الأحد , 26 فبراير 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » طريقة القرآن الكريم في دعوة الكفار
طريقة القرآن الكريم في دعوة الكفار
طريقة القرآن الكريم في دعوة الكفار

طريقة القرآن الكريم في دعوة الكفار

(القسم الأول)
الاستاذ الدكتور
عبد الستار فتح الله سعيد
أستاذ التفسير وعلوم القرآن
بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقا)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأنصاره ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
مفردات العنوان: الطريقة – القرآن – الدعوة – الكفار( )
فما معنى هذا العنوان الذي قلناه: طريقة القرآن في دعوة الكفار؟
أولاً: الطريقة هنا تطلق على المسلك، حسيًّا كان أو معنويًّا، حسنًا كان أو قبيحًا، وتجمع الطريقة على طرائق كما قال تعالى: ]وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ[ (المؤمنون:17) وقد وردت مفردة ثلاث مرات فقط في القرآن، منها: قوله تعالى: ]وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا[ (الجن:16) والطريقة هنا إذا أضيفت إلى القرآن الكريم تصير بمعنى: المسلك الذي سلكه القرآن الكريم في دعوة الكفار، أو تطلق على الاتجاه الذي قرره القرآن وتتابع عليه في دعوتهم.
والقرآن -كما نعلم- هو: كلام الله تعالى المنزل بلسان عربي على محمد  والمنقول إلينا تواترًا، والمتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه للإعجاز. وهو الكتاب الجامع لأصول الدين الإلهي وحقائقه وأحكامه، ولأدلة الرسالة الخاتمة، وبراهين صحتها وصدقها، وهو أصدق بيان لقصص الرسل مع أقوامهم.
أما لفظ الدعوة والدعاة وما تفرع منهما: فهما مصدران من: دعا يدعو؛ بمعنى: النداء والطلب، وقد وردت هذه المادة وما تصرّف منها في القرآن الكريم نحو مائتي مرّة، وبصيغٍ شتّى تبلغ خمسًا وسبعين صيغةً تدور حول عديدٍ من المعاني، منها:
1- سؤال الله تعالى سوق النفع وكشف الضر، كما قال تعالى: ]هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً[ (آل عمران:38) وقوله تعالى: ]فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ[ (القمر:10) على لسان نوح -عليه السلام.
2- من معاني الدعاء أو الدعوة عبادة الله تعالى، قال تعالى: ]وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ[ (يونس:106).
3- الحث على الشيء والحض عليه، قال تعالى على لسان نوح -عليه السلام: ]قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا[ (نوح:5) أي: حثثت قومي على الإيمان بالله، وعلى عبادته وطاعته.
4- نسبة الشيء إلى غيره وعزوه إليه، كما قال تعالى -بالنسبة لكلام الكفار عن ادعاء أن المسيح ابن الله: ]أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا[ (مريم:91) أي: نسبوا له تعالى ولدًا كذبًا وزورًا.
أما لفظ الكفار فهو: جمع كافر. قال الراغب في (المفردات). والكفر لغةً: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، ووصف الزَرَّاع بالكافر؛ لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما وإنما هو وصف، وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، وأعظم الكفر جحود الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكُفُور -بضمتين فيهما جميعًا- قال تعالى: ]فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا[ (الإسراء:99) وقال تعالى: ]فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا[ (الإسراء:89).
ثم يقول الراغب -رحمه الله تعالى: والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، أو ثلاثتهما. وقد يقال: كَفَرَ، لمن أخلّ بالشريعة وترك ما لزمه من شكر الله عليه، والكفّار في جمع الكافر المضادّ للإيمان أكثر استعمالًا؛ كقوله تعالى: ]أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ[ (الفتح:28) والكفرة في جمع كافر النعمة أكثر استعمالًا؛ قال تعالى: ]أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ[ (عبس:42) ألا ترى أنه وصف الكَفَرة بالفجرة، والفجرة قد يقال للفساق من المسلمين؟ انتهى كلام الراغب -رحمه الله.
وقد تكرّر لفظ الكفرة وما تفرّع منه نفيًا وإثباتًا بشتّى صيغه في القرآن الكريم أكثر من خمسمائة مرّة؛ فدلّ هذا على غاية الاهتمام بدعوة الكفار إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وطاعتة، وعبادته، وقبول رسله الذين جاءوا بدينه وشريعته وكتبه ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ولينقذوهم من الكفر والشرك والضلال، وليقودوهم إلى خيري الدنيا والآخرة، وليحولوا بينهم وبين عذاب الله تعالى انتقامًا أو استئصالًا في الدنيا، وخزيًا وسعيرًا أبديًّا في الآخرة -والعياذ بالله تعالى.
2- طريقة القرآن الكريم في دعوة الكفار بين الإجمال والتفصيل:( )
إن طريقة القرآن في دعوة الكفار واسعة الأنحاء، تحتاج في بيانها إلى مجلدات ومبسوطات؛ لأنها أخطر قضايا الكون والحياة، وابتداءً نذكر إجمالًا أهم الأسس والأصول التي أقامها القرآن عليها:
أولاً: تبيان الحقائق الأساسية في هذا الوجود، ورأسها وأصل أصولها جميعًا التعريف بالله تعالى ووحدانيته وسائر صفاته، وتقرير عبودية الخلائق جميعًا له، والدعوة إلى الإيمان به تعالى خالقًا مالكًا، وإلهًا معبودًا مطاعًا، وكما قال تعالى في إيجاز وإعجاز: ]أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر[ على ما نبيّنه بعد قليل -إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: ضرورة الإيمان برسل الله المعصومين الذين اصطفاهم من البشر، وأيدهم بالمعجزات الخارقة للعادة، ليردوا الناس إلى دين الله تعالى إذا انحرفوا عنه؛ وليعلموا الإنسان ما لا يعلم بما أوحى الله لهم، وليقودوا الناس إلى مهمة وجودهم: العبودية لله. وإلى غاية مصيرهم: الدار الآخرة. على أساس واحد هو الإسلام دين الله تعالى في كل العصور للبشر جميعًا.
ثالثًا: إقامة البراهين القاطعة على أن حقائق هذا الدين كلها هي حق وصدق وعدل؛ كما قال تعالى: ]وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه[ (البقرة:115) أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، لا تقبل التبديل؛ لأنها حق في ذاتها، وقد أنزلها الله الحكيم الخبير الذي يعلم السر في السموات والأرض.
رابعًا: إبطال ما عليه الكفار من عقائد باطلة، وعبادة زائفة، وعوائد ضالة منكرة، وظنون وأوهام فاسدة؛ فتقوم عليهم حجة الله البالغة بالدليل والبرهان، الذي أبطل باطلهم بعد أن قامت عليهم الحجة ببراهين الحق المثبتة لدين الله تعالى.
خامسًا: إتقان الدعوة إلى الله تعالى بكل الأساليب والوسائل المشروعة، كما قال تعالى -على سبيل المثال: ]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ (النحل:125) وما يلزم ذلك من صبر المؤمنين ورسلهم على أذى الكفار، وعلى ولعهم بالجدال الباطل، وافتراء الكذب واقتراح الآيات تعجيزًا وعنادًا، فتقوم عليهم الحجة مرةً أخرى بالبلاغ المبين، وتعود المعركة بينهم وبين الرسل والمؤمنين واضحةً بيّنة، بين حق مغلوب مقهور وباطل مستكبر مغرور، وحينئذ تحقّ على الطرفين سنة الله الغالبة، كلّ بما يناسبه، كما قال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ (الروم:47).
3- طريقة القرآن الكريم في دعوة الكفار على سبيل التفصيل🙁 )
أما تفصيلات ذلك:
فقد بلغ بها القرآن ذروة البيان والشمول والإعجاز، على ما نبين بعضه، لا كله؛ لأننا لا نستطيع؛ لأن هذا أمر واسع جدًّا، نبين جوامعه فيما يلي:
أول قضية تبدأ في التقرير والإثبات من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- لأقوامهم هي:
قضية الخلق والأمر:
والخلق مصدر خلق، وله في اللغة معنيان:
الأول: التقدير المستقيم، يقال: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته وسويته بالمقياس قبل القطع.
المعنى الثاني: الإنشاء والاختراع، ومعنى الخلق شرعًا إيجاد الله تعالى للأشياء على تقدير واستواء من غير أصل سابق ولا احتذاء، ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء ولو كان معدومًا، أو نقله من حال إلى حال بعد إيجاده الأول كما في قوله تعالى: ]يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق[ (الزمر:6) إذْ المراد نقل النطفة في أطوار الخلق المتتابعة من العلقة إلى المضغة إلى العظام، ثم إلى اللحم، كما جاء تفصيله في الآية الكريمة الأخرى: ]ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[ (المؤمنون:14) وهذا المعنى صريح بأن الله تعالى له أصل الإيجاد، وله التنقيل في مراتب الأحوال.
حديث القرآن عن الخالق -سبحانه وتعالى:
ولقد حدثنا القرآن الكريم عن الله الخالق المصرف المالك الهادي الحكيم حديثًا يأخذ بالألباب ويثير الدهشة؛ من سعته وكثرته وكثرة ما تضمنه من حقائق ومعلومات شاملة، ومن ذلك أنه تناول مسألة الخلق من حيث هي حقيقة واقعية، أو حقيقة تكليفية تشريعية، وأوردها بعديد من الصيغ اللغوية، وذكرها بهذا اللفظ أكثرَ من مائتي مرة في القرآن الكريم، كلها -إلا قليلًا- تسند وتنسب إلى الله -عز وجل- بضروب من التفنن في إيراد الأساليب البالغ غاية الإعجاز.
من هذا القليل الذي نسب إلى غير الله -حتى لا يشتبه على الناس- ما نسب إلى عيسى -عليه السلام- مقيدًا بإذن الله، مثل قوله تعالى: ]وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي[ (المائدة:110) فالخلق هنا بمعنى: التقدير، أي: صنع تمثال من الطين يشبه الطير، وهذا ليس خلقًا حقيقيًّا بمعنى الإيجاد من العدم؛ ولذلك وصفه الله تعالى بالتشبيه بأنه كهيئة الطير، ولم يصر طيرًا بمجرد نفخ عيسى فيه، وإنما صار طيرًا بإذن الله، فهو سبحانه، خالق المادة والروح معًا سبحانه وتعالى.
وقد عرض القرآن قضية الخلق بألفاظ أخرى مماثلة أو مقاربة، أهمها: لفظ الإنشاء، والبدء، والجعل، والتصوير، والإبراء، والفطر، والإبداع، والتقدير، والصنع. وكلها تبلغ الحد الأعلى من الكثرة وتلوين الخطاب والعرض، والاستدلال؛ مما يجعل المتأمل يوقن على علم بأن هذا الكتاب من لدن حكيم عليم، وأنه خارج عن أقطار القدرة البشرية، فالإنشاء مثلًا ورد نحو ثلاثين مرة في القرآن الكريم ويسند -في غالبه- إلى الله تعالى كقوله سبحانه: ]وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ[ (الأنعام:141) وقوله تعالى: ]قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ[ (يس:79) وقد يأتي مقترنًا بالخلق مثل قوله تعالى: ]ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[ (المؤمنون:14).
والبدء والإبداء ورد نحو أربع عشرة مرة كما في قوله وتعالى: ]إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ[ (البروج:13) وقد يأتي مقترنًا بالخلق والإنشاء مثل قوله تعالى: ]قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ الله يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ[ (العنكبوت:20). والجعل بمعناه الواسع من الخلق والتصيير والنقل من حال إلى حال، والتأثير المطلق في كل مظاهر الكون بدءًا وإعادة ومتابعة لأحواله وتشريعًا ورد في القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة مرة، بحيث لا نجد شيئًا من جوانب الكون إلا وأضيف لله -عز وجل- كما في الآيات الكريمة التي تجمع أمر الخلق الإلهي كله إنشاء وإتقانًا وحكمة يقول تعالى: ]أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ $ وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ $ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ $ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون[ (الأنبياء:33:29).
ولذلك يؤكد القرآن أن هذا الخلق الإلهي ليس مجرد الفعل والإيجاد كيفما اتفق، وإنما هو صنع قائم على النظام والعناية والرعاية والحكمة البالغة، وقد جاء ذلك مصرحًا به في كثير من الآيات ومقترنًا بالخلق وما يدل عليه كما قال تعالى: ]صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[ (النمل:88) وكما قال ربنا: ]الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه[ (السجدة:7) وكما قال -عز وجل: ]هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ (آل عمران:6).
وقد رتب الله -تبارك وتعالى- أمرًا عظيمًا على هذا الخلق والإيجاد والتصوير والإنشاء؛ رتب تفرده -سبحانه وتعالى- بالأمر، والأمر كلمة عامة، ولكننا نقصد منها هنا بالتحديد: الأمر التشريعي؛ فقد تحدث القرآن الكريم عن الأمر، وأسنده إلى الله تعالى ترتيبًا على ما سبق، من تقرير تفرده بالخلق والملك بغاية الإيضاح والتفصيل، ومن ذلك ورود لفظ الأمر منسوبًا إلى الله -عز وجل- أكثر من مائة وثلاثين مرة بمعناه العام الشامل للأمر التكويني الذي هو الخلق والتقدير، أو الأمر التشريعي: الأحكام الشرعية، أو الأمر الإرادي التنفيذي، وهو القضاء والقدر، وغير ذلك من الأحوال.
وقد جاء في الأمر التشريعي الذي نورده هنا قوله تعالى: ]ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُون[ (الجاثية:18) أي شريعة الله تعالى من الأمر الإلهي كما قال تعالى عن الشريعة أيضًا وسماها روحًا: ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا[ (الشورى:52) وهو كما قلنا: يشمل طلب الشيء على سبيل الفعل أو الكف، وقد جاء استعمال لفظ الأمر في النهي، ومنه قوله تعالى، تعقيبًا على جملة من الأحكام الشرعية بنوعيها في سورة الطلاق يقول: ]ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ[ (الطلاق:5)، ما سبق هو نواهٍ وأوامر، ومن النهي في السورة قوله تعالى: ]لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ[ (الطلاق:1) وقد سمي الله تعالى ذلك أمرًا.
أما ورود التكليف التشريعي بغير لفظ الأمر، فأكثر من أن يحصر في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ]كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام[ (البقرة:183) ]كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال[ (البقرة:216).
وكما قال تعالى عقب ذكر المواريث: ]وَصِيَّةً مِنَ الله[ (النساء:12) وهكذا؛ لأنه ليس المراد ذكر الخلق لمجرد إبراز صفة الْخَلْق، ولكن القصد منه أن يستجيب الناس لشرائع الله وأمر الله؛ فيوحدوه ويعبدوه ويطيعوه، ولا يعبدوا أحدًا من خلقه من الطواغيت والأصنام وما إلى ذلك.
والقرآن الكريم يبرز صفة الْخَلْق باعتبارها مدخلًا تأسيسيًّا لدعوة الرسل جميعًا؛ تدليلًا على قدرة الله تعالى الشاملة وإلزامًا لأقوامهم بعبادته وحده لا شريك له، وأتم مثال لذلك: الآيات الكريمة التي استهل بها الوحي الإلهي نزول القرآن الكريم، الآيات الخمس من صدر سورة العلق: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ $ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ $ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ $ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ $ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[ (العلق:1-5) والمعنى: اقرأ باسم ربك الذي أول صفته أنه الخالق المتفرد، لم يقل: اقرأ باسم ربك الذي خلق السموات أو الأرض إنما تركها مطلقة لتذهب فيه النفس كل مذهب، وحيثما ذهبت فيها صادقة؛ لأنه -سبحانه وتعالى- خالق كل شيء. ولما كان الإنسان هو المقصود بالخطاب والتكليف خص الله تعالى خلقه بالذكر في هذا الاستهلال التأسيسي فقال تعالى: ]خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ[ (العلق:2) ثم بين فضله عليه بتعليمه ما لم يعلم بعد خلقه توصلًا من ذلك إلى إلزامه بامتثال أمره جل شأنه، باعتباره الخالق المنعم.
والقرآن الكريم مستفيض بهذه المعاني مجملة ومفصلة، خاصة في العهد المكي الذي أسس الله تعالى فيه العقائد والأصول العُليا للدين، ومن ذلك قوله تعالى -آيات في الخلق في كل شئون الحياة: ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ $ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ[ (الأنعام:1-2) ويقول ربنا: ]وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ $ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ[ (الحجر:85- 86) لم يأت بصفة الخالق فقط، وإنما بصفة التكثير إن ربك هو الخلاق العليم.
ويقول تعالى في تفصيل أوسع وأشمل: ]خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[ (النحل:3) هذه سورة النحل التي تسمى سورة: النعم، وهذه النعم الكثيرة التي خلقها الله وبثها جعلها مدخلًا لإفراده بالتوحيد وسائر الصفات العليا، ثم لكي يمتثل الناس دينه ويطيعوا رسله يقول تعالى: ]خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ $ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ[ (النحل:3، 4)، هذا تنبيه لأن الكفار يخالفون الرسل: ]وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ $ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ $ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ $ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ $ وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ[ (الأنعام:9:5) وهكذا تمتد الآيات الطويلة في هذا.
ويقول -سبحانه وتعالى- في تفصيل شامل لدقائق الخلق في الأرض والأنفس والآفاق: ]وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ $ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ $ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ $ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ $ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ $ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ $ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ $ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[ (يس الآية 33-40) وكل هذه الآيات وأمثالها في القرآن كثير، كل هذا مسوق لتقرير قدرته -سبحانه وتعالى- على التفرد بالخلق والإيجاد والإنشاء والتحويل والتنقيل في مراتب الأحوال والأطوار، وبقصد أصيل ولغاية محددة هي: أن يستجيب الناس لربهم، ويفردوه بصحيح الاعتقاد والعبادة كما قال تعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون[ (الذاريات:56) وكما قال عز شأنه: ]ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوه[ (الأنعام:102).
لذلك رتب -سبحانه وتعالى- على تفرده بالخلق استحقاقه للتفرد بالأمر وسن الأحكام والشرائع لعباده، بلا منازع من خلقه ولا شريك من عبيده، فقال تعالى: ]إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ[ (الأعراف:54).
ولذلك توسع القرآن الكريم طويلًا في الحديث عن المخلوقات المأمورة، وعن الخالق الآمر -سبحانه وتعالى- فأفرد لذلك سورًا، وأنزل آيات كثيرة متعددة، لا نستطيع أن نحصرها في مثل هذه المحاضرات المحدودة، ولكننا نسوق جوامعها حينما يحدثنا ربنا -سبحانه وتعالى- عن هذا الخلق العظيم، إذ ليس القصد منه -كما قلنا- مجرد ذكر الخلق ونعم الله، وإنما هو مدخل لاستجلاب الناس إلى العبودية الشاملة لله رب العالمين.
وتفسير الكون والحياة -كما قلنا- تأسيس اعتقادي لبيان منزلة الوجود المحدث، وعلاقته بصانعه على وجه التبعية والانقياد تسخيرًا أو تخييرًا؛ إذ تترتب على صحة هذا المدخل سلامة النهج الذي يتخذه الإنسان في الحياة، وتتشكل على نمطه كل عقائده وقيمه وسلوكه؛ مما يتيح له الظفر بالسعادة في الدنيا والآخرة، ولهذا عني القرآن الكريم بتفصيل حديثها من هذه الزوايا وبالكيفية التي تتفق مع مهمته من حيث هو كتاب هداية وإرشاد، لا كتاب إحصاء وتسجيل لحقائق العلوم المتعددة، وفي هيئتها المجردة على ما نبينه بإيجاز فيما يأتي:
أولاً: عالم الغيب، وعالم الشهادة:
هذا أول تقسيم للمخلوقات كما جاء في مواضع عديدة من القرآن الكريم، يقول تعالى: ]وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ[ (الأنعام:73) فالآية الكريمة تتحدث أولاً عن خلق الله للسماوات والأرض، وأن قول الله تعالى في هذا الشأن وفي غيره هو الحق المتفرد، ثم تثبت لله علمًا شاملًا بما أسماه الغيب والشهادة؛ فهذان عالمان متقابلان في الوصف: عالم الغيب: هو كل ما غاب عنا مما لا تدركه حواسنا. وعالم الشهادة: كل ما ندركه بالفعل بحواسنا بذاتها أو بواسطة آلة من الآلات، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ]فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ[ (الحاقة:39).
والتفاوت بينهما قائم بالنسبة لإدراكنا نحن، ولوسائلنا نحن، لا بالنسبة لحقيقة وجودهما لذلك فهما في علم الله -تبارك وتعالى- سواء؛ فالغيب عنده شهادة والسر عنده علانية، والغيب والشهادة لذلك قد يكونان نسبيين فيتحول شيء من عالم إلى آخر حسب إدراكنا له وعدمه، فمثلًا هذا العالم المادي حولنا هو من عالم الشهادة، ولكن بدأه ونشأته هما من عالم الغيب بالنسبة لنا، كما قال تعالى: ]مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ[ (الكهف:51) لذلك لا يتلقى علمهما إلا عن طريق الوحي المعصوم، الذي أوحاه الخلاق العليم. وقد يكون الشيء من عالم الغيب ذاتًا ومن عالم والشهادة آثارًا كالكهرباء والمغناطيس والجراثيم الدقيقة وغير ذلك، كل هذا نبه عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة.
ثانيًا: الأموات والأحياء:
فكل من عالم الغيب والشهادة ينقسم إلى قسمين:
أ- الموات أو ما أصطلح على تسميته باسم: الجمادات، أي: ما ليس فيه حياة على النمط الذي نعهده في علمنا المحدود، كمادة الأرض وصخور الجبال، وأجرام النجوم والكواكب والتراب والمياه والمعادن. ونحو ذلك وما نراه منه وندركه بحواسنا فهو من عالم الشهادة، وإلا فهو من عالم الغيب كالمجرات السحيقة وطبقات الأرض العميقة. والقرآن الكريم يصف هذا النوع بالموات أحيانًا أو بالميتة، ليقابل وصف الحياة في غيرها، كما قال تعالى: ]يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا[ (الروم:20) وكل ذلك مسند لله -تعالى. وقال تعالى: ]كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالله وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ[ (البقرة:28) وقال -عز شأنه: ]وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا[ (يس:33).
فالمراد بالميت هنا: ما لا حياة فيه: كالحجارة والتراب والحديد، والمراد بموت الأرض: يبسها وجفافها، أو خلوها من النبات الحي، والمراد بقوله: ]كُنتُمْ أَمْوَاتًا[ أي: أجسامًا لا حياة لها -كما قال المفسرون- عناصر وأغذية وأخلاطًا ونطفًا ومضغًا. والوصف القرآني غاية في الدقة؛ لأنه ينطبق على جميع ما ليس فيه حياة كالسوائل والغازات ونحو ذلك
ب- الأحياء: الحياة مظهر فريد معجز من ألوان الخلق الإلهي المبدع، يسري بها سر الله تعالى في الكائنات الصماء وفي أخلاط التراب والماء؛ فإذا هي تضج بالحركة والحس والنماء، وتضفي على الموات وجودًا جديدًا متفاوت الأنواع والدرجات. وقد حدثنا القرآن الكريم طويلًا عن الحياة والأحياء وهي كثيرة وعن كثير من أسرارها وحقائقها وقدرة الله تعالى الشاملة في تصريفها.
فالأحياء في عالم الغيب مثلًا: حدثنا القرآن كثيرًا عن الجن والشياطين، وعن الملائكة في الملإ الأعلى، وعن الحور العين في الجنة… وغير ذلك. أما الملائكة: فقد وصفهم الله تعالى بكل ما يوصف به الكائن الحي المكلف، بما يقطع أنهم ذوات حقيقية لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، فهم يصلون ويسبحون وينزلون، ويصعدون، ويتكلمون ويختصمون، ويستغفرون للذين آمنوا، ويدعون لهم، ويحضرون معارك الحرب مع المؤمنين، ويضربون وجوه الكفار وأدبارهم عند الموت، وغير ذلك مما وصف الله الملائكة طويلًا.
والذي يهمنا أن القرآن الكريم يقرر ويكرر أن الملائكة هم خلق الله وعبيده، وأنهم مقهورون ومربوبون له -سبحانه وتعالى- بل هم أكثر عبيده خشيةً وإخباتًا وخوفًا؛ لأنهم أكثر علمًا بعظمته وسلطانه، وبذلك تسقط دعاوى الذين افتروا الكذب على الله فزعموا أنهم بنات الله وعبدوهم من دون الله، أو قالوا بزعمهم: إن الله تعالى فوض لهم أمر الكون فهم آلهة معه. تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا ومن ذلك قوله تعالى: ]وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ $ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ $ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ $ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ[ (الأنبياء:26- 29) ويقول تعالى عن خزنة النار: ]عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[ (التحريم:6).
فمع وصفهم بهذين الوصفين ]غِلاظٌ شِدَادٌ[ قرر الله تعالى لهم صفتين: هما عدم معصية الأمر الإلهي بل يسارعون إلى قبوله، وتنفيذ هذا الأمر فورًا فهم على غاية الانقياد، اعتقادًا وعملًا. كل ذلك لتقرير الحقيقة أولاً، ولإبطال دعاوى الكفار فيهم ثانيًا.
الأحياء في عالم الشهادة:
يقول الراغب -رحمه الله- في كتابه الجميل (مفردات القرآن): الحياة تستعمل على أوجه:
الأول: للقوة النامية الموجودة في النبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حي، قال تعالى: ]اعْلَمُوا أَنَّ الله يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا[ (الحديد:17) وقال -عز شأنه: ]وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ[ (الأنبياء:30).
الثانية: للقوة الحساسة، وبه سمي الحيوان حيوانًا قال -عز شأنه: ]إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى[ (فصلت:39) وقوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا[: إشارة للقوة النامية: وقوله: ] لَمُحْيِي الْمَوْتَى[ إشارة للقوة الحساسة.
الثالثة: القوة العاملة العاقلة، كقوله تعالى: ]أَومَنْ كَانَ َمَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ[ (الأنعام:122).
وعن هذه الأنواع الحية التي تتمثل فيها هذه القوى حدثنا القرآن الكريم طويلًا:
أولاً: النبات تحدث عنه الله تعالى في خلقه، وأنه من عجائب صنعه، وبديع التركيب فيه، وبهيج المنظر، وما يحصل للإنسان منه من فوائد شتى، وما يحويه من دلائل باهرة على قدرة الخالق الأعظم وعنايته في تنظيم الكون، وتصريف الرزق وتسهيل الخير، كما قال تعالى: ]وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ $ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ $ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ $ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ[ (ق:7-11).
فالآيات الكريمة جامعة لصور البنات من الكثرة لقوله تعالى: ]مِنْ كُلِّ زَوْجٍ[ وحسن المنظر؛ لقوله تعالى: ]بَهِيجٍ[ ولأنواعه من الفواكه والحب: ]جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ[ وفائدة ذلك للعباد: ]رِزْقًا لِلْعِبَادِ[ وكونه حيًّا بما فيه من مظاهر الحياة: كالنماء والتلقيح والغذاء، وقد خرج من أرض ميتة، وبذر يابس تحيى به الأرض بعد موتها، ويكون دليلًا حيًّا مشاهدًا على الخروج الإنساني من القبور يوم القيامة.
أيضًا بعد ذلك حدثنا القرآن طويلًا عن الدواب ذوات الحس والحركة، والتي هي طور أرقى من حياة النبات، فالقرآن الكريم يتحدث عنها بسعة وكثرة وعن أسرارها وعجائبها، وبيانه فيها لحقائق كانت مجهولة وقت نزول القرآن، ولم ينخرم منها بعد هذه القرون حرف واحد، ولا يزيدها إتساع العلم وتقدم الكشوف إلا مزيدًا من التوثيق والإيضاح. فقد أخبر الله تعالى أنه خالقها جميعًا؛ حتى يبطل دعوى الكذابين والملحدين الذين يظهرون في شتى العصور؛ لينسبوا الخلق إلى الطبيعة أو إلى ذات الخلق أو إلى التفاعل الطبعي، أو ما إلى ذلك قال تعالى: ]خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ[ (لقمان:10)، وأنه -سبحانه وتعالى- يتولى معاشها ويعلم مواقعها. فيقول على سبيل الحصر والاستغراق: ]وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا[ (هود:6) والدابة منقولة من الدب أو الدبيب وهو مشي خفيف. ويستعمل ذلك في الحيوان وفي الحشرات أكثر كما قال الراغب -رحمه الله: وكل ماش على الأرض مطلقًا فهو دابة.
وقد أضاف القرآن الكريم حصرًا أكثر بيانًا فقال: ]وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[ (الأنعام:38) فهذه الآية الكريمة لم تدع شيئًا مما يتصوره الإنسان في هذا الباب إلا سلكته في هذا الخلق المنظم، ابتداء من الحشرات الدقيقة حتى الحيتان العظيمة، فكلها ما بين داب على الأرض أو طائر فوق الماء أو اليابسة، وإثبات التماثل الأممي بينها وبين الإنسان هو من معجزات القرآن، التي تكشف بعضها في العصر الحديث، وقد أثبت لها ما هو أعجب من ذلك: اللغة والفهم والإدراك والتوحيد الخالص والصدق والحرص على مصلحة النوع. كما حدث عن النملة التي نصحت أمتها وسمعها سليمان، وعن الهدهد الذي هدى الله به أمة من البشر إلى التوحيد.
وقد أخبر الله تعالى عن مادة الخلق الحيواني وهي الماء فقال تعالى: ]وَالله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ (النور: 45) وقال تعالى: ]أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ[ (الأنبياء:30)، والرتق: السد، والفتق: الشق. أي: أنهما فصلتا من مادة واحدة. وجعل الله تعالى الماء أصل الأحياء جميعًا حتى النبات، وهذه الآية أعم من سابقتها.
وقد أخبر القرآن الكريم أن هذا الخلق العجيب يمضي ككل الكائنات على نمط ثابت، وسنن إلهية محددة صارمة، بل تبلغ فيها السنن والقوانين الإلهية حدًّا من الثبات والاطراد لا مزيد عليه، وعلى سبيل المثال يقول تعالى: ]وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ $ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ (النحل:68- 69) ولا يملك أن يقول هذا إلا خالق هذا الكون ومسخره سبحانه وتعالى، ودليله قائم في أن النحل صدعت للوحي الإلهي، ومضت القرون تلو القرون وهي تتخذ هذه البيوت على الترتيب المذكور، ولا يزال دأبها أكل الثمار وإخراج هذا الشراب المختلف الألوان، والذي يثبت العلم الحديث يومًا بعد يوم مصداق كلمة الله تعالى عنه (فيه شفاء للناس)، وقد أورد اللفظ تعميمًا وتعظيمًا.
وهذا الكلام الذي نقوله في شرح هذه الآية هو حقائق علمية أثبتها دارسو الأحياء، وقالوا: إن النحل قديمًا كانت تعيش في الجبال فكان العسل يسيل من بيوتها في الجبال، ثم نقلها المسافرون والمجاورون للجبال إلى الحضر، فكانت تسكن الشجر وكل ما فيه خضرة تصلح له، ثم صنع لها الإنسان الخلايا من المواد المختلفة من الخشب والزجاج وغير ذلك. وهذا معنى قوله تعالى بإطلاق معجز: ]وَمِمَّا يَعْرِشُون[ (النحل:68) أي: يبنون ويسقفون. جعلهم سقوفًا فوق النحل. والآية الكريم تختم بدعوة مؤكدة للفكر والنظر في هذا النظام المحكم، ولن يجد فيه المؤمن أو الملحد إلا إتقانًا بالغًا يدل على عظمة خالقه ومبدعه سبحانه وتعالى، وأنه لم يترك شيئًا هملًا، ولم يخلقه سدى.
إذن خلق الله كل شيء فقام هذا الكون على أساس العبودية لله -تبارك وتعالى- تسخيرًا أو تخييرًا، ولذلك فالكون كله يتجه إلى وحدة المصدر؛ لأن الله تعالى هو الذي خلقه وحده لا شريك له، إن التفسير الإلهي لهذا الكون الشاسع يبرزه وحدة متناسقة ذات خطوط جامعة على سعة أبعاده وتنوع عوالمه، وتفاوت أنواعه في الصور والوظائف والقدرة والمادة، ومن هذه الخطوط الجامعة:
أولًا وحدة المصدر؛ فالكون كله جميعًا خلقه صانع واحد معلوم بشعور الفطرة وحكم العقل وبلاغ الرسل، هو الله رب العالمين. وقد سجل القرآن الكريم ذلك بعبارات غاية في الشمول والبيان والإيجاز قال تعالى: ]ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[ (الأنعام:102)، وقال تعالى: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ[ (العلق:1) وقال عز شأنه: ]إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر[ (القمر:49).
ثانيًا: وحدة الغاية، فهذا الحشد الواسع مع وظائفه النوعية المنوطة به، يتجه جميعًا إلى غاية واحدة هي: القيام بحق العبودية لخالقه ومالكه ومدبر أمره، بصورة تعجز عن الإحاطة بها علوم البشر جميعًا، وتقصر عنها وسائل الإنسان في كل العصور. ومن هذا أيضًا أن هذا الكون مدرك لما يراد به، وكون عابد قانت لله رب العالمين، وهكذا تمتد بيانات القرآن حتى تبين أن الكون يقوم على المسئولية الشاملة، والتكليف والقيام بوظائفه النوعية الخاصة بكل نوع، باعتباره جزءًا من نظام عام ثم بوظيفته الجامعة من العبودية، والتسبيح والسجود لله رب العالمين.
4- الإنسان ومنزلته في المخلوقات، وما خُصّ به من التكريم والتكليف:( )
وهكذا يتسلسل القرآن في هذا البيان المعجز حتى يصل إلى خلق الإنسان، وهذه قضية من قضايا القرآن الكبرى والتي ذكرت في العهد المكي بالتفصيل؛ لأنها من العقائد التي ينبغي اعتناقها والإيمان بأن الله -سبحانه وتعالى- خلق الإنسان على هذا النمط؛ خلقًا مشرفًا مكرمًا تمهيدًا لأن يكون مكلفًا وقائمًا بحق العبودية الاختيارية في هذا الكون بالنسبة للكائنات.
فعلى كثرة ما حدثنا الوحي الإلهي في الكتاب والسنة عن الكون: لم يحدثنا تفصيلًا عن جنس ما أو نوع ما بمثل ما حدثنا عن الإنسان؛ لخطورة هذه القضية بالنسبة لحياة الجنس البشري كله على الأرض، وبالنسبة لحياته الخالدة في الدار الآخرة؛ لأنه هو المخاطب بهذا الوحي الإلهي، وما حدثنا عن العوالم والأحياء وخلق السماوات والأرض إلا من أجل هداية الإنسان، ومن أجل قيادته إلى طريق ربه المستقيم؛ ليأخذ عنه ويتلقى منه، وليطوع نفسه في جانبه الاختياري لأمر ربه التشريعي ومنهاجه المبين.
إن الخلائق حولنا لا يحصيها العد، وقد منحنا العقل والإدراك على أرقى صورهما في عالم الشهادة، فما مقامنا في هذا الخضم الرحيب؟ هل يستشعر الإنسان الضعة والضياع في هذا الملكوت القصي؟ أو ينتفخ بالغرور والأوهام بما أعطاه الله من مواهب وقوى؟ وهل يعيش فوضى؟ أو يرتبط بنظام يحدد علاقته بأبناء جنسه، وبما حوله من الكائنات. ومن يضع له هذا النظام؟ هو أم غيره؟ فإن كان هو؛ فهل يملك ذلك أو هل يستطيع؟ وإذا كان غيره؛ فمن هو هذا؟ وما سلطانه عليه؟ ثم هذه الحياة المحدودة: ما وراءها؟ ومن يعطيه علم اليقين فيها؟ وما أهميتها لهذا الإنسان الذي يعيش في هذا الكون؟ هذه خلاصة قضية الإنسان، ونوعية الجواب عليها هو الحل لمعضلتها، أو الزيادة في تعقيدها وغموضها على الإنسان.
والوحي الإلهي لا يدع الإنسان في حيرة وعماية، وإنما يبسط له جوابا لكل خاطرة في هذا الأمر الخطير، ويقوده في رحلة الحياة إلى غايتها الصحيحة على بصيرة وهدى، ويحدد له مركزه في الوجود من ناحية الخلق والتكريم، والتكليف والجزاء، ويرسم له منهاجًا مبينًا في علاقته بخالقه، وبالكون من حوله ويرتقي به إلى أفق أعلى في حياتيه الأولى والآخرة. وهذه الحقائق العليا علمت للبشرية من يومها الأول، ولم تتغير كلمة منها على مر العصور، ونحن حينما نتحدث عنها في ضوء القرآن الكريم؛ فإنما نتحدث عن حقائق الوحي الإلهي الثابت.
وحديث القرآن هو الآن الحديث الوحيد الصحيح لمن أراد أن يعرف حقائق الوجود، كما سجلها عالم الغيب والشهادة رب العالمين، وضمن حفظها من كل عبث وتحريف وقال تعالى: ]وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[ (فصلت:41، 42) وبدون الرجوع إلى هذا الكتاب الوثيق تنقلب هذه القضية على البشر إلى غابة طامسة الأعلام، دامسة الظلام، لا يهتدي فيها دليل، ولا تنجو فيها قافلة. ونكرر أن حديث القرآن عنها هو مدخل تأسيسي يعطي لونًا معينًا لوجهة الإنسانية، هو اللون الوحيد الصحيح، وبدونه لا يمكن تفسير قضية الوجود وغايته تفسيرًا سليمًا أو متكاملًا. وبالتالي لا يمكن قيادة البشرية إلى غايتها الحقيقية إلا بواسطة شريعة الله تعالى التي جاء بها الرسل الكرام.
إن القرآن الكريم لا يقصد إلى تسجيل حقائق تاريخية مجردة، وإنما يسجل حقائق اعتقادية، هدفها إشعال جذوة الإيمان في قلوب البشر؛ لينضموا عن طواعية وحب وإخبات إلى الموكب الكوني العظيم، المتجه إلى الخالق الأعلى بالتمجيد والإجلال والإكبار. وسنوجز حديث القرآن عن خلق الإنسان؛ لأنه أمر خطير في خطاب الوحي جاء الرسل به ليعلّموا أن الإيمان سابق على الكفر، وأن الإنسان قد هدي من أول الطريق، وأن الكفر طارئ دخيل عليه في مسيرة الحياة.
النبأ العظيم: إن حديث القرآن ليبلغ غاية الشمول والدقة والتفصيل، حين يحدثنا عن مادة الخلق الإنساني وعن أطوارها، ونوعية خلقها وبدء حياة الإنسان ومكانها وما أحيط به من تكريم وإجلال، وعن مسكنه الأول، ثم يحدثنا عن الملابسات التي جاءت به إلى هذا الكوكب الأرضي، وما زود به لهذه الحياة الجديدة من حيث هو خليفة في الأرض، يقيم فيها الحق والعدل، ويجاهد نفسه حتى يقطع رحلة العمر على هدى من الله ونور؛ ليعود من جديد إلى دار السلام التي شهدت فجر حياته، ويستأنف فيها حياة الكرامة والخلود، إن كان قد أحسن مهمته وسعيه في هذا الوجود، وحق للقرآن الكريم أن يصف هذا الحديث بوصفه الجامع: ]قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ $ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ $ مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإٍ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ $ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ[ (ص:67-70) وسنوجز هنا ما حدثنا به القرآن:
أولاً: بدأ الخلق الإنساني: يقرر الله أن هذا الإنسان أنشئ إنشاء ابتدائيًّا، وخلقه -سبحانه وتعالى- خلقًا مباشرًا، من حيث هو جنس قائم برأسه، ومادته الأولى هي التراب، أو قبضة الأرض، كما جاء في الأحاديث، خلط بالماء فصار طينًا، ثم صفي فصار سلالة من طين، أي: خلاصة وصفوًا نقيًّا من الكدر، ثم صور الطين جسدًا، وسوي على أتم المقادير والمعايير، ثم يبس وصار صلصالًا كالفخار. ثم نفخ الله تعالى فيه من روحه؛ فانتفض بشرًا سويًّا على هذا النمط المعجز من الخلق والتقدير.
ثانيًا: إكرام في البدء: وقد أضفى الله تعالى على هذا الكائن أجل ألوان الكرم والفضل؛ فقد نسب خلقه إلى ذاته جل وعلا فقال: ]قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[ (ص:75) وهذه المرة الوحيدة التي يذكر الله تعالى فيها هذه الصيغة بالنسبة لأي خلق من خلقه، وكل الخلائق أخبر عنها بأنه تعالى خلقها أو فطرها أو سواها أو جعلها؛ لكنه جل شأنه لم يضف شيئًا من الخلق إلى يديه إلا الإنسان، وفي هذا الموضع في القرآن فقط، في سورة ص في الآية الخامسة والسبعين.
وفي هذا دلالتان على غاية الأهمية: الأولى: غاية الإكرام من الرب الأعلى لهذا للمخلوق إذ تولاه بيديه، ولم يكلف به أحدًا من خلقه، الثانية: التصريح بابتداء خلقه، على هذا النمط الفريد، من غير أن يأتي متولدًا أو متطورًا من غيره من الأحياء. ولذلك يقول الإمام البيضاوي -رحمه الله- في تفسيرالآية الكريمة: خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم، ونحن على عقيدتنا من حمل الآية على حقيقتها بلا تكييف ولا تمثيل، وهذا الإكرام للإنسان كان وهو لا يزال قبضة من الطين عولجت حتى سويت بيد المولى جل شأنه.
وهناك إكرام آخر في نفخة الروح خصه الله تعالى لنا بأسلوب يدل على غاية التفضيل والإكرام لهذا الإنسان من مولاه، قال تعالى: ]فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ[ (الحجر:29) وهذه الألفاظ بعينها تكررت في سورة ص، وجاءت ثالثة بقريب منها قال تعالى: ]ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ[ (السجدة:9) فهذه الآيات الثلاث تشترك في ألفاظ ثلاثة: التسوية والنفخ والروح.
وكلها مسند أو مضاف إلى المولى -جل شأنه- والتسوية في الخلق صفة مشتركة بين الخلائق.
ولكن الآيات تنفرد بإسناد النفخ إلى الله تعالى بلفظ الإفراد: (نفخت، نفخ). وتنفرد بإضافة الروح إليه بلفظ الإفراد أيضًا: (روحي، روحه)، وهذا الأسلوب لم يأت التعبير به في خلق كائن آخر؛ فأفاد هذا أن النفخ قد وقع منه -سبحانه وتعالى- وأن المنفوخ كان من روحه جل شأنه، وهذا إكرام متفرد في بابه خص به الإنسان. وهذا تشريف وتعظيم له بالغان أقصى ما يضفى على مخلوق من الإجلال.
تكريم في الملإ الأعلى: وما أنْ سرت الروح في هذا الجسد وانتفض آدم حيًّا يلهج بذكر الخالق المبدع حتى تتابعت عليه ألوان من فضل مولاه ونعمه، تشريفًا وتكريمًا، ومما ذكره لنا ربنا في كتابه:
أ- سجود الملائكة فإنه -سبحانه وتعالى- أمر الملائكة أن تسجد لآدم حين خلقه وذكر ذلك في القرآن في آيات كثيرة. ثم ذكر لنا ربنا سبق الإنسان في العلم ]وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ $ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ $ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[ (البقرة:31-33) ثم أسكنه الله الجنة ]وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ[ (البقرة:35).
ثم كلّفه وخيّره –سبحانه وتعالى- ، وقد تحدثنا عن عرض الأمانة على الكون وقبول الإنسان لها بإرادته واختياره، فكلف بحمل الأمانة، والآيات الكريمة بينت حدود مسئوليته التكليفية. فبعد ذلك عصى آدم ربه في الأكل من الشجرة فأهبط إلى الأرض، ولما أهبطه الله تعالى إلى الأرض ما تركه مرسلًا وإنما رحمه وكرمه: ]ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى $ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[ (طه:122-124) لذلك كانت الرسل تأتي فتعلم الناس هذا، وتدعوهم إلى صراط الله، وتبين الحق الإلهي خاصة في دعوة النبي محمد كما سنبين إن شاء الله بعد ذلك.
فكل هذا يقطع أن الإنسان نشأ مكرمًا مشرفًا؛ ليتلقى التخيير والتكليف فقام بهذا الحق، وجاءته الرسل تتابع، فنشأ الإيمان في الأرض، ثم طرأ عليه الكفر، ثم قامت المعارك بين الرسل وأممهم. إلى أن بعث محمد ^ ليتقرر هذا الدين الحق في أرض الله، وليخسأ الشيطان وليندفع الكفر والشرك والإلحاد عن أرض الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*