السبت , 19 أغسطس 2017
جديد الموقع
صفات الرسول 2
صفات الرسول

صفات الرسول 2

شخصيتُه الرسول كإمامٍ وصديقٍ :
وإنما أدخَلْنا الصديقَ هنا ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان صديقاً لرعِيَّتِه ، فكلُّهم أصحابُه ، وهو بينهم كواحدٍ منهم ، يتفَقَّدُ أحوالهَم ، يعودُ مرضاهم ، ويشهدُ جنائزَهم ، ويُسَوّي بينهم ، ويصلحُ ذاتَ بينِهم ، يتحملُ إيذاءَ المنافقين منهم ، وجَفاءَ وغلظةَ أعرابهم ، ويعفو ويصفحُ عمَّن أساءَ إليه منهم ، مع مقدِرَته عليهم ، يشارِكُهم أعمالهَم ، ويعاتِبُهم في أخطائِهم بأرقِّ ما يكون من اللُّطْفِ والرأفةِ ، يبكي على فقيدِهم ، ويبذُلُ نفسَه لهم ، ولا يحتَجِزُ دونهم ، ويذهبُ بنفسه لعاجِزِهم يُلبّي طلبَه ، لا يستكبرُ أن يمشيَ مع الأرملةِ والمسكين فيقضي له حاجتَه ، ولا يُحَقِّرُ أحداً منهم حتى المصابينَ في عقولهم ، محبوبٌ لَدَيْهم جميعاً ، مَهيبٌ في صدورِهم حتى الصغير منهم ، ويخفِضون عنده أصواتهم ، وما يحدّون إليه أنظارَهم ، كان رحيماً رفيقاً شفوقاً على أمته ، ولم يحرِمْ العصاةَ من تلكَ الصفات .
هذا كلُّه سوى ما لا تحصيه الأقلامُ ، ولا تحيطُ به الأفهامُ ، من إرشادِهم ، وتعليمِهم وتأمينِ الحاجاتِ لهم ، وأمرِهم بالمعروفِ ، ونهيِهم عن المنكَرِ ، وقد تقدَّمَ الكثيرُ من جوانبِ شخصيتِه مع أصحابِه كمزاحِه ، وحسنِ عشرتِه لهم ، وسيأتي أيضاً جوانبٌ أخرى في ذلك إن شاء الله تعالى في سماتِ شخصيته صلى الله عليه وسلم كأسوةٍ للأمة .
عن جابرٍ رضى الله عنه قال : جاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعودُني ، وأنا مريضٌ لا أعقِلُ ، فتوضأَ وصبَّ عليَّ من وَضوئِه ، فعقلتُ ، فقلتُ : يا رسولَ الله لمن الميراثُ ؟ إنما يرِثني كلالةٌ . فنزلت آيةُ الفرائضِ( )
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت : ” أصيبَ سعدٌ يومَ الخندَقِ في الأكحلِ ، فضربَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجدِ ، ليعودَه من قريبٍ ، فلم يرُعْهم – وفي المسجد خيمةٌ من بني غفار – إلا الدم يسيلُ إليهم فقالوا : يا أهلَ الخيمةِ ما هذا الذي يأتينا من قِبَلِكم ؟ فإذا سعدٌ يغذو جرحُه دماً ، فمات فيها “( ).
وعن عبدِ الله بنِ عمرَ قال : كنا جلوساً مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حتى إذ جاءه رجلٌ من الأنصارِ ، فسلَّمَ عليه ، ثم أدبرَ الأنصاريُّ ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” يا أخاً من الأنصارِ كيفَ أخي سعد ابن عبادة ” ؟ فقال : صالحٌ . فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” من يعودُه منكم ” ؟ فقام ، فقُمنا معه ، ونحن بضعةَ عشرَ ما علينا نِعالٌ ، ولا خفافٌ ، ولا قلانسٌ ، ولا قُمصٌ ، نمشي في تلكَ السِّباخِ حتى جئناه فاستَأْخَرَ قومُه من حوله ، حتى دنا رسولُ الله وأصحابُه الذين معه( ) .
.
وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رجلاً أسودَ – أو امرأةً سوداء – كان يقُمُّ المسجدَ فماتَ ، فسأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنه . فقالوا : مات . قال : ” أفلا كنتم آذنتموني به ، دُلّوني على قبره – أو قال قبرها – ” . فأتى قبرَه فصلى عليه( ) .
وعن سهلِ بنِ سعدٍ الساعِدِيِّ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذهبَ إلى بني عمروِ بنِ عَوْفٍ ، ليًصلِحَ بينهم ، فحانتْ الصلاةُ ، فجاء المؤذنُ إلى أبي بكر فقال : أتصلي للناس فأقيم ؟ قال : نعم . فصلى أبو بكر …وذكر الحديث( ) .
وعن أسامةَ بنِ زيدٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ركِبَ حماراً عليه إكافٌ ، تحتَه قطيفةٌ فَدَكِيةٌ ، وأردَفَ وراءه أسامةَ ، وهو يعودُ سعدَ بنَ عبادةَ في بني الحارثِ بنِ الخزرجِ ، وذاك قبلَ وقعةِ بدرٍ ، حتى مرَّ بمجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمينَ والمشركينَ عبدةِ الأوثانِ واليهودِ ، فيهم عبدُ الله ابنُ أبَيّ ، وفي المجلسِ عبدُ الله بنُ رواحةَ ، فلما غَشِيَتْ المجلسَ عجاجةُ الدابة ، خمَّرَ عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ أنفَه برِدائِه ، ثم قال : لا تُغَبِّروا علينا . فسلَّم عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثم وقَفَ فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن . فقال عبد الله بن أبي : أيها المرءُ لا أحسنَ من هذا ، إن كان ما تقولُ حقاً ! فلا تُؤْذِنا في مجالِسِنا ، وارجِعْ إلى رَحْلِكَ ، فمنْ جاءكَ منا فاقصُصْ عليه ، فقال عبدُ الله بنُ رواحةَ : اغشنا في مجالسنا ، فإنا نحبُّ ذلك . قال : فاسْتَبَّ المسلمون ، والمشركون ، واليهود ، حتى همّوا أن يتواثبوا . فلم يزَلْ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهم ، ثم ركِبَ دابته حتى دخلَ على سعدِ بنِ عبادة فقال : ” أي سعدُ ، ألم تسمعْ إلى ما قالَ أبو حباب ( يريد عبد الله بن أبي ) ؟ ، قال كذا وكذا “. قال : اعفُ عنه يا رسولَ الله ، واصفحْ ، فوالله لقد أعطاكَ الله الذي أعطاكَ ، ولقدْ اصطلحَ أهلُ هذه البحيرة أن يُتَوِّجوه فيعصبوه بالعصابةِ ، فلما ردَّ الله ذلك بالحقِّ الذي أعطاكَ شَرَقَ بذلك ، فذلك فَعَلَ به ما رأيتَ . فعفا عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( ).
وعن أبي موسى قال : كنتُ عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازلٌ بالجعرانة بين مكةَ والمدينة ، ومعه بلالٌ . فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعرابيٌّ فقال : ألا تُنجِزْ لي يا محمدُ ما وعدْتَني . فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” أبشر ” . فقال له الأعرابيُّ : أكثَرْتَ عليَّ من أبشر . فأقبَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أبي موسى وبلال كهيئةِ الغضبان . فقال : ” إن هذا قد ردَّ البشرى فاقبلا أنتما ” . فقالا : قبِلْنا يا رسولَ الله . ثم دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقدحِ ماءٍ ، فغَسَلَ يديه ، ووجهَه فيه ، ومجَّ فيه . ثم قال : ” اشربا منه ، وأفرِغا على وجوهِكما ، ونحورِكما ، وأبشرا ” . فأخذا القَدَحَ ففعلا ما أمرَهما به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فنادتهما أمُّ سلمةَ من وراءِ السِّتْرِ : أفضِلا لأمِّكما مما في إنائِكما ، فأفضلا لها منه طائفة( )
وتقدَّم عفوُه صلى الله عليه وسلم عن الرجلِ الذي اختَرَطَ السيفَ ليقتُلَه في بدايةِ هذا الباب .
الأعراف : 200 ) .
عن البراءِ رضى الله عنه قال : رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ الخندَقِ وهو ينقُلُ الترابَ ، حتى وارى الترابُ شعرَ صدرِه – وكان رجلاً كثيرَ الشَّعرِ – وهو يرتجِزُ برجز عبد الله :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدَّقْنا ولا صلّينا
فأنزِلَنْ سكينةً علينـــا وثبِّتِ الأقدامَ إن لقينا
إن الأعداء قد بغَوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينــا
يرفع بها صوته( ) .
وعن أنسٍ رضى الله عنه قال : قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فنزلَ أعلى المدينةِ في حيٍّ يقال لهم : بنو عمرو بن عوف فأقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً ، ثم أرسلَ إلى بني النجارِ فجاءوا متقلِّدي السيوفَ ، كأني أنظر إلى صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفُه ، وملأُ بني النَّجّارِ حولَه ، حتى ألقى بفناءِ أبي أيوب ، وكان يحبُّ أن يصليَ حيث أدركَتْه الصلاةُ ، ويصلي في مرابضِ الغنم ، وأنه أَمَرِ ببناءِ المسجدِ ، فأرسلَ إلى ملأٍ من بني النَّجار فقال : ” يا بني النجارِ ، ثامنوني بحائِطِكم هذا ” . قالوا : لا ، واللهِ لا نطلُب ثمنَه إلا إلى الله . فقال أنس : فكان فيه ما أقولُ لكم : قبورُ المشركينَ وفيه خِرَبٌ وفيه نخلٌ . فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم بقبورِ المشركينَ فنُبِشَتْ ، ثم بالخِرَبِ فسُوِّيَتْ ، وبالنخلِ فقُطِعَ ، فصفّوا النخلَ قبلةَ المسجدِ ، وجعلوا عَضادَتَيْه الحجارةَ ، وجعلوا ينقُلونَ الصخرَ وهم يرتجزون ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول :
اللهمَّ لا خيرَ إلا خيرُ الآخرة فاغفِرْ للأنصارِ والمهاجرة( )
وعن عبدِ الله بنِ عمرَ رضى الله عنه قال : اشتكى سعدُ بنُ عبادةَ شكوى له ، فأتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعودُه ، مع عبدِ الرحمن ابنِ عوف ، وسعدِ بنِ أبي وقاص ، وعبدِ الله بن مسعود . فلما دَخَلَ عليه وَجَدَه في غشيةٍ ، فقال : ” أقد قُضي ” . قالوا : لا يا رسولَ الله . فبكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى القومُ بكاءَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بَكَوْا . فقال : ” ألا تسمعونَ ، إن الله لا يعذِّبُ بدمعِ العينِ ، ولا بحُزْنِ القلبِ ، ولكن يعذِّبُ بهذا – وأشار إلى لسانه – أو يرحم “( ) .
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضى الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأةٍ تبكي على صبيٍّ لها ، فقال لها : ” اتقي الله واصبري ” . فقالت : وما تُبالي بمصيبتي . فلما ذهبَ ، قيل لها : إنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذها مثلُ الموتِ . فأتتْ بابَه فلمْ تجِدْ على بابه بوابين . فقالت : يا رسولَ الله ، لمْ أعرِفْكَ . فقالَ : ” إنما الصبرُ عندَ أوَّلِ صدمةٍ ” أو قال : ” عندَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ “( ) .
وعنه قال : قال رجلٌ من الأنصار : إني لا أستطيعُ الصلاةَ معك – وكان رجلاً ضخماً _ فصنعَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم طعاماً فدعاه إلى منزله ، فبسطَ له حصيراً ، ونضحَ طَرَفَ الحصيرِ فصلى عليه ركعتين . فقال رجلٌ من آل الجارودِ لأنسٍ : أكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قال : ما رأيته صلاها إلا يومئذ( ) .
وعن أبن أبي أوفى رضى الله عنه ، قال : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ الذِّكْرَ ، ويقل اللَّغوَ ، ويطيلُ الصلاةَ ، ويقصُرُ الخطبةَ ، وكان لا يأنَفُ ، ولا يستَكْبِرُ أن يمشيَ مع الأرملةِ والمسكين فيقضي له حاجته( ).
وعن أنسٍ رضى الله عنه أن امرأةً كان في عَقْلِها شيءٌ فقالت : يا رسولَ الله إن لي حاجة . فقال : ” يا أمَّ فلانٍ انظري أيُّ السِّكَكِ شئتِ حتى أقضيَ لكِ حاجَتَكِ ” فخلا معها في بعضِ الطُّرُقِ ، حتى فرَغَتْ من حاجتها( ) .
وفي صلحِ الحديبيةِ ، لما رَجَعَ عروةُ بنُ مسعودٍ إلى أصحابه ، قال : أيْ قومِ ، والله لقدْ وَفَدْتُ على الملوكِ ، ووَفَدْتُ على قيصرَ وكسرى والنجاشيِّ ، والله إن رأيتُ مليكاً قطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يعظِّمُ أصحابُ محمدٍ محمداً ، والله إن يتَنَخَّمُ نخامةً إلا وَقَعَتْ في كفِّ رجُلٍ منهم فدَلَكَ بها وجهَه وجِلدَه ، وإذا أمرَهم ابتدَروا أمرَه ، وإذا توضَّأَ كادوا يقتَتِلونَ على وَضوئِه ، وإذا تكلَّموا خفضوا أصواتَهم عنده ، وما يُحِدُّونَ إليه النظرَ تعظيماً له …الحديث( ) .
وعن عمروِ بن العاص رضى الله عنه قال : وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أجلَّ في عيني منه ، وما كنتُ أُطيقُ أن أملأَ عيني منه إجلالاً له ، ولو شئتُ أن أصِفَه ما أطقْتُ لأني لم أكنْ أملأُ عيني منه( ) .
وعن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضى الله عنه قال : بينا أنا واقفٌ في الصفِّ يومَ بدرٍ ، فنظرْتُ عن يميني وشمالي ، فإذا أنا بغلامَينِ من الأنصارِ حديثةٌ أسنانهما ، تمنَّيْتُ أن أكونَ بين أضلعَ منهما ، فغمزني أحدُهما ، فقال : يا عم ، هل تعـرفُ أبـا جهلٍ ؟ قلت : نعم . وما حاجتُك إليه يا ابنَ أخي ؟ قال : أُخبِرْتُ أنه يسبُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، والذي نفسي بيده لئن رأيتُه لا يفارِقُ سوادي سوادَه حتى يموتَ الأعجلُ منا . فتعجَّبْتُ لذلك ، فغمزني الآخرُ فقال لي مثلَها ، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهلٍ يجولُ بينَ الناس . فقلت : ألا إن هذا صاحبَكما الذي سألتماني . فابتدراه بسيفَيْهما ، فضرباه حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال : ” أيُّكما قَتَلَه ” ؟ قال كلُّ واحدٍ منهما : أنا قتلتُه . فقال : ” هل مَسَحْتُما سيفَيْكُما ” ؟ قالا : لا . فنظرَ في السيفين فقال : ” كلاكُمـا قَتَلَـه ، سلَبُه لمعاذِ بنِ عمروِ بنِ الجَموحِ ” . وكانا معاذَ بنَ عفراءِ ، ومعاذَ بن الجموح( ) .
وعن مالكِ بنِ الحُويرِثِ رضى الله عنه قال : أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في نفرٍ مـن قومـي ، فأقمنا عنده عشرينَ ليلةً ، وكان رحيماً رفيقاً ، فلما رأى شوقَنا إلى أهالينا قال : ” ارجعوا فكونوا فيهم ، وعلِّموهم ، وصلّوا ، فإذا حضرتْ الصلاةُ ، فلْيَؤَذِّنْ لكم أحدُكم ، وليؤمكـم أكبرُكم “( ).
وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” مثلي كمثلِ رجلٍ استوقَدَ ناراً ، فلما أضاءتْ ما حولها جعلَ الفَراشُ وهذه الدوابُ التي في النارِ يَقَعْنَ فيها . وجَعَلَ يحجُزُهُنَّ ويَغْلِبْنَه فيَتَقَحَّمْنَ فيها . قال : فذلكم مثلي ومثلكم . أنا آخذُ بحجزكم عن النار ، هلم عن النار ، هلم عن النار . فتغلبوني تقحمون فيها “( ) .
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت : إن كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليدعُ العملَ ، وهو يحبُّ أن يعملَ به ، خشيةَ أن يعملَ به الناسُ فيُفرَضُ عليهم ، وما سبَّحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سبحةَ الضُّحى وإني لأسبُّحها ( ).
وعن أبي قتادةَ رضى الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ” إني لأقومُ في الصلاةِ أريدُ أن أطوِّلَ فيها ، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ فأتَجوَّزُ في صلاتي ، كراهيةَ أن أشقَّ على أمه “( ) .
وعن بريدةَ رضى الله عنه أن ماعزَ بنَ مالكٍ الأسلمي ، أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسولَ الله ، إني قد ظلمتُ نفسي وزَنَيْتُ ، وإني أريدُ أن تطهرني . فرده . فلما كان من الغد أتاه فقال : يا رسول الله ، إني قد زنيتُ . فردَّه الثانيةَ . فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه ، فقال : ” أتعلمونَ بعقلِه بأساً ، تُنكرون شيئاً ” ؟ . فقالوا : ما نعلَمُه إلا وفي العقلِ من صالحينا ، فيما نرى . فأتاه الثالثةَ فأرسَلَ إليهم أيضاً ، فسأل عنه ، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله . فلما كان الرابعةَ حَفَرَ له حفرةً ، ثم أَمَرَ به فرُجِمَ . قال : فجاءت الغامديةُ ، فقالت : يا رسولَ الله إني قد زنيت ، فطَهِّرْني . وإنه ردَّها فلما كان الغد . قالت : يا رسولَ الله لمَ تَرُدَّني ، لعلَّكَ أن تردني كما ردَدْتَ ماعزاً ، فوالله إني لحُبلى . قال : ” أما لا ، فاذهبي حتى تلِدي ” . فلما ولدَتْ ، أتته بالصبي في خِرْقَةٍ . قالت : هذا ولدتُه . قال : اذهبي فأرضِعيه ، حتى تفطُميه . فلما فطمَته ، أتته بالصبيِّ في يده كسرةُ خُبْزٍ . فقالت : هذا يا نبيَّ الله قد فطمتُه ، وقد أكلَ الطعامَ . فدفعَ الصبيَّ إلى رجلٍ من المسلمينَ ، ثم أمرَ بها فحُفِرَ لها إلى صدرِها ، وأمرَ الناسَ فرجموها ، فيُقبِلُ خالدُ بنُ الوليدِ بحَجَرٍ فرمى رأسَها ، فتنضحُ الدمَ على وجهِ خالدٍ فسبَّها . فسمِعَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم سبَّه إياها ، فقال : ” مهلاً يا خالد ، فو الذي نفسي بيده لقد تابتْ توبةً لو تابها صاحبُ مُكْسٍ لغُفِرَ له ” . ثم أَمَرَ بها فصلى عليها ودُفنت( ) .
وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم برجلٍ قد شَرِبَ ، قال : ” اضربوه ” . قال أبو هريرةَ رضى الله عنه : فمنا الضاربُ بيده ، والضاربُ بنَعْلِه ، والضاربُ بثوبه ، فلما انصرفَ ، قال بعضُ القوم : أخزاكَ الله . قال : ” لا تقولوا هكذا ، لا تُعينوا عليه الشيطانَ “( ).
وعن عمرَ بنِ الخطابِ أن رجلاً كان على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبدَ الله ، وكان يلقَّبُ حماراً ، وكان يُضحِكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشرابِ ، فأتي به يوماً فأمَرَ به فجُلِدَ ، فقال رجلٌ من القوم : اللهم الْعَنْه ما أكثرَ ما يؤتى به ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا تلعنوه ، فوالله ما علمتٌ أنه يحبُّ اللهَ ورسولَه “( ).
ـ سماتُ شخصيته صلى الله عليه وسلم كسياسيٍّ :
وهذه الفقرةُ تتداخَلُ مع الفقرةِ السابقةِ وغيرِها ، ولكننا سنشيرُ إلى بعض ما هو لصيقٌ بها هنا ، على سبيلِ المثالِ أيضاً وليس الاستقصاء ، فإنه بعيدُ المنال .
كان صلى الله عليه وسلم حكيماً في تصرُّفَه ، رشيداً في أمورِه ، له سياسةٌ داخليةٌ ، ومرَّ الكثيرُ منها في شخصيتِه كإمامٍ ، ونضيفُ هنا تَكَتُّمُه على القلاقِلِ الداخليةِ ، وعلاجُها بحكمةٍ ، وتأليفُه قلوبَ حديثي الإسلامِ ، وبخاصةٍ الرؤساءَ ووجوهَ القومِ ، ويَكِلُ أقوياءَ الإيمانِ إلى إيمانهم ، وتفقدُّه قوةَ المسلمينَ بتدوينِ من تلفَّظَ بالإسلامِ ، وحصرُ أعدادِهم ، والإكثارُ من المشورة .
فعن أنسٍ أن أناساً من الأنصار ، قالوا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم حينَ أفاءَ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، من أموالِ هوازنَ ما أفاءَ ، فطفِقَ يُعطي رجالاً من قريشٍ المائةَ من الإبلِ ، فقالوا : يغفرُ الله لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويدَعُنا ، وسيوفُنا تقطُر من دمائِهم . قال أنسٌ : فحدَّثَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بمقالَتِهِم ، فأرسلَ إلى الأنصارِ ، فجَمَعَهم في قُبَّةٍ من أَدَمٍ ، ولم يَدْعُ معهم أحداً غيرَهم ، فلما اجتَمعوا جاءَهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” ما كان حديثٌ بلغني عنكم ” ؟ قال له فقهاؤهم : أما ذوو آرائِنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا شيئاً ، وأما أناسٌ منا حديثةٌ أسنانُهم فقالوا : يغفرُ الله لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركُ الأنصارَ ، وسيوفُنا تقطُرُ من دمائِهم . فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” إني لأعطي رجالاً حديثٌ عهدُهم بكفرٍ ، أما تَرْضَوْنَ أن يذهبَ الناسُ بالأموالِ ، وترجِعوا إلى رحالِكم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما تنقَلِبون به خيرٌ مما ينقلبون به ” . قالوا : بلى يا رسول الله ، قد رضينا . فقال لهم : ” إنكم ستَرَوْنَ بعدي أثرةً شديدةً ، فاصبروا حتى تلقَوا الله ورسولَه صلى الله عليه وسلم على الحوضِ ” . قال أنسٌ : فلم نصبرْ( ) .
وعنه رضى الله عنه قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ” إني أعطي قريشاً أتألَّفُهم ، لأنهم حديثُ عهدٍ بجاهلية “( )
وعن سعدٍ رضى الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً – وسعدٌ جالسٌ – فتركَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبُهم إليَّ . فقلت : يا رسولَ الله مالَكَ عن فلانٍ ؟ فوالله إني لأراه مؤمناً . فقال : ” أو مسلماً ” . فسكتُّ قليلاً ، ثم غلبني ما أعلمُ منه ، فعُدْتُ لمقالتي ، وعادَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ” يا سعدُ إني لأعطي الرجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه ، خشيةَ أن يكبَّه الله في النار “( ).
وعن حذيفةَ رضى الله عنه قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ” اكتبوا لي من تَلَفَّظَ بالإسلامِ من الناس ” . فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجلٍ ، فقلنا : نخافُ ونحنُ ألفٌ وخمسمائة ؟ فلقدْ رأيتُنا ابتُلِينا حتى إن الرجلَ ليصلّي وحدَه وهو خائفٌ( ) .
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت : ما رأيتُ رجلاً أكثرَ استشارةً للرجالِ ، من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ( ).
وأما سياستُه الخارجيةُ : فمبنِيَّةٌ على الدعوةِ إلى الله ، مؤيَّدَةٌ بالجهادِ . وسيأتي بعضُ جوانبِ الجهادِ ، في شخصيته العسكريةِ ، ونذكرُ هنا أن سياستَه صلى الله عليه وسلم كانت انفتاحيَّةً لخدمةِ الدَّعوَةِ ، فراسَلَ الملوكَ وأرسلَ لهم الرسلَ ، واتَّخَذَ الخاتَمَ تجاوباً معهم لكونهم لا يقبَلون كتاباً إلا مختوماً ، واستقْبَلَ الوفودَ ، ورحَّبَ بهم ، وكان يُجيزُهم ، ويخاطِبُ كلاً منهم بالأسلوبِ الذي يناسِبُه ، ولا يَضْجَرُ ممن سأله ممن يَفِدُ عليه ولو شدَّدَ عليه في المسألةِ ، ويُنزِلُ الناسَ منازِلهم ، ثم هو يُبرِمُ المعاهداتِ بشرطِ أن يكون فيها تعظيمٌ لحرماتِ الله ، ويَغُضُّ الطرفَ عن بعضِ التنازلاتِ التي لا تضرُّ في الحالِ ولا في المآلِ ، وهي تَقَعُ من الطَّرْفِ الآخرِ بمكان ، وينظرُ في ذلك النظرةَ البعيدةَ ، ولو كانتْ النظرةُ السطحيةُ ترفُضُ هذه التنازلاتِ .
فعن أنسِ بنِ مالك رضى الله عنه قال : كَتَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كتاباً – أو أرادَ أن يكتبَ – فقيل له : إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً ، فاتَّخَذَ خاتَماً من فضةٍ نقشُه ( محمدٌ رسولُ الله ) كأني أنظرُ إلى بياضِهِ في يدِه( ) .
وعنِ ابنِ عباسٍ أن وفدَ عبدِ القَيْسِ ، لما أتَوْا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ” من القوم ، أو من الوفد ” ؟ قالوا : من ربيعة . قال : ” مرحباً بالقومِ أو بالوفدِ غير خزايا ولا ندامى ” . فقالوا : يا رسولَ الله ، إنا لا نستطيعُ أن نأتِيَكَ إلا في الشهرِ الحرامِ ، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفّارِ مُضَر ، فمُرْنا بأمرٍ فصلٍ نُخبِرُ به من وراءنا ، وندخلُ به الجنة . وسألوه عن الأشرِبة ، فأمرَهم بأربَعٍ ، ونهاهم عن أربع : أمرهم بالإيمانِ باللهِ وحدَه . قال : ” أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده ” ؟ قالوا : الله ورسولُه أعلم . قال : ” شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله ، وإقامُ الصلاةِ ، وإيتاءُ الزكاةِ ، وصيامُ رمضانَ ، وأن تُعطوا من المغنم الخُمُسَ “. ونهاهم عن أربع : عن الحَنتم ، والدُّبّاء ، والنقير والمزفت . وقال : ” احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم “( ) .
عن أنسِ بنِ مالكٍ رضى الله عنه قال : بينما نحن جلوسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجدِ ، دخلَ رجلٌ على جملٍ ، فأناخَه في المسجد ، ثم عَقَلَه . ثم قال لهم : أيُّكم محمدٌ ؟ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم متكىءٌ بين ظهرانَيهم . فقلنا : هذا الرجلُ الأبيضُ المتكيءُ . فقال له الرجل : ابنَ عبدِ المطَّلِبِ . فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ” قد أجبْتُكَ “. فقال الرجلُ للنبي صلى الله عليه وسلم : إني سائلُك فمُشَدِّدٌ عليكَ في المسألةِ ، فلا تَجِدْ عليَّ في نفسِكَ . فقال : ” سلْ عمّا بدا لك ” . فقال : أسألُك بربِّكَ وربِّ من قبلَك ، ءآلله أرسلَكَ إلى الناسِ كلِّهم ؟ فقال : ” اللهم نعم “. قال: أنشدُك بالله ، ءآلله أمرَك أن نصليَ الصلواتِ الخمسَ في اليوم والليلةِ ؟ قال : ” اللهم نعم ” . قال : أنشدك بالله ، ءآلله أمرَك ، أن نصومَ هذا الشهرَ من السنة ؟ قال : ” اللهم نعم ” . قال : أنشدُك بالله ، ءآلله أمرَكَ أن تأخذَ هذه الصدقةَ من أغنيائنا فتقسمَها على فقرائنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” اللهم نعم ” . فقال الرجلُ : آمنتُ بما جئتَ به وأنا رسولُ مَن ورائي من قومي ، وأنا ضِمامُ بنُ ثعلبةَ أخو بني سعدِ بنِ بكر( ) .
وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال : يومُ الخميس وما يومُ الخميس ؟ ثم بكى حتى خَضَبَ دمعُه الحصباءَ ، فقال : اشتدَّ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم وجَعُه يومَ الخميس ، فقال : ” ائتوني بكتابٍ أكتبُ لكم كتاباً لن تَضِلّوا بعدَه ” ، فتنازعوا – ولا ينبغي عندَ نبيٍّ تنازعٌ – فقالوا : هَجَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . قال : ” دعوني ، فالذي أنا فيه خيرٌ مما تدعوني إليه “. وأوصى عندَ موتِه بثلاثٍ : ” أخرِجوا المشركينَ من جزيرةِ العَرَبِ ، وأجيزوا الوفدَ بنحوِ ما كنتُ أُجِيزُهم ” ، ونسيتُ الثالثةَ ( ).
سماتُ شخصيتِه صلى الله عليه وسلم كقائدٍ عسكرِيٍّ :
لم يكن صلى الله عليه وسلم لأنه القائدُ والإمامُ ، بعيداً عن ساحةِ المعركةِ ، أو في الصفوفِ المتأخرةِ ، بل كان دائماً في صفوفِ المقاتلينَ ، بل في مقَدِّمَتِهم صلوات الله وسلامُه عليه . كان أشجعَ الناسِ ، وأكثرَهم إقداماً ، وأعظمَهم تضحيةً بنفسه ، ويتحمَّلُ الأذى في سبيلِ الله . ثَبَتَ إذ فرّوا من حولَه ، وهو يدعو المشركينَ إليه ، يُعَرِّفُهم بنفسه ، هاجماً عليهم ببغلته ، يُكَفْكِفُها الناسُ حرصاً عليه . كان جُنَّةً لمن وراءَه ، إذا حَمِيَ البأسُ اتَّقى به الناسُ . كان صلى الله عليه وسلم محنَّكاً خِرِّيتاً ، عَلَّمَه الله فأحسنَ تعليمَه . كان لَيْثاً في ساحات الوغى لا يَئِنُّ ، ومُدَبِّراً في وقتِ السِّلْمِ لا يَكِنُّ . يُخطِّطُ للهجومِ والدِّفاعِ ، ويستخدُم حربَ العصاباتِ وعمليّاتِ الاستنزاف ، ويستغِلُّ في حروبه عاملَ المباغَتَةِ والمفاجَأَةِ والخُدعةِ ، ولا يألوا في تدميرِ قوى عدُوِّهِ النفسيةِ وكَبْتِه ولو في وقتِ الهدنة . يستشيرُ أصحابَه وينظرُ فيما يُشيرونَ به عليه ، ويَنزِلُ على مشورتهم عند المصلحة . يعاهِدُ عدوَّه فيَفي له ، ولا يغدُرُ . يستخدِمُ الطلائعَ ، ويُرسِلُ العيونَ ، ويُوَرّي بالغزوات تكتُّماً للمعلوماتِ ، واهتماماً بالسِّرِّيَّةِ التامة في العملِ العسكري مع عدَمِ إهمالِ ظُروفِ الجنود وحاجَتِهم للاستعداد . يعرِفُ أحوالَ عدوِّه وطَبْعِه فيستغلُّ ذلك وينتهِزُه لمصلحةِ المسلمين .
وأما تحريضُه للمؤمنين فحدِّثْ ولا حرجَ ، وإن هذا لأشهرُ من أن يدَلَّلَ عليه ، فإن أقوالَه في ذلك بَيَّضَتْ صفحاتِ الكتب . كانت حياتُه كلُّها جهاداً في سبيل الله ، غزا في عشرِ سنواتٍ تسعَ عشرةَ غزوةً غيرَ السرايا والبعوث ! وكلُّ ذلك في إطارِ يقينِه بربه وتصديقِه بوعده .
عن أنس بنِ مالك رضى الله عنه قال : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس ، وكان أجودَ الناس ، وكان أشجعَ الناس . ولقد فَزِعَ أهلُ المدينةِ ذاتَ ليلةٍ ، فانطَلَقَ ناسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ ، فتلقّاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم راجعاً . وقد سَبَقَهم إلى الصوت ، وهو على فَرَسٍ لأبي طلحةَ عُرْيٍ في عُنُقِه السيفُ ، وهو يقول : ” لم تراعوا ، لم تراعوا ” . قال : ” وجدناه بحراً ، أو إنه لبحر “( ).
وعن عليٍّ رضى الله عنه ، قال : كنا إذا احمَرَّ البأسُ ولقي القوم ، اتَّقَيْنا برسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فما يكونُ أحدٌ أقربَ إلى العدوِّ منه( ) .
وجاء رجلٌ إلى البراء ، فقال : أكنتُم وَلَّيْتُم يومَ حُنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهدُ على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولّى ، ولكنه انطلقَ أخفاء من الناسِ وحَسَرَ إلى هذا الحي من هوازن ، وهم قومٌ رماةٌ ، فرمَوْهم برشقٍ من نَبْلٍ ، كأنها رجل من جراد ، فانكَشَفوا ، فأقبلَ القومُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ يقودُ به بغلتَه ، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول :
أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ
اللهم نَزِّلْ نصرَك .
قال البراء : كنا والله إذا احمرَّ البأسُ ، نَتَّقِي به ، وإن الشجاعَ منا للَّذي يحاذي به . يعني النبي صلى الله عليه وسلم ( ).
وعن أبي أُسَيد قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ بَدْرٍ ، حين صَفَفْنا لقريش ، وصفُّوا لنا : ” إذا أكثَبوكم فعليكم بالنَّبْلِ “( ) .
وأما استخدامُه لحربِ العصاباتِ وعمليّات الاستنزافِ ، فتتضح صورتُها جليَّةً في بعثِه لقتلِ كعبِ بنِ الأشرفِ ، وبعثِه لقتلِ أبي رافعٍ ، وهما من كبارِ يهود ، وقد آذى كلٌّ منهما اللهَ ورسولَه :
عن جابرٍ رضى الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” من لكعبِ بنِ الأشرف ؟ فإنه قد آذى الله ورسوله ” ؟. فقام محمدُ بنُ مسلمةَ فقال : يا رسولَ الله ، أتحِبُّ أن أقتُلَه ؟ قال : ” نعم “. قال : فَأْذَنْ لي أن أقولَ شيئاً . قال : ” قل ” . فأتاه محمدُ بنُ مسلمةَ ، فقال : إن هذا الرجلَ قد سألنا صدقةً ، وإنه قد عنانا ، وإني قد أتيتُك أسْتَسْلِفُكَ . قال : وأيضاً والله لتملنه . قال : إنا قد اتبعناه ، فلا نحبُّ أن ندَعَه حتى ننظرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ شأنُه ، وقد أردْنا أن تُسَلِّفَنا وِسقاً أو وسقين . فقال : نعم ، أرهِنُوني . قالوا : أيُّ شيءٍ تريد ؟ قال: أرهنوني نساءَكم . قالوا : كيف نرهِنُكَ نساءنا وأنت أجملُ العربِ ؟ قال : فأرهنوني أبناءَكم. قالوا : كيف نرهنك أبناءنا فيُسبَ أحدُهم ، فيقال : رُهِنَ بوَسْقٍ أو وسقين ! هذا عارٌ علينا ، ولكنا نرهنُك اللأْمَة .- يعني السلاحَ – فواعَدَه أن يأتِيَه فجاءَه ليلاً ومعه أبو نائلة – وهو أخو كعبٍ من الرضاعة – فدعاهم إلى الحصنِ ، فنزَلَ إليهم ، فقالت له امرأتُه : أين تخرجُ هذه الساعةَ ؟ فقال : إنما هو محمدُ بنُ مسلمةَ وأخي أبو نائلة . قالت : أسمعُ صوتاً كأنه يقطُرُ منه الدمُ . قال : إنما هو أخي محمدُ بنُ مسلمةَ ورضيعي أبو نائلة ، إن الكريمَ لو دُعِيَ إلى طعنةٍ بليلٍ لأجابَ . قال : ويُدخِلُ محمدُ بنُ مسلمة معه رجلين ، فقال : إذا ما جاءَ فإني قائِلٌ بشَعْرِه فأشمَّه ، فإذا رأيتُموني استَمْكَنْتُ من رأسه فدُونَكم فاضرِبوه . فنزل إليهم متوَشِّحاً ، وهو ينفُح منه ريحُ الطِّيبِ ، فقال : ما رأيتُ كاليومِ ريحاً – أي أطيبَ – قال : عندي أعطرُ نساءِ العربِ ، وأكملُ العَرَبِ . فقال : أتأذَنُ لي أن أشمَّ رأسَكَ ؟ قال : نعم . فشمَّه ، ثم أشمَّ أصحابَه ، ثم قال : أتأذنُ لي ؟ قال : نعم . فلما اسْتَمْكَنَ منه قال : دونَكم . فقتلوه . ثم أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبروه ( ).
وعن البراءِ بنِ عازب : قال بعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافعٍ اليهوديِّ رجالاً من الأنصارِ فأمَّر عليهم عبدَ الله بنَ عتيك ، وكان أبو رافع يؤذي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويُعينُ عليه ، وكان في حِصْنٍ له بأرضِ الحجاز ، فلما دنَوا منه – وقد غَرَبَتْ الشمسُ وراح الناسُ بسَرْحِهِم – فقال عبد الله لأصحابِه : اجلسوا مكانَكم ، فإني منطَلِقٌ ومُتَلَطِّفٌ للبَواب لعلي أن أدخلَ . فأقبلَ حتى دنا من البابِ ، ثم تقنعَ بثوبِه كأنه يقضي حاجةً ، وقد دخَلَ الناسُ ، فهَتَفَ به البوابُ : يا عبدَ الله إن كنتَ تُريدُ أن تدخلَ فادخلْ ، فإني أُريدُ أن أُغلِقَ البابَ . فدخَلْتُ فكمَنْتُ ، فلما دخلَ الناسُ أغلقَ البابَ ثم علَّقَ الأغاليق على ود . قال : فقمت إلى الأقالِيد فأخذتها ففتحتُ البابَ ، وكان أبو رافعٍ يُسمَرُ عنده ، وكان في علالي له ، فلما ذهبَ عنه أهلُ سَمَرِه صعدتُ إليه فجعلتُ كلَّما فتحتُ باباً ، أغلقتُ عليَّ من داخل . قلت : إن القومَ إذا نذَروا بي لم يخلُصوا إلي حتى أقتلَه فانتهيتُ إليه ، فإذا هو في بيتٍ مظلِمٍ ، وسطَ عِيالِه ، لا أدري أينَ هو من البيت . فقلت : أبا رافع . قال : من هذا ؟ فأهوَيْتُ نحو الصوتِ فأضربَه ضربةً بالسيفِ وأنا دَهِشٌ فما أغنيتُ شيئاً . وصاحَ ، فخرجتُ من البيتِ فأمكثُ غيرَ بعيدٍ ، ثم دخلتُ إليه فقلت : ما هذا الصوتُ يا أبا رافعٍ ؟ فقال : لأُمِّكَ الويلُ ، إن رجلاً في البيتِ ضَرَبَني قبلُ بالسيفِ . قال : فأضرِبُه ضربةً أثْخَنَتْه ولم أقْتُلْهُ ، ثم وضعتُ ضبيبَ السَّيفِ في بطنِه حتى أخذَ في ظَهْرِه ، فعرَفْتُ أني قتلتُه ، فجعلْتُ أفتحُ الأبوابَ باباً باباً حتى انتهيتُ إلى درَجَةٍ له ، فوضعتُ رجلي وأنا أرى أني قد انتهيتُ إلى الأرض فوقَعْتُ في ليلةٍ مُقْمِرَةٍ ، فانكَسَرَتْ ساقي ، فعصَبْتُها بعمامةٍ ثم انطَلَقْتُ حتى جلستُ على البابِ ، فقلتُ : لا أخرجُ الليلةَ حتى أعلمَ أقتلتُه ؟ فلما صاحَ الدِّيكُ ، قام النّاعي على السور فقال : أنْعي أبا رافعٍ تاجرَ أهلِ الحِجازِ . فانطلَقْتُ إلى أصحابي فقلت : النَّجاءَ ، فقد قَتَلَ الله أبا رافعٍ . فانتهيتُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فحدَّثْتُه ، فقال لي : ” ابسُطْ رجلَك ” ، فبسطْتُ رجلي ، فمسحها ، فكأنها لم أَشْتَكِها قط( ) .
وأما المباغتة :
فعن أنسٍ رضى الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبرَ فصلَّينا عندَها صلاةَ الغداةِ بغَلَسٍ ، فركِبَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وركِبَ أبو طلحةَ وأنا رديفُ أبي طلحة ، فأجْرَى نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمسُّ فَخِذَ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حَسَرَ الإزارَ عن فَخِذِه حتى إني أنظرُ إلى بياضِ فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخلَ القريةَ قال : ” الله أكبرُ خَرِبَْت خيبرُ ، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساءَ صباحُ المنذَرين ” ، قالها ثلاثاً . قال : وخرج القومُ إلى أعمالهم ، فقالوا : محمدُ والخميس ( يعني الجيش ) . قال : فأصَبْناها عنوةً … وذكر الحديث( ) .
وعنِ ابنِ عَوْنٍ قال : كتبتُ إلى نافعٍ ، فكتبَ إليَّ إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أغارَ على بني المصطَلِقِ ، وهم غارّون ، وأنعامُهم تُسقى على الماء ، فقَتَلَ مُقاتِلَتَهم وسبى ذراريهم ، وأصابَ يومَئِذٍ جُويرية . حدثني به ابنُ عمرَ ، وكان في ذلك الجيش( ) .
وقد نصرَه الله بالرعب كما ذكرنا ذلك فيما تقدم .
ومن أمثلة كَبْتِه للعدو :
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال : ” قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه ، فقال المشركون : إنه يقدُم عليكم وقد وَهَنَهم حمى يثرب ، فأمرَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يرمُلوا الأشواطَ الثلاثةَ ، وأن يمشوا بينَ الرُّكْنَينِ ، ولم يمنَعْه أن يأمُرَهم أن يرمُلوا الأشواطَ كلَّها ، إلا الإبقاء عليهم “( ).
وأما مشورته لأصحابِه فما أكثرها ! وهذا منه صلى الله عليه وسلم امتثالٌ لأمرِ الله تعالى له : وقد تعرضنا لذلك فيما مضى .
وعن سلمةَ بنِ الأكوعِ رضى الله عنه قال : خَفَّتْ أزوادُ القومِ ، وأملَقوا ، فأتَوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في نَحْرِ إِبِلِهم فأذِنَ لهم ، فلَقِيَهم عمرُ ، فأخبروه ، فقال : ما بقاؤكم بعدَ إبلكم ؟ فدخل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسولَ الله ما بقاؤُهم بعدَ إبلهم ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” نادِ في الناسِ يأتُون بفضلِ أزوادِهم ” ، فَبَسَطَ لذلك نِطْعٌ وجعلوه على النِّطع ، فقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فدعا وبرَّكَ عليه ، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناسُ حتى فرغوا . ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ” أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله ، وأني رسول الله “( ).
وفي حديثِ هرقلَ مع أبي سفيانَ المتقدِّمِ غيرَ مرَّةٍ قال هرقل له : وسألتك ، هل يغدر فزعمت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر .
وعن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” من يأتيني بخبرِ القوم “؟ يومَ الأحزاب . فقال الزبيرُ : أنا ، ثم قال : ” من يأتيني بخبر القوم “؟ قال الزبير : أنا . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ” إن لكلِّ نبيٍّ حوارياً وحواريَّ الزبير “( ).
وعن كعبِ بنِ مالك قال : لم أتخلَّفْ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ غزاها إلا في غزوةِ تبوك ، غير أني كنتُ تخلَّفْتُ في غزوةِ بدر ، ولم يعاتِبْ أحداً تخلَّفَ عنها ، إنما خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يريدُ عِيرَ قريش ، حتى جمع الله بينهم وبينَ عدوِّهم على غيرِ ميعادٍ ، ولقد شهدتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ العقبة ، حين تواثَقْنا على الإسلامِ وما أحبُّ أنَّ لي بها مشهدَ بدرٍ ، وإن كانت بدرُ أذكرَ في الناس منها . كان من خبري أني لم أكنْ قطُّ أقوى ولا أيسرَ حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزاة ، والله ما اجتمَعَتْ عندي قبلَه راحلتانِ قط حتى جمعتُهما في تلكَ الغزوةِ ، ولم يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يريدُ غزوةً إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلكَ الغزوةُ ، غزاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديدٍ ، واستقبَلَ سفراً بعيداً ومفازاً ، وعدواً كثيراً . فجلّى للمسلمين أمرَهم ليتَأَهَّبُوا أهبةَ غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريدُ ، والمسلمونَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كثيرٌ ، ولا يجمَعُهم كتابٌ حافظق … الحديث( ) .
وأما معرفتُه لطباعِ عدُوّه ، واستغلالُه لذلك ، فيظهر بأدنى تأمل في قصة الحديبية ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما أشرَفَ عليه الرجلُ الكناني ، قال : ” هذا فلانٌ وهو من قومٍ يعظِّمونَ البُدْنَ فابعثوها له ” . فبُعِثَتْ له واستقبله الناسُ يُلَبُّونَ ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاءِ أن يُصَدّوا عن البيت ، فلما رجعَ لأصحابه قال : رأيتُ البدنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ ، فما أرى أن يصدوا عن البيت( )
وعن زيدِ بنِ أرقمَ وقيل له : كم غزا النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غزوةٍ ؟ قال : تسعَ عشرةَ . قيل : كم غزوتَ أنتَ معه ؟ قال : سبعَ عشرة . قيل : فأيُّهم كانتْ أوَّلَ ؟ قال : العشير أو العسيرة( ) .
ـ سماتُ شخصيته صلى الله عليه وسلم كقاضٍ :
اتَّسَمَتْ شخصيتُه صلى الله عليه وسلم عامةً بالإنصافِ ، والعدلِ ، وعدمِ المحاباة . وهذه أهمُّ صفاتٍ لا بدَّ وأن تكون متوافرةً في القاضي الحق . ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان يُصغي للخَصْمَيْنِ ، ويسمع كلامَ كلٍّ منهما ، ويحكُمُ على الشريفِ والوضيعِ ، والقريبِ والبعيدِ . هذا مع حَزْمِهِ في أحكامِه ، ومعاقبته من يعترضُ على القضاءِ ، بحرمانه من الحكمِ الذي فيه تنازلٌ من غريمه عن بعضِ حقِّهِ ، والقضاءِ باستيفاءِ الحقِّ للغريمِ . وإذا حَكَمَ فلا يحكمُ إلا بما أنزلَ الله سواء كان بين المسلمين أو غيرهم .
وعن سهلِ بنِ سعدٍ رضى الله عنه : أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقَدَحٍ ، فشرِبَ منه ، وعن يمينِه غلامٌ أصغرُ القوم ، والأشياخُ عن يساره ، فقال : ” يا غلامُ ، أتأذنُ لي أن أعطِيَه الأشياخَ ” ؟ قال : ما كنتُ لأوثرَ بفضلي منك أحداً يا رسولَ الله . فأعطاه إياه( ) .
وعن أنسٍ رضى الله عنه أنه قال : حَلَبْتُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم شاةً داجن – وهو في دارِ أنس بن مالك – وشِيبَ لبنُها بماءٍ من البئرِ التي في دارِ أنس ، فأُعطِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم القدحَ ، فشرِبَ منه ، حتى إذا نزع القدحَ عن فيه ، وعن يسارِه أبو بكرٍ ، وعن يمينِه أعرابيٌّ ، فقال عمر – وخاف أن يُعطِيَه الأعرابيَّ – : أعطِ أبا بكرٍ يا رسولَ الله عندَك . فأعطاه الأعرابيَّ الذي عن يمينه ، ثم قال : ” الأيمن فالأيمن “( ) .
قال : ” يا معشرَ قريش – أو كلمة نحوها – اشتَروا أنفسَكم ، لا أُغني عنكم من الله شيئاً . يا صفيةُ عمةَ رسولِ الله لا أغني عنك من الله شيئا . ويا فاطمةُ بنتَ محمدٍ سَلِيني ما شئتِ من مالي لا أغني عنك من الله شيئا “( ).
وعن عائشةَ رضي الله عنها : أن امرأةً من بني مخزومٍ سَرَقَتْ ، فقالوا : من يكلِّمُ فيها النبيَّ صلى الله عليه وسلم ؟ فلم يجترئ أحدٌ أن يكلِّمَه ، فكلَّمه أسامةُ بنُ زيدٍ ، فقال : ” إن بني إسرائيلَ كان إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيفُ قطعوه . لو كانتْ فاطمةُ لقطعتُ يدَها “( ).
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضى الله عنه : أن رجالاً من الأنصارِ استأذنوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسولَ الله ، ائْذَنْ لنا فلنتْرُكْ لابنِ أختِنا عباسٍ فداءَه . فقال : ” لا تَدَعُون منها درهماً “( ).
وعن عروةَ بنِ الزبيرِ قال : خاصمَ الزبيرُ رجلاً من الأنصارِ في شَرِيجٍ من الحرَّةِ . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ” اسق يا زبير ، ثم أرسلِ الماءَ إلى جارك ” . فقال الأنصاريُّ : يا رسولَ الله أن كان ابنَ عمَّتِكَ ؟ فتلوَّنَ وجهُه ثم قال : ” اسق يا زبير ، ثم احبِسْ الماءَ حتى يرجعَ إلى الجدر ، ثم أرسِلْ الماءَ إلى جارك ” . واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبيرِ حقَّه في صريحِ الحكمِ حين أحفَظَه الأنصاريُّ ، وكان أشار عليهما بأمرٍ لهما فيه سعة . قال الزبير : فما أحسبُ هذه الآيات إلا نزلت في ذلك 

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*