السبت , 16 ديسمبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » أئمة و دعاة » زاد الخطيب » دروس » فرح الله بالتائب
فرح الله بالتائب
فرح الله بالتائب

فرح الله بالتائب

د/ ابراهيم عبد الرحمن
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
أيهاالأخ الكريم … سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
يقول الشاعر:
إذا أُخبرت عن رجل برىء مـن الآفات ظاهره صحيحُ
فسلهم عنه هل هو آدمى ؟ فإن قـالوا نعم فالقـول ريحُ
ومن إنعام خالقنا علينا بأن ذنـوبنـا ليسـت تفــوح
فلو فاحت لأصبحنا هروباً فرادى فى الفلا لا نستريـحُ
أيها الاخ الكريم لا شك أننا كلَّنا ذوو أخطاءٍ وذنوب .. ولكن هناك فرق بين مذنب ومذنب. مذنبٍ تلهب المعصية نفسه وتَقَضُّ عليه مضجعَه فلا يقر له قرار. ومذنبٍ لا يبالى بأى وادٍ من أودية الذنوب هلك …
حول هذا المعنى يحدثنا النبى صلى الله عليه وسلم .. فقد روى البخارى ومسلم (4) من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: “إن المؤمن يرى ذنوبه، كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه. فقال بيده هكذا. ثم قال : للهُ أفرحُ بتوبة عبده، من رجلٍ نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلتهُ، عليها طعامه وشرابُه، فوضع رأسه، فنام نومة فاستيقظ، وقد ذهبت راحلتُه. حتى اشتد عليه الحرُّ والعطشُ أو ما شاءَ اللهُ. قال: أرجع إلى مكانى. فرجع. فنام نومة. ثم رفع رأسه. فإذا راحلته عنده“.
نحن أمام مثَل من أمثلة الأدب النبوى العالى. تقوم فكرته على المقارنة بين خوف المؤمن من ذنوبه وإن قلَّتْ، واستهانة الفاجر بذنوبه وإن كَثُرت،
ثم دعوة صادقة لكل من تلبّس بالذنب أن يسارع بالدخول فى باب التوبة إلى الله الذى يفرح بعودة التائب إلى رحابه.
يقوم الحديث على ثلاثة مشاهد لبيان الفكرة المشار إليها سلفاً.
المشهد الأول: يصور لنا المؤمن تتوالى على وجدانه أحداثُ الماضى المُذنب وتتساقطُ على حسِّه وفى رُوعه مقامعُ العقاب فى الآخرة، فتأخذهُ رِعداتُ الخوفِ المُفزع والوجلُ من هذا الخطر الذى هو حقيقةُ لا انفلات منها. يصوره لنا برجل قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه. وتأمل معى أيها المستمع الكريم لفظة (الجبل) وما توحى به من ضخامة وصلابة وجهامة، وقسوة واستطالة، وهى معانٍ مستقرة فى أذهان المخاطبين فى صحراء العرب بشكل خاص ثم فى كل ذهن إلى يوم القيامة بشكل عام وتخيل قعقعة الصخور المتهاوية المتدافعةِ من علٍ، وانتقاضَ الجبل فوق رأس المسكين تدكُّها مع الأرض دكَّا ..هكذا يصور لنا النبى صلى الله عليه وسلم مدى أثر الذنب فى القلب المؤمن، واستشعاره خوفَ الله فى شديد عقابه، لتكون الرغبةُ فى التوبة من هذه الذنوب واللهفةُ عليها، كلهفة ذلك المكروب تحت الجبل إلى النجاة.
والمشهد الثانى: يصور لنا استهانة الفاجر بالذنب، وفقدانه معاتبة الضمير، لبلادة حسِّه، فقد اعتاد الإثم وارتكس فى حمأة الذنب، فلا يجد حرجاً، ولا وخزاً من ضمير يوقظ فيه ما يرده إلى حميّة الإيمان ..
والنبى صلى الله عليه وسلم يصور الذنوب فى غثاثتها وكراهية النفس السليمة لها، وذلك الفاجر يواقعها فى غير مبالاة .. بالذباب الذى يَطنُّ فوق أنف فاسدة الذوق، ويمضى عنها ليعود إليها فلا تلتفت ولا تنتبه وغاية ما يمكن أن يفعله ذلك الفاجر أن يشير بيده ليطرد الذباب، ثم لا يلبث أن يمل .. وهذا غاية بلادة الشعور الذى لا يوجد له مثيل إلا فى قطعان الخنازير وسِفلة المخلوقات.
وإنها لصورة تصنع جواً كريهاً ومنفّراً من مقارفة الذنوب أو مقاربتها.
ويأتى المشهد الثالث: فى عبارةٍ أطول من سابقيْه، توضح فرح الله تعالى بتوبة عبده العاصى ..
إنه مشهدُ رجلٍ نزل منزلاً موحشاً، وليس معه من وسائل الحياة إلا دابته عليها طعامه وشرابه، فهى إذاً كل ما يربطه بالحياة ويهبُه الأمل فى قطع هذا المكان الموحش، ثم نزل الرجل يقيل لحظاتٍ بعد أن هدَّه الرحيلُ، وعناءُ السفر، فنام نومة ثم استيقظ على الفزع الذى هز كيانه، لقد فقد راحلته، فانطلق المسكين مروَّعًا يعدو فى كل اتجاه على غير هدى، بحثاً عن راحلته الضائعة، حتى كلّت قدماه، وأنهكه التعب، وبلغ به الحر والعطش مبلغاً، فجرجر أقدامه إلى المكان الذى كان ينام فيه، فنام نومة مكسورة الوجدان محترقة الأنفاس وهو فى انتظار الموت، ثم تقلب ورفع رأسه فإذا راحلتُه عنده .. كم يكون فرح ذلك الرجل براحلته .. يُبين لنا النبى صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة العبد العاصى من ذلك الرجل براحلته الذى أخطأ من شدة فرحه فقال (اللهم أنت عبدى وأنا ربك) ..
إنها إذاً دعوة إلى رحاب الله الكريم تفيض بالحب والحنان لكل مذنب خطّاء يعلم أن له رباً يغفر الذنوب ولا يبالى، وأن باب توبته مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها ..
فلنسارع أيها الإخوة الكرام بالتوبة إلى الله تعالى الذى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل وينادى الشاردين التائهين “ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم” [الزمر آية 53].

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*