السبت , 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » علوم القرآن » علوم القرآن الكريم
علوم القرآن الكريم
علوم القرآن الكريم

علوم القرآن الكريم

يتضمن هذا الفصل النقاط التالية:
1- معنى مصطلح (علوم القرآن)
2- المراد بـ (علوم القرآن) بالمعنى الإضافي.
3- المراد بـ (علوم القرآن) باعتباره فناً مدوناً.
4- دواعي دراسةِ علومِ القرآن وفائدتها.
5- نشأةُ علوم القرآن، ومراحلُ تطورِه وتدوينه.
6- كلمةٌ جامعةٌ في ختامِ الموضوع.
أولاً: معنى مصطلح (علوم القرآن):
مصطلحُ (علوم القرآن) كما يتضحُ من لفظيه مركبُ إضافٌي، طرفاه (علوم) و(القرآنْ) ولن يتسنى لنا فهمُ المرادِ من هذا المركب باعتبار أصل وضعِه، أو باعتبار العُرْفِ والاصطلاح في استخدامِهِ إلا بعد التعُّرفِ على طرفيه أولا.
وطرفا هذا المصطلح كما أسلفنا هما (علومْ) و(القرآنْ) فما المراد بكل منهما لغةً واصطلاحاً؟
أما بالنسبةِ للطرف الأول، وهو كلمةُ (علوم) فهي جمعٌ مفردُهُ (عِلْم) والبحثُ اللغويَّ للكلمة يكشفُ عن تعريفات أوردتها معاجمُ اللغة، فإننا إذا أردنا تعريفَهُ بالمقابلِ، فالعلمُ: نقيضُ الجهل.( )
قال الشاعر:
سلي -إن جهلتِ- الناسَ عنَّا وعنهموا فلـيس سـواءً عـالِمٌ وجَـهُولُ
وإذا أردنا تعريفَهُ باعتبارِ معناه، فهو: إدراكَ الشيءِ بحقيِقتِه.( )
وإذا أردنا تعريفَهُ بالمرادِفِ فهو: المعرفةُ والفهمُ للشيءِ على ما هو عليه، كما في قول الله تعالى: ]وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ[ (الواقعة: 62) أي عرفتمْ وفهمتمْ كيف كانت تلك النشأة.
وقد يطلقُ العلم ويراد به القطع بالشيء والجزمُ بهِ يقينا، كما في قول الله تعالى: ]وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ[ (الانفطار: 4-5). ومنه قول الشاعر:
ولقد علمتُ بأن دينَ محمدٍ هو خيرُ أديانِ البريةِ دينا
أما المرادُ بالعلم اصطلاحاً، فقد تعددتْ تعريفاتُهُ وِفقاً لأهل كل فنٍّ، لكننا سنركزُ هنا على تعريفين، أولهما مؤدى العلم وأثره، وقد عرفوه في هذا المضمار بأنه: صورة الشيء الحاصلةَ في الذهن، أو: حصولُ صورةِ الشيءِ في الذهن، وعلاقَةُ هذا التعريفِ بالمعنى اللغويِّ علاقةُ تلازم، فالشيءُ إذا فُهم وعُرف كان له بالضرورة صورةٌ حاصلةٌ في الذهنِ فذلك أمرٌ ناشئٌ عن الفهم ومترتبٌ عليه.
أما ثاني التعريفين، وهو ما يعنينا في بحثنا هذا، فهو تعريف علماء التدوين وهؤلاء قد عرفوا العلم بأنه: المسائلُ المختلفةُ المضبوطةُ بجهةٍ واحدة.( )
فمسائلَ الفروعِ في العباداتِ والمعاملاتِ ونحوهِمَا يضبطَها علمُ الفقه، ومسائلَ الاستنباطِ والاستدلالِ ونحوِهِمَا يضبطُهَا علمُ الأصولِ، ومسائلُ العقيدةِ في الإلهياتِ والنبواتِ والسمعياتِ وما يتعلقُ بها يضبطُهَا علمُ التوحيدِ، ومسائلُ الأساليبِ اللغويةِ وحسناتها وفصاحةِ الكلامِ ومراعاةِ حالِ المخاطبين يضبطُهَا علمُ البلاغة، ونحوَ ذلك.
ولقد قلنا عن هذا المعنى الاصطلاحي الأخير إنهُ هوَ الذي يعنينا لأنَّ مقصودَنَا في بحث علوم القرآن هو: موضوعاتُهُ ومسائلُهُ كما سيأتي بيانُهُ.
هذا عن الطرفِ الأولِ من طرفَيْ المركبِ: (علوم القرآن).
أما الطرفُ الثانى، وهو لفْظُ (القرآن) فله معنى في اللغة ومعنى في الاصطلاح.
أما في اللغةِ، فذهب بعض أهلِهَا إلى أن لفظَ القرآنِ اسمُ علمٍ مشتقٌ من القَرْنِ، والقَرْنُ هو: الضمُّ والجمْعُ، وأن القرآنَ الكريم إنما سُمِّى بذلك لما فيه من ضمِّ آياته وسورِهِ بعضها إلى بعض، وهذا الضمُّ وإن كان صواباً فيما يتعلق بآياتِ القرآن وسورِهِ، إلا أنه لا يسوّغُ القولَ بردِّ لفظِ القرآن في اللغة إلى هذا الأصل، لأن هذا اللفظ عندئذٍ لابد أن يكون خاليا من الهمز، وهذا مخالفٌ لقواعدِ الاشتقاق، إذ أن تعريفَهُ عندئذٍ سيكون: قَرَنَ يقرِنُ قَرْنا، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإن ورود اللفظِ في القرآنِ نفسِهِ جاء بتصرِيفَاتِ لا تشهد بذلك، كما سيأتي.
أما الفريق الثاني من أهل اللغة، فيرى أن القرآنَ: مصدر قرأ وهو مرادفٌ للقراءة، تقول: قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، والحقُّ أن قولَ هذا الفريق هو الصواب، لأن ورودَ اللفظ في القرآنِ يشهد لذلك، ففي سورة القيامة يقول الله تعالى: ]لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ[ (الآيات: 16-19).
وفي سورةِ الإسراءِ يقول الله تعالى: ]وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنـزلْنَاهُ تنـزيلاً[ (آية 106).
وفي سورةِ النحل يقول الله سبحانه: ]فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[ (آية: 98).
وعليه فإن القرآنَ في اللغةِ: مصدرُ قرأَ، همزتُهُ أصليةٌ وطرأتْ عليهِ زيادةُ النونِ، مِثْلهُ مِثْلُ: غَفر يغفر غفرانًا، ورجَح يرجُح رجحانًا، فهو على وزن (فُعلان) بالضم سُمِّى به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر.( )
أما تعريفُ القرآن اصطلاحا، فيرى بعضُ العلماءِ أنه من الصعوبة بمكان.
يقول الشيخُ مناع القطان رحمه اللهُ تعالى: (والقرآنُ الكريم يتعذرُ تحديدهُ بالتعاريفِ المنطقية ذاتِ الأجناس والفصولِ والخواص، بحيثُ يكونُ تعريفُه حداً حقيقياً، والحدُّ الحقيقي له هو استحضارُه معهوداً في الذهن، أو مُشَاهداً بالحس، كأن تشير إليه مكتوبا في المصحفِ، أو مقروءاً باللسان، فتقول: هو ما بين هاتين الدفتين، أو تقول: هو من ]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ[ (الفاتحة 1-2) إلى قوله: ]مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ[ (سورة الناس: 6).( )
لكن هذا الذي قاله الشيخ رحمه الله تعالى لا ينفي أن ما ساقَهُ العلماءُ من تعريف القرآن اصطلاحاً هو أقربُ ما يكون إلى حقيقته إن لم يكن هو الحقيقةَ بعينها، فقد أوردوا من التعريفات ما يُفهِمُ المراَد منَ القرآن، ويميزُهُ عن غيره، بحيثُ لا يشترك معه أيُّ كلامٍ في خصائصِهِ مجتمعةً، وهذا كافٍ تماما في هذا المضمار.
وأشهرُ وأجمع ما ورد فيه هو تعريفُ الفقهاءِ والأصوليينَ وعلماءِ العربيةِ، وهؤلاءِ جميعًا عرفوا القرآنَ بأنهُ: (كلامُ الله تعالى، المنـزلُ على محمد ، المعجزُ بلفظه، المتعبَّدُ بتلاوته، المنقولُ بالتواتر).
وإنما أشرنا إلى أنَّ ذلك التعريفَ أجْمَعُ ما ورد من التعريفات لأن تحليل ألفاظِهِ يدلُّ على ذلك.
فـ (كلامً) جنسً في التعريفِ يشملُ كلَّ كلامٍ، فإذا أضيفَ الكلامُ إلى اللهِ تعالى، فإنهُ بذلكَ يُخْرجُ غيرَهُ من كلامِ الإنسِ والجنِّ والملائكةِ، و(المنـزل) يخرجُ الكلامَ الذي استأثر الله تعالى بعلمه، فلم ينـزلهُ على أحد من خلقه، فليس كلَّ كلامٍ الله تعالى منـزلاً، بل المنـزلُ منه قليل، كما يدل عليه قول الله سبحانه: ]قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً[ (الكهف: 109). وكذلك قولُهُ تعالى: ]وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ (لقمان: 27).
وتقييدُ المنـزلِ بكونه على محمد  يُخرجُ ما أنـزلهُ اللهُ تعالى على غيره كالتوراةِ التي أنـزلها على موسى، والإنجيلِ الذي أنـزله على عيسى، والصحفِ التي أنـزلها على إبراهيم عليهم جميعا الصلاة والسلام.
أما عبارة: (المعجزُ بلفظِهِ المتعبَّدُ بتلاوتِهِ) فقيدانِ يَخْرُجُ بهما الحديثُ القدسي، فإنه ليس كذلك.
وأما عبارةُ: (المنقولُ بالتواترِ) فقيدٌ أخيرٌ خرجَ به ما كان غيرَ متواترٍ كقراءةِ الآحاد.
هذا هو تعريفُ القرآنِ اصطلاحاً، إذا ضممناهُ إلى تعريفِ العلم اصطلاحاً خَلُصْنا إلى أن مصطلحَ (علومِ القرآنِ) مرادٌ به المباحثُ والمسائلُ المختلفةُ المتعلقةُ بالقرآنِ الكريمِ كما سيأتي بيانه.
ثانياً: المراد بـ (علوم القرآن) بالمعنى الإضافي:
إذا كان قد تبين لنا معنى كلِّ طرفٍ من مصطلح (علوم القرآن) لغة واصطلاحاً فإننا بضمهما معاً نستطيعُ أن نقولَ: إنَّ علومَ القرآن مقصودٌ بها تلك الدراساتُ والمعارفُ والمسائلُ المتصلةُ بالقرآنِ الكريم من جهةِ لفظِهِ، أي: قرآنيتِهِ وإعجازِهِ، أو من جهة معناه، أي: هدْيِهِ وقضاياهُ التي اشتمل عليها.
وعليه يمكنُ أن يكونَ المقصود بعلوم القرآنِ بمعناهُ الإضافيِّ مجالَ دراسةٍ وبحثٍ وليس فناً من الفنون مفرداً، أو عِلْماً من العلوم محدداً، فيشملُ ذلكَ المجالُ عندئذ: عِلْمَ التفسير برأسِهِ، وعِلْم القراءات بتمِامِه، وعِلْم الرسْمِ العثمانِي وعِلْم الإعجازِ وعِلْم الناسخ والمنسوخ ونحوها مما عرفَ قديما، كما يشملُ ما اهتمت به الدراساتُ القرآنيةُ من بعدُ: كعِلْمِ مناهِجِ المفسرين، وعِلْم الدخيلِ في التفسيرِ وغيرهما.
وبإيجازٍ: فإن كلَّ ما يتعلقُ بدراسة القرآن من أي جانب من جوانبه داخلٌ تحت مسمى علومِ القرآن بهذا المعنى الإضافِّي الذي تبرز فيه كلمةُ (علومٍ) بما تتناولُهُ، وكلمةُ (القرآنِ) بما يعنيه.
ومما يجدرُ التنبيهُ إليه أن صيغةَ الجمع في (علوم القرآن) بهذا الاعتبار على بابها فكلُّ ما ذكرنا من هذه المعارف والدراسات علومٌ قائمة بذاتها

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*