الثلاثاء , 20 فبراير 2018
جديد الموقع
عبقرية الفتح
عبقرية الفتح

عبقرية الفتح

كان إلامام عمرو بن العاص بالخريطة النفسية والفكرية والمعنوية لمصر
لا يقل عن إلمامه بالخريطة السياسية والعسكرية ، وكلتا الخريطتين تكمل إحداهما الأخرى في ظروف الصدام الحضاري !!
ـ وهذا الإلمام يدلنا على مدى ما أحدثه الدين الجديد من وعي حضاري في نفوس أبنائه ، إنه وعي لا يقف عند حدود الإيمان التقليدي الذي تسيطر فيه العاطفة الجامحة ، بل هو وعي يدفع على التجرد من الأهداف الشخصية والمحدودة لحساب الأهداف العامة والعليا ، فليس معنى “الإيمان” في الإسلام منفصلاً عن معنى “الفطانة والعلم” ، بل “المؤمن” من شروط إيمانه أن يكون “كيّساًَ فطِناً” ، ومن ثم فليس منسجماًَ أن يقال : “إن المسلمين انتصروا بالإيمان المجرد”.. بل بالإيمان القائم على العلم والفِطنة !!
ـ كان عمرو يدرك أن مصر بلد يعاني من الانفصام بين الأمة والدولة ، بين القيادة والشعب، وأن هذا الانفصام جعل الفرس يفتحون مصر في مدة وجيزة قبل أن يستشعر الروم هول الأمر فيخرجوهم منها .
ففي خريف سنة (16هـ) كان القائد الفارسي شاهين (سايس . ساين) قد أتم استعداده لغزو مصر عن طريق العريش ، متتبعاً فرع النيل الغربي ، ومن هناك سار إلى الإسكندرية ، ويصف مؤرخو اليونان هذه الحرب في كلمة قصيرة ، إذ يقولون :”جاء الفرس فأخذوا مصر كلها والإسكندرية وليبيا إلى حدود أثيوبيا ، ثم عادوا ومعهم عدد عظيم من الأسرى وغنائم جليلة المقدار” ( ) ، ويزيد المؤرخون المصريون على تلك القصة شيئاً يسيراً لا يشفي الغليل ؛ على أننا نعرف منهم أنه قد فُتحت الفَرَمَا بغير كبير عناء ، وأن الفرس خربوا الكثير من كنائسها وأديرتها، ومن الطبيعي أن يكون هذا الغزو ـ بكل ملابساته ـ ماثلاً في ذهن عمرو ، الذي كان خبيراً في الشؤون المصرية مهتماً بها !!
ـ ومن ناحية أخرى كان عمرو بن العاص يعلم ـ أيضاً ـ أن الدولة الرومانية البيزنطية قد سولت لها نفسها أن تفرض على المصريين عقيدة يرفضونها ، تقول : إن للمسيح ـ عليه السلام ـ طبيعيتين : إحداهما بشرية ، والأخرى إلهية ، بينما رأت كنيسة الإسكندرية المصرية أن للمسيح طبيعة واحدة ، وقد اتخذ الخلاف الديني في مصر شكلاً قومياَ ، فلم يقبل مسيحيو مصر ما تريد القسطنطينية أن تفرضه عليهم ، وأطلقوا على أنفسهم اسم “الأرثوذكسيين” أي أتباع الديانة الصحيحة ، أما أتباع الكنيسة البيزنطية فقد عُرفوا باسم أتباع الملكانيين نسبة إلى الملك أو الإمبراطور . ومنذ ذلك العهد تُعرف الكنيسة المسيحية في مصر باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، وتـُعرف أحياناً بالكنيسة اليعقوبية ، نسبة إلى يعقوب البرادعي (Jacob Baradeus) أسقف مدينة الرها “المونوفيزيتي” في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.
ـ ومما يدل على أن المسألة الدينية في مصر تطورت إلى مسألة قومية ـ أو امتزجت بها ـ ما يذكره “ساويرس” عن رهبان أحد الأديرة بأنهم لم يحيدوا عن المذهب الأرثوذكسي ، ولم يقبلوا المذهب الخلقدوني ( )؛ لأنهم مصريون ، وقد ظن المصريون ـ خطأ ـ أن خروج الفرس من مصر (616 ـ 629م) على يد “هِرَقـْل” سيكون فاتحة خير ، وأن الإمبراطور الجديد الذي عرف ضعف البلاد نتيجة التمزق الديني قد يعود بالمسيحية إلى شيء من التسامح ، ولكن سرعان ما خاب ظنهم ؛ فإن هرقل بعد أن أنقذ الدولة من الفرس رأى أن ينقذها من الخلاف الديني عن طريق فرض مذهب الإمبراطورية مع شيء من التوفيق لم تقبله الكنيسة المصرية( ).
ـ لقد شعر هرقل بأن الأنظار ترنو إليه من أرجاء العالم المسيحي لينقذ الكنيسة مما ألمَّ بها من انقسام وتطاحن ، ففكر في توحيد المذاهب المسيحية وصوغها مذهباً واحداً ، وقد تحدث في هذا الأمر إلى أساقفة الشام وبيزنطة ممن يمثلون شتى المذاهب المسيحية فوافقوه على فكرته كل الموافقة ، وسرعان ما أمر الأسقف “سرجيوس القسطنطيني” بأن يضع صورة للتوفيق بين المذهب الملكاني والمذهب اليعقوبي ، فقام هذا الأسقف بتنفيذ إرادة الإمبراطور ، ووضع صورة للتوفيق أقرها هرقل ، وكانت تقضي بأن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كُنه طبيعة السيد المسيح وعما إذا كانت له طبيعة واحدة أو طبيعيتان ، ولكن عليهم أن يشهدوا بأن له إرادة واحدة أو قضاءً واحداً .
وقد قدّر الإمبراطور هرقل أن القول بهذا المذهب الجديد سيرضي المصريين الأقباط ؛ لأنه يرادف القول بالطبيعة الواحدة ، ولا يُسخط أصحاب القول بالطبيعيتين ؛ لأنهم يقولون إن الطبيعيتين عند السيد المسيح تتفقان مع المشيئة الإلهية ( ) ، لكن تقدير هرقل باء بالفشل ، بل إن الأمور ازدادت سوءاً ؛ لأن فرض العقائد بالأمر السياسي أو العسكري لا يزيد الأمور إلا اشتعالاً وتعقيداً ، كما أن هرقل وقع في خطأ آخر عندما أسند الرئاسة الدينية والسياسية في مصر لشخص واحد هو “قيرس” الذي يعرف عند مؤرخي العرب باسم “المقوقس” ( ) فكأنه يعطيه تفويضاً بفرض مذهب الإمبراطورية الديني بالقوة القاهرة ؛ جامعاً في يديه بين سيف التكفير وسيف القوة. والحق أن قيرس “المقوقس” أصبح بهذه الصلاحيات المطلقة المُغْرية بالظلم شخصاً نحْساً أنكد النقيبة ؛ فقد أخفق في سعيه لتوحيد المذهبين الملكاني واليعقوبي في مصر ، ثم عسف في الحكم حتى صار اسمه مفزعاً للقبط كريهاً عندهم مدة عشر سنين ، أمعن فيها ما استطاع في اضطهاد مذهبهم حتى استحال بعد ذلك أن يبقى في القبط ولاء للروم ( ) .
لقد قاسى الأقباط جميع أنواع الشدائد من جراء اضطهاد “قيرس” ، الذي فاق كل اضطهاد ، حتى تحول الكثير ممن لم يستطيعوا الهرب إلى المذهب الجديد ومنهم بعض الأساقفة ، وقد صمد كثيرون ضده ومن بينهم الأب “مينا” أخو البطرك “بنيامين” على الرغم من التعذيب والاضطهاد الذي ناله من جراء ذلك ؛ ومن ذلك نرى أن سيف (قيرس) قطع آخر ما كان يربط المصريين بالدولة البيزنطية من أسباب الولاء ( ) .
كان عمرو بن العاص يعرف كل هذه الظروف التي تعيشها مصر ، كما يعرف أيضاً قيمة مصر “الجغرافيا” و “التاريخ” و “الحضارة” ، ويعرف أن الرومان الذين ضُربوا ضربات قاتلة في مفاصلهم الرئيسية ، سيكونون أعجز في دفاعهم عن الأطراف التي تضيق بهم وبسياستهم ، ولهذه الظروف كلها لا يجوز لنا أن نعجب حين نجد عمرو بن العاص يتقدم لفتح مصر بعدد لا يزيد عن أربعة آلاف جندي ، وليس ذلك استخفافاً بمصر بقدر ما هو استخفاف بالروم وبموقعهم في مصر ، فضلاً عن أن هذا العدد يعكس ثقة المسلمين بأنفسهم ودينهم ، ويعكس ثقتهم ـ أيضاً ـ بالهزيمة المعنوية والتمزق النفسي الذي يعيشه خصومهم ، وكما يقول الأستاذ العقاد : “لقد كانت ثقة هرقل قد ضاعت في نفسه ، وضاعت ثقة الروم في صلاحهم للحكم ، وضاعت ثقة الأعوان في صلاح العاهل والدولة ، ولم تبق لهم إلا بقية من تمسك يُقيمها الخوف من عقاب الرؤساء ، ويوشك أن يذهب بها خوف أعظم منه وهو الخوف من بأس المغيرين” !
ومن الجانب الآخر ملك المسلمون كل ثقة بالنصر ، وكل إيمان بحقهم فيه ، واطمأنوا إلى خليفة قوي ، وقائد قوي ، وصبْرٍ قوي على كل بلاء ؛ وعلم عدوهم هذا منهم فوصفهم ـ بعد رؤية وخبرة ـ بأنهم “قومٌ الموت أحب إليهم من الحياة ، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة ! ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نُهمة!” ( ) .
ـ ومن مجموع هذه الخبرات والمعارف والبواعث انطلق عمرو بن العاص يقنع أمير المؤمنين بما يراه مصلحة مهمة تتحقق في ظروف مواتية بأقل التكاليف الممكنة ، ويبدو أن تحمسه الشديد ودفاعه عن وجهة نظره بقوة، وتهوينه للأمر اعتماداً على خبرته ومعلوماته قد دفع أمير المؤمنين إلى شيء من التردد والتحفظ والحيطة ، وكان مما قاله عمرو بن العاص لأمير المؤمنين فيما يرويه ابن عبد الحكم (المتوفى سنة 257هـ) : “إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعوناً لهم ، وهي أكثر الأرض أموالاً وأعجزها عن القتال والحرب” ( ) .
وهناك آراء ترجع بفكرة فتح مصر إلى عمر بن الخطاب نفسه ، وهذه الآراء تذكر أن عُمر وهو في الجابية كتب إلى عمرو بن العاص يأمره بالشخوص إلى مصر ، فوافاه كتابه وهو بقيسارية ، والذي نميل إليه أن فكرة فتح مصر أثيرت لأول مرة في الجابية سنة (17هــ 638م) عندما قدِم عمر بن الخطاب إليها للإشراف على آخر ما وصلت إليه الفتوحات الإسلامية ، وفي هذه الظروف التي كان يبحث فيها الخطة العامة للفتوحات برزت فكرة فتح مصر ؛ حين أدرك عمر أهمية مصر عسكرياً للإفلات من تطويق الروم للمسلمين من جهة الجنوب والغرب ؛ خاصة وأن “أرطبون” أحد كبار القادة البيزنطيين قد لاذَ بها ، بالإضافة إلى ثروة مصر وأهمية موقعها الجغرافي !! ( ).
وهذا هو ما نميل إليه ونؤمن به ، كما أن هذا لا يمنع أن يكون عمر قد خشي بعض الاندفاع من عمرو بن العاص فأرسل إليه يأمره بالتريث والحيطة ، أما الآراء الأخرى التي تجنح إلى القول بأن عمرو بن العاص لم يستأذن في فتح مصر ، أو أنه أعمل الحيلة حتى أرغم الخليفة على أن يتركه يمضي في فتح مصر ، فهي آراء مرجوحة لا تؤيدها الوقائع الصحيحة ولا التفسير الصحيح للأحداث ، كما لا تقبلها طبيعة خليفة مثل عمر بن الخطاب  ( ) .
ومهما يكن الأمر فإن عمرو بن العاص في يوم الأحد العاشر من ذي الحجة من السنة الثامنة عشرة للهجرة ، الموافق الثاني عشر من ديسمبر سنة 639م ـ تقدم لدخول مصر ، وكانت مدينة العريش “رينو قورورا” هي أول العمران الذي التقى به جيش عمرو ، بينما كانت “حامية الفرما” أول موضع التقى فيه جيش الإسلام الواثق بنصر الله بجيش الروم المنهزم داخلياً ، والممزق عقدياً ، وكانت “الفَرَمَا” ـ وتسمى أيضاً بلوز ، وبرمون ـ ذات شأن كبير ، فهي مفتاح مصر من جهة الشرق ، وتشرف على الطريق القادم من الصحراء ، وتقع على نهر من الأرض على نحو ميل ونصف من البحر “شرق بور سعيد الحالية” ، لها ميناء لعله كان متصلاً بالمدينة بخليج يجري من البحر ، وعلى مقربة منها يصب في البحر أحد فروع النيل القديمة ويدعى بالفرع البيلوزي . وقد استمر حصار الفرما شهراً ، كما ذكر المقريزي وابن عبد الحكم والسيوطي وابن الأثير ، وغيرهم ، وشهرين في رواية أخرى لياقوت في معجمه ، وكان من المحتمل أن يستولي عليها العرب في أقل من ذلك ، لولا قلة جنود عمرو ومناعة الأسوار ( ) .
فلما ملك المسلمون الفرما صار في أيديهم معقل يؤمن لهم الطريق المؤدية إلى بلادهم ويضمن لهم سبيل الرجوع إذا نزلت بهم هزيمة ، وقد فطنوا بعد فتح الفرما إلى ما هم مقبلون عليه من الأمر الخطير إذا أتيح لهم فتح حصن بابليون والإسكندرية العظيمة ، ولابد أن يكون عمرو قد أدرك أنه لن يستطيع شيئاً إذا لم يوافِهِ عمر بن الخطاب بما وعده من الأمداد ، وكان يعرف أن الأمداد لن تستطيع أن تخلص إليه إلا عن طريق الفرما ولم يكن معه من الجند من يقدر على أن يخلفه في المدينة ليحرسها ، وعلى ذلك لم يكن له بُدّ من هدم أسوارها وحصونها حتى لا يستفيد بها العدو لو عاد إلى تملكها ( ) .
وقد واصل عمرو زحفه بعد الفرما متغلباً على ما يصادفه من مقاومة ، وقد نزل القواصر من أعمال التل الكبير ، فدخلها ، ثم سار إلى بلبيس ، فافتتحها بعد شهر ، فلما وصل إلى “أم دُنَيْن” الواقعة شمال حصن بابليون ، اشتبك مع البيزنطيين في قتال عنيف يعتمد على مقاومة منظمة ؛ ومن ثم وجد عمرو نفسه في مواجهة عقبة من أخطر العقبات التي واجهته .

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*