الأربعاء , 23 أغسطس 2017
جديد الموقع
صفات الرسول
صفات الرسول

صفات الرسول

أولاً : في علاقته بربه .
ثانياً : في علاقتِه بالخلق : كرسولٍ ، كمعلِّمٍ ، كداعيةٍ ، كإمامٍ وصديقٍ ، كسياسيٍّ ، كقائدٍ عسكريٍّ ، كقاضٍ ، كابنٍ ، كزوجٍ ، كأبٍ ، كأسوةٍ ، كبشرٍ .
ثالثاً : تتمة في بعض صفاته الخلقية .
وقبل أن نشرَعَ في المرادِ يَجْمُلُ بنا ، أن نُجْمِلَ سماتِ شخصيته قبلَ بعثته ، لنعلمَ ما السماتُ التي جَدَّتْ عليها بعد إكرامه بالرسالة ، والصفاتُ الراسخةُ التي ظَلَّتْ معه طوالَ حياته والتي في الغالب هي : الصفاتُ التي يجبُ أن تكونَ في من يصطفيه الله للرسالة .
فها هي الصفات مجملةً :
الرجولةُ ، والإحساسُ بالمسئوليةِ ، وتدبيرُ الأمورِ بالحكمةِ ، والأخذُ بالأسبابِ ، والعِفَّةُ عما في أيدي الناسِ ، وحسنُ المعاشرةِ ، والاجتماعيةُ ، والانفعالُ النفسي مع الحوادثِ المحيطةِ به ، والشجاعةُ ، والجرأةُ ، والاعتزازُ بالنفس ، مع الشعورِ بالشَّرَفِ وعُلُوِّ المنزلة ، والنجابةُ ، والنجاحُ في المهامِ التي تُسنَدُ إليه ، وحسنُ الصحبةِ في الأسفار ، والتعاونُ مع الرُّفَقاءِ ، والحلمُ ، والشفقةُ ، والصبرُ ، والتواضعُ ، والعفافُ ، والطهارةُ والتنزهُ عن القاذوراتِ ، والصدقُ العجيبُ الكاملُ ، والأمانةُ الفائقةُ ، وحسنُ الشَّرِكَةِ في التجارةِ ، مع عدمِ المداراةِ والمماراةِ وعدمِ الحرصِ على المالِ ، وشدةُ الحياءِ ، والقناعةُ الجنسية ، ومشاركةُ المجتمع في أسواقِه ، وأعيادُه ، وأعمالُه واجتماعاته ، وعباداته ، وطعامه وعاداته ، إلا ما كان يشعرُ في داخلِه برفضٍ له أساسُه دافعٌ خارجيٌّ وهو التوفيقُ الإلهي ، وصلةُ الرحمِ ، والكرمُ بحملِ الكَلِّ، وإكسابٌ المعدومِ ، وقَرْيُ الضيفِ ، والإعانةُ على نوائبِ الحق ، وحسنُ اختيارِ الصديقِ ، وقوةُ الشخصيةِ ، والتأثيرُ في الملازمينَ له ، وانصرافُه عما يَشينُه بعوامل خارجية ، والأمِّية ، وعدمُ العلمِ بالكُتُبِ السابقةِ وعلومِ الأولين ، بل الغفلةُ عن ذلك ، وعدمُ الاشتهارِ بفصاحةٍ ، ولا ببلاغةٍ ، ولا بقولِ شعرٍ .
وهذه الصفاتُ لم يَرِدْ بها الاستقصاءُ وإنما هي ما تَيَسَّرَ جمعُه ، ولو أمْعَنّا النظرَ ، ودقَّقْنا في البحثِ ، لتبيَّنَ لنا غيرُها . وفي المذكورِ كفايةٌ .
والآنَ نستعينَ بالله في الشروعِ في هذا الفصلِ ، فنقول :
اتَّصَفُ الحبيبُ محمدٌ  بعدَ بِعثَتِه ، بصفاتٍ ميَّزَتْ شخصيَّتَه  ، عن سائرِ البشرِ من لَدُنْ آدمَ إلى أن يَرِثَ الله الأرضَ ومن عليها ، يعجَزُ الإنسانُ عن حَصْرِها، ويَكِلُّ البنانُ في سَطْرِها ، ومهما اجتهدَ الكاتب في إبدائها ، ردَّهُ عدمُ انتهائِها ، وطولُ سرْدِها ، فما أَكَمَلَ صفاتِه ، وما أعظمَ سِماتِه .
عن يزيدِ بنِ بابنوس قال : قلنا لعائشةَ : يا أمَّ المؤمنينَ ، كيفَ كانَ خُلُقُ رسولِ الله  ؟ قالت : كان خلقُ رسولِ الله  القرآنَ . فقرأت : هكذا كان خلقُ رسولِ الله  ( ).
فكان صلى الله عليه وسلم في صلاته خاشعاً ، وكان عن اللغو معرضاً ، للزكاة فاعلاً ، لفَرْجِهِ حافظاً إلا على أزواجه ، أو ما ملكتْ يمينُه ، وكان لأماناته وعهْدِهِ راعياً ، وعلى صلاتِه محافظاً ، وكان عنت الناس عليه عزيزاً ، وكان عليهم حريصاً ، وبالمؤمنين رؤوفاً رحيماً .
فمَنْ كان خُلُقُه القرآنَ ، أنّى يستطيعُ إنسانٌ ، أن يَصِفَ أخلاقَه ولو طالَ بيديه العنانَ . وكلَّما حاوَلَ أن يكتُبَ كلماتِه ، أسفَرَ عن عَجْزِه وإمْلاقِه ، ولكنْ لن نعدم أن نذكرَ اليسيرَ ، من البحرِ الغزيرِ .
ـ أولاً : شخصيةُ النبيِّ  المتمَثِّلَةُ في عبادَته لربِّه الذي دعا الناسَ إليه :
وهذه الفقرةُ إذا أردنا بها المعنى العامَ الشموليَّ ، استوعَبَتْ حياتَه كلَّها  ، فقد كانت حركاتُه وسكناتُه كلُّها لله وفي سبيلِ الله ، فبذلك أُمِرَ وعليه أُجِرَ . قال تعالى ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا افتتحَ الصلاةَ ، قال : “وجهتُ وجهيَ للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حنيفاً وما أنا من المشركينَ ، إن صلاتي ونُسُكِي ومَحيايَ ومماتي لله رب العالمين ، لا شريكَ له وبذلكَ أُمِرْتُ وأنا أولُ المسلمين “( ).
ولكنا قَصَدْنا بهذه الفقرةِ حبَّه لربِّه ، وخوفَه منه وخشيتَه له ، ورغبتَه إليه في المنشَطِ والمكْرَهِ ، والرخاءِ والشِّدَّةِ ، واليُسرِ والعُسرِ ، وتوكُّلَه عليه وثِقَتَه به ، والتجاءَه إليه ، وكثرةَ عبادتِه له ، وشوقَه إلى لقائه ، واختيارَه جوارًه .
فعن المغيرةِ  يقول : إنْ كانَ النبيُّ  ليقومُ – أو ليصلّي – حتى تَرِمَ قدماه – أو ساقاه – فيقال له ، فيقول : ” أفلا أكونُ عبداً شكوراً “( ) .
وعن ابنِ مسعودٍ  قال : ” صليتُ مع النبيِّ  ليلةً ، فلم يَزَلْ قائماً حتى هممتُ بأمرِ سُوءٍ . قلنا : وما هممتَ ؟ قال : هممتُ أن أقعدَ وأذرَ النبيَّ  “( ).
وما أحسنَ قولُ عبدِ الله بنِ رواحةَ :
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروفٌ من الفَجْرِ ساطعُ
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبُنا به موقِنـاتٌ أنَّ ما قـال واقعُ
يَبيتُ يُجافي جنبَه عن فراشِه إذا استَثْقَلَتْ بالمشركينَ المضاجعُ( )
وعن أبي الدرداءِ  قال : ” خرجنا مع النبي  في بعضِ أسفارِه في يومٍ حارٍ ، حتى يضعَ الرجلُ يدَه على رأسِه من شِدَّةِ الحرِّ ، وما فينا صائمٌ ، إلا ما كان من النبيِّ وابنِ رواحة “( ).
وعن أبي هريرةَ قال : سمعتُ رسول الله  يقول : ” والله إني لأستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليومِ أكثرَ من سبعينَ مرةً “( ) .
وعن أنسٍ قال : ” كانت الريحُ الشديدةُ إذا هَبَّتْ عُرِفَ ذلك في وجهِ النبيِّ  “( ).
وعن عائشةَ  قالتْ : ” كان النبيُّ  إذا رأى مخيلةً في السَّماءِ ، أقبَلَ وأدْبَرَ ، ودَخَلَ وخرَج ، وتغيَّرَ وجهُه ، فإذا أمطَرَتِ السماءُ سُرِّيَ عنه ، فعرَّفَتْه عائشةُ ذلك فقال النبي : “وما أدري كما قال قومُ عادٍ.
وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال : قال النبيُّ  وهو في قُبَّةٍ : ” اللهم إني أنشُدُكَ عهدَكَ ووَعْدَكَ . اللهم إن شئتَ لم تُعبَدْ بعدَ اليومِ ” . فأخذَ أبو بكرٍ بيده فقال : حسبُكَ يا رسولَ الله ، فقد ألحَحْتَ على ربِّكَ . وهو في الدِّرْعِ ، فخرج وهو يقولُ : ” سيُهزَمُ الجمعُ ويُوَلّونَ الدُّبُرَ بلِ الساعةُ موعدُهم والساعةُ أدهى وأمر “( ) .
وعن عبدِ الله بنِ أبي أوفى  يقول : دعا رسولُ الله  يومَ الأحزابِ على المشركينَ فقال : ” اللهم مُنْزِلَ الكتابِ ، سريعَ الحسابِ ، اللهم اهزِمْ الأحزابَ ، اللهم اهزِمْهُم وزَلْزِلهم “( ) .
وعن جابرِ بنِ عبدِ الله  قال : غزونا مع رسولِ الله  غزوةً قِبَلَ نجدٍ ، فأدْرَكنا رسول الله  في وادٍ كثيرِ العضاه ، فنزلَ رسولُ الله  تحت شجرةٍ ، فعلَّقَ سيفَه بغُصْنٍ من أغصانها . قال : وتفرَّقَ الناسُ في الواديِ يستظلّونَ بالشَّجَرِ ، قال : فقال رسولُ الله  : ” إنَّ رجلاً أتاني وأنا نائمٌ فأخَذَ السَّيفَ ، فاستيقظتُ وهو قائمٌ على رأسي فلم أشعرْ إلا والسيفُ صَلْتاً في يَدِه ، فقال لي : من يمنعُكَ مني ؟ قال : قلت : الله . ثم قال في الثانية : من يمنعُكَ مني ؟ قال : قلت : الله . قال : فشامَ السيفَ ، فها هو ذا جالسٌ . ثم لم يعرض له رسولُ الله  ” ( ).
عن عبدِ الله قال : قال لي رسول الله: ” اقرأْ عليَّ القرآنَ ” . قال : فقلت : يا رسولَ الله ، أقرأُ عليكَ وعليكَ أنزِلَ ؟ قال : ” إني أشتهي أن أسمعَه من غيري ” . فقرأتُ النساءَ ، حتى إذا بلغتُرفعتُ رأسي أو غَمَزَني رجلٌ إلى جنبي فرفعتُ رأسي فرأيتُ دموعَه تسيلُ( ) .
عن عائشةَ قالت : كان رسولُ الله وهو صحيحٌ يقول : ” إنه لم يُقْبَضْ نبيٌّ قطُّ ، حتى يرى مقعَدَه من الجنة ، ثم يُخَيَّرُ ” . فلما اشتكى وحضره القبضُ ورأسُه على فَخِذِ عائشةَ ، غُشِيَ عليه فلما أفاقَ شَخَصَ بصرُه نحوَ سقفِ البيتِ ثم قال : ” اللهم في الرفيقِ الأعلى ” . فقلت : إذاً لا يختارُنا ، فعرفتُ أنه حديثُه الذي كان يحدثنا وهو صحيح( ) .
وهذا غيضٌ من فَيضٍ ، فمن ذا الذي يحيطُ بجوانِبِ عبادته ، ومظاهرِ محبَّتِه لربِّه سبحانه وتعالى ؟ وأما دُعاؤُه  وإنابتُه ، وذكرُه ورغبَتُه ، فبحرٌ لا قرارَ له ، ومحيطٌ لا ساحلَ له ، لا يجمعُه ديوانٌ ، ولا يُحصيه إنسانٌ ، وقد صَنَّفَ فيه المتقدمون والمتأخرون ( ).
ـ ثانياً : شخصيةُ النبيِّ  المتمثلةُ في علاقَتِه بالخلق :
وهذه الفقرةُ أيضاً إذا أُريد بها معناها العامُ الشاملُ لكانتْ عبارةً عن سَوْقٍ لسيرته  ، ولكني أردتُ بها إلقاءَ الضوءِ على بعضِ جوانبِ شخصيتِه  في بعضِ تمثلاتها : رسولاً ومعلماً ، وداعيةً وإماماً ، وسياسياً وقائداً ، وقاضياً ، وابناً وزوجاً وأباً ، وصديقاً ، وأسوةً ، وأخيرا … وبشراً .
ـ سماتُ شخصيتِه  كرَسولٍ :
إذا نظرْنا في جوانبِ شخصيتِه  كرسولٍ : فإنما نعني بذلكَ سفارَتَه بين الله والخلقِ ، وأهمُّ ما يتطلَّبُ من الرسولِ هو حفظُ الرسالةِ ، وعدمُ تَبديلِها ، وتبليغُها كاملةً متكاملة ، وعلى الوجه الأمثلِ الذي يرتضيه صاحبُ الرسالةِ ، والصبرُ على ما يَعرُضُ له أثناءَ أدائه لها، وبأبي هو وأمي ، والله ما آلى جهداً في كل ذلك ، بل بلَّغَ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ، بأبلغِ بيانٍ ، وأتمِّ تبليغٍ ، وإنَّ حياتَه كلَّها لشاهدةٌ على ذلك . وهذا كلُّه تطبيقاً لما أمره به مُرْسِلُه سبحانه وتعالى في قوله : 
وقالت عائشةُ رضي الله عنها : من حدَّثَكم أن محمداً كَتَمَ شيئاً مما أنزِلَ عليه فقد كذبَ والله
ولما كانتْ حجَّةُ الوداعِ أشْهَدَ النبيُّ  الأمةَ على إبلاغه ، فكان يقولُ لهم : ” ألا هلْ بَلَّغْتُ . فيقولون : نعم . فيقول : اللهم فاشهد “( ) .
واتَّسَمَتْ شخصيتُه  بالصبر ، وتحمُّلِ الأذى والإهانة ، ثم التضحيةِ بالأهلِ والمالِ والوطن في سبيلِ إبلاغِ تلكَ الرسالةِ مع العفوِ والصفحِ عمَّن آذاه ، والرحمةِ بهم ، والشفقةِ عليهم .
فعن ابنِ مسعودٍ  أن النبيَّ  كان يصلي عندَ البيتِ وأبو جهلٍ وأصحابٌ له جلوسٌ ، إذ قال بعضُهم لبعضٍ : أيُّكم يجيء بسلى جَزورِ بني فلان ، فيضعُه على ظهرِ محمد ، إذا سجد . فانبعَثَ أشقى القومِ ، فجاءَ به ، فنظر حتى إذا سجدَ النبيُّ  ، وَضَعَه على ظهرِه بين كَتِفَيْه ، وأنا أنظرُ لا أُغني شيئاً لو كانتْ لي مَنَعَةٌ . قال : فجعلوا يضحكونَ ويميلُ بعضُهم على بعضٍ ، ورسولُ الله  ساجدٌ لا يرفعُ رأسَه ، حتى جاءته فاطمةُ ، فطَرَحَتْ عن ظهرِه فرفَعَ رأسَه ، ثم قال : ” اللهم عليكَ بقريش ” ثلاثَ مرات ، فشقَّ عليهم إذ دعا عليهم . قال : وكانوا يَرَوْنَ أن الدعوةَ في ذلكَ البلدِ مستجابةٌ ، ثم سمى : ” اللهم عليك بأبي جهل ، وعليكَ بعتبةَ بنِ ربيعة ، وشيبةَ بنِ ربيعة ، والوليدِ بنِ عتبة ، وأميةَ بنِ خَلَف ، وعقبةَ ابنِ أبي مُعيط ” . وعدَّ السابعَ فلم أحفَظْه . قال : فوالذي نفسي بيده ، لقد رأيتُ الذين عدَّ رسولَ الله  صرعى في القَلِيبِ قليبِ بدر( ).
وعن عروةَ قال : سألتُ ابنَ عمروِ بنِ العاص : أَخْبِرْني بأشدِّ شيءٍ صَنَعه المشركون بالنبيِّ  . قال : بينا النبيُّ  يصلي في حِجْرِ الكعبةِ ، إذ أقبلَ عقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ فوضعَ ثوبَه في عُنُقِهِ فخَنَقه خنقاً شديداًَ ، فأقبلَ أبو بكرٍ ، حتى أخذَ بمنكبه ودفَعَه عن النبي  ،.
وعن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالتْ للنبيِّ  : هل أتى عليكَ يومٌ كانَ أشدَّ مِن يومِ أحد ؟ قال : ” لقد لقيتُ من قومِكِ ما لقيتُ ، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يوم العَقَبَةِ ، إذ عَرَضْتُ نفسي على ابن عبدِ يا لِيل بن عبدِ كلال ، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ ، فانطلقْتُ وأنا مهمومٌ على وجهي ، فلمْ أَسْتَفِقْ إلا وأنا بقرنِ الثعالبِ ، فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظَلَّتْني ، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ ، فناداني فقال : إن الله قد سمعَ قولَ قومِكَ لكَ وما ردّوا عليكَ ، وقد بعثَ الله إليكَ ملَكَ الجبالِ لتأمُرَه بما شئتَ فيهم . فناداني ملَكُ الجبالِ ، فسلَّمَ عليَّ ، ثم قال : يا محمد ، فقال : ذلكَ فيما شئتَ ، إن شئتَ أن أُطبِقَ عليهم الأَخْشَبَيْنِ . فقال النبي  : بلْ أرْجو أن يخرجَ الله من أصلابهم من يعبدُ اللهَ وحدَه لا يُشْرِكُ به شيئاً ” ( ) .
وأما التضحيةُ بالأهلِ والمالِ والوطنِ ، فهجرتُه  أنصعُ بيانٍ لها ، وقصةُ الهجرةِ مشهورةٌ ، فلا نُطيلُ بذكرِها ولأنها اشْتَمَلَتْ على كثيرٍ من جوانِبِ شخصيتِه  ، فلا يَحْسُنُ بنا أن نمرَّ عليها فلا نُعَرِّجُ على شيءٍ منها ، فعلى سبيلِ المثالِ :
الأخذُ بالأسبابِ من تجهيزِ الطَّعامِ ، وإعفاءِ الآثارِ ، واسْتِئْجارِ الدليلِ الماهرِ ، وغيرِ ذلك . وفيها الحنكةُ والحَذَرُ ، وتكتُّمُ المعلوماتِ الهامّة ، فقد أتى النبيُّ  صاحبَه أبا بكرٍ في وقتٍ لم يكن يأتيه فيه ، ثم إنه كان متقنعاً ، وأَمَرَه أن يخرجَ من عندِه في البيت( ) .
ـ سماتُ شخصيته  كمعلِّم :
كان صلى الله عليه وسلم يسلُكُ في التعليمِ أساليبَ تربويةً كثيرةً ، ما أرْوَعَها وأوقَعَها في النفوس ، فتارةً يضربُ لهم الأمثلةَ ، وتارةَ يستخدِمُ الإشارةَ الحسيةَ ، كأن يحكي فعلَ شخصٍ ما ، وتارةً يُلَغِّزُ لهم ليُنَشِّطَهم ، وتارةً يقصُّ عليهم من أحوالِ الأمم الماضيةِ ، ليكونَ في ذلك عبرةً لهم ، وتارةً يعلِّمهم عَمَلياً ، بأن يفعلَ هو ما يريد فيتابعونه عليه ، وتارةً يسألهُم عن الشيء ، ولم يسألوا عنه ثم يجيبُهم ، وتارةً يُجيبُهم على سؤالهم بأكثرَ مما أرادوا لأجلِ فائدةٍ عظيمةٍ لهم ، وغير ذلك كثير وهذا كلُّه مع الرأفةِ والرحمةِ واللينِ وعُذْرِ الجاهلِ بجهله ، والاهتمامُ بتعليمه ، ولم يقتصِرْ هذا على الرِّجالِ فقط ، بل إنه  اهتمَّ أيضاً بتعليمِ النساءِ ، وبذَلَ لهنَّ من وقتِه وجَهدِه ، والأمثلةُ على ما ذكرنا مبثوثةٌ في السنةِ الصحيحة ، نذكر منها على سبيل المثال :
عن ابنِ عمرَ  عن النبيِّ  قال : ” إن من الشجرِ شجرةً لا يسقُطُ ورقُها ، وإنها مثلُ المسلم ، حدِّثوني ما هي ” ؟ قال : فوقعَ الناسُ في شجرِ البوادي . قال عبدُ الله : فوَقَعَ في نفسي أنها النخلة . ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسولَ الله ؟ قال : هي النخلة( ) .
وعنْ معاويةَ بنِ الحَكَمِ  قال : بينا أنا أصلي مع رسول الله  ، إذ عَطَسَ رجلٌ من القومِ فقلتُ : يرحمُكَ الله ، فرماني القومُ بأبصارِهم ، فقلت : واثُكْلَ أمِّياه ما شأنُكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربونَ بأيديهم على أفخاذِهم ، فلما رأيتُهم يُصَمِّتُونَني ، لكني سكتُّ . فلما صلى رسولُ الله  ، فبأبي هو وأمي ، ما رأيتُ معلماً قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليماً منه ، فوالله ما كَهَرَني ، ولا ضربني ولا شَتَمَني ، قال : ” إن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيءٌ من كلامِ الناس ، إنما هو التسبيحُ ، والتكبيرُ ، وقراءةُ القرآن ” . أو كما قال رسولُ الله  ( ).
وعن أنسٍ  أن النبيَّ  رأى أعرابياً يبولُ في المسجدِ ، فقال : ” دعُوه ” . حتى إذا فَرَغَ دعا بماءٍ فصبَّه عليه( ) .
وعن أبي رفاعةَ  قال : انتهيتُ إلى النبيِّ  وهو يخطُبُ . قال : فقلتُ : يا رسولَ الله رجلٌ غريبٌ ، يسألُ عن دينه لا يدري ما دينُه . قال : فأقبلَ على رسولِ الله  وتركَ خطبتَه حتى انتهى إليَّ فأُتِيَ بكرسِيٍّ ، حسبت قوائمَه حديداً ، قال : فقَعَدَ عليه رسولُ الله  ، وجعل يعلمني مما علَّمَه الله ، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرَها( ) .
وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ  قال : قالتْ النساءُ للنبي  : غَلَبَنا عليكَ الرِّجالُ ، فاجْعَلْ لنا يوماً من نفسِكَ . فوَعَدَهُنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه فوعَظَهُنَّ وأَمَرَهُنَّ . فكان فيما قال لهن : ” ما مِنكُنَّ امرأةٌ تُقَدِّمُ ثلاثةً من ولدِها إلا كان لها حجاباً من النار ” ، فقالت امرأةٌ : واثنين ؟ فقال : ” واثنين “( )
ـ سِماتُ شخصيته  كداعيةٍ :
فقد كان صلى الله عليه وسلم يسلُكُ في دعوتِه الحكمةَ ، والوعظَ الحَسَنَ ، والمجادلةَ بالتي هي أحسنُ ، وقد بَلَغَ  في ذلك شَأْواً بعيداً ، مع وصوله إلى الذروةِ في الرأفةِ والرحمة ، والشفقةِ والتيسيرِ ، ورفعِ الحرجِ ، وبُغْضِ التَّنفيرِ ، والحثِّ على قَبولِ الرُّخَصِ ، وعدمِ التَّنَطُّعِ ، والتضييقِ على النفس ، وإعطاءِ الحياةِ ما تستحقُّ من متطلَّباتٍ لا غِنى للإنسان عنها . وهذا كلُّه مع بلاغته ، ووضوحِ كلامِه وقِلَّتِه ، بحيث لو يعدُّه العادُّ لأحصاه ، وانفعالِه مع ما يقولُ ، وكان  مع ذلك كثيرَ التّبَسُّمِ ، يمازِحُ الناسَ ، ولا يقولُ إلا حقاً ، ويَنْبَسِطُ إليهم صغيرِهم وكبيرِهم ، ذكرِهم وأنثاهم ، ثم هو يُبَشِّرُهم بالأجرِ والثوابِ ، ويحذِّرُهم الإثمَ والعقابَ ، وهو كذلك مشفقٌ على المشركين ، حريصٌ على أن ينقِذَهم من النار، صابرٌ جَلْدٌ لا ييأسُ ولا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ ، حتى إنه ليأمل استجابتُهم له ، ولو في النزعِ الأخيرِ .
عن أبي هريرة  قال : قدم طُفيلُ بنُ عمروٍ الدَّوْسيُّ وأصحابُه على النبي  ، فقالوا : يا رسولَ الله إن دوساً عَصَتْ وأَبَتْ ، فادعُ اللهَ عليها ، فقيل : هَلَكَتْ دوسٌ . قال : ” اللهم اهْدِ دوساً وائْتِ بهم “( ) .
وعنه  قال : قيل : يا رسولَ الله : ادعُ على المشركين . قال : ” إني لم أُبْعَثْ لعّاناً ، وإنما بعثت رحمة “( ) .
وعن ابنِ مسعودٍ  قال : كان النبيُّ  يَتَخَوَّلُنا بالموعظة في الأيامِ ، كراهةَ السآمةِ علينا( ) .
وعن حنظلةَ الأسيدي – وكان من كُتّاب النبي  – قال : لقِيَني أبو بكر . فقال : كيف أنتَ يا حنظلةُ ؟ قال : قلت : نافقَ حنظلة . قال : سبحان الله ! ما تقول ؟ قال : قلت : نكون عند رسولِ الله  يُذَكِّرُنا بالنار والجنةِ ، حتى كأنا رأيَ عينَ . فإذا خرجنا من عندِ رسول الله  عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضّيعات ، فنسينا كثيراً . قال أبو بكر : فوالله ! إنا لنلقى مثلَ هذا . فانطلقتُ أنا وأبو بكرٍ ، حتى دخلنا على رسول الله  ، قلت : نافقَ حنظلةُ يا رسولَ الله . فقال رسول الله  : ” وما ذاك “؟ قلت : يا رسولَ الله ! نكون عندك تذكرُّنا بالنار والجنةِ حتى كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنا الأزواجَ والأولاد والضيعات ، نسينا كثيرا . فقال رسول الله  : ” والذي نفسي بيده ، أن لو تدومون على ما تكونون عندي ، وفي الذكر ، لصافَحَتْكُم الملائكةُ على فراشِكم ، وفي طُرُقِكُم ، ولكن يا حنظلة , ساعة وساعة ” ثلاث مرات( ) .
وعن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت : ” ما خُيِّرَ رسولُ الله  بينَ أمرَيْنِ إلا أَخَذَ أيسَرَهما مالم يكن إثماً ، فإن كان إثماً كان أبعدَ الناسِ منه ، وما انتَقَمَ رسولُ الله  لنفسه ، إلا أن تُنْتَهَكُ حرمةُ الله فينتقمُ لله بها “( ) .
وعن الأزرَقِ بنِ قَيْسٍ قال : كنا بالأهوازِ نقاتل الحَرُورِيَّةَ ، فبينا أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي ، وإذا لجامُ دابتِّه بيده ، فجعَلَتْ الدابةُ تنازعه وجَعَلَ يتبَعُها – قال شعبة : هو أبو برزةَ الأسلمي – فجعل رجلٌ من الخوارجِ يقول : اللهم افعل بهذا الشيخ . فلما انصرفَ الشيخ ُ، قال : إني سمعتُ قولَكم ، وإني غَزَوْتُ مع رسولِ الله  ستَّ غَزَواتٍ أو سبعَ غزوات أو ثمانياً ، وشهدت تيسيرَه ، وإني إن كنتُ أن أرجعَ مع دابتي أحبَّ إليَّ من أن أدعَها ترجعُ إلى مألَفِها فيشق علي( ) .
وعن أبي مسعودٍ الأنصاري قال : قال رجل : يا رسولَ الله ، لا أكادُ أدركُ الصلاةَ مما يطول بنا فلان . فما رأيتُ النبيَّ  في موعظةٍ أشدَّ غضباً من يومئذ . فقال : ” يا أيها الناس إنكم مُنَفِّرون ، فمن صلى بالناس فليخفف ، فإن فيهم المريضَ ، والضعيفَ ، وذا الحاجة “( ).
وعن أبي هريرةَ أن رسولَ الله  قال : ” بُعِثْتُ بجوامعِ الكَلِمِ ، ونُصِرْتُ بالرعبِ . فبينا أنا نائمٌ أوتيتُ مفاتيحَ خزائِنِ الأرضِ فوُضِعَتْ في يديَّ “. قال أبو هريرة  : وقد ذهبَ رسولُ الله  وأنتم تَنْتَثِلونها( ).
وعن عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ  كان يحدثُ حديثاً لو عَدَّهُ العادُّ لأحصاه( ) .
وعن جابرِ بنِ عبدِ الله قال : كان رسولُ الله  إذا خَطَبَ احمَرَّتْ عيناه ، وعلا صوتُه ، واشتَدَّ غضبُه ، حتى كأنه مُنذِرُ جيشٍ ، يقول : صبَّحَكم ومسّاكم . ويقول : ” أما بعدُ ، فإن خيرَ الكلامِ كتابُ الله ، وخيرَ الهديِ هديُ محمد ، وشرَّ الأمورِ محدثاتهُا، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ” ، ثم يقول : ” أنا أولى بكلِّ مؤمن من نفسه ، من تركَ مالاً فلأهله ، ومن تركَ ديناً أو ضياعا فإليَّ وعليَّ “( ) .
وعن سماكِ بنِ حَرْبٍ قال : قلت لجابرِ بنِ سمرة : أكنتَ تجالسُ رسولَ الله  ؟ قال : نعم ، كثيراً . كان لا يقومُ من مصلاّه الذي يصلّي فيه الصبحَ حتى تطلعَ الشمسُ ، فإذا طلعتْ قامَ . وكانوا يتحَدَّثون فيأخُذون في أمرِ الجاهليةِ فيضحَكون ، ويتَبَسَّمُ  ( ).
وعن أنسٍ قال : ما رأيتُ رجلاً التقَمَ أُذنَ رسولِ الله  فينحي رأسَه ، حتى يكون الرجلُ هو الذي ينحي رأسَه ، وما رأيتُ رجلاً أخذَ بيده فترَكَ يدَه ، حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَدَعُ يده( ) .
وعن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ جزء  قال : ما رأيتُ أحداً أكثرَ تبسُّماً من رسولِ الله  ( ).
وعنه  قال : ما كان ضَحِكُ رسولِ الله  إلا تبسُّماً( ) .
وعنه أيضاً قال : ما رأيت أحداً أكثرَ مزاحاً من رسولِ الله  ، ولا أكثرَ تبسُّماً منه ، وإن كان ليَسْنوا أهلُ الصبيِّ إلى مزاحه( ) .
وعن أنسٍ أن رجلاً أتى النبيَّ  فقال : احملني ، فقال : ” إنا حاملوك على ولدِ الناقةِ “. قال الشيخُ : وما أصنعُ بولدِ الناقة ؟ فقال : ” وهل تلدُ الإبلُ إلا النوق” ؟ وقال : ” لا يدخل الجنةَ عجوزٌ “( ) . ( يعني كلهن شابات ، يمازح عجوزاً ) .
وعن سعدٍ قال : استأذنَ عمرُ على رسولِ الله  وعندَه نساءٌ من قريشٍ ، يُكَلِّمْنَه ويستَكْثِرْنَه ، عاليةً أصواتُهُنَّ ، فلما استأذنَ عمرُ ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحجابَ . فأذِنَ له رسولُ الله  ورسولُ الله  يضحكُ ، فقال عمرُ : أضحكَ الله سنَّكَ يا رسولَ الله . فقال رسولُ الله  : ” عجبتُ من هؤلاءِ اللاتي كنَّ عندي ، فلما سَمِعْنَ صوتَكَ ابْتَدَرْنَ الحجابَ ” . قال عمرُ : فأنتَ يا رسولَ الله أحقُّ أن يَهِبْنَ . ثم قال عمرُ : أي عدواتُ أنفسهنَّ ، أتَهَبْنَني ولا تَهِبْنَ رسولَ الله  ؟ قلن : نعم ، أنتَ أغلظُ وأفَظُّ من رسولِ الله  . قال رسولُ الله  : ” والذي نفسي بيده ما لَقِيَكَ الشيطانُ قطُّ سالكاً فجاً إلا سَلَكَ فجاً غيرَ فَجِّكَ “( ) .
وعن أنسِ بنِ مالكٍ  قال : إن كانَ النبيُّ  ليخالِطَنا حتى يقولَ لأخٍ لي صغيرٍ : ” يا أبا عُمَيرٍ ، ما فعلَ النُّغَيْرُ “( ) ؟
وعن أمِّ خالدٍ بنتِ خالدٍ قالت : قدِمتُ من أرضِ الحبشةِ وأنا جويريةٌ ، فكساني رسولُ الله  خميصةً لها أعلامٌ ، فجعلَ رسولُ الله  يمسحُ الأعلامَ بيدِه ويقول : ” سناه سناه ” . قال الحُمَيديُّ : يعني : حسن حسن( ) .
وعن أنسِ بنِ مالكٍ  أنه مرَّ على صبيانٍ ، فسلَّم عليهم ، وقال : كان النبيُّ  يفعله( ) .
وعن سلمةَ بنِ الأّكْوَعِ  قال : مرَّ النبيُّ  على نَفَرٍ من أسلَم يَنْتَضِلُون ، فقال رسولُ الله  : ” ارموا بني إسماعيلَ ؛ فإن أباكم كان رامياً ، ارموا وأنا مع بني فلان ” . قال : فأمسكَ أحدُ الفريقينِ بأيديهم ، فقال رسولُ الله  : ” ما لكم لا ترمُون ” ؟ فقالوا : يا رسولَ الله نرمي وأنتَ معهم ؟ قال : ” ارموا وأنا معَكم كلكم “( ) .
وعن محمودِ بنِ الرَّبيعِ قال : عقَلْتُ من النبيِّ  مَجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابنُ خمسِ سنين من دلو( ) .
وعن أنسٍ  قال : كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُمُ النبيَّ  فمرِضَ ، فأتاه النبيُّ  يعودُه ، فقَعَدَ عندَ رأسه فقال له : ” أسلِمْ ” . فنظرَ إلى أبيه وهو عندَه ، فقال له : أطِعْ أبا القاسم  . فأسلَمَ . فخرَجَ النبي  وهو يقولُ : ” الحمد لله الذي أنقَذَه من النار “( ) .
وعن المسيِّبِ بنِ حَزْنٍ أنه لما حضرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ ، جاءه رسولُ الله  فوجَدَ عندَه ، أبا جهلِ بنِ هشام ، وعبدَ الله بنَ أبي أميةَ بنِ المغيرة . قال رسول الله  لأبي طالب : ” يا عمِّ ، قل لا إله إلا الله كلمة أشهدُ لك بها عند الله ” . فقال أبو جهلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أميةَ : يا أبا طالبٍ ، أترْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المطَّلِّبِ ؟ فلم يَزَلْ رسولُ الله  يعرِضُها عليه ، ويعودان بتلكَ المقالةِ حتى قال أبو طالبٍ آخرَ ما كلَّمهم : هو على ملةِ عبد المطلب ، وأبى أن يقولَ : لا إله إلا الله . فقال رسولُ الله  : ” أما واللهِ لأستَغْفِرَنَّ لكَ مالم أُنْهَ عنك ” . فأنزل الله تعالى فيه :
ومهما ذكرنا من مواقف فلن نبلغ معشارَ ما أبدَتْه صفحةُ حياته  ، وإنَّ جوانبَ شخصيته  في جميع تمثلاتها ، لتتداخَلُ فيما بينها ، فهناك صفاتٌ كثيرةٌ مشترَكةٌ ، بين كونه رسولاً وبين كونه معلِّماً ، وكذا بين كونه معلِّماً وبين كونه داعيةً ، وهلمَّ جرا ، فليَضَعْ القارئُ هذا في عينِ الاعتبارِ إن شاء الله تعالى .

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*