الإثنين , 23 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » أصول الفقه » غــير المـسـلـمـين فى الفقه السياسى الإسلامى للدكتور/ فتحى أبو الورد
غــير المـسـلـمـين فى الفقه السياسى الإسلامى  للدكتور/ فتحى أبو الورد
غــير المـسـلـمـين فى الفقه السياسى الإسلامى للدكتور/ فتحى أبو الورد

غــير المـسـلـمـين فى الفقه السياسى الإسلامى للدكتور/ فتحى أبو الورد

 

الدكتور/ فتحى أبو الورد

مدير مكتب الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين بالقاهرة

غير المسلمين فى الفقه السياسى الإسلامى

عاش المسلمون وغير المسلمين في ظل الدولة الإسلامية في انسجام وسلام وأمان، ونعم غير المسلمين بالأمن والحماية على امتداد رقعة التاريخ الإسلامي، وحظوا بنصيب موفور من الحقوق والحريات العامة والخاصة، شهد بهذا القاصي والداني، المسلم وغير المسلم، وإن تخلل هذا بعض الأوقات التي شهدت توترًا بين الحاكم وغير المسلمين، وقد كان هذا استثناء من قاعدة كبرى تقول: إن الاستقرار والأمن والتمتع بالحريات كان هو الأصل، وإن كان مثل ذلك يحدث بين المسلمين أنفسهم، كما يحدث بين غير المسلمين ذواتهم.

وفي ظل تصدر الإسلاميين للمشهد السياسى المصرى ، وحصدهم للأغلبية فى مؤسسات الدولة الشورية ، أبدى بعض الأقباط في القطر المصري تخوفات وتحفظات تجاه هذا الصعود السياسي، وتجاه الدعوة لتطبيق الشريعة ، وأثيرت تساؤلات حول وضع الأقباط في التصور السياسي لأصحاب المشروع الإسلامي المعاصر.

وقد طرح البعض تساؤلات حول حرية المعتقد، وحرية إقامة الشعائر الدينية ، وقضية بناء الكنائس، ومفهوم الذمة، ، والموقف من الجزية، وحقوق المواطنة وتولي المناصب السياسية، وهم بذلك يريدون الاطمئنان على وضعهم في المشروع الإسلامى .

وقد رأيت أن المدخل الصحيح للحديث عن وضع غير المسلمين في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر هو السماع منهم ، ما هى الإشكالات التي تعترضهم؟ ما هى مخاوفهم؟ ما هى تطلعاتهم؟ حتى نقف على جذور المشكلة بألسنة من يعيشونها، وبذلك يتسنى لنا معالجة الأمر والإجابة على تساؤلاتهم وتبديد مخاوفهم، وطمأنتهم على مستقبلهم في المنظور السياسي الإسلامي المعاصر، وبذلك نحكم التصور حول طبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم.

ومن هنا يأتي الفقه معالجًا لقضايا العصر، ويضع الفقيه كل هذه المعطيات نصب عينيه في إطار الزمن حين يمارس العملية الاجتهادية.

وفي ظل الوضع المعاصر، الذى انتهى إليه أمر الناس وما جدّ فيه من مشكلات سياسية، ينبغي أن يوضع ذلك كله في الاعتبار حين الاختيار من الاجتهادات الفقهية القديمة، أو حين إحداث اجتهادات إنشائية جديدة .

وقد جاء بحثنا  لتناول بعض قضايا غير المسلمين فى الفقه السياسى الإسلامى  فى مبحثين :

المبحث الأول : أسس العلاقة مع غير المسلمين

وفيه مطلبان   الأول : البر والعدل أساسا العلاقة مع غير المسلمين

الثانى : حقوق غير المسلمين  وواجباتهم

المبحث الثانى : من قضايا غير المسلمين فى الفقه السياسى الإسلامى

والله نسأل أن يلهمنا الصواب ، وأن يجنبنا الزلل والشطط .

والله ولى التوفيق ،،

المبحث الأول : أسس العلاقة مع غير المسلمين

المطلب الأول : البر والعدل أساسا العلاقة مع غير المسلمين

يقيم الإسلام العلاقة بين أبنائه المسلمين وبين مواطنيهم من غير المسلمين على أسس وطيدة من التسامح والعدل والبر والرحمة، وهى أسس لم تعرفها البشرية قبل الإسلام، وقد عاشت قرونا طويلة بعد الإسلام وهى تقاسى الويل من فقدانها، ولا تزال اليوم تتطلع إلى تحقيقها في المجتمعات الحديثة ([1]).

وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي هم شركاء الوطن ــ كما يقول الدكتور العواــ منذ كانت للإسلام دولة، دولته الأولى في المدينة المنورة، ودولته التي توالت بعد انتقال النبي ☺ إلى الرفيق الأعلى، وحتى يوم الناس هذا([2]).

وقد عاش غير المسلمين في ظل دولة الإسلام قرونًا متطاولة (ناعمين بالأمان وبالعدل الذى ينعم بها المسلمون أنفسهم، ولو مسهم ظلم يومًا، لمس المسلمين معهم، وربما قبلهم)([3]).

ومن ثم فلا محل لخوف، ولا موضع لتحفظ حين ينادي الإسلاميون اليوم بالعودة إلى الحكم بالإسلام وتحكيم الشريعة، لأن غير المسلمين لم ينلهم أذى، ولم يصبهم ضرر، ولم تجر عليهم الحكومات الإسلامية المتعاقبة في الجملة، بل حفظت عليهم شخصيتهم الدينية والتاريخية.

ويرسم القرآن الكريم للمسلمين الأساس الذى تقوم عليه العلاقة بغير المسلمين في وضوح تام في قوله تعالى : ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ([4])

قال شيخ المفسرين الطبري في ذلك: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطو إليهم، إن الله عز وجل عمّ بقوله:﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ ﴾ جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضا دون بعض)([5]).

وقد جاء نهي القرآن للمؤمنين من اتخاذ الذين قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم ومن عاونوا على إخراجهم أولياء ونصراء، ومن يتخذهم أولياء فقد وضع ولايته في غير موضعها([6]).

وقال الشيخ محمد عبده (هذه الآيات نص صريح في كون النهي عن الولايات لأجل العداوة وكون القوم حربًا، لا لأجل الخلاف في الدين لذاته، فإن النبي ☺ لما حالف اليهود كتب في كتابه ” لليهود دينهم وللمسلمين دينهم “([7]) كما أمره أن يقول لجميع المخالفين ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ([8]) وقال أيضا فى موضع آخر : (فالبر والعدل مشروعان عامان في حدود الشرع)([9]).

فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا ولو كانوا كفارا بدينه ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته ويضطهدوا أهله ([10])

أما أهل الكتاب فلهم زيادة إكرام، وفضل إحسان، ومنزلة خاصة في المعاملة والتشريع.

فالقرآن الكريم يأمر المسلمين بأن يجادلوهم بالتي هى أحسن قال تعالى: ﴿  وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ([11]).

والإسلام يبيح للمسلم مؤاكلة أهل الكتاب، والأكل من ذبائحهم، كما أباح مصاهرتهم والتزوج من نسائهم المحصنات العفيفات([12])، مع ما قرره القرآن من قيام الحياة الزوجية على المودة والرحمة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ ([13]).

هذا هو الأساس القرآني في التعامل مع غير المسلمين، البر والإقساط، ولكن ما يعكر صفو هذا الأساس الفهم الخاطئ عند بعض الناس لبعض الآيات القرآنية الكريمة التي تنهى عن موالاة غير المسلمين وعدم اتخاذ منهم بطانة وهذا ما نعرض له في الصفحات التالية.

وقفة مع الآيات التي جاءت تنهي عن موالاة غير المؤمن

1)     قال تعالى: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ ﴾([14])

2)     وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ ([15])

3)     وقال تعالى ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً  ﴾ ([16])

4)     وقال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ ([17])

5)     وقال تعالى: ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءمَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّسَوَاء السَّبِيلِ ﴾ ([18])

6)     وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ([19])

يلاحظ أن الآيات الكريمة حين نهت عن الموالاة أو الموادة لغير المسلمين كان هذا مقيدًا بعدم إلحاق الأذى بالمسلمين، وتفويت مصالحهم، وتقوية شوكة الأعداء منهم، فالممنوع من ذلك في الجملة هو (ما يكون فيه خذلان لدينك وإيذاء لأهله، أو إضاعة لمصالحهم) كما يقول الشيخ محمد عبده([20]).

ويؤكد الشيخ الغزالي أن الآيات التى تنهى عن موالاة غير المسلمين (إنما وردت جميعًا في المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله، ونزلت لتطهير المجتمع الإسلامي من مؤامرات المنافقين الذين ساعدوا فريقا معينًا من أهل الكتاب اشتبكوا مع الإسلام في قتال حياة أو موت، فاليهود والنصارى في هذه الآيات يحاربون الإسلام فعلا، وقد بلغوا في حربهم منزلة من القوة جعلت ضعاف الإيمان يفكرون في التحبب إليهم)([21])

وقد عرض الدكتور يوسف القرضاوي لتوضيح ما سبق ذكره من آيات فقال: (قد يفهم البعض من هذه الآيات وأمثالها أنها تدعو إلى الجفوة والقطيعة والكراهية لغير المسلمين، وإن كانوا من أهل دار الإسلام والموالين للمسلمين المخلصين لجماعتهم ــ والحق أن الذى يتأمل الآيات المذكورة تأملًا فاحصًا ويدرس تواريخ نزولها وأسبابه وملابساته يتبين له ما يأتي:

أولًا: إن النهي إنما هو عن اتخاذ المخالفين أولياء بوصفهم جماعة متميزة بديانتها وعقائدها وأفكارها وشعائرها، أي بوصفهم يهودا أو نصارى أو مجوسا أو نحو ذلك، لا بوصفهم جيرانا أو زملاء أو مواطنين والمفروض أن يكون ولاء المسلم للأمة المسلمة وحدها، ومن هنا جاء التحذير في عدد من الآيات من اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين أي أنه يتودد إليهم ويتقرب لهم على حساب جماعته.

ولا يرضي نظام ديني ولا وضعي لأحد من أتباعه أن يدع جماعته التي ينتسب إليها ويعيش بها ليجعل ولاءه لجماعة أخرى من دونها، وهذا ما يعبر عنه بلغة الوطنية بالخيانة.

ثانيًا: إن الموادة التي نهت عنها الآيات ليست هى موادة أي مخالف في الدين، ولو كان سلما للمسلمين وذمة لهم، إنما هى موادة من آذى المسلمين وحاد الله ورسوله، ومما يدل على ذلك:

1)     قوله تعالى في سورة المجادلة ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ([22]) ومحادة الله ورسوله ليست مجرد الكفر بهما بل محاربته دعوتهما، والوقوف في وجهها وإيذاء أهلها.

2)     قوله تعالى في مستهل سورة الممتحنة :﴿  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ([23])

فالآية تعلل تحريم الموالاة أو الإلقاء بالمودة إلى المشركين بأمرين مجتمعين: كفرهم بالإسلام، وإخراجهم للرسول والمؤمنين من ديارهم بغير حق.

3)     قوله تعالى في نفس السورة ﴿  لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ([24])

فقسم المخالفين في الدين إلى فريقين: فريق كان سلمًا للمسلمين لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم فهؤلاء لهم حق البر والإقساط إليهم.

وفريق اتخذوا موقف العداوة والمحادة للمسلمين ــ بالقتال أو الإخراج من الديار أو المظاهرة والمعاونة على ذلك ــ فهؤلاء يحرم موالاتهم، مثل مشركي مكة الذين ذاق المسلمون على أيديهم الويلات، ومفهوم هذا النص أن الفريق الآخر لم تحرم موالاته.

ثالثا: إن الإسلام أباح للمسلم التزوج من أهل الكتاب، والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسي والمودة والرحمة، كما دل على ذلك القرآن في قوله تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ ([25])

وهذا يدل على أن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها، وكيف لا يواد الرجل زوجته إذا كانت كتابية؟ وكيف لا يواد الولد جده وجدته وخاله وخالته إذا كانت أمه ذمية؟

رابعا: إن الحقيقة التي لا شك فيها أن الإسلام يؤكد إعلاء الرابطة الدينية على كل رابطة سواها، سواء أكانت رابطة نسبية أم إقليمية أم عنصرية، أم طبقية، فالمسلم أخو المسلم، والمؤمنون إخوة، والمسلمون أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم والمسلم أقرب إلى المسلم من أي كافر، ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه وهذا ليس في الإسلام وحده، بل هى طبيعة كل دين، وكل عقيدة، ومن قرأ الإنجيل وجده يؤكد هذا المعنى في أكثر من موقف([26]).

وفى إطار هذا الفهم، وعلى ضوء هذا الهدى القرآنى ينبغى أن تتأسس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، والتفريق بين المسالمين وغير المسالمين، فليس من العدل فى شىء أن نسوى بين المختلفين، وليس من الإنصاف فى شىء أن نضع الجميع فى بوتقة واحدة، ومن لم يفهم الأساس فى علاقة المسلمين بغير المسلمين على هذا النحو أساء وخلط، ووقع فى مناقضة القرآن الكريم.

أصول ثلاثة للتعامل مع غير المسلمين في المجتمع المسلم

وينطلق الدكتور محمد سليم العوا في تناول قضية غير المسلمين في المجتمع المسلم في واقعنا المعاصر من أصول ثلاثة هى:

أولًا: تحكيم نصوص الشريعة الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة فما جاء في هذه الأصول فالعمل به واجب، وما وافقها فالعمل به صحيح، وما خالفها مما ليس منها فهو على أصحابه ردّ.

ثانيًا: قبول ما تقتضيه المشاركة في الدار ــ أو الوطن بتعبيرنا المعاصر ــ فكل ما حقق مصالح المشتركين معّا فيه جاز، وكل ما أهدرها فهو بالإهدار أولى وأحق، والقاعدة في ذلك أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، وأن كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل. ([27])

ثالثًا: إعمال روح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها، فكل قول أو رأي نافي روح الأخوة فقد غفل صاحبه عن أصل من أصول الإسلام عظيم نطق به القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وصدر عنه أصحاب رسول الله ☺ في أقوالهم وأفعالهم والسلف الصالحون. ([28])

وفي الأصول الثلاثة المتقدمة قواعد هادية وضابطة لتصحيح مسار التناول الفقهي لقضايا غير المسلمين في الواقع المعاصر، ولا أرى أن واحدًا منها ينبغي أن يكون موضع خلاف بين العلماء ، كم أن فيها متسعًا لتغطية وحلّ كثير من المشكلات التى تبدو عصيّة على الحل.

الوصية بأهل الذمة

وقد وردت النصوص النبوية، ووصايا الصحابة بأهل الذمة لتؤكد على أنهم جزء من الضمير الإسلامي الحي، والواجب الدينى المستمر، لا يحل انتقاصهم أو تكليفهم فوق الطاقة، أو ظلمهم.

فقد أخرج أبو داود عن بعض أبناء الصحابة عن آبائهم عن النبي ☺ قالوا: ” من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة “([29]).

وأخرج عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله ☺: “إذا ملكتم القبط فأحسنوا إليهم، فإن لهم ذمة، وإن لهم رحمًا “.

وقوله: إن لهم رحمًا، قال عبد الرزاق، يعني أم إبراهيم ابن النبي ☺([30]).

وقد تعاقبت وصايا الخلفاء بأهل الذمة:

فقد أوصى عمر قال: أوصى الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم([31]).

وأوصى على بن أبي طالب أحد عماله فقال: ” لا تضربن رجلًا سوطًا في جباية درهم، ولا تبيعن لهم رزقًا، ولا كسوة شتاء ولا صيفًا، ولا دابة يعملون عليها، ولا تقيمن رجلًا قائمًا في طلب درهم، قال: قلت يا أمير المؤمنين: إذًا أرجع إليك كما ذهبت من عندك. قال: وإن رجعت كما ذهبت، ويحك إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو([32]). يعني الفضل

وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة بالبصرة كتابًا جاء فيه: (وانظر مَنْ قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأَجْرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه)([33])

الأخوة الإنسانية مظلة للتعايش بين الناس

والناس لآدم وحواء، فغير المسلمين للمسلمين إخوة في الخلق، وأشقاء في الإنسانية وهذه الرابطة يجب أن تكون هى مظلة التعايش والتراحم بين الناس جميعًا.

روى البخاري من حديث سهل بن حنيف وقيس بن سعد قالا: إن النبي ☺ مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: ” أليس نفسًا “([34]).

وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن الشعبي قال: ماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهى نصرانية فشهدها أصحاب محمد ﷺ([35]) .

وروى ابن أبي شيبة بسنده عن سعيد بن جبير قال لابن عباس: مات رجل نصراني وله ابن مسلم. فقال ابن عباس: ينبغي له أن يتبعه ويدفنه([36]).

وفي وصية على بن أبي طالب لواليه على مصر الأشتر النخعى: ” أشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق”([37]).

وفي ظلال هذه الأخوة الإنسانية كما يسميها الدكتور محمد سليم العوا، وكما هى حقيقة إسلامية، يجب أن تقوم العلاقة بين بني البشر،كما تجب كذلك (أن تبني علاقتنا بالآخرين على هذه السماحة، معتقدين أن ديننا هو الذى يأمرنا بهذا البر لمن عايشنا مسالمًا ولم يعتد علينا أو يظاهر المعتدين) ([38])

بين الذمة والمواطنة

الذمة في اللغة هى العهد، لأن نقضه يوجب الذم. وهى العهد والأمان والكفالة([39]).

والذمي هو المعاهد الذى أعطى عهدًا يأمن به على ماله وعرضه ودينه والذمى منسوب إلى الذمة، وهى العهد ومنه ” ذمة المسلمين واحدة ” وأهل الذمة هم المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم([40]).

ويراد بالذمي غير المسلم الذى يقيم إقامة دائمة في دار الإسلام بمقتضى عقد الذمة([41]). ويراد به بلغة العصر كما يقول الشيخ أبو زهرة : الذى يتجنس بجنسية دولة إسلامية كالأقباط في مصر([42]). فالذمة تعني الجنسية كما يقول الدكتور عبد الكريم زيدان([43]).

وهى (تعطي أهلها من غير المسلمين ما يشبه في عصرنا الجنسية السياسية التي تعطيها الدول لرعاياها، فيكتسبون حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم)([44])

والذميون من أهل دار الإسلام يتمتعون بجنسيتها([45]). ومعنى أهل دار الإسلام أى من أهل وطن الإسلام، أى مواطنون فى دولة الإسلام بالتعبير المعاصر.

وقد سمى أهل الذمة بذلك (لأن لهم عهد الله وعهد الرسول وعهد جماعة المسلمين، أن يعيشوا في حماية الإسلام، وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم بناء على عقد الذمة بينهم وبين أهل الإسلام)([46]).

ويترتب على عقد الذمة أحكام (منها عصمة النفس، وعصمة المال، لأنها تابعة لعصمة النفس، وعن سيدنا على ــ ◙ ــ قال: ” إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا)([47]).

وبذلك يتضمن عقد الذمة (إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بحماية الجماعة الإسلامية ورعايتها، بشرط التزام أحكام القانون الإسلامي في غير الشؤون الدينية. فهذا العقد ينشئ حقوقا ً متبادلة لكل من الطرفين: المسلمين وأهل ذمتهم، بإزاء ما عليه من واجبات)([48]).

ومما سبق بيانه لمفهوم الذمة يتضح أنه لا يشم منه رائحة الانتقاص أو الازدراء لأهل الذمة، بل الصحيح هو العكس وهو أنهم أمانة في عنق المسلمين وعهدهم وفى هذا تغليظ على المسلمين نحوهم.

ويرى المستشار طارق البشري أن التوحد في مواجهة الاستعمار تحول معه الفقه حيال غير المسلمين الذين انخرطوا في مواجهة الاستعمار عن مفهوم عقد الذمة إلى عقد المواطنة الذى يشمل الجميع، وأكد أن الجماعة الوطنية بحالتها الراهنة تحددت وفق رؤية تاريخية نضالية وأن الوطن تحول إلى معيار الانتماء الحاكم لأهل هذا الوطن([49]).

فهم بلغة العصر مواطنون لا تابعون، ولاحرج فى ذلك مطلقا، فلسنا متعبدين بإطلاق تسميتهم بأهل الذمة.

وفي الحق أن فكرة المواطنة قد حسمت بمعناها لا بلفظها يوم أن قرر فقهاؤنا من قديم هذه القاعدة العظيمة ” لهم ما لنا وعليهم ما علينا “، (وإن البطاقة التي تعطيها الدولة ــ المعاصرة ــ للمواطنين حلت محل مفهوم أهل الذمة في الإسلام، لأنه يترتب عليها حقوق المواطنة الكاملة)([50]).

ويذكر الأستاذ فهمي هويدي أن مصطلح ” أهل الذمة ” هو وصف تاريخي ويؤدى استعماله إلى بعض الشبهة والتخوف([51]).

ولهذا يرى الدكتور القرضاوي أنه إذا كانت كلمة ” أهل الذمة ” تؤذى الأقباط وأمثالهم فإن الله لم يتعبدنا بها، وقد حذف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ما هو أهم منها وهو كلمة ” الجزية ” المذكورة في القرآن حين طلب بنو تغلب ذلك، فلا مبرر للإصرار على بقائها والعبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، فإذا كان مصطلح “أهل الذمة” يضايقهم فلا حرج في تركه ويكتفي بالمواطنة في دار الإسلام([52]).

المطلب الثانى : حقوق غير المسلمين وواجباتهم

أولا حقوق غير المسلمين

القاعدة العامة في ذلك مااتفقت عليه كلمة الفقهاء الفقهاء من قديم ” لهم مالنا وعليهم ما علينا “. وما قاله على بن أبي طالب من قبلهم ” إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا “([53]). وقال الإمام السرخسي عن العهد بين المسلمين وغيرهم:(ذلك العهد فى حرمة التعرض للأموال والنفوس بمنزلة الإسلام، فكما لايحل شىء من أموال المسلمين إلا بطيب أنفسهم، فكذلك لايحل شىء من أموال المعاهدين لأنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم ) ([54]) .

وكذلك ما جاء في وثيقة المدينة من إقرار حقوق وواجبات المواطنة . جاء في صحيفة المدينة التي كتبت بأمر من النبي ☺ في المدينة، والتي تعرف في التاريخ الإسلامي السياسي باسم دستور المدينة: هذا كتاب من محمد النبي ☺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة من دون الناس. وإنه من تبعنا من يهود فإن لهم النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسها ولا يحول دونه على مؤمن، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم. ثم ذكرت الصحيفة أن ليهود بني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني ثعلبة، مثل ما ليهود بني عوف، وأن موالى ثعلبة كأنفسهم وأن بطانة يهود كأنفسهم. وتقرر الصحيفة أن بين أهلها النصر والنصيحة، والبر دون الإثم، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.([55])

فالوثيقة بما جاء فيها (تجعل من غير المسلمين المقيمين في دولة المدينة مواطنين فيها، لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات مثل ما على المسلمين) ([56]).

إن دستور المدينة في عهد النبوة عصر التشريع الأول، وعصر تأسيس الدولة (لم يحصر المواطنة في المسلمين وحدهم، بل اعتبر اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة)([57]).

والرسول ☺ بذلك أول من أرسى مبدأ المواطنة كما يقول الدكتورعبد الله الأشعل.

وفي ضوء هذا الهدى النبوي في المعاملة مع غير المسلمين منذ فجر تأسيس الدولة الإسلامية، يجب أن ُتَّتخذ هذه الأحكام النبوية (معيارًا للحكم على الآراء الفقهية المختلفة فى هذا الخصوص، فما وافق هذه الأحكام من اجتهاد للفقهاء جاز لنا أن نأخذ به ـــ إن حقق المصلحة في عصرنا ــ ، وما تعارض معها أو تناقض فلا تثريب علينا إن طرحناه جانبا ــ عند الاجتهاد في تنظيم الدولة الإسلامية المعاصرة ــ وأسقطناه من حسابنا) ([58])

ونستطيع أن نقول: إن كل ما تقرر حقا للمسلم تقرر مثله حقا للذمي في إطار مفهوم المواطنة في ظل الدولة المسلمة.

وإن كل ما قررناه من حقوق فيما سبق بيانه فى باب الحريات هو حق لغير المسلم ويستثنى من ذلك بعض الأمور التي ترتبط بالناحية الدينية.

من هذه الحقوق حق الحماية من الاعتداء الخارجي، والحماية من الظلم الداخلي وتشمل حماية الدماء والأبدان، والأعراض والأموال، حتى وإن لم تكن هذه الأموال متقومة عندنا ــ نحن المسلمين ــ مثل الخمر والخنزير.

ومن هذه الحقوق حرية إقامة شعائرهم وبناء كنائسهم ودور عبادتهم، وتولى الوظائف العامة ، وحرية العمل والكسب، والتنقل داخل الدولة والخروج منها والعودة إليها، ويجب ضمان الحياة الكريمة لهم عند الكبر، وفك أسراهم من أيدي المحاربين([59]).

ثانيا : واجبات المواطنين غير المسلمين

لا حقوق بدون واجبات، وكل حق من جانب هو واجب من جانب آخر.

وإذا كنا قد ذكرنا بعض حقوق المواطنين من غير المسلمين في الدولة الإسلامية، فإننا نشرع ــ في إيجازــ في بيان واجباتهم.

(1) التزام أحكام القانون الإسلامي

لأنه قانون الدولة التي هم مواطنوها ويحملون جنسيتها، وهذا كما يجب عليهم يجب على المسلمين من أبناء الدولة، فلا مزية فيه لأحد ولا نقص يدخل به على أحد([60]).

(2) مراعاة شعور المسلمين

وقد ذكر الماوردي بعضًا من هذه الواجبات فقال:(أن لا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف له، وأن لا يذكروا رسول الله ☺ بتكذيب له ولا ازدراء، وأن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه، وأن لا يصيبوا مسلمة بزني ولا باسم نكاح، وأن لا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يتعرضوا لماله ولا دمه، وأن لا يعينوا أهل الحرب، ولا يؤووا عينًا لهم) ([61]).

فلا يجوز لهم أن يسبوا الإسلام، أو رسوله أو كتابه جهرة ولا أن يروجوا من العقائد والأفكار ما ينافي عقيدة الدولة ودينها ما لم يكن ذلك جزءًا من عقيدتهم كالتثليث والصلب عند النصاري([62]، وعلى أن يقتصروا في ذلك على أبناء ملتهم، لا يذيعونه في أبناء المسلمين ليفتنوهم عن دينهم. وهذا الواجب يقابل الواجب الملقي على المسلم دينا باحترام ديانات الأنبياء قبل محمد ☺ وبالإمساك عن جدال أهلها إلا بالتي هي أحسن، وبالإحسان إليهم أداء لحق ذمة الله ورسوله والمؤمنين([63]).

(3) أداء التكاليف المالية

وهي تتمثل في الخراج والضرائب التجارية، وهذا يستوى فيه المسلم وغير المسلم ، وليس لها متعلق بالدين . أما الجزية فسنفردها بحديث لأنها وإن كانت واجبًا ماليًا، إلا أنها اتخذت بعدًا سياسيًا كبيرًا، ولاكتها بعض ألسنة الساسة، واتخذت من ذكرها فى القرآن وترديدها على ألسنة البعض ــ فى غياب تصور فقهى واضح عنها ــ ذريعة لوضع الإسلام فى قفص الاتهام باعتباره ينتقص حقوق المواطنة، وافتعلت بذلك معارك فى غير ميدان .

المبحث الثانى : من قضايا غير المسلمين فى الفقه السياسى الإسلامى

 

ما يهمنا الآن أن نقف بشىء من التفصيل عند بعض القضايا المهمة التى تتعلق بغير المسلمين والتى تحتاج إلى بيان وتوضيح .

 

أولا :حرية الاعتقاد(الحرية الدينية)

الحرية الدينية تشمل حرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر وفقًا للمعتقد وهذا حق مكفول لكل فرد في الإسلام، حيث يقرر القرآن الكريم في وضوح تام أنه (لا إكراه في الدين) ([64]).

(ولا يقبل الإسلام بحال أن يكره أحد على ترك دين رضيه واعتنقه، أو يجبر على اعتناق دين لا يرضاه، ونصوص القرآن الكريم صريحة في ذلك كل الصراحة ففي القرآن المكي ــ أى الذى نزل بمكة ــ يقول تعالى : ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ([65])، وفي القرآن المدني ــ أى الذى نزل بالمدينة ــ  يقول سبحانه: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ ([66]).

وفي الإرشاد القرآني لرسول الله ☺ لكيفية الدعوة إلى الله تقرير بيِّن لحرية المعتقد يقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ([67]).

فالقرآن في ذلك كله (يبين لرسول الله ☺ أنه لا سبيل إلى الحجر على حرية الناس في التفكير أو في الاعتقاد وأن الأمر في ذلك إليهم يختار كل منهم لنفسه)([68]).

وقد جعل الإسلام أساس التوحيد البحث والنظر لا القهر والإلجاء ولا المحاكاة والتقليد ،

وقررأنه لا سلطان للداعي غير سلطان التذكير والموعظة الحسنة. قال تعالى لرسوله ☺ :﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ  ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ ([69]).

وقد أمرنا بتركهم وما يدينون كما يقول الفقهاء ([70]).

ويقول الأستاذ حسن الهضيبي عن الأحوال الشخصية للنصاري في مصر في الدولة الإسلامية (والأحوال الشخصية من زواج وطلاق وعدة وثبوت نسب. إلخ. وهذه قد أمرنا فيها بترك الناس وما يدينون فإن جاءوا إلينا حكمنا بينهم بما أنزل الله) ([71])

لقد كانت حرية الاعتقاد والتدين التي تعتبر من أرقى الحقوق الإنسانية خيارًا لا إكراه فيه، والاختيار أعلى درجات التكريم للإنسان الذي أراد الله له أن يكون مكرمًا ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ ([72]).

وكانت مهمة الرسول الأكرم ☺ واضحة لا لبس فيها ولا غموض حددها القرآن بقوله :﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ  ﴾ ([73])،  ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾([74]).

لقد أسس الإسلام لحرية الاعتقادات ــ كما يقول الطاهر بن عاشورـ من خلال الدعوة إلى إقامة البراهين على العقيدة الحق، والأمر بحسن مجادلة المخالفين، وردهم إلى الحق بالكلمة والموعظة الحسنة وأحسن الجدال، ثم ينفي الإكراه في الدين([75]).

ولا تكاد تجد في تاريخ الأولين والآخرين أن النظريات العظيمة، والأخلاقيات السامية، والقيم الرفيعة تسير جنبًا إلى جنب مع التطبيقات العملية والسلوك الواقعي المعيش، لا تكاد تجد ذلك إلا في الإسلام.

فالإسلام حين يُنظِّر ويُؤصِّل، فإنما يرمي إلى التطبيق، ويتخذ من الوسائل والآليات في سبيل تحقيق مبادئه وأهدافه وقيمه ما يجعل التطبيق ترجمة أمينة للمبادئ والمثل العليا التي يدعو إليها ــ ويعتمد ــ فيما يعتمد عليه ــ في سبيل تحقيق أهدافه أولًا على الوازع الديني الداخلي لدى أفراده والرقابة الذاتية على السلوك والتصرفات، والنظر إلى الجزاء والمثوبة في الحياة الأخرى، والطمع في الفوز بالرضوان من الله، فضلًا عن العقوبة الدنيوية المناسبة التي تلحق من يتجاوز، وتردع من يعتدي على حقوق الغير- مسلمين كانوا أو غير مسلمين -، أو يمس حقوق الناس وحرياتهم. وبسبب ذلك قامت المدينة الفاضلة في المدينة المنورة التي يلتقي فيها التأصيل مع التطبيق، ويتآزر فيها التقعيد النظري مع الواقع العملي في حياة الرسول الأكرم ☺ ــ واجتهد المسلمون أن يحذوا حذوه بعد ذلك فنجحوا في ذلك أيما نجاح ، على عكس ما حدث لأفلاطون حيث لم تر مدينته الفاضلة التي نشدها النور، وظلت صورتها حبيسة الخيال.

ثانيا :حرية ممارسة الشعائر الدينية وفق المعتقد

المعتقدات تتطلب ممارسة لها في صورة عملية تتمثل في ممارسة الشعائر والطقوس المنبثقة عن هذا المعتقد.

والذي كفل للمخالفين حرية اعتقادهم لا مناص من أن يقر بحقهم في حرية ممارسة شعائرهم الدينية وفق ما يعتقدون.

وقد قرر الإسلام لغير المسلمين الذين يعيشون تحت سلطانه هذه الحرية، وحمى كنائسهم ومعابدهم.

فقد روى أبو عبيد بسنده عن عبد الله بن عوف قال: سألت الحسن عن نيران المجوس: لم تركت؟ قال: على ذلك صولحوا([76]).

وقد جعل لهم أن يتبعوا أحكام دينهم في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية والأصل في ذلك قوله ☺ في شأن الذميين “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”([77]).

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: (جميع العهود التي كانت تعطى للمعاهدين كان يقرن فيها بالتأمين على الأنفس والأموال والتأمين على العقائد وإقامة الشعائر) ([78]).

وقد جاء في كتاب النبي ☺ لأهل نجران عندما صالحهم: أن لنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم وملتهم وبيعهم ورهبانيتهم وأساقفتهم وشاهدهم وغائبهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ([79]).

وقد أورد ابن إسحاق أن وفد نجران من النصارى لما قدموا على رسول الله ☺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب. قال يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ☺ يومئذ ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ☺ يصلون، فقال رسول الله ☺: “دعوهم “. فصلوا إلى المشرق([80]).

وقد ذكر ابن القيم االقصة وعقب عليها بقوله (ففيها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا ولا يمكنون من اعتياد ذلك)([81]).

وقد صالح خالد بن الوليد أهل دمشق وجاء في كتابه: (هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق: إني قد أمنتهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم)([82]).

ومما جاء في كتاب حبيب بن مسلمة لأهل طفليس من أرض الأرمن إن (الأمان لكم ولأولادكم ولأهاليكم، وأموالكم، وصوامعكم وبيعكم ودينكم وصلواتكم) ([83]).

قال أبو عبيد: والصلوات بيوت تبنى في البراري للنصارى يصلون فيها في أسفارهم تسمى صلوتا فعربت صلوات، ومنه قوله تعالى : ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ إنما أراد هذه البيوت على ما يروى في التفسير([84]).

وعندما ذهب عمر ليعقد معاهدة السلام والأمن مع القائمين على إيليا حضر وقت الصلاة، وهو بجوار كنيسة بيت المقدس فصلى خارجها، فقيل ألا تجوز الصلاة فيها؟ فقال الحاكم العادل الحر: “خشيت أن أصلي فيها فيزيلها المسلمون من بعدي ويتخذوها مسجدًا” و يعلق الشيخ محمد أبو زهرة على هذا  قائلًا:

فأي حماية للحرية الدينية أقوى من هذه، وأي تسهيل لأداء العبادات لغير المسلمين أكرم من هذا)([85]).

منع المآذن وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر

ومع هذه الصورة المشرقة لاحترام المسلمين لعقائد غير المسلمين وممارسة شعائرهم نجد على النقيض صورة أخرى لشعوب تتغنى بالحريات واحترام معتقدات وشعائر الآخرين نظريا ثم هى لاتتحمل تبعات هذا الاعتراف عمليا على أرضها.

فقد قرر الشعب السويسري في الاستفتاء الذى جرى حديثا حول تعديل المادة 72 من الدستور لتتضمن فقرة جديدة تمنع بناء المآذن في المساجد، وجاءت النتيجة بنسبة 57.4% بالموافقة على هذا التعديل.

وقد كشفت هذه النتيجة عن التناقض الصارخ بين نعت الشعب السويسري وتباهيه بالديمقراطية وحرية الأديان وبين المضمون العنصري لهذا الاستفتاء ومعارضته للدساتير ومواثيق حقوق الإنسان والحرية الدينية، والتنوع الحضاري.

وقد أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانًا على موقعه على شبكة المعلومات الدولية عبر فيه عن صدمته ودهشته لهذه النتيجة التي أسفر عنها الاستفتاء في 1ديسمبر 2009 الموافق 14 ذو الحجة 1430.

ثالثا :حرية بناء الكنائس والمعابد

هذه المسألة أثارت جدلًا واسعًا، وأحدثت قلاقل واضطرابات في الواقع المصري في العقدين الأخيرين، وأوجدت مهاترات بين الأقباط والنظام السياسي السابق، بسبب عدم السماح فى بعض الأحوال ببناء كنيسة جديدة أو تغيير مبني إداري إلي كنيسة بغير إذن من الجهات المختصة ولعل آخرها المبني الإداري الذي أراد الأقباط تحويله إلي كنيسة في العمرانية بمحافظة الجيزة دون إذن السلطات مما أحدث صدامًا بين بعض الأقباط والجهات الأمنية من رجال الشرطة، كما ذكرت وسائل الإعلام.

فهل الإسلام يمنع بناء الكنائس، أو دور العبادة بعامة لغير المسلمين؟ وإذا كان لا يمنع فما سر هذه المصادمات بين الأقباط والنظام السابق؟

لقد عرض الدكتور عبد الكريم زيدان لمسألة بناء الكنائس والمعابد لغير المسلمين ورجح جواز إحداث الكنائس والمعابد لأهل الذمة في أمصار المسلمين وفيما فتحوه عنوة إذا أذن الإمام بذلك، وهو رأي الزيدية وابن القاسم المالكي، لأن الإسلام يقر أهل الذمة على عقائدهم ومن لوازم هذا الإقرار السماح لهم بإنشاء معابدهم إلا إذا وجد مانع من ذلك.

ورحج أيضًا الإبقاء على كنائسهم القديمة في الأمصار المفتوحة عنوة وهو قول للحنابلة، لأن الصحابة فتحوا كثيرًا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئًا من الكنائس. وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلي عماله ألا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير، وكذلك لأن الإبقاء عليها يتفق وإقرار الإسلام لأهل الذمة على عقيدتهم، وعدم التعرض لهم بشأنها. ([86])

ثم قال (والذي عليه العمل الآن في الجمهورية العربية المتحدة والعراق السماح للذميين بإحداث الكنائس بعد استحصال الإذن من الحكومة حسب الأصول القانونية). ([87])

إذن ليست هناك قضية حقيقية في حرية إحداث الكنائس ، فالفقه الإسلامي يبيحها والقانون المصري يجيزها.

ولكن المشكلة الحقيقية ــ وهي التي تعكر الصفو ــ تأتي من محاولة البعض بناء الكنائس بعدد كبيرمما يحتاج إليه من أجل الإيحاء بزيادة نسبة الأقباط، مما يعني وجود أهداف أخري لهذا البناء . ([88])

وربما كان هذا هو التفسير الصحيح لما نسمع به ونشاهده من صدام بين بعض الأقباط ورجال الشرطة، وعدم موافقة بعض محافظي المحافظات على الإذن بالترخيص لبعض الكنائس.

وهذا ما أشار إليه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب حينما قال: (إن نصيب المسيحي من الكنائس في مصر يفوق نصيب المسلم من المساجد)([89]) ، وهذه كلمة رجل مسؤول يتربع على قمة أكبر هيئة إسلامية في العالم.

رابعا : الجزية في الميزان الفقهي المعاصر

أثار الأستاذ سمير مرقص الباحث القبطي المعروف  – مساعد رئيس الجمهورية الحالى –  قضية الجزية ضمن ورقة عمل قدمها لمركز سواسية لحقوق الإنسان ومناهضة التمييز والذى عقد حولها حلقة نقاشية بتاريخ 20/12/2005، واعتبرها من القضايا التي يريد إجابة عليها في فقه أصحاب المشروع الإسلامي السياسي، كما اعتبرها مصدر تخوف لدى الأقباط.

وقال: (إن الخديوي سعيد هو الذى اتخذ قرار رفع الجزية، ونحن مع الحاكم إذا أخذ هذا القرار اعتمادًا على بعض الفتاوي) ([90]).

والحق أن مسألة الجزية أصبحت معلقة بحلول مفهوم المواطنة مكان عقد الذمة، كما أن إسقاط الجزية نظير الدفاع عن دار الإسلام وأداء الخدمة العسكرية ليس من صنيع الخديوي سعيد وابتكاره، بل إن الأمر معروف منذ زمن الفتوحات الإسلامية الأولى في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وهو موقف واضح عند أسلافنا منذ فجر وجود غير المسلمين تحت مظلة الحكم الإسلامي.

كما أن سقف الاجتهادات المعاصرة قد ارتفع بمفهوم المواطنة إلى مدى لا يتمتع به المسلم في البلاد ذات الأغلبية غير المسلمة.

ورغم هذه النتيجة التي انتهى إليها الاجتهاد المعاصر إلا أن إثارة القضية تقتضي أن نوضح الأمر في شأن الجزية منذ سالف الأزمان.

الجزية ليست ابتكارًا إسلاميًا

وأولى الحقائق في شأن الجزية أنها لم تكن ابتكارًا إسلاميًا (فليس المسلمون أول من وضع الجزية، فقد سنها النبي سليمان عليه السلام، وسنها كذلك كسرى أنو شروان، وكانت مقررة عند مختلف الأمم السابقة كبني إسرائيل وعند اليونان والرومان والبيزنطيين والفرس، فالأمم قبل الإسلام كانت تعرف الجزية ولم تكن من ابتكار الإسلام)([91])

وقد كان أهل الذمة يدفعون الجزية ” ليقروا بها في دار الإسلام “، ” ويلتزم الإمام لهم ببذلها حقين: أحدهما الكف عنهم، والثاني الحماية لهم ليكونوا بالكف آمنين، وبالحماية محروسين “([92])

وأرجح الأقوال في شأن الجزية لدى جمهور الفقهاء (أنها بدل عن عدم اشتراك غير المسلمين في الدفاع عن دار الإسلام، ولذلك أسقطها الصحابة والتابعون عمن قبل منهم الاشتراك في الدفاع عنها)([93])

ومن ثم يرى الفقهاء قديمًا وحديثًا أنها تسقط عن الرهبان، والشيوخ، والنساء، والصبيان، والعجزة، والعميان، والزمني([94]) فلم تكن تفرض إلا على الرجال القادرين على حمل السلاح والقتال([95])

وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرى عليه الموسى. قال أبو عبيد: يعني من أنبت. وقال: ” هذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية ومن لا تجب “([96])

أما عن مقدار الجزية فقد اختلف فيها الفقهاء اختلافًا كبيرًا، وقدرها موكول إلى اجتهاد الولاة، ومفوض إلى رأي الإمام([97])

كما أنها تفرض على قدر الطاقة، قال أبو عبيد: (مذهب الجزية والخراج إنما هى على قدر الطاقة من أهل الذمة بلا حمل عليهم) أي بلا مشقة ولا كلفة([98])

وفي كل الأحوال كان مقدارها بسيطًا لا يساوي عشر معشار ما كانت تفرضه دوله الروم ــ النصرانية ــ على أتباعها ” النصارى ” في أرجاء امبراطوريتها الفسيحة([99]).

والمسلمون مكلفون بحمايتهم والدفاع عنهم، بل وكفالة مستضعفيهم فلابد أن يكون لذلك مقابل يؤخذ منهم ليستعان به على أداء الواجب نحوهم([100])

فهى بذلك تعد مساهمة متواضعة جدا إزاء الخدمات التي تؤديها نحوهم الدولة الإسلامية.

خامسا :غير المسلم وقيادة الجيش

يري كثير من الفقهاء المعاصرين جواز تولي غير المسلمين الوظائف العامة في الدولة وتحمل أعبائها باستثناء بعض الوظائف القليلة جدًا التي يغلب عليها الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة وقيادة الجيوش، ومن هؤلاء الشيخ محمد عبده، والدكتور عبد الكريم زيدان، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد سليم العوا([101])

أما استثناء قيادة الجيش فلأن هذا ليس عملًا مدنيًا صرفًا، بل هو عمل من أعمال العبادة في الإسلام، إذ الجهاد في قمة العبادات الإسلامية([102]).

ولأن الجهاد يلتزم به المسلم دون غير المسلم ـــ وإن كان لغير المسلم أن يشترك مع المسلم في الدفاع عن دار الإسلام ــــ ، فكان من السائغ المقبول أن يكون قائد الجيش مسلمًا ([103]) .

ولا غرابة في هذا الاستثناءـ ـ كما يقول الدكتور عبد الكريم زيدان (لأن الدول حرة في تنظيم تمتع الوطنيين بالحياة القانونية الداخلية، فقد تساوي بينهم وقد تفرق، ولا شك أن الدولة عندما تفرق بين الوطنيين في بعض الحقوق إنما تقيم هذه التفرقة على أساس اختلافهم في بعض الأوصاف التي تراها كافية لتبرير هذه التفرقة، والدولة الإسلامية تعتبر الوصف الديني هو الأساس المقبول للتمييز بين الوطنيين في بعض الحقوق، لأنها محكومة بالإسلام ولا تملك الخروج على أحكامه، والإسلام يشترط للتمتع بهذه الحقوق المعينة توافر العقيدة الإسلامية في الشخص. ثم قال: (والدولة الإسلامية كما تعتبر الوصف الديني مناط التمييز بين الوطنيين في بعض الحقوق، تعتبر أيضا هذا الوصف أساس التفرقة بين الوطنيين في بعض الواجبات كما يأمر الإسلام. فالزكاة مثلًا يلتزم بها المسلم دون الذمي، والجزية يلتزم بها الذمي دون المسلم ، والجهاد بما فيه الدفاع عن دار الإسلام يجب على المسلم دون غيره، وإن كان يمكن للذمي أن يساهم في هذا الواجب ويلتزم به)([104]) .وأما استثناء رئاسة الدولة فنوضحه فيا يلى :

سادسا :غير المسلم ورئاسة الدولة ذات الأغلبية المسلمة ؟

بدءًا نقول : (إذا كان الحكم يتميز بصفات معينة، فقد وجب أن تتصف الحكومة القائمة عليه بنفس هذه الصفات ضمانًا لنجاح الحكم، فما يستطيع فاقد الشئ أن يعطيه، وما يحسن القيام على الفكرة إلا مؤمن بها.وعلى هذا فإذا وجب أن يقوم الحكم طبقًا لشريعة الإسلام فقد وجب أن تكون الحكومة إسلامية، يؤمن أفرادها جمعيًا ــ وعلى رأسهم الحاكم ــ بالمبادئ التي يقوم عليها الحكم، ويحرصون على العمل بها. وإذا وجب أن يكون الحكم اشتراكيًا فمن البلاهة أن يترك الحكم لمن لا يؤمنون بالاشتراكية.

وإذا وجب أن يكون الحكم ديمقراطيًا فلن يصلح له حكام يؤمنون بالديكتاتورية، ذلك هو منطق الناس، وتلك هي طبيعة الأشياء، فمن أراد أن يقيم الإسلام بحكومة تتحاكم إلى غير شريعة الإسلام فإنما يعمل على تحطيم الإسلام)([105]).

هذا منطق البشر، ومنطق الواقع، لا يختلف فيه اثنان.

كما (أن الغاية الأساسية من نصب الإمام هي تنفيذ شريعة الإسلام فكيف يمكن تنفيذ هذه الشريعة، أو كيف ترعى مصلحة الإسلام وأهله إن لم يكن متولي هذا المنصب مسلمًا)([106])

فالإمامة عندنا ــ نحن المسلمين ــ هي خلافة عن صاحب الشرع يخلف الرسول ☺ في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وسمى خليفة لأنه يخلف النبي في أمته([107]).

كما سمى الإمام إمامًا تشبيهًا بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به ولهذا يقال: الإمام الأعظم، ويفترض فيه أن يؤم الناس في الصلاة ، فالإمامة في الصلاة هي الإمامة الصغرى، والرئاسة هي الإمامة العظمى([108]).

وقد اشترط الفقهاء العدالة لمن يترشح لمنصب الرئاسة ، ومما تعنيه العدالة (الالتزام والتقيد بأحكام الإسلام.عقيدة وعبادة ومعاملة، فلا يترك فريضة ولا يرتكب كبيرة، ولا يصر على صغيرة بحيث يكون من أهل الاستقامة)([109]).

كما أنه من شروط المرشح لمنصب الرئاسة العلم بأحكام الشريعة (وإنما يكون منفذًا لأحكام الله تعالى إذا كان عالمًا بها) حتى قال ابن خلدون وغيره (ولا يكفي من العلم إلا أن يكون مجتهدًا) ([110])، وذلك (حتى يستطيع أن يجري أمور السياسة الداخلية والخارجية وفق أحكام شريعة الإسلام، وإن جوزوا في العصور الأخيرة. نزولًا على حكم الضرورة ومراعاة الواقع ــ أن يكون عالمًا مقلدًا ويستشير المجتهدين)([111].

والقرآن الكريم يقول: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ ﴾ ([112]).وإذا حرم الإسلام على المؤمنين أن يوالوا غير مؤمن فقد حرم عليهم أن يجعلوه حاكمًا عليهم، لأن الحكم ولاية([113]).ويقول تعالى : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾  ([114]) .

ويقول تعالى أيضًا : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ والإمامة أعظم السبيل كما يقول ابن حزم([115])، (فمن البديهي أن تودع هذه الأمانة بيد من يؤمن بهذا الدين وأن لا تسند لمن يكفر به)([116])، كما يقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾   ([117]) ، وقوله تعالى “منكم”: أي منكم أيها المسلمون، فهو من المسلمين ([118])

وقيل في أولى الأمر : إنهم الأمراء والعلماء والفقهاء([119])، قال ابن القيم :(والتحقيق أن الأمراء يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم فطاعتهم تبع لطاعة العلماء فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء)([120])

والإسلام شرط في قبول الشهادة وصحة الولاية([121])

لكل ما سبق ولغيره يجب أن يكون رئيس الدولة مسلمًا.

وليس من المنطق في شىء (أن يحمل غير المسلم هذه الأعباء ــ أعباء مسؤولية الإمامة ــ التي تتنافي مع دينه وعقيدته التي يؤمن بها، فإما أن يتنازل عن دينه وينزل على حكم دين المسلمين وشريعتهم، وإما أن يتنازل المسلمون عن دينهم وشريعة ربهم التي افترض عليهم أن يحكموها في حياتهم فرضا لا خيارًا لهم فيه بمقتضى عقد الإيمان كما قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً  ﴾ ([122])، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  ([123])، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾  ([124])،﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾  ([125])

وقد رفض الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر أن يتولى غير مسلم منصب رئاسة الدولة في حوار له مع (بي بي سي) ، وأشار إلى أن ذلك يمكن أن يحدث حال سمحت بريطانيا بأن يتولى منصب رئيس الوزراء أو تكون الملكة من الأقلية المسلمة البريطانية([126])

وقد عبر البابا الراحل شنودة البابا شنوده أكثر من مرة عن رفضه ترشيح الأقباط لرئاسة الجمهورية، ووصف ذلك بأنه: محض خيال ووهم وكلام غير معقول”([127]).

وقد وصف المفكر القبطي جمال أسعد عبد الملاك أيام النظام السابق عزم ثلاثة أقباط الترشح لرئاسة الجمهورية بـ (النكتة السخيفة) مؤكدًا عدم وجود أي منطق أو عقلانية في ترشيحهم، ووصف عزمهم على الترشح بأنهم يريدون ممارسة الديمقراطية الشكلية فقط([128]).

وليس في استبعاد غير المسلم من رئاسة الدولة الإسلامية انتقاص أو تضييق عليه، بل هذا هو المنطق والمعقول، وليس من الحرية في شىء أن يتولى القيام على تنفيذ دين الأغلبية واحد من غيرهم.

ولماذا لا تحترم الأقلية دين الأغلبية وشريعتهم التي ترى ألا يتولى غير المسلم رئاسة الدولة الإسلامية؟

إن واجبات الولاية العامة ورئاسة الدولة (تتضمن أمورا دينية صرفة يعتبر تكليف القبطى بها تكليفا بما ليس فى وسعه، أو بما فوق طاقته مخالفا لواجب البر به المقرر شرعا)([129])

وأختم بهذه المقولة للأستاذ محمد أسد حيث يقول: (إننا يجب ألا نتعامي عن الحقائق، فنحن لا نتوقع من شخص غير مسلم مهما كان نزيهًا مخلصًا وفيًا محبًا لبلاده متفانيًا في خدمة مواطنيه أن يعمل من صميم فؤاده لتحقيق الأهداف الأيدلوجية للإسلام، وذلك بسبب عوامل نفسية محضة لا نستطيع أن نتجاهلها، إنني أذهب إلى حد القول إنه ليس من الإنصاف أن نطلب منه ذلك)  ([130])

الشرط العام لتولي غير المسلمين الوظائف العامة

والذي يشترطه الفقهاء لتولي غير المسلم للوظائف العامة في الدولة هو أن يكون أهلًا لتولي الوظيفة من حيث الكفاءة والثقة والأمانة، والإخلاص للدولة([131])

وقد صرح الماوردي وأبو يعلي من قديم بجوار تقليد الذمي وزارة التنفيذ ، قال الماوردي: (ويجوز أن يكون هذا الوزيرــ وزير التنفيذ ــ من أهل الذمة) ([132]).

ومهمة وزير التنفيذ أنه (يؤدي عن الإمام ما أمر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم) ([133]) فمركز وزير التنفيذ شبيه بمركز الوزراء في الدول الحديثة من حيث إنهم ينفذون قرارات مجلس الوزراء([134]).

والدليل على جواز تولية غير المسلمين الوظائف العامة في الدولة المسلمة

من القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ    ([135])

فقد قرر الطبري أن هذه الآية نزلت فى من كان لهم ذمة وعهد من رسول الله ☺([136]). وبطانة الرجل هم خاصته الذين يستبطنون أمره ويتولون سره.

وجاء في سبب نزول الآية ما قاله ابن عباس: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالًا من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل فيهم ينهاهم عن مباطنتهم ــ خوف الفتنة عليهم ــ هذه الآية) ([137]).

فالنهي الوارد في الآية ليس مطلقًا وإنما هو مقيد على نحو ما ذكر الشيخ محمد عبده قال: هو (نهي المؤمنين أن يتخذوا لأنفسهم بطانة من الكافرين الموصوفين بتلك الصفات. وهو أنهم لا يألونهم خبالًا وإفسادًا لأمرهم ما استطاعوا إلي ذلك سبيلًا، فهذا هو القيد الأول، والثاني قوله عز وجل “ودوا ما عنتم” أي تمنوا عنتكم أي وقوعكم في الضرر الشديد والمشقة، والثالث والرابع قوله : ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ أي قد ظهرت علامات بغضائهم لكم من كلامهم مما يعوزهم كتمانها ويعز عليهم إخفاؤها، على أن ما تخفي صدورهم منها أكبر مما يفيض على ألسنتهم من الدلائل عليه) ([138])

(ومعني هذا أن الذميين الذين لا تعرف لهم عداوة للدولة الإسلامية يجوز للمسملين اتخاذهم بطانة يستودعونهم الأسرار ويستعينون برأيهم في شؤون الدولة المهمة، ومعني هذا أيضًا جواز إسناد الوظائف العامة إليهم التي هي دون البطانة في المراكز والأهمية) ([139]).

والصفات التي وردت فيمن نهي القرآن الكريم عن اتخاذهم بطانة لو فرض أن اتصف بها من هو موافق في الدين والجنس والنسب لما جاز للمسلم أن يتخذه بطانة([140]).

الاستعانة بغير المسلمين في السنة

ذكر ابن القيم أن النبي ☺  استعان برجل من خزاعة غير مسلم ليكون له عينًا يخبره عن قريش حين توجه إلي مكة للعمرة سنة ست للهجرة([141]).

فإسناد هذه المهمة الخطيرة من النبي ☺ لغير مسلم يدل على جواز إسناد الوظائف العامة لغير المسلمين، ولا شك أن النبي ☺ أمنه ووثق به واطمأن إليه. ([142])

قال ابن القيم في القواعد الفقهية في قصة الحديبية :(إن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن عيينة الخزاعي العين كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلي اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم) ([143]).

الاستعانة بغير المسلمين في تاريخ دولة المسلمين

يبرز التطبيق العملي لتولية غير المسلمين الوظائف العامة في تاريخ دولة المسلمين على نحو ما قال الشيخ محمد عبده (لقد جعل عمر رجال دواوينه من الروم، وجري الخليفتان الآخران وملوك بني أمية من بعده على ذلك، إلي أن نقل الدواوين عبد الملك بن مروان من الرومية إلي العربية.

وعمل العباسيون وغيرهم من ملوك المسلمين في نوط ــ إسناد ـــ أعمال الدولة باليهود والنصاري والصابئين ،

وقد جعلت الدولة العثمانية أكثر سفرائها ووكلائها في بلاد الأجانب من النصاري([144]).

وهذا كله كان انطلاقًا من تعالىم الإسلام التي أرشدتنا إلي البر والإحسان بغير المسلمين من أهل الذمة، وعدم جعل غير المسلمين سواءً، أو وضعهم جميعًا في سلة واحدة.

(وقد بلغ تسامح المسلمين في هذا الأمر إلي حد المبالغة والجور على حقوق المسلمين، مما جعل المسلمين في بعض العصور يشكون من تسلط اليهود والنصاري عليهم بغير حق) ([145]).

وهذا ما جعل الشيخ محمد عبده يقول (ألا إن التساهل قد خرج عند المسلمين عن حده) ([146]).

ومما سبق يتضح (أن اختلاف الذميين مع المسلمين في العقيدة لم يقم حائلًا دون إشراكهم في إدارة شؤون الدولة وتكليفهم بوظائفها. ويعتبر هذا أقصي ما يمكن من التسامح والثقة بالمخالف في العقيدة وتبدو لنا هذه الحقيقة برفعتها وسموها إذا استحضرنا ما أصاب المسلمين في أسبانيا يوم تغلب عليهم الأعداء، وأسقطوا حكوماتهم وكيف أبادوهم وأعملوا فيهم القتل والتشريد) ([147]).

والذي يجب أن نلفت النظر إليه هو أننا ــ نحن المسلمين ــ واضحون وصادقون مع غيرنا، فحين نقر لهم بالحقوق فإنما نقر بذلك عمليًا بتحققها في أرض الواقع، وحين نقول لا يجوز أن يكون رئيس الدولة ذات الأكثرية المسلمة مسيحيًا، أو وزير الدفاع مسيحيًا، فنحن بذلك نعبر عن صدقنا وعن تمسكنا بديننا ولا نجامل ولا نداهن ولا نراوغ ولا نخدع غيرنا، نقول ذلك في حالتي الضعف والقوة.

أما غير الدول الإسلامية المعاصرة فإنها وإن أقر البعض منها بحقوق المواطنين من الأقليات في تولي كل المناصب العامة بلا استثناء، فإنها تقر بذلك نظريًا في دساتيرها، ولكنها عملًا وواقعًا لا تسمح لهم بذلك، ومن يدعي غير ذلك فليأتنا بمثال واحد في أي دولة في العالم من الدول ذات الأغلبية غير المسلمة، يكون فيه رئيس الدولة أو وزير دفاعها أو رئيس وزرائها مسلمًا.

بل إننا نكاد نجزم في بعض الدول أن أقصي ما يمكن أن يطمح إليه المسلمون من الأقليات في بعض الدول المعاصرة هو أن يعيشوا بسلام وأمان لا ينالهم سوء، ولا يمسهم أذي، ولا يصيبهم مكروه.

وإذا كان من غير المعقول ولا المنطقي أن يحكم الأكثرية المسلمة رئيس من الأقلية غير المسلمة في الدولة المسلمة، وإذا كان على التسليم بذلك رؤوس الأقليات أنفسهم، فلم المطالبة بالمساواة التامة بين المسلمين وغيرهم في الحقوق في المجال السياسي والوظائف العامة؟.

سابعا: غير المسلم وعضوية المجالس النيابية

ومن البدهي بعد البيان السابق في تولي غير المسلمين الوظائف العامة في الدولة المسلمة أن يكون ما هو أقل في الدرجة جائزًا من باب أولي ومع ذلك نزيد الأمر بيانًا فنقول:

إن دور عضو المجلس النيابي ينحصر في أمرين المشاركة في التشريع والمشاركة في الرقابة على أداء الحكومة وأجهزة الدولة ، وهو في كل الأحوال مشيرــ أي واحد من أهل الشوري ــ في معظم أحوال عمله البرلماني، وهو جزء من اتخاذ القرار إيجابًا أو سلبًا حين يكون هناك قرار، ولا يكون النائب أبدًا صاحب قرار وحده أو مانع قرار بإرادته وحده، بل جميع الأمور تدار وتقرر بحكم الأغلبية البرلمانية التي لكل نائب فيها صوت واحد أيا كانت صفته أو جنسه أو دنيه، وفي مثل هذه الحالة تنتفي فكرة الولاية العامة عن كل واحد من أفراد مجلس الشعب ــ الشوري ــ بمفرده) ([148]).

ودور النائب ومهمته بالوصف السابق (ليس من الولاية العامة المقصودة في القاعدة المشهورة “لا ولاية لغير المسلم على المسلم”)([149]).

وإذا كان الأمر كذلك (فلا يوجد مانع شرعي لتمكينهم ــ غير المسلمين ــ من دخول هذه المجالس ليمثلوا فيها بنسبة معينة ما دام المجلس في أكثريته الغالبة من المسلمين) ([150]).

وفي قوله تعالى : ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾  ([151])، يرى الدكتور يوسف الفرضاوي أن من البر والإقساط إليهم (أن يمثلوا في هذه المجالس حتى يعبروا عن مطالب جماعتهم، كما يعبر النساء عن مطالب جنسهن، وألا يشعروا بالعزلة عن بني وطنهم) ([152]).

والعضو يمثل من انتخبوه فى دائرته، ويسعى فى مصالحهم، وإن كان أيضا يعمل فى الصالح العام للجماعة الوطنية، ولا تعارض بين سعيه فى المصلحة الخاصة لأبناء دائرته والمصلحة العامة لجموع المواطنين.

واشتراك غير المسلمين المواطنين في دولة الإسلام في عضوية المجالس النيابية، من أجل المشاورة في بحث أمور الدولة وشؤونها العامة لتحقيق المصلحة العامة في المجالات السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها أمر مسموح به، ولا تحول دونه نصوص الشريعة ولامقاصدها العامة([153]).

فحق الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية ثابت لمواطني الدولة المسلمة مسلميها وغير مسلميها.

وقد جاء في المادة (24) من الدستور الذي أعده المستشار على جريشة الإقرار بحق المواطنين السياسي (لكل فرد أن يمارس حقه السياسي على الوجه المبين بالقانون، ولا يسلبه أحد حقه بسبب عقيدته أو رأيه) ([154]).

ولا غرابة فى ضوء ما سبق إذا قلنا إن الأقباط مسلمون سياسيًا كما كان يذهب إلي ذلك الشيخ محمد الغزالي، يقول: (اعتبر النظام الإسلامي أهل الذمة جزءًا من الرعية الإسلامية مع احتفاظهم بعقيدتهم، والواقع أن الإسلام ينظر إلي من عاهدهم من اليهود والنصاري على أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية “مسلمين” فيما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات، وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم وعباداتهم وأحوالهم الخاصة)([155]).

ثامنا : دعوى تطبيق الشريعة ينافي مبدأ حرية الأقليات الدينية

تدعى بعض التيارات العلمانية اليوم على الساحة العربية والإسلامية أن وجود أقليات لا تدين بالإسلام، ووجود الأقباط في مصر على وجه التحديد يحول دون تطبيق الشريعة الإسلامية ويمنع الاحتكام إلى الإسلام وتشريعاته، فكيف تقبل الأقلية تطبيق الشريعة والاحتكام إليها وهى لا تؤمن بالدين الإسلامي ولا ترتضيه حكما في شؤونها؟ هذا ينافي مبدأ الحرية الذى قرره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ويرى أصحاب هذه الدعوى أن انخراط المواطنين جميعًا في حكم قومى علماني أفضل، يستوى فيه أهل الأديان جميعًا، فالدين لله والوطن للجميع([156])

وهذه دعوى فيها كثير من المغالطة، وتتعارض مع مبدأ الحرية، وتقفز فوق المنطق والتاريخ

فإذا كان منطق الدعوى حماية حرية الأقليات، فماذا عن حرية الأكثريات؟

إن أصحاب هذه الدعوى ليس لهم منطق من الأساس لقد ضحوا بحرية الأكثرية بدعوى حماية حرية الأقلية، فحرية الأكثرية أمر ليس بوارد في حسابهم، ولا يعنيهم في كثير أو قليل.

إن منطق الأشياء ومبدأ الحرية، بل ومفهوم الديمقراطية التي يؤمنون بها ويدعون إليها يوجب هذا كله انصياع الأقلية لحكم الأكثرية، وليس هناك نظام في الدنيا يجمع عليه كل الناس (فالناس خلقوا متفاوتين مختلفين، وإنما بحسب نظام ما أن ينال قبول الأكثرية ورضاهم بشرط ألا يحيف على الأقلين ويظلمهم ويعتدي على حرماتهم. , ولو لم تفعل الأقلية الدينية ذلك ــ أي الانصياع لحكم الأكثرية ــ وتمسكت بأن تنبذ الأكثرية ما تعتقده دينا يعاقب الله على تركه بالنار، لكان معنى هذا أن تفرض الأقلية ديكتاتورية على الأكثرية)([157])

إن الإسلام في تاريخه التزم (جانب العدالة المطلقة يوم دانت له الأرض، ولم يبق على ظهرها سلطان مرهوب، كان الإسلام يستطيع إبادة الجماعات القليلة التي رفضت أن تدين به بين المحيطين، ولو فعل هذا لكان متمشيًا مع منطق المعاملة بالمثل، ولكن الإسلام أبي عن ترفع ونزاهة، وبقيت ملل شتى في أرضه شاهد صدق على طبيعته، كان يمكن أن يعامل الآخرين معاملة يظهر فيها بين الحين والحين طابع التميز لأبنائه، والميل على غيرهم والإغضاء عن حقوقهم، لكنه لم يعرف هذه السيرة، لأن القيام لله بين الناس له أسلوب سيعرض على رب الناس العليم بذات الصدور)([158])

وقد رد على هذه الدعوى أحد الأقباط بمصر وهو الكاتب والباحث الدكتور رفيق حبيب من زاويتين. زاوية منطقية وزاوية تاريخية.

أما عن الزاوية المنطقية فيؤكد على ما سبق إذ يقول (المفروض أن وجود أغلبية تنتمي لدين ما، لا يمنع أقلية عددية تنتمي لدين آخر من الاحتكام لعقيدتها، ولا يجبرها على الالتزام بقانون مخالف لعقيدتها وعليه يصبح من المنطقي أن لا يتعارض وجود أقلية عددية تنتمي لدين غير الدين الذى تنتمي إليه الأغلبية العددية من احتكام الأغلبية لأحكام دينها).

وأما عن الزاوية التاريخية فيقول (إن الواقع التاريخي يؤكد على أن وجود الأقباط في مصر لم يمنع تطبيق الشريعة الإسلامية لقرون طويلة، والواقع يؤكد ــ أيضا ــ أن تطبيق الشريعة لم يكن ضد الأقباط، ولم يحرمهم من حقوقهم، أو من ممارسة شعائرهم أو بناء كنائسهم، وأن تطبيق الشريعة الإسلامية ظل ممتدًا عبر قرون طويلة، وفيها عاش الأقباط فترات طويلة، لم تواجههم مشاكل مؤثرة، كما عانوا من مشكلات في بعض الفترات، وكانت المشكلات التي تواجه الأقباط نتاج أوضاع اجتماعية أو سياسية، ولم تكن مجرد نتيجة لتطبيق الشريعة الإسلامية، أي لم تكن نتاج احتكام المسلمين لدينهم وشريعتهم) ([159]).

وهناك شهادة أخرى من أستاذة قبطية وهى الدكتورة فيفان فؤاد تقول: إنها لا تتخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية ولا الحكم الإسلامي، فالأقباط عاشوا أربعة عشر قرنًا مع المسلمين، وإنما يخيفني التمسك بقراءات إسلامية متشددة تجاه كل القضايا كالأقباط والمرأة. ([160])

إن منطق دعوى تعارض حرية الأقليات مع الحكم بالإسلام وتطبيق شريعته لا يستقيم، وإن (المسيحي الذى يقبل أن يحكم حكما علمانيًا لا دينيًا لا يضره أن يحكم حكمًا إسلاميًا، بل المسيحي الذى يفهم دينه ويحرص عليه حقيقة، ينبغي أن يرحب بحكم الإسلام لأنه حكم يقوم على الإيمان بالله ورسالات السماء، والجزاء في الآخرة كما يقوم على تثبيت القيم الإيمانية والمثل الأخلاقية التي دعا إليها الأنبياء جميعا ثم هو يحترم المسيح وأمه والإنجيل، وينظر إلى أهل الكتاب نظرة خاصة، فكيف يكون هذا الحكم ــ بطابعه الأخلاقي الإنساني ــ مصدر خوف أو إزعاج لصاحب دين يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر؟ على حين لا يزعجه حكم لا ديني علماني يحتقر الأديان جميعا ولا يسمح بوجودها ــ إن سمح ــ إلا في ركن ضيق من أركان الحياة)([161])

إننا نزعم أنه لا توجد أقلية في العالم تحظي بموفور الحقوق، وعظيم الصيانة والحفظ مثلما يحظي الأقباط في مصر، وحسبنا تدليلا على هذا أن منهم من صار رئيسًا لوزراء دول العالم، وهو الدكتور بطرس غالي حيث شغل منصب سكرتير عام الأمم المتحدة، كما أن الدكتور يوسف بطرس غالي كان  يتربع على عرش وزارة المالية في مصرقبل ثورة 25 يناير فى زمن الرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك ، وغيرهم كثيرون.

لقد تمتعت الأقليات الدينية بحقوقها كاملة في ظل الإسلام باعتبارهم مواطنين، متساويين في حقوق المواطنة مع الأكثرية المسلمة، حتى تجاوز الأمر في بعض الأوقات إلى ما هو أكثر من الحقوق ووصل الأمر بالأكثرية إلى المطالبة بالمساواة مع المواطنين من الأقليات.

وإن فيما سبق لحجة ودليلا على مدى تمتع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي وفي الفقه السياسي بحريتهم وحقوقهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

([1])   غير المسلمين في المجتمع الإسلامى  صـ 5. د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، الطبعة الرابعة 1425هـ ــ 2005م.

([2])   في النظام السياسي للدولة الإسلامية، صـ 246

([3])   غير المسلمين في المجتمع الإسلامى، صـ 4

([4])   الممتحنة 8، 9.

([5])   تفسير الطبري، حـ23، صـ 323.

([6])   المرجع السابق جـ 23، صـ 324.

([7])   سيرة ابن هشام جـ 2 صـ 319.

([8])   الكافرون 6، تفسير المنار جـ 6، صـ 353

([9])   تفسير المنار جـ10، صـ 105

([10])  غير المسلمين في المجتمع الإسلامى، صـ 6

([11])  العنكبوت 46.

([12])  إشارة إلى قوله تعالى ” والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ” المائدة 5 .

([13])  الروم 21، غير المسلمين في المجتمع الإسلامى، صـ 7.

([14])  آل عمران 28

([15])  النساء 144

([16])  النساء 138، 139.

([17])  المائدة 51، 52

([18])  الممتحنة 1.

([19])  الممتحنة 9.

([20])  تفسير المنار، جـ 3، صـ 229.

([21])  إسلام أون لاين، 19/4/2009.

([22])  المجادلة 22.

([23])  الممتحنة 1.

([24])  الممتحنة 8، 9.

([25])  الروم (21)

([26])  غير المسلمين في المجتمع الإسلامى صـ  73ـ- 75، وراجع ” في النظام السياسي للدولة الإسلامية “، صـ 251ـ- 253

([27])  قواعد الأحكام في مصالح الأنام، حـ2، ص 94.

([28])  في النظام السياسي للدولة الإسلامية، ص 247 ص 248.

([29])  رواه أبو داود في الخراج والإمارة والفئ  ــ باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات. ورواه البيهقي في السنن الكبرى، جـ9، ص 205 وقال في كشفا الخفا رواه أبو داود بسند حسن ” ج2، ص 261. وقال في موضع آخر: (قال في المقاصد: سنده لا بأس به ولا يضر جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة، فإنهم عدد منجبر به جهالتهم، ولذا سكت أبو داود عليه، وهو عند البيهقي في سننه من هذا الوجه، وقال عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن آبائهم(جـ1، صـ 18.

([30])  مصنف عبد الرزاق جـ6 صـ 58.

([31])  الخراج  صـ 72  ليحيى بن آدم القرشى، ت202 هـ، صححه وشرحه الشيخ أحمد محمد شاكر، مكتبة دار التراث، الطبعة الثانية. بدون تاريخ طبع.، وأخرجه البخاري في الجهاد والسير ــ باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون.

([32])  الخراج ليحي من آدم، صـ 72.

([33])  الأموال لأبي عبيد صـ 27

([34])  رواه البخاري في الجنائز ــ باب من قام بجنازة يهودي، ورواه النسائي في الجنائز ــ باب القيام لجنازة أهل الشرك .

([35])  مصنف ابن أبي شيبة جـ3، صـ 228، مصنف عبد الرزاق، جـ 6، صـ 36

([36])  مصنف ابن أبي شيبة جـ3، صـ 228.

([37])  نهج البلاغة صـ 600، وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضى من كلام الإمام على بن أبى طالب، شرح الأستاذ الإمام محمد عبده، دار البلاغة، الطبعة الأولى 1405 هـ، 1985 م.

([38])  حقوق الإنسان للشيخ محمد الغزالي، صـ 27.

([39])  المعجم الوسيط، جـ1، صـ 327 مادة ذمم

([40])  المعجم الوسيط، جـ1، صـ 327، فتح الباري، جـ12، صـ 323.

([41])  القصاص بين المسلم والكافر .. دراسة فقهية مقارنة صـ 202 د. سيف رجب قزامل. بحث من العدد التاسع من حولية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر 1412هـ-1991م

([42])  العقوبة، صـ 128

([43])  أحكام الذميين والمستأمنين، صـ 55

([44])  غير المسلمين في المجتمع الإسلامى، صـ 7

([45])  أحكام الذميين والمستأمنين، صـ 55

([46])  غير المسلمين في المجتمع الإسلامى صـ 7

([47])  بدائع الصنائع، جـ 7، صـ 180

([48])  غير المسلمين في المجتمع الإسلامى، صـ 8

([49])  أون إسلام 24/11/2010 م

([50])  الأقباط والصعود السياسي للإخوان، صـ 79

([51])  الأقباط والصعود السياسي للإخوان، صـ 120

([52])  راجع تفصيل المسألة في فقه الزكاة، جـ1، صـ 98ــ104 وانظر الأقباط والصعود السياسي للإخوان، صـ 119 وراجع في أنفة نصاري بني تغلب من لفظ الجزية ومصالحة عمر لهم على أنها صدقة  كتاب الخراج لأبى يوسف صـ 129 ، 130 ،  والأموال لأبي عبيد، صـ 20.

([53])  بدائع الصنائع، حـ7، صـ 180

([54])  شرح السير الكبير جـ 1 صـ 133 الفقرة (129)، جـ4 ، صـ 1530 الفقرة 3005 ، لمحمد بن الحسن الشيبانى ، إملاء محمد بن أحمد السرخسى ، تحقيق د.صلاح الدين المنجد مطبعةشركة الإعلانات الشرفية 1971 م .

([55])  سيرة ابن هشام حـ2صـ 319، 92 الروض الأنف للسهيلي، حـ2، صـ 322، عيون الأثر لابن سيد الناس جـ1 صـ 261، الأموال لأبى عبيد صـ 91، 92، السيرة النبوية لابن كثير جـ 2صـ 322 سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد جـ 3، صـ 382 للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت 942 هـ، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ على محمد معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1414 هـ ــ 1913 م. وانظر في النظام السياسي للدولة الإسلامية، صـ 253، 254.

([56])  في النظام السياسي للدولة الإسلامية، صـ 254

([57])  موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، جـ3، صـ 287

([58])  في النظام السياسي للدولة الإسلامية، صـ 255

([59])  راجع في هذه الحقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامى، صـ 9 وما بعدها، في النظام السياسي للدولة الإسلامية صـ 261، وأحكام الذميين والمستأمنين، صـ 75.

([60])  في النظام السياسي للدولة الإسلامية صـ 262.

([61])  الأحكام السلطانية صـ 185.

([62])  غير المسلمين في المجتمع الإسلامي صـ 45.

([63])  في النظام السياسي للدولة الإسلامية صـ 262.

([64])  البقرة 256

([65])  يونس 99

([66])  ملامح المجتمع المسلم صـ 118، والآية فى سورة البقرة 256.

([67])  النحل 125.

([68])  في النظام السياسي للدولة الإسلامية صـ 214.

([69])  الآيتان فى سورة الغاشية 21، 22. ،السياسة الشرعية للشيخ عبد الوهاب خلاف صـ 42 .

([70])  حاشية رد المحتار ح3 صـ 174.

([71])  رسالة “دستورنا” للأستاذ حسن الهضيبي صـ 10 ، للأستاذ/ حسن الهضيبي، الناشر مكتبة المنار بالكويت، العدد 15 من سلسلة نحو وعي إسلامي رشيد

([72])  الإسراء 70.

([73])  الشورى 48 .

([74])  والآية فى سورة النور 54، وراجع في هذا المعنى مقدمة كتاب حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة للأستاذ عمر عبيد حسنة صـ 5..

([75])  مقاصد الشريعة الإسلامية صـ 130.

([76])  الأموال لأبي عبيد صـ 23.

([77])  السياسة الشرعية صـ 42. والحديث رواه النسائي فى سننه فى تحريم الدم عن أنس بن مالك أن رسول الله ☺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وصححه الألبانى فى صحيح سنن النسائى جـ9 صـ 39.

([78])  السياسة الشرعية صـ 42.

([79])  الأموال لأبي عبيد صـ 86 ، والأسقف هو رئيس النصارى فى الدين والجمع أساقفة ، والواقه هو الطائع ، والوَقه هو الطاعة مقلوب عن القاه ، ومثل الوقه والقاه الوجه والجاه فى القلب  ، والراهب هو المتبتل المنقطع للعبادة التارك للنساء . لسان العرب جـ 9 صـ 155 ، جـ 13 صـ 561 .

([80])  سيرة ابن هشام جـ 2 صـ 377.

([81])  إعلام الموقعين جـ 3 صـ 42.

([82])  الأموال لأبي عبيد صـ 92.

([83])  الأموال صـ 93.

([84])  الأموال صـ 94، والآية من سورة الحج 40.

([85])  العلاقات الدولية في الإسلام صـ 30.

([86])  أحكام الذميين والمستأميين صـ 84، ومراجعه.

([87])  أحكام الذميين والمستأميين صـ 84.

([88])  الأقباط والصعود السياسي للإخوان صـ 63.

([89])  صحيفة المصريون الإلكترونية بتاريخ 23/6/2010.

([90])  الأقباط والصعود السياسي للإخوان، صـ 34.

([91])  السياسة الشرعية د. إبراهيم عبد الرحيم، صـ 931

([92])  الأحكام السلطانية للماوردي، صـ 182.

([93])  في النظام السياسي للدولة الإسلامية، صـ 257.

([94])  الماوردي الأحكام السلطانية، صـ 184، أحكام أهل الذمة، جـ 1، صـ 48، أحكام الذميين والمستأمنين، صـ 116ــ119، نيل الأوطار،                    جـ8، صـ 381، بدائع الصنائع، جـ 7، صـ 180

([95])  الخراج ليحيى بن آدم، صـ 71

([96])  الأموال، صـ 23

([97])  الأحكام السلطانية، صـ 84، أحكام الذميين والمستأمنين صـ 123.

([98])  الأموال، صـ 250

([99])  موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، جـ3، صـ 296

([100])موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، جـ 3، صـ 296

([101])تفسير المنار صـ 4 صـ 69، أحكام الذميين والمستأمنين صـ 69، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي صـ 23، في النظام السياسي للدولة الإسلامية صـ 261، 262.

([102])غير المسلمين في المجتمع الإسلامي صـ 24.

([103])أحكام الذميين والمستأمنين صـ 68.

([104])أحكام الذميين والمستأمنين صـ 62.

([105])الإسلام وأوضاعنا السياسية صـ 84، 85.

([106])النظريات السياسية الإسلامية صـ 190.

([107])فتاوي معاصرة جـ 4، صـ 833.

([108])المقدمة صـ 202.

([109])فتاوي معاصرة جـ 4 صـ 833.

([110])المقدمة صـ 202

([111])فتاوى معاصرة جـ4 صـ 833

([112])آل عمران 28

([113])الإسلام وأوضاعنا السياسية صـ 135

([114])     التوبة 71

([115])الملل والنحل جـ  4 صـ166 ، والآية من سورة النساء رقم 141 .

([116])أصول الدعوة صـ 213

([117])النساء 59.

([118])أصول الدعوة صـ 213

([119])تفسير الطبري جـ 8 صـ 497، 501.

([120])إعلام الموقعين جـ 1 صـ 26

([121])النظريات السياسية صـ 190

([122])الأحزاب 36

([123])المائدة 44

([124])المائدة 45

([125])المائدة 47، فتاوي معاصرة جـ 4، صـ 832

([126])جريدة ” المصريون ” الإلكتروينة بتاريخ 2/4/2010م ، ولسنا فى ذلك بدعا من الناس فكثير من الدساتير العالمية نصت عل ديانة الدولة ودين رئيسها وفقا لفكرة الأغلبية العددية، فالدستور اليوناني ينص في المادة الأولي: أن المذهب الرسمي للأمة اليونانية هو مذهب الكنيسة الأرثوذكسية الشرقي، ونصت المادة 47: إن كل من يعتلي عرش اليونان يجب أن يكون من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ، والدستور الدانمركي ينص في المادة الأولي للبند رقم 5 علي أن الملك ينبغي أن يكون من أتباع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، وفي البند رقم3 من المادة الأولي أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الكنيسة الأم المعترف بها في الدانمارك ، وفي الدستور الإسباني تنص المادة السابعة علي أنه يجب أن يكون رئيس الدولة من رعايا الكنيسة الكاثوليكية، وفي المادة السادسة: أن علي الدولة رسميا حماية اعتناق وممارسة شعائر المذهب الكاثوليكي باعتباره المذهب الرسمي لها، و في الدستور السويدي تنص المادة الرابعة علي انه يجب أن يكون الملك من أتباع المذهب الإنجيلي الخالص، كما ينص علي ذلك بالنسبة لأعضاء المجلس الوطني وهو البرلمان ، وبالنسبة لإنجلترا فلا يوجد دستور مكتوب، وإنما هو دستور عرفي متوارث، والأحكام القضائية أو ما يسمي بسوابق الأحكام القضائية تلعب دورا هاما في هذا الدستور، والمادة الثالثة من قانون التسوية تؤكد في نصها أن كل شخص يتولي الملك يجب أن يكون من رعايا كنيسة إنجلترا، ولا يسمح بتاتا لغير المسيحيين ولا لغير البروتستانتيين بأن يكونوا أعضاء في مجلس اللوردات، وفي أمريكا اللاتينية، وتحديدا في الأرجنتين الكاثوليكية، ينص الدستور في القسم الثاني علي أن الحكومة الاتحادية تدعم الديانة الرومانية الكاثوليكية ، وفي دولة السلفادور ينص الدستور الصادر سنة 1983م، والمعدل سنة 2003م في المادة (26) علي أن الشخصية القضائية/ القانونية للكنيسة الكاثوليكية موضع اعتراف، ويجوز للكنائس الأخرى الحصول علي اعتراف بشخصيتهم بما يتوافق مع القانون ، وفي كوستاريكا تنص المادة (75) من الدستور علي أن الكاثوليكية الرومانية الرسولية هي دين الدولة، وهي تساهم في الحفاظ علي الدولة دون أن يمنع هذا من حرية ممارسة شعائر أي أديان أخري في الجمهورية، طالما أن هذه الديانات لا تتعارض مع الأخلاق المتعارف عليها أو العادات الحميدة . جريدة الوفد 15/3/2011 ..

([127])موقع شبكة الإعلام العربية ” محيط” بتاريخ 9/6/2010م

([128])موقع جريدة ” المصريون ” الإلكترونية بتاريخ 15/11/2010م ، والأقباط الثلاثة هم : ممدوح نخلة عن حزب العدالة الاجتماعية ، وممدوح رمزي نائب رئيس الحزب الدستوري الاجتماعي الحر، وعادل فخري رئيس حزب الاستقامة تحت التأسيس.

 

([129])الفقه الإسلامى فى طريق التجديد صـ 76 د محمد سليم العوا سفير الدولية للنشر الطبعة الثالثة 1427ه 2006م

([130])منهاج الإسلام في الحكم صـ 83 نقله إلى العربية منصور محمد ماضي ، نقلًا عن الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة صـ 237 لعبد الله بن عمر ابن سليمان الدميجي. رسالة ماجستير نوقشت بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ــ كلية الشريعة والدراسات الإسلامية.

([131])موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر ص 2، ص 289. أحكام الذميين والمستأمنين صـ 69، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي صـ 24

([132])الأحكام السلطانية صـ 36، والأحكام السلطانية لأبي العلي صـ 32

([133])الأحكام السلطانية للماوردي صـ 34، ولأبي لعلي صـ 31.

([134])أحكام الذميين والمستأمنين صـ 69 وقد نسبه للدكتور محمد ضياء الدين الريس في النظريات السياسية.

([135]) آل عمران 118.

([136])تفسير الطبري جـ 7 صـ 146.

([137])تفسير المنار جـ 4 صـ 67.

([138])المرجع السابق جــ 4 صـ 67، 68

([139])أحكام الذميين والمستأمنين صـ 69.

([140])تفسير المنار جــ 4 صـ 68.

([141])فتح الباري جـ 5 صـ 395 ، و راجع زاد المعاد جـ 4 صـ 202، وكذا صـ 312.

([142])أحكام الذميين صـ 69.

([143])زاد المعاد صـ 2 صـ 127.

([144])تفسير المنار صـ 4 صـ 69.

([145])غير المسلمين في المجتمع الإسلامي صـ 24.

([146])تفسير المنار صـ 4 صـ 69.

([147])أحكام الذميين والمستأمنين صـ 71.

([148])الفقه الإسلامي في طريق التجديد صـ 77.

([149])الفقه الإسلامي في طريق التجديد صـ 77.

([150])من فقه الدولة في الإسلام صـ 195.

([151])الممتحنة 8.

([152])من فقه الدولة في الإسلام صـ 195.

([153])الحقوق والحريات السياسية في الشريعة الإسلامية صـ 164 ،  وأحكام الذميين والمستأمنين صـ 72.

([154])إعلان دستوري إسلامي صـ 15.

([155])موقع إخوان أون لابن على الإنترنت بتاريخ 19/4/2009.

([156])الأقليات الدينية والحل الإسلامي، صـ 10للشيخ يوسف القرضاوى ، مكتبة وهبة ، الطبعة الأولى 1417 هـ 1996 م ،والأقباط والصعود السياسي للإخوان صــ 11 .

([157])الأقليات الدينية والحل الإسلامي، صـ 11 .، وكانت هذه الأعداد منذ زمن بعيد، وقد تغيرت هذه الأعداد اليوم إذ يقدرها مركز ” بيو ” الأمريكي بـ 4.5 مليون للأقلية في ضوء تعداد سكان مصر البالغ  83 مليونًا . راجع صحيفة ” المصريون ” الإلكترونية بتاريخ 11/10/2009.

([158])حقوق الإنسان للغزالي، صـ 30.

([159])الأقباط والصعود السياسي للأخوان، صـ 11، 12

([160])الأقباط والصعود السياسي للإخوان، صـ 71.

([161])الأقليات الدينية والحل الإسلامى صـ 11.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*