً في الكيفيات والجزئيات، وفي مواقف السياسة ومواجهة الأعداء، ونحو ذلك) (بحوث في الثقافة الإسلامية –ص 456-457). ومن أمثلة ذلك:

أولاً: إحترامه وتقديره صلى الله عليه وسلم لوجهات النظر:

وتتمثل مرونته صلى الله عليه وسلم في تقديره لكل وجهة نظر يبديها ذو رأي من أصحابه، فتجده صلى الله عليه وسلم يأخذ برأي الحُباب بن المنذر بن الجموح في يوم بدر، في مكان نزول الجيش، ويأخذ برأي سلمان الفارسي رضي الله عنه  في حفر الخندق  يروي ابن هشام قصة الحُباب ابن المنذر يوم بدر بقوله:  (فَحُدثتُ عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلاً  أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي و الحربُ والمكيدة؟ قال: “بل هو الرأي والحرب والمكيدةُ” قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزلٍ فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءً من القوم فننزله ثم نعورُ ما وراءه من القُلُب، فَنبني عليه حوضاً ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماءٍ القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فَعوّرَتٌ وَبَنَى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فمليء ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية) (سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ج2 ص259-260). فقد حقق النبي صلى الله عليه وسلم بمرونته بتقدير وجهة النظر كل الخير والفتح المبين.

ثانياً: سعة الأفق وبعد النظر:

وتتمثل مرونته صلى الله عليه وسلم أيضا في عدم الإصرار على الجزئيات، والتي قد يكون بالإصرار عليها ضياع ما هو أهم منها، وما ذلك إلا لسعة أفقه وبُعد نظره صلى الله عليه وسلم ومن ذلك على سبيل المثال ما وقع في صلح الحديبية، يروي ابن هشام قال:  (دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً إبن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: أُكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أُكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أُكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صلح عليه محمدُ رسول الله سهيل بن عمرو، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أُقاتلك؛ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صلح عليه محمدُ بن عبد الله سهيل ابن عمرو...) (المرجع السابق ج3 ص366). ويعلق عبد الظاهر على هذه القصة بقوله: (أصر سهيل بن عمرو ألا يكتب علي بن أبي طالب بسم الله الرحمن الرحيم وأن يكتب بدلاً منها باسمك اللهم، وألا يكتب محمداً رسول الله بل محمد بن عبد الله، وقد وافق صلى الله عليه وسلم على ذلك في مرونةٍ رائعةٍ واعيةٍ حكيمةٍ وقَبِلَ  صلى الله عليه وسلم  في هذا الصلح شروطاً ظاهرها إجحاف بالمسلمين ولكن عاقبتها كل الخير والفتح المبين، وحقق صلى الله عليه وسلم  بمرونته هذه وبعد نظره أكبر فتح في تاريخ الدعوة الإسلامية أوصلها إلى آفاق جديدة ومساحات واسعة فقد كان هذا الصلح مقدمة فتح بين يدي فتح مكة) (بحوث في الثقافة الإسلامية –ص457).

ثالثاً: مراعاة الأفهام:

إن الإنسان قد يرغب في تحقيق مصلحة معينه، ولكن لعدم مراعاته لأفهام الناس فإن فعله لهذه المصلحة قد يوقعه في مفسدة عظيمة، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخلى عن بعض المصالح خشية الوقوع في المفسدة، ومثال ذلك ما أورده البخاريعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ) (فتح الباري ج1 ص271). قال ابن حجرموضحاً هذا المعنى:  (ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه) (فتح الباري ج1 ص271). وعلق النوويعلى هذا الحديث بقوله: (وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغيرها عظيماً، فتركها صلى الله عليه وسلم) (شرح صحيح مسلم ج1 ص128). ومن قواعد الشريعة الإسلامية  أن دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة، وهذا من المرونة.

رابعاً: الأخذ باليسر وترك العسر والمشقة:

من مؤشرات المرونة تعدد الخيارات ومما يؤكد ذلك ما أخرجه البخاريعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا) (شرح صحيح مسلم ج5/5775). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) (صحيح مسلم ج1 ص69).

وذكر بن حنبلفي مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ أَوْ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ سِوَاكٌ وَلَأَخَّرْتُ عِشَاءَ الْآخِرَةِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) (ج2).

فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يتحلى بخلق اليسر، فما سُئل يوم مِنَى عن تقديم أو تأخير بين الحلق والرمي والذبح، إلا قال إفعل ولا حرج فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنَى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ فَقَالَ:  (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ) ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ) قَالَ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ (صحيح مسلم ج2 ص 1306).

فاليسر من أهم الخصائص التي يمكن أن يتحلى بها المسلم المرن، فيجمع الناس من حوله ويملك عليهم قلوبهم وعقولهم.

خامساً: تقبله صلى الله عليه وسلم للناس على ما هم عليه من خطأ:

وتتمثل مرونته صلى الله عليه وسلم  أيضاً في تقبله للناس على ما هم عليه من خطأ، ومعاملتهم على أنهم بشر يصيبون ويخطئون، وتتمثل مرونته أيضا في رفقه بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إليه.

روى مسلم في صحيحه عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ:  (بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) (ج1/537).

وعلق النووي على هذا الحديث بقوله:  (فيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم. وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق  بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه) (شرح صحيح مسلم ج5 ص 28-29).

وهذا النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأعرابي يبول في المسجد حتى فرغ من بوله.

فقد روى مسلم في صحيحه عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أنه قَالَ:  (بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْه) (صحيح مسلم ج1 ص285). فكان لهذه المرونة المتمثلة في اليسر والين في تعامله مع الأعرابي كبير الأثر في نفسه، حتى قال الأعرابي:  (اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِكَ إِيَّانَا أَحَدًا فَقَالَ لَقَدْ حَظَرْتَ وَاسِعًا وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَكَ...) (سنن ابن ماجة ج1 ص530).

سادساً: إختلاف جوابه صلى الله عليه وسلم لاختلاف حال السائلين:

ومن مرونته صلى الله عليه وسلم مراعاته لأحوال السائلين، فكان يعطي كل واحد حاجته ويرشده إلى ما يناسبه ومن ذلك ما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ لَا فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ قَالَ نَعَمْ فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمْتُ نَظَرَ بَعْضِكُمْ إِلَى بَعْضٍ إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ) (مسند الإمام أحمد بن حنبل ج2 ص 6739). ويعلق أبو غدة على هذا الحديث بقوله: (أي فلا يخشى عليه إفساد الصوم بالوقوع في الجماع، بخلاف الشاب فقد يجره التقبيل إلى الجماعِ أو الإنزال فيفسدُ عليه صومه. فاختَلَفَ الجواب لاختلاف حال السائلين) (الرسول المعلم وأساليبه في التعليم ص85). ويلحق في هذا المعنى أيضاً، اختلاف وصيته صلى الله عليه وسلم عندما تطلب منه، وما ذلك إلا لاختلاف حال السائل، ومن ذلك ما ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ:  (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) (مسند الإمام أحمد بن حنبل ج5 ص5141). وروى البخاريعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه:أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي قَالَ: (لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ) (ج5 ص5765). وما هذا الاختلاف في الجواب لذات السؤال إلا لاختلاف حاجة السائل.

ومن هذا الباب أيضا اختلاف جوابه صلى الله عليه وسلم عند سؤاله عن أفضل الأعمال أو أحب الأعمال، فقد أجاب صلى الله عليه وسلم كل سائل حسب حاجته وهذا من مرونته صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما أورده البخاريعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ:  (تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) (ج12).

م/ ابراهيم ابو السعود

خبير التنمية البشرية والإدارية

 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*