السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » التفسير » طريقة القرآن في تقرير المعاد
طريقة القرآن في تقرير المعاد
طريقة القرآن في تقرير المعاد

طريقة القرآن في تقرير المعاد

الأستاذ الدكتور

عبد الستار فتح الله سعيد

أستاذ التفسير وعلوم القرآن

بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقا)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

1- الأصل الثاني من أصول الإيمان: الإيمان بالآخرة:([1])

فالإيمان بالله تعالى هو إيمان بالغيب الذي يجب أن نوقن به يقينًا وثيقًا، ولكن الغيب بالنسبة لله تعالى هو غيب الذات، أما الآثار فهو من هذه الحيثية أعظم الحقائق إمعانًا في الظهور والحضور، وأسطعها في الوجود والشهود كما قال -جل شأنه: ]هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم[(الحديد:3).

أما هذا الأصل -الإيمان بالآخرة- فهو رغم كثرة الأدلة والبراهين عليه، لكنه يمثل في عقيدتنا جانب الغيب المحض، والمستقبل الصِّرْف الذي لم تظهر حتى بوادره، أو أوائله، والذي لا سبيل إلى معرفة شيء منه على الحقيقة إلا عن طريق الوحي الإلهي، والسماع من رسل الله المعصومين؛ ولهذا أكثر الناس قديمًا وحديثًا من إنكار الآخرة، واستبعاد وقوعها؛ فضلوا وأضلوا، عن سعادة الأبد مع أنهم لا يملكون إلا الإنكار الفَجّ، والاستبعاد الساذج بلا بينة، ولا أثارة من علم، بل هم في الحقيقة يصادمون دليل العقل، وخبر الوحي، وحكمة الخلق، وضرورة المصلحة العاجلة والآجلة على سواء.

ونظرًا لإمعان هذا الأصل في الغيبية، ولتخبط الناس في أمره مع أهميته البالغة لسعادة البشر في الدارين، نجد هذا المنهاج القرآني يبسط القول فيه أكثر من سائر الأصول، وما جاء عنه في الكتاب، والسنة أكثر من أن يُحصى هنا.

وخلاصة الأمر في شأن هذه العقيدة: أن الله -تبارك وتعالى- جعل لحياة الإنسان طورين: الطور الأول: دار الدنيا، وهي دار اختبار وامتحان ما بين البلوغ، والموت لكل مكلف على أساس هذه الشريعة الإلهية الهادية، وعلى أساس ما شرعه الله لعباده، ودعاهم إليه، وألزمهم به إلزام أمر لا إلزام قهر، أو قصْر جِبِليٍّ قَدَري، وتنتهي هذه الدار بنفخة الصعق التي تنهي الحياة كلها.

2- الطور الثاني للحياة البشرية، واهتمام القرآن الكريم به:([2])

الثاني هو طور الحياة الآخرة التي تبدأ بالبعث بعد الموت بعثًا شاملًا للأولين والآخرين،في ميقات لا يعلمه إلا الله تعالى وحده، ثم ما يلي هذا البعث من حشر الخلائق لموقف الحساب والفصل، ثم مجازاتهم على أعمالهم في الحياة الدنيا، ففريق في الجنة، وفريق في السعير -والعياذ بالله تعالى- ويمتاز هذا الطور بأنه طور جزاء لا تكليف فيه، وأنه طور خلود لا فناء فيه؛ ولذلك جُعل أصلًا من أصول الاعتقاد، وغاية من غايات العمل الإنساني تَتْبع الأصل الأول مباشرة كما قال تعالى: ]وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ[(البقرة:177) والقرآن الكريم يهتم بهذا الأصل غاية الاهتمام؛ إثباتًا، وتدليلًا، وبيانًا، وتفصيلًا، ودحضًا لشُبَه المنكرين، وتأكيدًا، وتكريرًا لجوانبه جميعًا حتى يتقرر أمره تقرر المسلّمات، وحتى يكون الناس في شأنه كأنهم يرون، ويسمعون ضجة القيامة، وهول المحشر، والفزع الأكبر، وما وراء ذلك من الأمن والنعيم للطائعين، والعذاب والجحيم للعاصين، ونعوذ بالله من هذا.

وبالنظرة الأولى لأسماء السور القرآنية نجد طابع هذا الاهتمام البالغ بشأن اليوم الآخر، فتارة تسمى السور باسم من أسماء هذا اليوم مثل سور: القيامة، والواقعة، والحاقة، والنبأ، والغاشية، والقارعة، وتارة تسمى بشيء من المظاهر الكونية الهائلة، التي تمهد لهذه الآخرة مثل: الدخان، التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة، وهناك أسماء ما يقع في هذا اليوم، أو يصاحبه مثل: الأعراف، والزمر، والجاثية، والحشر، والتغابن، والمعارج، فهذه سبع عشرة سورة لم يقع في القرآن مثلها لأصل من الأصول.

فإذا تجاوزنا هذه الملاحظة الشكلية مع أهمية دلالتها، نجد أن معظم سور القرآن لا تخلو من ذكر القيامة، أو ما يتعلق بها مرة، أو مرات عديدة في السورة الواحدة، وإذا كانت العبودية لله تعالى هي غاية الوجود وعلته، فإن الآخرة هي غاية مصيره، وحيث إن جانب العبودية الاختياري تُرِك للاختيار الإنساني، فقد انقسم الناس فيه إلى محسن ومسيء، وظالم ومظلوم، ومؤمن وكافر، ومصلحين في الأرض ومفسدين فيها، ولو انتهت الحياة بموت أبدي لاستوت هذه الأطراف جميعًا، فيكون هذا الخلق العظيم عبثًا باطلًا؛ إذ يستوي فيه المحسن والمسيء، وتعالى الله عن ذلك الفعل علوًّا كبيرًا، وهذا ما قرره القرآن الكريم، وكرره حين ربط الآخرة بالخلق، وجعلها غاية جزائية للخلائق تصون وجودهم عن العبث، وتصون مصيرهم عن البطلان، وتجعل الخلق، والمصير حقًّا لا تشوبه شوائب اللعب، أو الرِّيبة كما بين الله تعالى ذلك في كتابه، قال تعالى: ]وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ[(الحجر:85) وذكر الساعة هنا هو توضيح لهذا الحق؛ إذ لو جردت الحياة من غايتها الجزائية لخلت من عنصر الحق والحكمة فيها، ولأصبحت باطلًا بهذه التسوية الجائرة، ولقد كان هذا هو ظن الجاهلية دائمًا، ووهمها الذي أرداها؛ ولذلك يبطله القرآن الكريم في حسم بالغ يقول تعالى: ]وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ$أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ[(ص:27-28)، ويقول جل شأنه ]أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ$ فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ[(المؤمنون:115 – 116)، أي تنزه الله وتعالى عن هذا العبث.

كذلك فطر الله تعالى الإنسان على حب مصلحته ونفسه؛ ليكون له حافزًا دائمًا في السعي، والعمل، والتحصيل، وأحاط الله تعالى هذه الغريزة الفطرية بتعاليم سامية تحفظها من شَطَط الاستعلاء، وكنود الأنانية التي لا تفكر إلا في ذاتها، وفي مواطئ أقدامها لا تعدوها.

وتأتي الآخرة هنا كأعظم حافز للعمل يلبي هذه الفطرة، وينظمها، ويقودها إلى أسمى، وأجل الأعمال حيث يجعل نفع الآخرين مصلحة ذاتية، يعود ثوابها على فاعلها نعيمًا في الجنة، ونجاة من النار، ويجعل إضرار الآخرين هلاكًا مؤكدًا على صاحبه؛ ومن ثَمَّ فهذه العقيدة تحفظ للخلق حكمته، وهي التي تقيم هذا التوازن الفذ في ضمير البشر، وتجعل فعل الخير، والكف عن الشر مصلحة محببة تنبعث لها النفس، وينشط لها الشعور الإنساني، قال تعالى: ]مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ[(فصلت:46 – 47) ويقول -جل شأنه: ]مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ$ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ[(العنكبوت: 5 – 6) ويقول جل شأنه ]يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ $فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه $وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه[(الزلزلة:6- 8) وإن في ربط السعي الإنساني بدار الجزاء، وجعلها حافزًا للعمل متوافقًا في نفس الوقت مع الفطرة الإنسانية، أبلغ دليل على حكمة الله عز وجل، وعلى كمال فضله ورحمته للإنسان، وللأحياء حيث توافق الشرع، والطبع؛ لأنهما يصدران من مشكاة واحدة، ولذلك يجد الإنسان في ظل هذه العقيدة توافقًا مع الأمن والسعادة، ولولا هذه الحقيقة التي لا ريب في وقوعها، والتي كلفنا الله تعالى اعتقادها؛ لتحولت الحياة الإنسانية إلى غابة وحوش، بل إلى فوضى صراع، لا سبيل فيه إلا انتحار البشرية، واندحارها في كل جيل.

وآية ذلك ما تتحول إليه الحياة في غيبة هذه العقائد من أنانية وسُعار وشجار، ثم فشل الوسائل البشرية كلها في إيجاد البدائل التي تحفظ للإنسانية مُثُلها السامية، وتحقق لها مُثُلًا علياتحتذى، وتترقى في مدارجهابلا أحقاد، ولا عدوان، ولا طغيان؛ ولذلك يفسر القرآن الكريم كثيرًا من مظاهر السلوك الجاهلي الأعوج بعلته الأصلية، أعني: إنكار الآخرة، واعتقاد أن هذه الدنيا هي بداية ونهاية للمطاف الإنساني، ولا شيء بعدها، قال تعالى يقصكلامهم: ]وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ[(الأنعام:29)ومن ثَمَّ فلا بد بزعمهم من انتهاز الحياة الدنيا انتهازًا، وتحصيل أقصى اللذات والشهوات، وتحقيق أكبر قدر من المصالح الشخصية كالمال والمجد والشهرة، أو المصالح القومية، ونحوها، ولو أدى ذلك إلى خراب الأرض، وهلاك الحرث والنسل، والارتفاع على جثث الآخرين؛ نتيجة غلظة القلوب، وموت الشعور بموقف الحساب، وفقدان حاسة اليقين بالرَّجعة، والجزاء بين يدي الله تعالى.

ولقد فصل القرآن الكريم ذلك في كثير من آياته الكريمة، قال تعالى: ]إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ[(النحل:22) فالآية الكريمة تعلل إنكارهم، واستكبارهم بفراغ نفوسهم من هذه العقيدة الجليلة؛ ومن ثَمَّ فقلوبهم طائشة حمقاء تسارع إلى مصارعها في كل موطن، وهي تظن نفسها على شيء؛ ولذلك عقب القرآن الكريم بذكر تهكمهم على الوحي الإلهي، ورفضهم لما نزل من الحق مع أن فيه خيرهم، وسعادتهم لو كانوا يعقلون قال تعالى بعد هذه الآية السابقة: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ$ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ[(النحل:24- 25) يقول الإمام البيضاوي -رحمه الله تعالى- في تفسير الآية الأولى ]إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَة[ بيان لمقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق؛ وذلك لعدم إيمانهم بالآخرة، فإن المؤمن بها يكون طالبًا للدلائل، متأملًا فيما يسمع، فينتفع به،والكافر بها يكون حاله عكس هذا، ومن هذا أيضًا قوله تعالى: ]وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ[(الزمر:45) ويقول -جل شأنه: ]وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ[(الأنعام:150) وغير هذا كثير جدًّا مما أبرز فيه عدم الإيمان بالآخرة علة متفردة لكل خلل في الاعتقاد، أو السلوك، أو على الأقل عاملًا من أبرز المؤثرات؛ لشيوع هذا الخلل الشامل في الحياة الإنسانية.

ننتقل هنا إلى ما أبرزه القرآن عن مهمة هذه العقيدة في ضبط سلوك المؤمنين، وإيقاظ مشاعر الإيمان في قلوبهم، وتوجيههم دائمًا نحو الحق والبر، وفعل الخيرات، وترك المنكرات كقوله تعالى: ]أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[(الزمر:9) ويقول سبحانه وتعالى: ]وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[(النازعات:40 – 41) ويقول جل شأنه في قَصصه عن حال الناس في الآخرة: ]+-[(الطور:25 – 28).

وسجل أحوال المؤمنين في الدنيا التي تقربهم من هذا، كما قال -جل شأنه: ]تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا[(السجدة:16) خوفًا من النار، وطمعًا في الجنة، أو خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته وجزائه، وهذه الآيات الكريمة -وأمثالها كثير- تبرز أثر هذه العقيدة في إشاعة البر، والفضل، والكف عن الأهواء والمنكرات تسجيلًا لطبيعة الشريعة الإلهية في شمولها للدين، والدنيا، وللمسجد، والسوق، والعبادة، والمعاملة، بل إنه يجعل الأرض كلها للإنسان ساحة عبادة لله رب العالمين، حتى في بيعه، وشرائه، وزواجه، وسعيه على أولاده، وكلمته الطيبة، وحيائه، وإماطته الأذى عن طريق الناس كما ورد في الأحاديث والآثار.

3- القيامة حقيقة مؤكدة، وضرورة للعدل والإنصاف: ([3])

حقيقة لا ريب فيها:

والدار الآخرة من عقائد الإسلام الثابتة جاءت على لسان كل رسول، والقرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وهما أوثق مصدر تحدث عنها، وصحح عبث الفكر البشري في شأنها تصحيحًا لتحريفات أهل الكتاب في أخبارها، ويناقش القرآن الكريم الذين ينكرونها، أو يزعمون أنها خدعة كبيرة اخترعها الرسل توسلًا للإصلاح، واستتباع الناس، أو اخترعها الإنسان نفسه هربًا من ضغط الواقع إلى عالم المثالية، والخيال كما يزعم أدعياء الفكر في شتى العصور، فيدأب القرآن الكريم على تكرير حقيتها، وصدق وقوعها بكل الأساليب كالخبر المجرد، والوعد المؤكد، وتصوير مقدماتها، وأحوالها، وأهوالها، ومنازلها، ومواقف الحساب والميزان والصراط، والجنة، وغرفها، وأنهارها، وحورها، وولدانها، وشرابها، وصنوف طعامها وفاكهتها إلى آخر ما توسع فيه القرآن توسعًا عظيمًا.

ولهذا يخبرنا خبر الجزم، واليقين عن النار أيضًا، ودركاتها، وأبوابها، وخزنتها، وعددهم، وصفتهم، وما فيها من طعام الزقوم، والغسلين -نعوذ بالله منه- ومن شراب الصديد والحميم، حتى تخاصم أهل النار، وتلاعنهم، وندمهم، واستجدائهم تخفيف العذاب، وغير ذلك مما يطول ذكره، ونعرض له في أمثلة يسيرة فيما يلي:

أولاً: القيامة حقيقة وضرورة:

فقد أخبر الله تعالى أن القيامة ضرورة عدل، وحق يُستنقذ بها الخلق من عبث الوجود، وبطلان التسوية الجائرة كما قال تعالى: ]وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ[(غافر:58) ويؤكد لذلك وقوعها تأكيدًا جازمًا، فيقول: ]إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا[(غافر:59) ويبرزها في مقام الأمر الذي وقع وفرغ منه، قال تعالى: ]أَتَى أَمْرُ الله فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ[(النحل:1) والمراد: القيامة؛ لتحقق وقوعها خبرًا وحكمة، ويُقْسِم الله تعالى عليها بذاته العظمى كما قال: ]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ[(سبأ:3) ويقول -جل شأنه: ]زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا[(التغابن:7) وزعموا -كما يقول العرب- مطية الكذب، يقول ربنا: ]زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ[ ويقسم عليها بعظائم خلقه وتدبيره فيقول: ]وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا$ فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا$ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا$ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا$ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ $وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ[(الذاريات:1 – 6) والدين هو الجزاء الأخروي.

ويسجل القرآن الكريم على الكافرين، والمنكرين للآخرة تجردهم من أي دليل إلا مجرد الاستبعاد لبعث الأجساد بعد تفرقها، رغم قيام الأدلة اليقينية على خلاف دعواهم قال تعالى: ]وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[(الجاثية:25)وهذه حجة داحضة ساقطة؛ لأن الله تعالى أحيى آباءهم من قبل، فدرجوا على الأرض إلى آجالهم، وأحيى المنكرين أنفسهم، وكانوا جميعًا -هم وآباؤهم- عدمًا محضًا، ثم أماتهم فلم يمتنع عليه أحد في الحالين، فلا معنى لإنكار الإعادة إلا المكابرة، والجدال بالباطل؛ ولذلك عقب الله تعالى الآية السابقة بهذا الاستدلال: ]قُلْ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[(الجاثية:26)والمراد هنا نفي العلم النافع، وإلا فهم يعلمون خبر الساعة بما استفاض على ألسنة الرسل في كل الأمم والعصور، ولكن ظنون الجاهلية، وأهواءها، وجهالات طواغيتها وفلاسفتها تقودهم دائمًا إلى التخبط، والحيرة.

وقد سجل القرآن عليهم هذه المواقف، فقال تعالى: ]بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ[(النمل:66) بمعنى: أن علمهم في شأن الآخرة تتابع، واستحكم بما قام عليها من بينات، ولكنهم ترنحوا في الشك، بل عموا عن دلائلها؛ لأن هواهم في الإنكار، ولأن طبيعة حياتهم وشهواتهم ولذاتهم لا تتفق مع الاعتراف بها، وليسوا على استعداد للتخلي عما هم فيه كما قال تعالى في آيات أخرى: ]إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ$ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[(يونس:7 –8)، وكما قال: ]ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة[(النحل:107).

4- أدلة الوحي على المعاد: ([4])

ثانيًا: من أدلة الوحي الإلهي عليها:

وللوحي الإلهي أدلة غاية في الإعجاز، والإلزام على الدار الآخرة، ومن ذلك:

أ- استدلاله على وقوعها المتحقق بضرورة الفصل بين المحسن، والمسيء.

ب- أن الله تعالى باعترافهم هو الخالق الذي بدأ الخلق، وأمر الإعادة أهون في حكم العقل، والنظر السليم من أمر البدء، كما قال تعالى: ]وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ[(الروم:27) وهذا خطاب لهم بما يفهمون، وإلزام لهم بمقتضى العقول، وإلا فإن الله -تبارك وتعالى- يستوي في قدرته الشاملة كل شيء كما قال تعالى: ]مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ[(لقمان:29) وقال تعالى: ]قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ[(يس:79) ومن ثمَّ فاستبعادهم أمر البعث تناقض بين بلا حجة، ولا برهان، بل هو على نقيض الحجة والبرهان.

وقد تتابعت آيات القرآن لتخبرهم عن الحقيقة الآتية بلا ريب، وعن سرعتها ويسرها وحسمها، قال تعالى: ]يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ[(ق:44) وقال تعالى: ]يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ[(المعارج:43) ويقول عز شأنه: ]إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ[(يس:53)]فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ[(الصافات:19) وغير ذلك في القرآن وهو يستفيض بهذا.

جـ- كل ما في الكون الحاضر من ضخامة وسعة وعجائب هي دليل على اقتدار الخالق اقتدارًا مطلقًا، لا يعجزه إعادة هذه الأجسام الضئيلة بالقياس إلى غيرها، قال تعالى: ]فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا[(الصافات:11)،يعني: السماوات والأرض، وما إلى ذلك؛ لذلك يقول في آيات أخرى: ]لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ[ (غافر:57) ]أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ[(يس:81)،]أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ[(الأحقاف:33)،يعني: لم يعجز، ولم يتعب من خلقهن ]بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[]أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا$ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا$ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا$ وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا$ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا$ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا[(النازعات:27 – 32).

د– دورة الحياة متعاقبة أمام أبصار الناس في الأرض، والنبات يدل على القيامة دلالة أكيدة ساطعة، فإن الأرض أمام أعين الناس تكون جدباء، هامدة، يابسة، تمر عليها الشهور بل الدهور بلا نبات، ولا حياة، ولكن البذر مستكن في تربتها لا تراه العيون، فإذا مسها الماء أو نزل عليها قَطر السماء انبعثت بالحركة والحياة، واهتزت وربت بالخضرة والنماء، فأي فارق لدى العقل لو أنصف نفسه بين الدورتين؟! وهذا بعث مادي محسوس تراه العيون يتدفق بالحياة بعد الموت في شأن النبات، بل يمد الأحياء بالحياة؛ ولذلك يكثر القرآن الكريم من التذكير بهذا الدليل الحي المشاهد المتجدد، كما قال تعالى في سور شتى منها: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ$ ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ$ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ[(الحج:5- 7) ويقول -جل شأنه: ]وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[(فصلت:39)، خاشعة: أي ميتة.

وقد ثبت في الصحيح أن البعث الإنساني يتم على هذا النمط تمامًا: بذر دقيق وماء، كما جاء في حديث أبي هريرة عن النبي ^ في البخاري، وغيره، وفيه: “ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل” قال: “وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجْب الذّنَب ومنه يركب الخلق يوم القيامة”، وعجب الذنب أصله؛والمراد به هنا: عظم لا جوف له، دقيق قدر ذرة، يبقى في البدن ولا يبلَى أبدًا،وعند الإعادة ينزل عليه الماء الإلهي، فيركب الله منه سائر البدن كما يركب من البذر النبات.

هذا الحديث في البخاري وغيره وهذا الدليل بعينه هو ما أجاب به النبي ^ أحد أصحابه، واسمه أبو رزين حين سأله عن ذلك فقال: يا رسول الله، أخبرني في شأن البعث خبرًا لا أسأل عنه أحد بعدك، فقال: :”يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك ممحلًا، ثم تمر به خضرًا، ثم تمر به ممحلًا، ثم تمر به خَضِرًا؟ قال: نعم، رأيت ذلك الوادي يكون ليس فيه نبات، ولا أي شيء، ثم ينزل عليه الماء فيزدهر، وينبت من كل النبات، قال له: كذلك يحيي الله الموتى”، رواه أحمد والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات، وهو حديث صحيح.

5-مقدمات المعاد، ومشاهد القيامة: ([5])

ثالثًا: من مقدمات هذه الساعة، أو القيامة، أو اليوم الآخر:

يخبرنا الوحي الإلهي بأن الكون كله سيتصدع، ويتهاوى، وتتغير نظمه ومظاهره حين تأتي الساعة، فتزلزل الأرض، وتًرجّ رجًّا، وتصير الجبال هباءً منبثًّا، وتتشقق السماء، وتعتم الشمس، وتتناثر الكواكب، وتفجر البحار، وبإيجاز يقول ربنا: ]يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[(إبراهيم:48) وفي تسجيل الوحي الإلهي لهذه المظاهر دليل على أن البعث أمر حسي مقصود لذاته، وليس بعثًّا روحانيًّا فقط كما يقول بعض الفلاسفة، وليس كذلك ارتقاءًروحيًّا، يسميه بعضهم ترقيًّا روحيًّا في أطوار الخلق، كما جاء عن بعض أهل الكتاب المنحرفين.

رابعًا: من مشاهد القيامة:

ننتقل هنا إلى مشاهد القيامة:

فقد أراد الله -عز وجل- أن يوقف العباد على حقيقة هذا اليوم، وما فيه من جد بالغ، وفصل صارم، لا هزل فيه، ولا لعب، فقص عليهم من مشاهده ما يحمل على الطاعة حملًا، ويزجر عن المعاصي زجرًا، ويقوم بين يدي الساعة عذرًا أو نُذرًا، ومن ذلك بإيجاز شديد:

أولاً: فزع الخلائق، وخوفهم من البعث: ]وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ[(النمل:87)ومعنى داخرين: صاغرين، ويبين الله -عز وجل- كرامته للمؤمنين من خلال وصف غاية في الرهبة والرَّوْع، فيقول: ]لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَر[(الأنبياء:103) ومثله في الهول قوله تعالى: ]فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى$ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى $وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى[(النازعات:34 – 36) ويذكر القرآن الكريم صورًا من هذا الفزع الأكبر يقول: ربنا ]يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ[(المعارج:8) يعني: دِرْدِيّ الزيت ]وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ[(المعارج:9) كالصوف ]وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا$ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ$ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ$ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ$ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ$ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى[(المعارج:10 – 15) -والعياذ بالله- ولكن كل يريد النجاة بنفسه هو فقط كما قال تعالى: ]يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ$ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ$ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ$ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[(عبس:34-37).

يقول المفسرون: أول من يفر من أخيه: ابن آدم الذي قتل أخاه، وأول من يفر من أمه عيسى -عليه السلام- يقول: نفسي نفسي يا رب، وأول من يفر من أبيه: إبراهيم -عليه السلام- وأول من يفر من صاحبته وبنيه: نوح، ولوط يفران من زوجتيهماوبنيه أيضًا ابن نوح الذي أبى أن يركب في السفينة: ]لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[ ودعوة الأنبياء يومئذ: يا رب، سلم سلم، ويقول عز شأنه: ]هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ$ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ$ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ[(المرسلات:34 – 37) ويقول: ]يَوْمَ يَقُومُ الرُّوح[(النبأ:38)الروح يعني: جبريل -عليه السلام- أو هو خلق أكبر من جبريل كما يقول المفسرون: ]يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا[(النبأ:38) ويقول ربنا -جل شأنه: ]كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا$ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا$ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَيَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى $يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي $فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ $وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ[(الفجر:21- 25)، فهذه الكلمات تخلع القلوب خلعًا، فلا بد أن يتأملها ويتدبرها المؤمن.

ثانيًا: سوق العباد للحساب والفصل، ويحدثنا الوحي الإلهي طويلًا عن حساب الله تعالى للخلائق في هذا اليوم الشديد، ومن ذلك:

أ- صحائف الأعمال التي سجل فيها عمل كل فرد على حدة قال تعالى: ]وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا$ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا[(الإسراء:13 – 14) ويبلغ الوحي الإلهي غاية من التفصيل حيث يبين كيفيات تسليم الكتب، وأحوال الناس عندها يقول ربنا: ]فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ[(الحاقة:19) يعني: خذوا اقرءوا كتابيه ]وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ$ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ$ يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ$ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ$ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ[(الحاقة:25 – 29)، ]فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ$ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا$ وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا$ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ$ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا$ وَيَصْلَى سَعِيرًا$ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا[(الانشقاق:7-13)، يعني: في الدنيا.

ب- الشهود: وهذا من تمام إظهار العدل الإلهي في هذا الموقف العظيم، فإن الله -عز وجل- يستشهد على المذنبين قبل إدانتهم مع علمه -عز وجل- القاطع بما عملوا، لكنه لا يريد أن يعاملهم بعلمه، لكن يعاملهم بالشهود حتى يتأكد كل إنسان من ذنبه وعمله، قال تعالى في هؤلاء الشهود -أولاً هم الأنبياء، الأنبياء هم أول الشهود -عليهم السلام- يشهدون على أممهم بالبلاغ، وإقامة الحجة: قال تعالى: ]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا[(النساء:41) والملائكة، وهم أيضًا يشهدون؛ لأنهم سجلوا الأعمال، وشهدوا الطاعات والمعاصي كما قال تعالى: ]وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ[(ق:21) والأرض أيضًا تشهد كما قال تعالى: ]يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا[(الزلزلة:4)وفي الحديث: “فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد، أو أمة بما عمل على ظهرها، بأن تقول: عمل هذا العبد كذا وكذا، يوم كذا وكذا” والحديث أخرجه أحمد، وغيره، والترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في تفسير سورة ]إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ[ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

أيضًا من الشهود بعد الأنبياء، والملائكة، والأرض جوارح الإنسان أي: خاصة عندما يماري، ولا يرضى إلا شاهدًا من نفسه يقول تعالى: ]الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ[(يس:65) يعني: فلا تنطق ]وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[(يس:65) ويقول -جل شأنه: ]يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[(النور:24) ]حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ$ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا الله الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ[(فصلت:20 – 21).

جـ- السؤال الشخصي؛ ليدافع كل إنسان عن نفسه، وليبين أعذاره إن كانت له أعذار، والله تعالى مع ذلك أعلم بالمرء من نفسه قال تعالى: ]احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ$ مِنْ دُونِ الله فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ$ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ[(الصافات:22 – 24) ويقول سبحانه وتعالى: ]وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ$ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ$ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ[(الأنعام:22- 24).

د- وضع الميزان؛ ليوفي كل إنسان جزاءه في دقة كاملة بالغة حتى مقادير ومثاقيل الذَّرّ والخَرْدَل، كما قال ربنا: ]وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ[(الأنبياء:47) جل شأن الله، ويقول: ]إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ[(النساء:40) وعلى نتيجة هذا الميزان العدل يقضي الله تعالى بالحق بين عباده: ]فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ[(القارعة:6- 7) يعني: ثقلت بالحسنات، والطيبات ]وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ[(القارعة:8) من الحسنات والطيبات، وامتلأت بالسيئات، يقول ربنا: ]وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ[(القارعة:8-11)، نعوذ بالله منها.

6- وصف الجنة والنار:([6])

ننتقل هنا إلى وصف الجنة والنار، وهو موضوع طويل في كتاب الله تعالى:

فأما المؤمنون الصالحون فيبلغون سعادة الأبد، ويظفرون بنعيم الخلد قال -تبارك وتعالى: ]وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا[(الزمر:73) يعني: جماعات جماعات ]حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ$ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَنَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ[(الزمر:73 – 74)، الأرض هي: أرض الجنة ويصف الوحي الإلهي أحوال أهل الجنة، وما فيها من نعيم وصفًّا تفصيليًّا، في دار لم يبلغها علمنا المحدود، ولم تشاهدها حواسنا، ولكنها أعدت للمتقين، وأخبرنا بها رب العالمين، وينبغي أن نوقن بوجودها أكثر مما نوقن بحاضرنا المشاهد؛ لأنها وعد الله الحق، وجزاؤه الصدق كما قال ربنا: ]وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ الله[(التوبة:111) فهذا وعد سجله في كتبه الثلاثة الأساسية التي أنزلها من السماء إلى أهل الأرض، على موسى، وعلى عيسى، وعلى محمد -صلى الله عليهم جميعًا- يقول: ]وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ الله[.

وأما الكافرون فيساقون إلى جهنم زمرًا، حيث يذوقون العذاب الأبدي، وحيث يذوقون شقاء الخلد بشؤم ذنوبهم، واستكبارهم على ربهم، وقد بلغ الوصف القرآني للنار وأحوالها ودركاتها وبلاء أهلها حدًّا يخلع القلوب خلعًا، وفي القرآن الكريم آيات تفرد وصف الجنة، وآيات تفرد وصف النار، وفيه آيات تجمع ذكرهما معًا؛ ليوازن العاقل، ويقارن بين الصورتين كما قال تعالى عقب الكلام عن النار والجنة، وهلاك المكذبين: ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[(ق:37) ومنها على سبيل المثال قوله تعالى: ]مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ[(محمد:15).

ثم تأتي الصورة الأخرى المزعجة: ]كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ[(محمد:15) لا يستويان أبدًا، يقول ربنا أيضًا: ]هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ$ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ[(الحج:19 – 20) يصهر: يصير صهارًا مُذابًا ]وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ$ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ$ إِنَّ الله يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ $وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ[(الحج:21- 24).

والمقصود من هذه الأخبار والأوصاف تشويق الناس إلى الجنة؛ ليعملوا بعمل أهلها هنا في الدنيا، ولتحذير الناس من النار؛ ليجتنبوا عملها وسوء حالها، ونعوذ بالله من حال أهل النار، ولذلك كُلف الناس اعتقاد هذا، والإيمان به تفصيلًا؛ لأنه أصل من أصول الدين فضلًا عما فيه من الدلالة على صدق الرسول الذي أخبر بهذا الغيب كله ،وما فيه من الدلالة على أن الآخرة واقعة لا ريب فيها، فليست أسطورة مفتراة، وعلى أنها بعث مادي جسدي، وليست من قبيل الخيالات، أو التصاوير، أو التمثيلات كما يدعي بعض أغرار الملحدين؛ ولذلك كان من تمام الإيمان بهذه الدار الآخرة وجوب اعتقاد ما أخبر الله تعالى به من أن أعمال الإنسان تسجل عليه في الدنيا تسجيلًا كاملًا، قولًا وعملًا، ويميز بينها بالنية قوة وضعفًا، وصحة وفسادًا، وهذا باب عظيم كبير لا سلطان لأحد عليه إلا الله تعالى ومن سخره من خلقه؛ لذلك كما قال -جل شأنه: ]أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ[(الزخرف:80) ويقول ربنا: ]مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[(ق:18) بل إن خواطر الإنسان كلها معلومة، ومحصاة كما قال ربنا وعلمنا وحدد لنا، يقول ربنا: ]وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه[(ق:16) ليس ما يعمل، أو يقول فقط ]وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[ ويحاسب الله تعالى على ماعقد عليه العزم منها، ويعفو عن كثير بفضله ولطفه ورحمته.

وإن ما أظهره الله تعالى من آيات قدرته في هذا العصر لدليل على مدى هذا التسجيل الكامل المحيط بالإنسان، والذي سيُساق به غدًا ليُسأل بين يدي الملك الديان -سبحانه وتعالى- ومن ذلك ما ثبت علميًّا الآن وعلى يد الملحدين أنفسهم من ثبات الخواطر والأفكار في ذاكرة الإنسان ثباتًا لا يمحى في ظاهر الشعور، أو ما وراء دائرة الشعور الظاهر، وكذلك ما ثبت من بقاء الصوت، والصورة منقوشين في الفضاء على صفحة الأثير الخارجي حتى أمكن عمليًّا الآن تصوير الحوادث بعد وقوعها، واختفاء آثارها المادية، وذلك بواسطة تجميع الموجات الحرارية الصادرة من الأجسام، والتي تبقى في الفضاء على هيئة الأصل تمامًا، وتعكس الأشكال بأبعادها الحقيقية، وقدرة الله تعالى أعلى من ذلك وأتم، وصدق الله تعالى حين يقول: ]سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ$ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ[(فصلت:53- 54) ومن أراد أن يراجع في هذا بحثًا علميًّا جيدًا، فليرجع إلى كتاب (الإسلام يتحدى) لوحيد الدين خان، وهو في الباب الخامس خاصة صفحة 78 إلى 81 حين كتب تحت عنوان “ضرورة الآخرة” والله تعالى أعلم.

 

 

([1]) راجع: المنهاج القرآني: صـ 356-382، المدخل إلى التفسير الموضوعي: صـ 269، وما بعدها.

([2]) راجع: المنهاج القرآني: صـ356-382، المدخل إلى التفسير الموضوعي: صـ269، وما بعدها.

([3]) راجع: المنهاج القرآني: صـ 356-382، المدخل إلى التفسير الموضوعي: صـ 269، وما بعدها.

([4]) راجع: المنهاج القرآني: صـ 356-382، المدخل إلى التفسير الموضوعي: صـ 269، وما بعدها.

([5]) راجع: المنهاج القرآني: صـ 356-382، المدخل إلى التفسير الموضوعي: صـ 269، وما بعدها.

([6]) راجع: المنهاج القرآني: صـ 356-382، المدخل إلى التفسير الموضوعي: صـ 269، وما بعدها.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*