السبت , 21 أكتوبر 2017
جديد الموقع
الرئيسية » علوم شرعية » الحديث » فضل المعافاة
فضل المعافاة
فضل المعافاة

فضل المعافاة

أ.د. خالد فهمى
عن أبى بكر رضى الله عنه قال :قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا عام أول ،فبأبى وأمى هو ، ثم خنقته العبرة ، ثم عاد فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول يقول : سلوا الله العفو ،والعافية ،والمعافاة، فإنه ما أوتى عبد بعد يقين خيرا من معافاة ” وهو حديث صحيح أخرجه النسائى فى عمل اليوم والليلة ، باب مسألة المعافاة ص 382 رقم 881.
هذا حديث من أحاديث هذا الزمان الذى نعيشه ،ولا سيما بعد تنامى أجواء الأذى والإيذاء بين الناس ،مما تسميه اللغة باسم الفتنة.
والحديث يدخل بنا من باب التذكر ، فيعين على استحضار الزمان المشبه فى بعض أمره لأحداث الزمان الحاضر ؛ وهو ما يظهر من كلام أبى بكر الذى ورد على سبيل التهيئة بين حديث النبى صلى الله عليه وسلم ،وأن مقام سنته وشريعته صلى الله عليه وسلم مانع من الفتنة اليوم إن التزم الناس طاعته والتأسى به ؛ لأن فى ذلك نجاة القوم من الفتنة والمنحة جميعا.
والحديث يرسى فى الأمة قانونا جامعا ساعة يقرر أن طلب القضاء على الفتنة كامن فى الإقبال على الله تعالى ،وسؤاله ،والسؤال هنا عمل فى سبيل طلب القضاء على الفتنة ،والسؤال هنا أيضا دعاء لله تعالى بأن يوفق العاملين فى هذه السبيل.
والحديث أنموذج بديع لما يعرف عن سمت كلام النبى صلى الله عليه وسلم بأنه من جوامع الكلم ،وهو يظهر فى تعليمه هذا الدعاء الجامع لكل الخير وهو ساعة يفعل يستعين على ذلك بعدد من الإجراءات البلاغية من جهة علومها جميعا.
الحديث ينزل طلب الخروج من الفتنة بأمر واجب بالعمل والدعاء جميعا وهو ما يفهم من استعمال الفعل الأمر:”سلوا”ومن استعمال ثلاث كلمات متدرجة من طلب نجاة النفس لا روحا وبدنا وصولا إلى نجاة الأمة من تبادل إيقاع الأذى بين أبنائها جميعا، يقول ابن الأثير فى تعقيبه على لغة الحديث ) النهاية 3/265) :حيث قال: ” فالعفو :محو الذنوب ،والعافية :(السلامة) من الأسقام والبلايا ،وهى الصحة وضد المرض، …والمعافاة:..(هى غنى كل فريق عن غيره وصرف أذى كل فريق عن غيره)”
وقد تدرج الحديث فاستعمل أربع كلمات من جذر واحد ،متدرجة الطول ،وهو حقق بهذا التكرار نوع اطمئنان ،بسبب توالى الاستماع إلى مادة العفو التى تورث فى النفس أمنا وارتياحا ،وهو بعض الآثار التى يسكبها الجناس فى النفس والوجدان وفى طلب الثلاثة كناية عن طلب السلامة جميعا ،فى النفس والبدن والمجتمع.
و فى الحديث استعمال يرشح لهذا الذى أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلة التعليل فى قوله عليه السلام :فإنه ما أوتى عبد بعد يقين خيرا من معافاة” ،وكأنه إجابة على سؤال مضمر يقول فيه السائل : ولم كل هذا الذى تأمرنا به يا رسول الله ؟ فيأتيه الجواب فيما رأيت من هذه القطعة من الحديث .
و الحذف هنا محقق لمعنى الإشفاق على المستعين ، تسريعا لتحقيق الرحمة بهم ببيان علة تعليمهم طلب العفو والعافية و المعافاة.
و الحذف فى هذا الجزء من الحديث فى استعمال البناء للمجهول محقق لدلالات العلم بالفاعل سبحانه الذى سبق ذكره ،ومحقق لمقام الإسراع ببيان العلة الحاملة على ما أمر به صلى الله عليه وسلم جماعة المؤمنين.
والحديث بديع فى عمومه و استغراقه طلب الخير بأنواعه ،وهو بعض ما يمنحه الإطناب المصنوع من الوصل والعطف بالواو ،ومن التنكير فى(عبد) و(يقين) و(خيرا) و(معافاة) فى سياق النفى ،وقد استقر أن التنكير فى سياق النفى دال العموم ، وهو أمر باعث على الاطمئنان ،باعث الأمل، وباعث التحبيب فى طلب العفو ،والعمل من أجل إجلاله بين الناس.
الحديث حجة ساطعة فى أن الإسلام يسعى نحو الحياة خالية من الكدر، خالية من المنغصات خالية من الفتنة ،يأمر بالسعى لجودة الحياة ،وتحسين أجوائها جميعا وهو فى كل ذلك يطمح إلى أن يسالم الإنسان نفسه ،وأن يسالم مجتمعه.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*