الثلاثاء , 23 مايو 2017
جديد الموقع
الرئيسية » مقالات » بأقلامكم » فضل شهر شعبان
فضل شهر شعبان
فضل شهر شعبان

فضل شهر شعبان

أ‌.    عزة مختار

 

إن عبادة الصوم من أعظم العبادات يظهر فيها الإخلاص والصبر في أعلى معانيهما وقد جعل الله لكل منهما من الأجر العظيم فكيف بعبادة تجمع بينهما لذا فقد نبهنا الله عز وجل إلى أهمية تلك العبادة وعظيم الأجر عليها في مواضع كثيرة.

ففي الحديث القدسي يقول الله عز وجل ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به ” وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي ” ” فتنة الرجل في أهله وولده وماله وجاره وتكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” ” وحديثنا هنا المقصود به هو صوم النوافل”.

وكان صلى الله عليه وسلم يولي بعض الشهور أهمية خاصة فيخصها بالصيام ويكثر فيه منه ومن هذه الشهور شهر شعبان .

فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما  قال : قلت يا رسول الله :” لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان ؟  قال صلى الله عليه وسلم : ذاك شهر تغفل عنه الناس بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ” رواه النسائي.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :” كان رسول الله يصوم ولا يفطر حتى نقول : ما في نفس رسول الله أن يفطر العام ، ثم يفطر فلا يصوم حتى نقول ما في نفس رسول الله أن يصوم العام ، وكان أحب الصوم إليه في شعبان ” رواه الإمام أحمد.

وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :” كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول  لا يصوم وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان

فشهر شعبان شهر يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام لا يحب إلا طيباً فهو إذن شهر طيب مبارك وفيه استعداد للشهر الكريم بتكريم النفس وتهذيبها وتأديبها وتربيتها للاستعداد للشهر الكريم شهر رمضان حتى نستقبله ونحن له متأهبون بأرواح وقلوب طاهرة ونفوس عالية والعبادة فيه دعوة للطاعة والحب لرسول الله بأن نفعل ما كان يفعل وأن نحب ما كان يحب ولن يستقيم لنا إيمان إلا إذا كنا كما قال لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم ” لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ” فهو شهر عرض الأعمال 

فهو الشهر الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله تبارك وتعالى كما أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد السابق ذكره ويختمه بقوله عليه الصلاة والسلام ” وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ” .

إذن فإن شهر شعبان هو ختام العام بالنسبة لأعمالنا  فكيف نحب أن نختمه وكيف نحب أن يكون حالنا حين يفتح الله عز وجل الصحائف لينظر ما فيها فإذا كان الإنسان صائماً لربه ألا يكون ذلك أدعى أن يتفضل الله تبارك وتعالى عليه بالمغفرة وأن يتجاوز عن ذنوبه ؟ أم يكون في حالة معصية فتضيع معها الطاعات التي قد يكون فعلها طوال عام مضى ؟ إذن فليتخير الإنسان أي نهاية يحب أن يكون عليها ويخير كيف يحب أن يكون حين يطلع الله عز وجل على صحيفة أعمال العام بأكمله؟

بين يدي من تقف ؟

وهذا الحديث النبوي ينبهنا إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه في شهر شعبان  ومن أكثر من المصطفى يدرك كيف يجب أن يكون الحال مع الله في هذا الشهر ـ أي حين تعرض الأعمال ـ فهو الصائم الحيي الذي يستحي أن يطلع الله عز وجل على صحيفة أعماله إلا وهو صائم .

فكيف إذن يجب أن يكون حالنا نحن ؟ ألا يكون الأولى بنا  ونحن أصحاب الذنوب والتقصير في جنب الله أن نتمسك بهذه الطاعة في ذلك الوقت ؟

فكم من نعم نسينا أن نشكر الله عليها أو لم نشكره عليها حق شكرها ، وكم من نظرات خلسة قد تلصصت على الآخرين وكم من عبارات استمعت إليها أغضبت رب العالمين وكم من خطوات سرتها في غير طريقه وكم من صلوات فجر أخرتها عن موعدها وكم من وضوء لم تتمه وكم من واجبات قد قصرت في تأديتها وكم من مسلم ظلم ولم تساعد في رد مظلمته, وكم من كلمة حق كان يجب أن تقولها وخرس لسانك عنها, وكم من دم بريء أريق في بلاد المسلمين ولم تعلم به وكم من الأوقات مرت ولم تقضيها في ذكر الله, وكم من صوت رفعته ولم يكن للمناداة بنصرة شرع الله وكم من وقت بخلت به فلم تسير فيه لقضاء حوائج من بيدك قضاء حوائجهم, وقد قال بعض السلف ” أما أن تصلي صلاة تليق بالله جل جلاله أو أن تتخذ إلهاً تليق به صلاتك ” وبعد كل هذه العيوب والذنوب والتقصير ألا يجب أن نكون على طاعة يحبها الله ورسوله أثناء إطلاعه عز وجل على تلك الأعمال ؟ لقد فعلها رسول الله وعرف بين يدي من يقف ونحن أصحاب الذنوب أولى بذلك.

سنة نبوية ومغفرة للذنوب

فشهر شعبان بذلك هو سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ” ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان “فهو هدية من الله تعالى لعباده المؤمنين والمقصرين المذنبين كي يتوبوا ويعودوا إليه بتلك الأيام المباركة, ففيه ليلة عظيمة  هي ليلة النصف من شعبان ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم عنها ” يطلع الله تبارك وتعالي إلي خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ” فهي فرصة للتصالح وفرصة لمحو الأحقاد والأضغان من القلوب تجاه أحبابنا وإخواننا  كي يغفر الله عز وجل لنا مع من غفر لهم .

والصيام في هذا الشهر الكريم  هو نافلة من أحب النوافل إلى الله ورسوله فيكون فاعلها ممن وعدهم الله بالوعد العظيم لأنه في هذه الحالة من أولياء الله ففي الحديث القدسي إن الله تعالى قال :” من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه“, ولأنه مقدمة لرمضان شهر الخير العظيم فيمكن أن نكثر فيه إلى جانب الصيام من قراءة القران وإخراج الصدقات والإكثار من عمل الخيرات.  

قال أبو بكر البلخي شهر رجب شهر الزرع وشهر شعبان شهر السقي وشهر رمضان شهر الحصاد فكيف يحصد من لم يزرع ولم يسق ؟

ولا تكن من الغافلين

يقول النبي صلى الله عليه وسلم ” ذلك شهر بين رجب ورمضان يغفل عنه الناس ” فالناس في كل الأزمنة قد تعهدوا شهر رجب بالعبادة حتى أنهم أحدثوا فيه البدع والخرافات وغفلوا عن شعبان والبعض الآخر لا يذكر العبادة إلا في شهر رمضان أصلاً فلا يذكر لا رجب ولا شعبان فالناس عنه في غفلة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم . فلماذا لا نهرول إلى الله في وقت غفلة الناس لم لا نهاجر إليه بذنوبنا ومعاصينا وتقصيرنا ونمرغ أنوفنا بين يديه عسى أن يقبلنا فندخل شهر رمضان ونحن متطهرون من الذنوب أم أننا نقبل أن نكون مع الغافلين ؟وممن قال الله فيهم ” وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا  وقوله عز وجل ” وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ” وقال أيضاً ” لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ” أعاذنا الله جميعاً أن نكون من أهل الغفلة ويجعلنا من أهل الله وخاصته وممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وعلى الأبواب يقف شهر رمضان وفيه تفتح أبواب الجنة ولن يصل إليه إلا من شمر واجتهد واستعد وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يستعدون لرمضان قبله بستة أشهر والعبادة في رمضان لن تؤديها قلوب صدئة أو قلوب غافلة أو أجساد اعتادت الراحة إنما تحتاج لنفوس عالية تشبعت بكتاب الله في شعبان وسواعد امتدت بالصدقة وعيون بكت من خشية الله في ليالي شهر شعبان وأرواح سمت بالصيام فيه وكما أسلفنا أنه سقيا ما زرعنا في رجب كي نحصد في رمضان ولن يستوي من فعل مع من لم يفعل, فشعبان بمثابة دورة تدريبية تأهيلية لشهر رمضان شهر الفرقان على كل المستويات .

فعلى المستوى الإيماني والتعبدي نبدأ فيه بالتوبة الصادقة إلى الله والندم عن كل ما اقترفنه والعزم الأكيد على عدم العودة للذنوب والنية الصادقة في فعل كل ما يرضي الله من طاعات  والإكثار فيه من دعاء اللهم بلغنا رمضان والإكثار من الصوم والتصدق وقراءة القرآن وصلاة الليل والناس نيام وتلبية نداءات الثلث الأخير من الليل ” نداءات الرحمن “،” ألا من تائب فأتوب عليه ألا من سائل فأعطيه ألا من مستغفر فاغفر له“, فإياك أن ينادي عليك الرحمن وأنت في غفلة عن ندائه وأنت في أشد ما تكون حاجة لتلبية النداء .

وعلى المستوى التعليمي نكثر من القراءة وسماع الأشرطة المفيدة في فقه الصيام مثلا  وسماع خطب ودروس العلماء في الاستعداد لرمضان وكيف يكون ونكثر من حضور الدروس المسجدية وإذا كنا من حفاظ كتاب الله فنجعل لنا ورداً للمراجعة  كي تساعدني في صلاة النوافل في رمضان بما حفظته من كتاب الله كي تتضاعف الحسنات.

وعلى المستوي الأسري تهيئة أهل البيت جميعاً لهذا الشهر الكريم بتوجيههم الأبناء والأزواج وتغيير شكل البيت بما يذكر الجميع بأننا في شهر شعبان البوابة الرئيسية لدخول شهر رمضان شهر الفرقان,  وحبذا لو قمنا بتوزيع المطويات والكتيبات التي تذكر بتلك الأيام المباركة على الأهل والجيران ولنجعلها كالهدية البسيطة عسى أن يجمعنا الله جميعاً في الجنة إنه ولي وعلى ذلك قدير.

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*