الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » عن الأضحية والرضا بقضاء الله
عن الأضحية والرضا بقضاء الله
عن الأضحية والرضا بقضاء الله

عن الأضحية والرضا بقضاء الله

م. هدى عبد العزيز عبد الهادي *

لم يُشًرع الإسلام شيئاَ إلا لحكمةٍ بالغة وهدفٍ نبيل، فما من عبادة أو شعيرة شُرعت في الإسلام إلا وكان الهدف الأسمى منها هو التقرب إلى الله وزيادة درجة التقوى وتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع، وهكذا يجب أن تكون حياة المسلم كلها لله رب العالمين، قال تعالى:( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)(الأنعام:162-163). ومن كرم الله وفضله على عباده أن جعل لهم مواسم وشعائر ومناسك يتقربون إليه فيها بعبادات متنوعة، ليزدادوا قربا وعطاء وأنسا به سبحانه، ومن تلك المناسك المخصوصة بمزيد من الرحمة والإحسان للإنسان:

نسك ذبح الأضحية فهو من الوسائل التى يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى في أيام النحر، والمقصود بالأضحية شكر الله تعالى على نعمة الحياة إلى حلول الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة وعلى التوفيق فيها للعمل الصالح.

وتشمل الأضحية على معان جليلة وحكم قيمة؛ فمنها:

أولا: التقرب إلى الله تعالى بتحقيق فضيلة التقوى، وذلك بالإذعان والطاعة والانقياد لأمر الله تعالى حيث قال: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ )(الحج: 37 )، (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة:27 )، فقبول العمل مرتبط بالتقوى، والإنفاق مما نحب قال تعالى:( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون )(آل عمران: 92 ).َ

ثانيا: التشبه بالحجاج حين ينحرون هديهم في فريضة الحج فلقد جعل الله لأهل الأمصار ما يشاركون به أهل الموسم، فأهل الموسم لهم الحج والهدى، وأهل الأمصار لهم الأضحية، فجعل لهم نصيباً مما لأهل المناسك، ولذلك نهاهم عن الأخذ من الشعر والظفر في الأيام العشر من أجل أن يشاركوا المحرمين بالتعبد لله تعالى بترك الأخذ من هذه الأشياء، وذبح الأضاحي.

ثالثا: شكر الله على نِعَمِه، وإحسانه إلى خلقه، قال تعالى: (كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ) (الحج: 36 )، وحقيقة الشكر إنما هي الطاعة بامتثال الأمر كما قال سبحانه: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور ) (سبأ: 13 ).

رابعا: من أهم مقاصد الأضحية أيضاً توحيد وتعظيم الله سبحانه وتعالى وذلك بذكره وتكبيره عند الذبح، قال تعالى:( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافّ)، (كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ) ( الحج: 36، 37 ).

خامسا: ومن الحكم والمقاصد العظيمة أيضاَ: بيان أن العبرة بالقلوب والأعمال، لا بالصور والأشكال، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) فالمقصود من الأضاحي إنما هو تحقيق تقوى القلوب، وتعظيم الله سبحانه وتعالى وهو الغني عن العالمين، وغني عن ذبائحم وأضاحيهم، ولا يريد من عباده إلا التقوى والتوحيد والعبادة الخالصة له سبحانه.

سادسا: ومن مقاصد مشروعية الأضحية التوسعة على الناس في يوم العيد فالمسلم يوسع على نفسه وأهل بيته، وعلى الأصدقاء والأقارب والجيران، ويوسع على الفقراء والمحتاجين، ويغنيهم عن السؤال في هذا اليوم العظيم.

سابعا: ومن أهم مقاصد الأضحية، التذكير بقصة سيدنا إبراهيم والذبيح إسماعيل عليهما السلام، وما في قصتهما من العبر والعظات، والدلائل والمعجزات، مما يزيد المؤمن ثقة وثباتاَ، خصوصا في وقت الشدائد والمحن والابتلاءات، فلقد كان الابتلاء مبيناً والصبر عظيماً فلقد قدَّم إبراهيم ( عليه السلام ) أمر الله ومحبته على فلذة كبده وولده إسماعيل حين امتثل لأمر الله وهمَّ بذبحه، وما كان من إسماعيل ( عليه السلام ) إلا (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(الصافات:102 ).

وهنا يقول الإمام الشعراوى – رحمه الله تعالى – نجد حنان الأب على الابن جعله يخبره بالأمر الآتي من السماء؛ والشأن في حنان الأب على الابن أن ييسر له كل أمور حياته. أما حنان الحنان فهو تيسير كل خير بعد مماته؛ لذلك لم يشأء إبراهيم أن يحرم إسماعيل من الامتثال

لأمر الله؛ فينال الاثنان معا شرف الامتثال لله. وأعطاه حق الحنان في الزمان الأبقى والزمان الأخلد في الدار الآخرة؛ وصدق إسماعيل في وعده، واستسلم للذبح، ولم يتردد ولم يتراجع؛ لذلك استحق ان يميزه ربه بصفة الصدق (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْد ) (مريم: 54) فلما رأى الرحيم الكريم – تبارك وتعالى – استسلام إبراهيم و إسماعيل – عليهما السلام – لقضاء الله؛ رفع عنهما قضاءه ونادى: (أنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم ) ( الصافات: 104-107 ).

فكان لهما شرف الامتثال في التسليم لله رب العالمين ومنزلة الصابرين المحسنين فكانت نتيجة الصبر على الابتلاء ان فدى الله الذبيح وأكرم الكريم إبراهيم فوق الولد بولد آخر: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ) ( الأنعام: 84 )

وهنا نُصبح على يقين من أنه حين نُسلم لله ونرضى بقضائه؛ يرفعه عنا، أو يبين لنا وجه الخير فيه.

ونتعلم كيف نحترم القدر ونرضى به؛ لأنه من الله الخالق الحكيم..

وكل عام ونحن جميعاً مؤمنون، ومتقون، ومُوقٍنون وصابرون ومحسنون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتبة مصرية

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*